بسم الله الرحمن الرحيم

 الفكر الإلحادي والإغراء بالظلم

 نبيـل الكرخي

 إذا كانت الصدفة العمياء قد نجحت في خلق هذا الكون المتزن بقوانينه الطبيعية والفيزياوية العظيمة ، فلمذا إذن عجزت عن إيجاد نظام للإقتصاص من الظالم ، لماذا عجزت عن إيجاد نظام لإسترداد الحقوق ؟ أليس هذا تساؤلاً مشروعاً ؟

فنحن المسلمون نعلم أن العدالة المطلقة سوف تتحقق يوم القيامة ، وأن كل الحقوق المسلوبة سوف تعود والقصاص العادل سوف يتحقق ، وفق نظام وضعه الله سبحانه ، وحينئذٍ لن يبقى مظلوم إلا ويسترد إستحقاقه من ظالمه ، ولن يبقى حق مفقود إلا ويرجع إلى صاحبه.

ولكن لو نظرنا إلى الأمر من زاوية تفكير الملحدين سنجد أن هناك تناقضاً كبيراً ، تناقض من حيث الإدعاء بأن هذا الكون العجيب في صنعه والدقيق في قوانينه في كافة مجالات الحياة إبتداءاً من الكون الفسيح والقوانين الدقيقة التي تحكم الكواكب والنجوم والمجرات والنيازك ، ومروراً بالإنسان وتكوينه الدقيق والنظام الذي يحكم الطبيعة بما يحتويه من نباتات وحيوانات برية ومائية وطائرة ، والتوازن المذهل فيها ، كل هذا يدعي الملحدون أنه نشأ صدفة !!! وفي المقابل نجد أن هذه الصدفة نفسها عجزت عن تحقيق وإيجاد نظام لفرض العدالة بين الكائنات او بين بني البشر على أقل تقدير كما فرضت التوازنات الطبيعية والفيزيائية وكما فرضت التفاعلات الكيميائية الدقيقة ! أليس هناك تناقضاً ؟! فلماذا يا ترى عجزت الصدفة العمياء عن فرض نظامٍ عادلٍ بين البشر يعطي لكل ذي حقٍ حقه وقد فرضت نظاما دقيقا بين الكواكب والمجرات بقوانين دقيقة ؟!

أليس في عجز الصدفة عن إيجاد مثل هذا النظام العادل فيه إغراء للإنسان في أن يستبد ويلجأ لمنطق القوة والعنف في التعدي على حقوق الآخرين وسلبها ونشر الدمار والهلع في كل مكان والإفساد في الأرض بدون أن يكون هناك أي تأنيب ضمير لأنه ووفقاً لتفكير الملحدين فليست هناك حياة آخرة ولن يكون هناك عقاب على فعل الشر في الدنيا في حياة أخرى.

إذن ما هو الرادع عن الظلم وهل تكفي القوانين الوضعية وحدها في ردع الظالم عن ظلمه ؟ يبدو أنَّ القوانين المذكورة لا تكفي في ردع الظلم في جميع أحوال المسيرة الإنسانية ، فهناك المئات بل الآلاف من الظالمين الذن نجحوا في الإفلات في الدنيا من عشرات الجرائم التي ارتكبوها ، ووفقاً للنظرية الإلحادية في إنكار الحياة الآخرة فلن يتمكن المظلوم من الإقتصاص من ظالمه ، فما هو الحل إذن في علاج هذا التناقض ؟ وأعني به التناقض في قدرة الصدفة العمياء في خلق الكون وفق موازين دقيقة وعجزها عن خلق قانون واحد يضمن الحقوق بين البشر.

 فمن المؤسف أننا لم نسمع أن هناك تهماً سوف توجّه للمجرم صدام لقتله السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) بسبب عدم العثور على الأدلة الثبوتية التي تدينه في إرتكابه هذه الجريمة ! وكذلك هو حال العلماء من آل الحكيم وبقية العراقيين المظلومين ، فكيف إذن سوف يتم القصاص منه ؟ هل يعني ذلك وفقاً لنظرية الملحدين المتناقضة ان صدام المجرم وغيره من الظالمين يمكن أن ينجوا من العقاب بسبب عدم وجود أدلة ضدهم أو بسبب إمتلاكهم القوة والصولجان فيصبحون بذلك بعيدين عن المحاسبة ؟! أليس في  ذلك إغراءاً للآخرين ليسيروا بسيرتهم الظالمة ؟ فما المانع من الظلم إذا كانت هناك إمكانية للإفلات من العقاب بإستخدام السلطة أو المال !

 أما نحن المسلمون فنعلم جيداً أن الصدفة العمياء هي أعجز من أن توجد نفسها فضلاً عن أن توجد هذا الكون العجيب ، ونعلم جيداً أنَّ لهذا العالم المدهش خالقاً موجداً له هو الله سبحانه ، وهو عزَّ وجلّ بحكمته البالغة قد جعل هناك حياةً أخرى يتم فيها الإقتصاص من الظالمين وإعادة لكل ذي حقٍ حقه.

 ولو أردنا عمل موازنة بين النتائج الدنيوية للإيمان بوجود الاخرة ونتائج عدم الإيمان بها ، لوجدنا أن نتيجة عدم الإيمان واضحة في إنها تمثل إغراءاً لإقتراف الجرائم من قتل ودمار ، بينما الإيمان بالاخرة يمنع هذا.

وقد يتم الإعتراض على نتيجة هذه الموازنة بأن التكفيريين يستغلون فكرة الآخرة ودخول الجنة من أجل إغراء البعض بإقتراف العمليات الإنتحارية ، وهذه تمثل من وجهة نظرهم نتيجة سيئة للإيمان بالجنة ونعيمها ! ولكن هذا الإعتراض مردود من جهات عديدة أهمها :

ـ ليس الإيمان بالآخرة ودخول الجنة هو السبب في إيجاد فكرة اللجوء للعمليات الإنتحارية بل الشعور بالظلم هو الذي يدفع الإنسان لقتل نفسه وقتل عدوه معاً حينما يجد أن الطرق الأخرى لم تعد ممكنة أو مجدية. ودليل ذلك أن اليابانيين في الحرب العالمية الثانية كانوا قد لجأوا بصورة واضحة للعمليات الإنتحارية ضد القوات الأمريكية مع أنهم لا يؤمنون بالجنة ونعيمها.

ـ إنّ فكرة الحصول على الجنة بعد إقتراف العملية الإنتحارية التي يروّج لها التكفيريون لا تعني أن سبب العملية الإنتحارية هو الإيمان بالآخرة ، بل أنهم يجعلون من فكرة دخول الجنة حافزاً لإقناع الشخص بأن إقترافه للعمل الإنتحاري هو أمر مشروع ودليل مشروعيته هو دخول الجنة التي لا يحصل عليها إلا الصالحون. فالسبب الحقيقي للإقدام على العمل الإنتحاري هو الشعور بالظلم.

ـ ليس كل عمل إنتحاري يستهدف أعداء الإسلام هو عمل مرفوض. ونحن نرفض التعدي على الأبرياء بدون وجه حق لا سيما من المدنيين الأبرياء.

 وفي المقابل نجد أنَّ عدم الإيمان باليوم الآخر يشكل دافعاً قوياً للظلم والقتل والدمار وإهلاك الحرث والنسل لمن يملك السلطة والقوة والمال.  

 إذن ، الصدفة العمياء والعدالة المفقودة هي من أبرز معالم الفكر الإلحادي ، وبين خلق الكون بالصدفة وعدم وجود حساب ولا نشور بعد الموت ، وبين عدم وجود قانون يضمن إسترداد جميع الحقوق ودفع كل المظالم في الدنيا قبل الموت ، نجد أن إنتشار الفكر الإلحادي هو من أبرز العوامل التي يمكن أن تشجع الظالمين في ظلمهم ، وقتلهم وإنزالهم الويلات والدمار بالمجتمعات الإنسانية.

 

الصفحة الرئيسية