بسم الله الرحمن الرحيم

تعقيبات متبادلة مع الدكتور كامل النجار حول نقض الفصل الأول

تعقيبه الثالث وردنا عليه

نبيـل الكرخي

قال الدكتور كامل النجار معقباً على ردي السابق :

 الحلقة الأولى

إذا تركنا الجزء الأول من تعقيب السيد الكرخي الذي يدور حول النعيم في هذه الدنيا ونزول الخير من السماء على الذين يؤمنون، وتابعنا بقية التعقيب، نجد أن السيد الكرخي يقول إن " الإيمان مبني على العقل ". وأنا كنت قد ذكرت سابقاً أن تعريف الإيمان أو العقيدة هو " الإيمان بشئ بدون أي دليل عليه ".ولكن السيد الكرخي يقول إن ذلك راجع لعدم فهمي للإسلام والمسلمين، " فالمسلمون من مدرسة أهل البيت عليهم السلام يعتمدون بشكل أساسي على العقل في إثبات التوحيد والعدل الإلهي والنبوة والإمامة والمعاد." وبهذا يكون المسلمون الشيعة هم الوحيدين في العالم الذين أثبتوا وجود الله ووحدانيته وإرساله الأنبياء وكذلك الأئمة، بالبراهين العقلية، بينما عجز فلاسفة الكلام والمعتزلة وغيرهم في ذلك، بل كانوا قد شككوا في وجود الله وفي الرسل وما إلى ذلك. والغريب أن السيد الكرخي الذي يؤمن بالعقل والمنطق، يلجأ إلى الغيبيات عندما يعجزه المنطق. فمثلاً، عندما سألته: لماذا يحفظ الله القرآن من التحريف ولا يحفظ التوراة والإنجيل، وهي كلها كتب من عنده، رد عليّ بقوله" " الجواب أن هناك مصلحة يعلمها الله سبحانه لعدم حفظه التوراة من التحريف ولا الإنجيل من الضياع ولا يفترض بنا معرفة كل المصالح التي لم يأت بها نص . " وهذا طبعاً هو نفس منطق ابن تيمية الذي لا ينتمي إلى أتباع أهل البيت، وبالتالي، حسب ما نوه به السيد الكرخي، لا يستعمل العقل في إثبات الإيمان، عندما قال: " إن نزول الله إلى السماء الدنيا حقيقة مسّلم بها والسؤال عنها بدعة. " وأرجو أن يثبت لنا السيد الكرخي الوحدانية والإمامية بالمنطق والفكر، في مقال لاحق.

التوراة وكتابتها على ألواح الطين:
أولاً: أحب أن أبيّن هنا للسيد الكرخي أني لا أدافع عن التوراة أو الإنجيل أو القرآن من حيث المحتوى، إنما غرضي أن أبيّن أن الكتب الثلاثة أتت من منبع واحد، فإذا جاز التحريف في واحد منها، جاز التحريف في الكتب الأخرى إذ أن اليهود ليسوا أقل تمسكاً بمعتقداتهم من المسلمين. فإذا كان المسلمون يعضون بالنواجذ على معتقداتهم الدينية، كذلك الحال بالنسبة لليهود والنصارى والبوذيين وغيرهم من أصحاب الديانات. ولا يجوز عقلاً أن يؤمن أناس بدين معيّن ثم يحرفونه عن عمد دون إبداء أسباب معينة جعلتهم يحرفونه. فاليهودية هي أقدم الأديان السماوية وما زال أتباعها من أكثر الناس تعصباً لها، ولم يستطع بختنصر القضاء عليها عندما هدم معابدهم وشردهم وسباهم، ولم يفلح الرومان في ذلك، وفشل هتلر في القضاء عليهم رغم أنه قتل منهم الملايين، وكان بإمكان أغلب الذين ماتوا في معتقلات هتلر تغيير دينهم والنجاة بحياتهم، لكنهم فضلوا الموت. فلماذا يا ترى يحرف أناس دينهم عمداً ثم يموتون من أجله ؟
ويبدو أن السيد الكرخي يدور في حلقة مفرغة هنا فيقول: " وفي الحقيقة فأن الكتابة باللغة الهيروغليفية على ألواح طينية لا تمنع أن تكون التوراة مكتوبة في عهد موسى عليه السلام ، لأن الصعوبة المذكورة غير صحيحة نظراً للمقدمات الآتية :
الأولى. إنَّ التوراة الحالية (المحرفة) مكونة من خمسة أسفار ، ولكن لا يوجد أي دليل على أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام هي مكونة من نفس هذه الأسفار ، بما تضمنته من قصة الخلق وقصص الأنبياء المذكورة بصورة سردية ، وأنساب الخليقة وأعمارهم ، فلا يوجد دليل على أن من يقول بكتابة التوراة في عهد موسى عليه السلام على ألواح الطين باللغة الهيروغليفية يعني التزامه بالقول بكتابة كل الأسفار الخمسة الحالية على الألواح الطينية ، إذ لا يوجد دليل على أصالة هذه الأسفار الخمسة ". وأنا قد ذكرت في مقالي السابق أن التوراة لم تُكتب في عهد موسى وإنما كُتبت بعد موته بأمد طويل. ولكن هذا لا يعني أنها غير أصيلة إذ من الممكن أن يكون أتباعه قد حفظوها عن ظهر قلب كما حفظ المسلمون القرآن وأحاديث الرسول عن ظهر قلب لفترات متفاوتة قبل أن تُكتب. وكون التوراة احتوت على قصة الخلق وقصص الأنبياء وأنسابهم لا يمنع هذا أن تكون أصيلة، فالقرآن أغلبه قصص عن قصة الخلق وقصص الأنبياء وعن بني إسرائيل أنفسهم. ويستمر السيد الكرخي فيقول: " ويقول العالم اليهودي سيلفر في كتابه (موسى والتوراة الأصلية) بأن التوراة الحالية لا تمثل توراة موسى الأصلية في أية ناحية وحتى الوصايا العشر التي يكاد يجمع العلماء أنها الشيء الوحيد المتبقي من التوراة الأصلية لم يكن بكمالها وعلى هيئتها الحالية كالتي أتى بها موسى ". وإذا كان هذا الكلام صحيحاً يكون الرسول محمد على غير علم به إذ أنه قال لليهود عندما أتوا ليسألوه عن بعض الأشياء: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " (آل عمران، 93). فكون الرسول قد طلب منهم أن يأتوا بالتوراة ويتلوها أمامه لتثبت وجهة نظره، يعني أن التوراة التي كانت موجودة في أيدي اليهود العرب في ذلك الوقت هي التوراة التي أنزلها الله وإلا لما احتج بها الرسول. أما قول الدكتور الشلبي: " إن اليهود بعد أن أنحرفت أعتقاداتهم وطباعهم تخلصوا من أسفار موسى الحقيقية لأنها كانت تختلف عمّا أرادوا من طباع وخلق ، وكتبوا سواها مما يتناسب مع ما يريدون من تاريخ وعقيدة " قول في منتهى السذاجة ولا يجوز للسيد الكرخي الاحتجاج به لأنه قول يعارض المنطق السليم. فالمعتقدات ليست كلباس الموضة نغيرها حسب ما نريد. فاليهود آمنوا بموسى عندما أتاهم واعتنقوا اليهودية كدين، وبمجرد أن يعتقد الإنسان في دينٍ ما يصبح هذا الدين حبل نجاته في الآخرة فيحافظ عليه بكلتا يديه، تماماً كما يفعل السيد الكرخي الآن في دفاعه عن الإسلام. فاليهود أناس مثلنا تماماً لهم نفس السليقة والفطرة والغرائز، ويتمسكون بمعتقداتهم كالمسلمين.
ويقول السيد الكرخي ثانياً: " إنَّ القرآن الكريم يخبرنا أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام (( فيها هدى ونور يحكم بها النبيون )) ، إذن التوراة فيها أحكام شرعية ومواعظ (هدى ونور) يحكم بها النبيون ، ولو قرأنا التوراة الحالية لوجدنا أن كمية الأحكام الشرعية فيها هي كمية ضئيلة مقارنة إلى مجموع الأسفار الخمسة ، فالأحكام الشرعية وردت في المواضع الآتية :
ـ في سفر الخروج ، الفصل 20 الجُمَل (1 إلى 26).
ـ في سفر الخروج ، الفصل 21 الجُمَل (1 إلى 36).
ـ في سفر الخروج ، الفصل 22 الجُمَل (1 إلى 31).
ـ في سفر الخروج ، الفصل 23 الجُمَل (1 إلى 33).
فيكون مجموع جُمَل تلك الأحكام الشرعية هو : (126) جملة فقط. "
وفات على السيد الكرخي أن التوراة تحتوي على عدة آيات في سفر " لاويون " Leviticus بها أحكام ومواعظ عديدة، منها:
الفصل 12 عن أحكام الطهارة بعد النفاس، من الآية 2 إلى 7
الفصل 13 عن الطهارة من الأمراض الجلدية التي تتميز بالطفح الجلدي، من الآية 2 إلى 46
الفصل 15 عن الإفرازات التي تعتبر نجاسة، من الآية 2 إلى 33
الفصل 17 عن تحريم الدم، من الآية 2 إلى16
الفصل 18 عن العلاقات الجنسية المحرمة، من الآية 2 إلى 30
الفصل 19 عن قوانين عامة، من الآية 2 إلى37
وكذلك هناك آيات في سفر " التثنية " Deutronomy بها أحكام ومواعظ:
الفصل 14 عن أنواع الأطعمة المحرمة والمحلله لبني إسرائيل والزكاة، من الآية 3 إلى 27
الفصل 19 عن عدد الشهود المطلوب توفرّهم في القضايا، من الآية 15 إلى 21
الفصل 21 عن زواج سبايا الحرب وعن دية المقتول، من الآية 1 إلى 14
الفصل 22 عن عدم تشبه النساء بالرجال وعدة أحكام عامة، من الآية 1 إلى 30
الفصل 23 عن البغاء والربا، من الآية 15 إلى 25
الفصل 24 عن الطلاق، من الآية 1 إلى 22
الفصل 25 عن فض المنازعات، من الآية 1 إلى 19
ويظهر من هذا السرد أن عدد الآيات التي بها أحكام ومواعظ أكثر بكثير من التي قال عنها السيد الكرخي. وعدد الآيات في حد ذاته لا يعني شيئاً بالنسبة للتحريف أو مصداقية التوراة. فلو أخذنا القرآن نجد أن عدد آياته يبلغ 6236 ولكن عدد الآيات التي بها أحكام ومواعظ لا يتعدى حوالي 300 آية. كل بقية آيات القران عن اليهود وموسى وأهل الكهف وما إلى ذلك.
وفي النقطة الثالثة يقول السيد الكرخي: " يذكر سفر الخروج (10:25) أن الرب قد أمر موسى عليه السلام بصنع تابوت بأبعاد تعادل تقريباً (25و1×75و.×75و.) متر مكعب ، وأمره أيضاً كما في سفر الخروج (16:25) بأن يضع الأحكام التي ذكرناها في (الفقرة الثانية) آنفة الذكر ، في ذلك التابوت ، فإذا افترضنا أن سمك اللوح الطيني الذي كتبت فيه التوراة في زمن موسى عليه السلام هو 3سم ، فيعني ذلك أن التابوت يستوعب حوالي (50) لوح طيني بابعاد (75×75) سم2 ، وهي كما ترى كمية كافية من الألواح لأستيعاب أحكام التوراة والبشارات والمواعظ."

وفي الحقيقة فإن التابوت الذي أمر الله موسى بصنعه لم يكن من أجل حمل التوراة وإنما من أجل حمل العهد الذي قطعه الله مع بني إسرائيل بتمليكهم أرض كنعان ويسميه اليهود The Covenant وقد حملوه معهم في ذلك الصندوق طوال فترة التيه في الصحراء، وأخيراً وضعه الملك داود في معبدهم بالقدس. ولذلك لن أشتغل بالحسابات الهندسية التي أتى بها السيد الكرخي، رغم أنه افترض أن الألواح مربعة الشكل وقد تكون مستطيلة أو حتى مثلثة كالاهرامات المصرية التي رآها موسى في مصر.

ثم يستمر السيد الكرخي فيقول: " قال الدكتور كامل النجار ما نصه : (فإن كان التحريف سهواً، فهذه طبيعة البشر ولا غبار على الكاتب) ، إذن هو يتقبل فكرة أنه حدث في التوراة تحريف من قبيل أخطاء النساخ وسهوهم ونسيانهم إلخ ، وعلماء المسيحية أيضاً يعترفون بحدوث مثل هذا التحريف كما فصلناه في الرد الأول على كامل النجار ، فما هي المشكلة إذن ! " والمشكلة هي أن السيد الكرخي يصر على أن اليهود حرّفوا التوراة عمداً، ولم يذكر لنا لماذا، ونحن نقول إن التحريف الذي حصل كان متوقعاً بسبب أن التوراة لم تكن مكتوبة لفترة طويلة بعد موسى وحفظها اليهود في صدورهم، ولا بد في مثل هذه الحالات أن يحدث تحريف بسبب الاعتماد على الذاكرة.

وعندما قلت إنه من غير المعقول أن يقول موسى لبني إسرائيل إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد، لأنهم سوف يقولون: لماذا لا ننتظر النبي الجديد فنؤمن به، قال السيد الكرخي: " وهو أفتراض بعيد عن الواقع ، وإلا فماذا سيفعل بنو إسرائيل في فترة الإنتظار حتى لو كانت شهراً واحداً أو أسبوعاًَ واحداً ، هل سيعبدون الله سبحانه كما أمرهم موسى عليه السلام أم سيعبدون العجل لحين ظهور النبي الموعود ؟! بالتأكيد أنهم سيعملون بشريعة موسى عليه السلام ، إلى أن يظهر النبي الموعود وإنْ كان ظهوره بعد شهر ، وكما فعلوا فعلاً. " ولا أعلم لماذا أكد السيد الكرخي أن بني إسرائيل كانوا سيعبدون إله موسى إلى أن يظهر النبي الجديد. ألم يعبد بنو إسرائيل العجل بعد أن أخرجهم موسى من مصر رغم أنهم كانوا على علم بديانة إبراهيم، كما يزعم المسلمون؟ فلماذا يعبدون إله موسى في انتظار النبي الجديد ؟

ويأتي السيد الكرخي بمنطق لا أفهمه عندما يقول عن اليهود: " لأن إيمانهم بنبي آخر الزمان مستمد من إيمانهم بموسى عليه السلام ، فلا يوجد مفهوم التجزئة في الإيمان ! فمن يؤمن بنبي يؤمن بكل الأنبياء لأن أي نبي يخبر عن صدق جميع الأنبياء السابقين واللاحقين إنْ وجدوا." والسيد الكرخي يعلم حق العلم أن هذا المنطق لا يقود إلى الحقيقة لأن اليهود آمنوا بموسى لكنهم لم يؤمنوا بعيسى، والنصارى آمنوا بعيسى لكنهم لم يؤمنوا بمحمد. فالإيمان بنبي لا يعني بالضرورة الإيمان ببقية الأنبياء.

ومرة أخرى يستعمل السيد الكرخي منطقاً غريباً ليرد على قولي بأن الله لو قال في التوراة على لسان موسى: سيأتي نبي من بعدي اسمه أحمد، لا بد أن يذكر كذلك عيسى، لأن عيسى أتى بعد موسى، فقال الكرخي:" فأولاً لم يثبت أن الله عزَّ وجل قد ذكر أسم (أحمد) في التوراة بدليل قطعي ، نعم ورد ذكر (الرسول النبي الأمي) في التوراة والإنجيل بحسب الآية (157) من سورة الأعراف ، ثم لماذا ينسى الدكتور كامل النجار أن هناك عشرات الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام في بني إسرائيل ، كان النبي عيسى عليه السلام آخرهم ، فهو لم يأتِ بعد موسى عليه السلام مباشرة. وحيث علمنا انه لم يأت بصورة مباشرة بعد موسى عليه السلام ، نجد أن أستخدامه لكلمة (لابد) في النص السابق غير صحيح ، فضلا عن أنه لا يصح أن نفرض على الله سبحانه وتعالى ما يجب أن يفعله سبحانه ، فلا يتحكم بقوله "لابد" للخالق ". وغرابة المنطق هنا أن السيد الكرخي قال قبل هذا وعلى لسان العالم اليهودي سيلفر " بأن التوراة الحالية لا تمثل توراة موسى الأصلية في أية ناحية وحتى الوصايا العشر التي يكاد يجمع العلماء أنها الشيء الوحيد المتبقي من التوراة الأصلية لم يكن بكمالها وعلى هيئتها الحالية كالتي أتى بها موسى " وما دام الأمر كذلك فليس من المتوقع وجود دليل قطعي على اسم أحمد أو حتى النبي الأمي مذكوراً في التوراة. وأما كون عيسى لم يأت بعد موسى مباشرة، فهذه مسألة شكلية، إذ أن الأنبياء اليهود الذين أتوا بعد موسى لم تكن لهم كتب كالتوراة، وظلت التوراة هي الكتاب الرئيسي لليهود، ولذلك من ناحية عملية يمكن أن نعتبر أن عيسى أتى بعد موسى مباشرة لأنه أتى بأول كتاب بعد التوراة. وحتى لو تقاضينا عن هذه النقطة فيمكن أن نسأل لماذا لم يذكر الله بقية الأنبياء الذين أتوا بعد موسى وقبل أحمد ؟

ثم يقول السيد الكرخي: " وكذلك فأن الله عزَّ وجل لم يذكر أسم النبي داود عليه السلام في التوراة رغم أنه أنزل عليه الزبور ، ولم يذكر أسم النبي سليمان عليه السلام في التوراة مع أنه هو الذي بنى الهيكل قبلة اليهود ، ولم يذكر أسم طالوت ولا أسم النبي يحيى عليه السلام ولا غيرهم. " والإشكال هنا أن السيد الكرخي لإيمانه بالقرآن فقط لا يجادل إلا من الزاوية القرآنية فقط. فالتاريخ اليهودي لا يعتبر أن داود وسليمان أنبياء، إنما كانوا ملوكاً فقط ولم تكن لهم كتب منزلة. وأما يحيي وطالوت فهي أسماء عربية أتى بها القرآن لتعبر عن أنبياء يهود يصعب تحديدهم.

هل أخبرت التوراة بنبي اسمه أحمد ؟
يقول السيد الكرخي: " وأخيراً فقد ذكرنا آنفاً أن القرآن الكريم يذكر أنَّ المسيح عيسى عليه السلام هو الذي بشر بنبي يأتي من بعده أسمه أحمد ، كما في الآية رقم (6) من سورة الصف وليس موسى عليه السلام ، مع أن الآية (157) من سورة الأعراف تخبر عن وجود صفة النبي الأمي (صلى الله عليه وآله) في التوراة والإنجيل ، فقال تعالى : (( الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ))"
وبما أن المسلمين يصرون على أن التوراة والإنجيل محرفتان وليس هناك أي ذكر للنبي أحمد أو للنبي الأمي في التوراة التي بين أيدينا الآن، يصعب التوصل إلى يقين في هذا الأمر، وعليه ليس لدينا إلا قول القرآن بهذا. والقرآن يقول إن موسى قال سيأتي بعده نبي أمي. وبما أنه ليس لدينا أي دليل تاريخي يثبت أن عيسى لم يكن أمياً، يجوز أن نستنتج أن القول المذكور في التوراة، إذا كان فعلاً مذكوراً بها، كان المقصود به عيسى وليس محمد. غير أننا من ناحية علمية بحتة لا نستطيع أن نثبت أن التوراة كان بها أي ذكر لنبي أمي أو لأحمد.

ويقول السيد الكرخي: " وبغض النظر عن إنَّ النبي عيسى عليه السلام هو الذي بشر برسول يأتي من بعده أسمه (أحمد) بنص القرآن الكريم وليس النبي موسى عليه السلام كما توهم الدكتور كامل النجار ، فهل يتوقع الدكتور كامل النجار أن التوراة بلغتها القديمة العبرانية أو اليونانية تحوي على لفظ (أحمد) ؟ بالطبع أنها تحوي على (أحمد) ولكن بلغتها وليس بلغة العرب ، فـ (أحمد) أسم عربي وليس عبراني أو يوناني ، تماماً مثلما كان أسم عيسى عربي وجيزز أنكليزي وهما أسمان للمسيح أبن مريم عليهما السلام. فالمسألة تتعلق بترجمة اللغات وليس بتبديل الأسماء كما ظن كامل النجار."
ربما غاب عن السيد الكرخي أن اللغتين العبرية والعربية ينتميان إلى نفس المصدر في اللغات السامية. فاللغة السريانية واللغة العربية اشتقتا من اللغة الآرامية التي أتت بدورها مع شقيقتها اللغة العبرية القديمة، من الحروف الفينيغية . وبالتالي تكون أغلب الكلمات والأسماء متشابهة في النطق لأن أصل الحروف واحد. وحتى لو أخذنا التوراة باللغة الإنكليزية نجد أن الأسماء لم تتغير إلا قليلاً. فعلى سبيل المثال نجد:
Abraham مترجم إلى إبراهيم
Isaac مترجم إلى إسحق
Jacob إلى يعقوب
Ishmael إلى إسماعيل
Moshe إلى موسى
Aaron إلى هارون
Amram وهو والد موسى وهارون إلى عمران ( وليس والد مريم أم عيسى كما يذكر القرآن)
فيظهر من هذا أن الأسماء لا تُغيّر كثيراً في الترجمة. ولكن عندما نجئ إلى الاسم أحمد نجد أن الذكر الوحيد في الإنجيل لمجئ شخص أو روح بعد عيسى هو في إنجيل يوحنا سفر 14، الآيات من 15 إلى 17 التي تقول: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم " ولكن عندما ترجموا الإنجيل من اللغة السريانية إلى اللغة الإغريقية أصبح المعزّي الذي يأتي بعد عيسى هو Paraclete في اللغة الإغريقية. ولما ترجموا الإنجيل من اللغة الإغريقية إلى العربية اختلطت عليهم كلمة Paraclete التي تعني " الروح القدس " مع كلمة إغريقية أخرى وهي Periclete وتعني شخصاً محمود الخصال. واختلط الأمر في الإسلام وصار " محمود الخصال " هو " أحمد " الذي يشبه " محمد ". وجاءت الآية: " يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " لأن الإنجيل يقول: " وأما أنتم فتعرفونه ". ونرى من هذا السرد أن عيسى لم يذكر نبياً من بعده اسمه أحمد، ولم يتغير الاسم في الترجمة من العبرية إلى العربية كما زعم السيد الكرخي، إنما حاول المسلمون الاستفادة من الكلمة الإغريقية التي تعني " محمود الخصال" فجعلوا منها " أحمد"




ابن عباس والتحريف :
يقول السيد الكرخي: " وأما ما نقله الدكتور كامل النجار عن تاريخ أبن خلدون من انه نسب إلى صحيح البخاري قول لأبن عباس رضي الله عنهما وهو : (معاذ الله أنّ تَعْمد أُمَّة من الأمَم إلى كتابها المُنْزَل على نبَيها فتبدله أو ما في معناه ) إلخ ، فمع الأسف لم اعثر على هذا القول لأبن عباس في الكتاب المذكور ولا في غيره من كتب الحديث ، فيمكن أن يكون قد أشتبه الأمر على أبن خلدون لا سيما وهو ينقل من ذاكرته ويدل عليه قوله (أو ما في معناه) ، وربما أكون قد قصّرتُ في البحث فهلا دلنا الدكتور النجار عن موضع ذلك الحديث في البخاري ". وإذا كان ابن خلدون قد أخطأ بعض الشئ فليرجع السيد الكرخي إلى كتاب ( فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، الكتاب 13، التوحيد، باب والطور وكتاب مسطور) فسوف يحد فيه " أن ابن عباس قال: يكتب الخير والشر. يحرفون، يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كُتب الله عز وجل ولكن يحرفونه يتأولونه على غير تأويله. دراستهم تلاوتهم واعية حافظة. ... وفي رواية الكشميهن " يتأولونه على غير تأويله" قال شيخنا ابن الملقن في شرحه: هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية وهو مختاره _ أي صحيح البخاري- وقد صرّح كثير من أصحابنا بأن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل وفرعوا على ذلك جواز امتهان أوراقهما، وهو يخالف ما قاله البخاري، وهو كالصريح في أن قوله " ليس أحد " إلى آخره من كلام البخاري ذيّل به تفسير ابن عباس، وهو يحتمل أن يكون بقية كلام ابن عباس في تفسير الآية." فواضح من هذا أن ابن عباس لا يعتقد أن الناس يستطيعون حذف أو تغيير كلام الله إنما يمكن أن يغيّروا تأويله.
أما الإمام ابن حزم الظاهري فيقول في كتابه ( الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص161) ما يلي: " نقول لمن قال من المسلمين: إن نقلهم نقل تواتر يوجب العلم، وتقوم به الحجة: لا شك أن ما نقلوه من ذلك عن موسى وعيسى عليهما السلام لا ذكر فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا إنذار بنبوته، فإن صدقهم هؤلاء القائلون في بعض نقلهم، فواجب أن يصدقوهم في سائره، أحبوا أم كرهوا، وإن كذبوهم في بعض نقلهم وصدقوهم في بعض، تناقضوا وظهرت مكابرتهم، ومن الباطل أن يكون نقل واحد جاء مجيئاً واحداً بعضه حق وبعضه باطل. " فالإمام ابن حزم يقول لنا إما أن يكون التوراة والإنجيل منقولان نقلاً صحيحاً كاملاً لا تحريف فيه، وإما أن يكونا محرفتين بالكامل ولا صحيح فيهما. أما قول السيد الكرخي أن التوراة تحتوي على أحكام ما زالت صحيحة ولكن باقي التوراة محرف، قول فيه تناقض كما يقول الإمام.
وعندما قلنا إن القرآن يخبرنا أن فريقاً واحداً من بني إسرائيل حرف كلام الله أما البقية فلم تحرفه وربما صححته، قال السيد الكرخي: " فـ (ربما) هذه التي ذكرها تحتمل أمرين الأول هو ما ذكره من تصحيح ما حرّفوه ، والآخر هو عدم تصحيحهم ما حرفه الآخرون ، والأدلة التي بين أيدينا تخبرنا بوقوع التحريف وعدم تصحيحه." فما دام الأمر يحتمل وجهتي نظر، لماذا يصر المسلمون على وجهة النظر التي تقول إن اليهود قد حرفوا التوراة ؟ وما هي الأدلة التي بين أيدينا تخبرنا بوقوع التحريف وعدم تصحيحه؟ وحتى لو لم يصحح الفريق الآخر ما حرّف الفريق الأول، فسوف يكون عندنا على أقل تقدير توراة الفريق الآخر الذي لم يحرفها.

وعندما قلنا إن القرآن يخبرنا كذلك أن هناك أمة من اليهود الصالحين الذين يعبدون الله آناء الليل والنهار ولا يمكن أن يحرفوا التوراة، قال السيد الكرخي: " وهنا خلط واضح للأمور ، فالآيات القرآنية التي ذكرها تتحدث عن جماعة من اليهود الصالحين المتعبدين المؤمنين بالله واليوم الآخر ، مع أننا نعلم أن التحريف قام به علماء اليهود من متنفذيهم وليس من العباد الصالحين ، والفرق واضح بين العابد والعالم ، والعلماء أيضاً على مراتب ، والظروف والأدلة ـ التي ذكرناها في هذا التعقيب والتعقيبات السابقة ـ التي مرّت على التوراة وكتابتها قبل السبي البابلي وبعده تدل بوضوح على أن هناك تحريفاً قد حصل ، فإذا ظهرت جماعة من العباد الصالحين بعد ذلك توارثوا تلك التوراة المحرفة وتعبدوا بها فلا يدل ذلك على عدم وقوع التحريف ، ونحن ذكرنا وجود التوراة الأصلية ضمن التوراة المحرفة ، فلا تضاد بين وقوع التحريف وبين وجود الصالحين المتعبدين. " وهذا أوضح مثال للي عنق الآيات لتقول ما يود لها السيد الكرخي أن تقول. فالسيد الكرخي يقول إن كل علماء اليهود كانوا منحرفين وفاسدين وحرفوا التوراة التي ورثها بعدهم العباد الصالحون، وهذا يعني عدم وجود أي علماء يهود صالحين من المتعبدين الذين كان يمكن لهم أن يمنعوا التحريف أو على الأقل يبينوه للناس.





عزيز ابن الله
عندما قلنا للسيد الكرخي إذا كان اليهود فعلاً قد قالوا إن عزيز ابن الله، لماذا لم يكتبوها في توراتهم المحرفة، رد علينا بقوله: " وفي هذا الصدد يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان : (وقد ذكر بعض المفسرين : ان هذا القول منهم: (عزير ابن الله ) كلمة تكلم بها بعض اليهود ممن في عصره صلى الله عليه وآله وسلم لا جميع اليهود فنسب إلى الجميع كما ان قولهم : ( إن الله فقير ونحن اغنياء ) وكذا قولهم : ( يد الله مغلولة ) مما قاله بعض يهود المدينة ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسب في كلامه تعالى إلى جميعهم لان البعض منهم راضون بما عمله البعض الاخر ، والجميع ذو رأى متوافق الاجزاء وروية متشابهة التأثير) ، وبذلك يتضح عدم صحة قولكم ." فمعنى هذا الكلام أن حفنة من يهود المدينة التي لا تمثل حتى واحد بالمائة من يهود العالم وقتها ومن اليهود الذين ماتوا قبل ذلك، قالت عزيز ابن الله، فاستنتج السيد الطباطبائي أنه يجوز أن نستعمل هذه الفئة الضئيلة لنقول إن اليهود عامة قالوا ذلك. ولماذا ياترى عندما قال بعضهم إن النبي محمد أبتر ولا نسل له، رد عليهم القرآن بقوله: " إن شانئك هو الأبتر " ولم يقل علماء المسلمون وقتها إن الأعراب المشركين قالوا إن النبي أبتر؟ لماذا لم يستعملوا القلة هنا لتدل على الكل؟ وكيف عرف السيد الطباطبائي أو غيره أن البعض منهم الذين لم يقولوا عزيز ابن الله كانوا راضين بما قال الفريق الآخر ؟

وأخيراً لا يسعنا إلا أن نسأل: لماذا احتفظ اليهود بكل القوانين الصعبة التي تحرم عليهم شرب الخمر وأكل عدة أنواع من اللحوم وتفرض عليهم الختان والرجم وما إلى ذلك، وحرفوا بقية التوراة التي هي عبارة عن قصص وتاريخ ؟ لماذا لم يحرفوا أو يمحوا هذه القوانين ؟

 
الحلقة الثانية

كنت قد قلت في مقال سابق إن الإنسان عندما بدأ حياته على هذه الأرض بدأ بعبادة الأسلاف ثم الأصنام ثم آلهة السماء المتعددة ثم الإله الواحد. ولكن السيد الكرخي يقول إن الإنسان ابتدأ بالتوحيد ثم رجع للتعددية. ولما اعترضت على هذا القول، رد عليّ السيد الكرخي بقوله: " ولا أدري كيف أن بدء الإنسان مسيرته الإنسانية بالتوحيد يجافي المنطق السليم ! فهلا شرح لنا الدكتور المقدمات المنطقية الدالة على استحالة أن يكون الإنسان قد بدأ مسيرته الإنسانية بالتوحيد ! " والاختلاف هنا يكمن في أن السيد الكرخي يعتمد على الرواية الدينية التي تقول إن أصل الإنسان هو آدم الذي كان في نفس الوقت نبياً، وبالتالي عرف التوحيد وعرفه أحفاده من بعده. ونحن نقول إن الإنسان تطور من أصله المشترك مع بقية الحيوانات إلى أن أصبح شمبانزي ثم إنسان (نظرية دارون) وبالتالي لم يعرف الله ولم يعرف الأديان، إنما نمت لديه الفكرة بالتدريج. ويعلمنا تاريخ البشرية أن الإنسان إذا اكتشف أو اخترع شيئاً جديداً أحسن مما كان يعرفه، فإنه لا يرجع للقديم وإن حنّ إليه. وعليه نقول إن الإنسان بدأ بالتعددية وتطور مفهومه الديني مع تطوره العقلي إلى أن وصل إلى التوحيد. أما قصة الكتب السماوية بأن الإنسان بدأ بالتوحيد مع آدم ثم رجع لعبادة الأوثان فليست مقبولة لدينا لأنها تتعارض مع منطق تطور عقل الإنسان.

ولكن السيد الكرخي لا يقتنع بهذا المنطق، فيقول: " نحن نقول بأن العامل الوحيد لظهور هذه الأديان والمعتقدات الشركية والتوحيدية هو أن الإنسانية بدأت مسيرتها بالتوحيد ثم تنحرف مفاهيمها نحو الشرك بسبب الشيطان وجنوده ، ثم يعود التوحيد للظهور من جديد بفضل العناية الإلهية والرسالات السماوية ، وهكذا هي مسيرة الإنسانية صراع بين الرسالات السماوية وبين الشيطان." وطبعاً قصة الشيطان والجن والسحرة هذه تدخل في مجال الغيبيات التي يؤمن بها من آمن بالروايات السماوية، لكنني لا أومن بها، وبالتالي أحاول استنتاج الحقيقة العلمية. ولو جعلت العناية الإلهية جميع البشر مؤمنين منذ البداية، كيف استطاع إبليس أن يضل جميع البشرية ويرجع كل فرد فيها إلى عبادة الأصنام، والعناية الإلهية تتفرج إلى أن ارتدوا عن بكرة أبيهم ثم حاولت إرجاعهم بإرسال الرسل إليهم. أما كان الأجدر بالعناية الإلهية لجم نشاط إبليس ؟

وعندما يتحدث السيد الكرخي عن تعدد آلهة السماء، يقول: " وبالمناسبة فأن الدكتور كامل النجار يقول في هذا الموضع بوجود عبادة الإله الأعظم مع عبادة آلهة أخرى أقل درجة ، وهنا يبرز أحتمالين أما أن يكون الإله الأعظم هو الذي خلق الآلهة الأقل درجة ، وعند ذلك فلا معنى لأعتبارها آلهة لأنها مخلوقة بفضل الإله الأعظم ، وأما أن تكون لها أستقلالية عن الإله الأعظم وإن كانت أقل درجة منه ، وهذا يعني أن يكون البشر قد عبدوا آلهة لها إستقلال عن الإله الأعظم ، غير انه في موضع آخر من رده ينكر أن يكون العرب قد عبدوا الآلهة على نحو الإستقلال عن الله عزَّ وجل." ولا أريد أن أدخل هنا في تفاصيل كنت قد ذكرتها مراراً قبل ذلك، وهي أن فكرة الآلهة المتعددة ظهرت عند أهل بابل القدماء عندما تخيلوا أن الإلهة " تيمات " كانت تعيش في الأجواء العليا، يحيط بها الظلام والماء، وبعد زمن طويل اختلط الماء بالهواء فخُلقت منه كل آلهة النور الذين حاولوا إثناء " تيمات" عن حربهم لأنها أرادت أن تقتلهم. ولما لم ينجحوا طلبوا من الإله " ماردوك" أن يهزمها، فاشترط عليهم طاعته العمياء إن هو فعل ذلك، فوافقوا. وأصبح " ماردوك" هو الإله الأعظم الذي يملي على بقية الآلهة ما يفعلون. وأما الإغريق فقد كانت آلهتهم متعددة ولكلٍ وظيفته، وكبيرهم هو الإله " زيوس". ففي كلا الحالتين خلقت الآلهة نفسها لكن في بابل كانت الآلهة خاضعة لأوامر " ماردوك " بينما كانت مستقلة في " أثينا ". أما عرب الجاهلية فقد عرفوا الله الذي خلق السموات والأرض، ونحتوا هم الأصنام وعبدوها كوسيلة لإيصالهم إلى الله في السماء.

ويسألني السيد الكرخي عن الأبوروجنيز في أستراليا، فيقول: " فلماذا إذن بقي هؤلاء المذكورين في أستراليا على عبادة الطواطم والسلاف ولم يتطوروا إلى عبادة الآلهة المتعددة في السماء بحسب النظرية التي ذكرها الدكتور النجار والتي ذكرناها في الفقرة السابقة. ألا يرى الدكتور النجار أن بقائهم على عبادة الطواطم منذ أربعين ألف سنة بحسب قوله يدحض نظريته في التطور الفكري للأنسان نحو التوحيد بدون تدخل الإله." ولا أظنه يخفى على السيد الكرخي أن الإنسان يتعلم من احتكاكه بأخيه الإنسان الذي يعيش في حضارة مختلفة، فيأخذ منه الجديد الذي لم يعرفه من قبل. ولكن سكان أستراليا قبل 40000 سنة كانت قارتهم قد انفصلت عن الكتلة الأرضية وأصبحت جزيرة تحيط بها المياه من كل جوانبها، ولما لم يكن الإنسان وقتها قد اخترع المراكب، فقد ظلوا معزولين عن العالم حتى العصر الحديث، ولذلك لم يتطوروا حضارياً ولا دينياً ولا فكرياً.


وعندما قلت إن الدين ينتشر أكثر في المجتمعات المتخلفة التي يسود فيها الجهل، قال السيد الكرخي: " فيبدو أن الدكتور كامل النجار لم يطلع على النهضة الدينية في الغرب (أمريكا وأوربا) ، وظهور المحافظين الجدد والتيارات الدينية والأحزاب المسيحية فيها ، وليس من قبيل المصادفة ما قرأته اليوم في موقع (شبكة أخبار العراق للجميع) وهو مقال مستل من صحيفة الخليج الإماراتية تحت عنوان (ثورة "مسيحية" في أمريكا العلمانية) يتحدث فيها الكاتب عن الحركة الأصولية الإنجيلية المتطرفة التي ساهمت في دعم الرئيس الأمريكي ونجاحه في الإنتخابات الأخيرة ، وهذه الحركة تزداد عدداً لدرجة أنَّ مايكل هوت بروفسور علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا قال ان نسبة المسيحيين الانجيليين من بين البروتستانت الامريكيين باتوا اكثر من 60 في المائة. فإذن ما ذكره الدكتور كامل النجار عن عدم إنتشار الدين مع العلم وما تحدث به من بيع المسيحيين للكنائس في الغرب يبدو أنَّ ذلك كله غير صحيح ! "
هناك نقطة مهمة فاتت على السيد الكرخي، وهي: ليس كل من يعيش في أمريكا أو أوربا متعلماً. وحتى الذين يكملون تعليمهم الثانوي تنتشر بينهم الأمية لدرجة أن 40% إلى 50% منهم لا يعرفون القراءة والكتابة. والدين في أمريكا عبارة عن تجارة يبيعونها في محطات التلفزيون المختلفة. فنجد الداعية الإنجليكي " جراهام " Billy Graham يخدع المشاهدين بدعوته للكنيسة الإنجليكية ويطلب منهم إرسال تبرعات إليه، بنى لنفسه منها قصوراً فاخرة واقتنى أفخم السيارات، بينما يعيش معظم المتبرعين عيشة الكفاف. وأما كبار رجال الأعمال مثل الرئيس بوش ونائبه " ديك شيني " ووزير عدله " إشكروفت " يظهرون الانتماء للحركات الدينية لتمكنهم من الفوز في الانتخابات وتسهل لهم زيادة أموالهم التي جمعوها من شركات البترول. وما قاله مايكل هوت لا يعني أن عدد المتدينين الكلي قد زاد في أمريكا زيادة ملحوظة، إنما تغيرت نسبة الانتماء إلى المذاهب المختلفة بفعل الدعاية التلفزيونية التي يسمونها Popular Preaching. ولو أخذنا أمريكا الجنوبية عامة لوجدنا أن نسبة الأمية والفقر فيها تفوق ما في أمريكا الشمالية عدة مرات، وكذلك نسبة المتدينين هناك أكبر بكثير من أمريكا الشمالية.

ثم استمر السيد الكرخي فقال: " يستعمل الدكتور كامل النجار هذه المرة مفردة ثالثة هي مفردة (الرداءة) ، فيقول : (وفي كتب الأحاديث نجد مئات الأحاديث التي يقول عنها البخاري أو مسلم أو غيرهما إنها أحاديث رديئة، لكنهم يقبلونها ويدونونها في الصحاح. والمهم أنهم نبهوا الناس إليها. فأهل التوراة أو الإنجيل إذا عرفوا أن بعض الآيات غير صحيحة، ونبهوا عليها، فلا أرى غضاضة في ذلك ) ، ونحن نطالب الدكتور كامل النجار أن يثبت كلامه هذا بالدليل أي أن يذكر لنا المصدر الذي تم فيه وصف بعض أحاديث صحيحي البخاري ومسلم بالرديئة من قبل البخاري ومسلم أو من قبل علماء آخرين من علماء أهل السنة ، وإلا فإن فكرة الدكتور النجار كلها تصبح غير صحيحة ، لأن علماء أهل السنة هم الذين يعتقدون صحة كل أحاديث هذين الصحيحين."

وأوافق هنا السيد الكرخي أني أدخلت مصطلحاً جديداً فقلت الأحاديث الرديئة وقصدت الأحاديث الضعيفة والمنتحلة (التي يمكن وصفها بالرداءة)، ولكن هذا لا يتعارض مع ما قلت من أن آلاف الأحاديث التي جمعها البخاري كانت أحاديثاً موضوعة وضعيفة في رأيه، وقرر ألا يضمها في صحيحه، ولكن مسلم أعتبر بعض هذه الأحاديث الضعيفة أحاديثاً صحيحة وضمنّها صحيحه، والعكس كذلك صحيح. فبعض الأحاديث التي ضعّفها مسلم ظهرت في صحيح البخاري. وموطأ مالك مثلاً، أول ما ظهر كان يحتوي على تسعة آلاف حديث، ثم ما زال يراجعها حتى رجع إلى سبعمائة حديث فقط. وإذا رجعنا إلى كتاب " الموضوعات من الحديث " لابن الجوزي، نجده يقول: " فهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، جمع ستمائة ألف حديث أثناء إشتغاله بجمع كتابه . صح لديه منها أربعة آلاف حديث يضاف إليها ثلاثة آلاف أخرى مكررة . وجمع الإمام مسلم بن الحجاج القشيرى ثلاثمائة ألف حديث أثناء اشتغاله بجمع كتابه . صح لديه منها قرابة الستة آلاف أيضا ومثلها مكررا . وبلغ ما اتفق عليه الشيخان ألفان وثلاثمائة وستة وعشرون حديثا . " ويعني هذا أن البخاري ومسلم لم يتفقا إلا على 2326 حديثاً فقط، وبقية الأحاديث في صحيح كل منهما أعتبره الآخر ضعيفاً.

حول جمع القرآن:
عندما قلت إن الحجاج بن يوسف جمع المصحف الذي بين أيدينا – أي المصحف المنقط الذي لدينا الآن- وحرق النسخ غير المنقطة، قال السيد الكرخي: " فمثلاً أدعاء أن الحجاج بن يوسف حرق ما جمع عثمان هو أدعاء واضح البطلان فالحجاج أقل شأناً من أن يتمكن من فعل ذلك ، وعصر الحجاج عصر الإضطرابات والخصومات الدموية والفتن ، فلم يكن يتهيأ له فعل ذلك دون أن يشنع عليه أحد أو يقف بوجهه أحد ، لا سيما وقد كان الحجاج من رجال دولة بني أمية التي يتربص بها الكثير من أعدائها الهاشميين والزبيريين والخوارج والكيسانية وغيرهم ، فلو فعل الحجاج شيئاً قليلاً مما ذكره في القرآن لكان أبلغ حجة لدى خصومه وخصوم الدولة الأموية لإظهار العداء لها وحربها." وليس هناك خلاف في أن مصحف عثمان كُتب باللغة القديمة التي لم يكن بها نقاط أو علامات تنوين، والمصحف الذي لدينا الآن به هذه العلامات، فهل يستطيع السيد الكرخي أن يبيّن لنا كيف أصبح مصحف عثمان منقطاً ؟ وفي الواقع أن الخليفة عبد الملك بن مروان قد أمر الحجاج بن يوسف أن يجمع المصحف ويكتبه بالنقاط وعلامات الترقيم، وفعل الحجاج ذلك وبعث بنسخة إلى مصر وكان واليها عبد العزيز بن مروان، فغضب عبد العزيز وقال: كيف يتجرأ أن يبعث بهذا إلى بلد أنا أميرها ؟ واشتهر عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول: " أخشى أن أموت في رمضان، فقد ولدت فيه وفُطمت فيه وجمعت القرآن فيه ". والحجاج لم يكن أضعف من أن يجمع المصحف ويحرق بقية النسخ لأنه كان يعمل بسلطة الخليفة عبد الملك بن مروان.

واعترض السيد الكرخي عندما قلت إن ما قاله السيد الخوئي عن " الكتاب" وأنه لا بد أن يكون القرآن مكتوباً في كتاب قبل أن يقولوا عليه إنه كتاب، كلام غير صحيح وأتيت بعدة أمثله من القرآن عن استعمال كلمة : الكتاب" لمواعظ وأشياء أخرى لم تكن مكتوبة، اعترض فقال: " كنت أتمنى أن يكون الدكتور كامل النجار أكثر تأنياً في قراءة ما أكتبه ، فواضح جداً أن ما نقلته عن السيد الخوئي في كتابه (البيان في تفسير القرآن) حول إستخدام كلمة (الكتاب) كان مداره إستخدام هذه الكلمة إستعمالاً حقيقياً ومجازياً ، ولم يكن السيد الخوئي بصدد تعداد نطاق إستعمال هذه الكلمة في لغة العرب ، سواء كان ذلك الإستخدام في النكاح أو غيره ، فلماذا يحشر الدكتور النجار معاني أخرى لا صلة لها بموضوع بحثنا ثم يقول أن ما ذكره السيد الخوئي غير صحيح بدلاً من أن يخضع للدليل ، فهل هذا إلا تحكّم." ونقول له إذا كان السيد الخوئي قد قصد استعمال كلمة " كتاب: استعمالاً حقيقياً ومجازياً، فهو قد قصد كل الاستعمالات الممكنة للكلمة. والسيد الخوئي قال: " لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط ). وواضح أن تعريف السيد الخوئي للكتاب تعريف غير صائب، وكان لا بد لي من إبراز عدة أمثلة لاستعمال كلمة " كتاب" مجازياً وعملياً لأبين خطأ التعريف المذكور.

ثم انتقل السيد الكرخي إلى قصة الإنجيل فقال: " واما قول الدكتور كامل النجار بأن الإنجيل لم يكن مكتوباً في عهد المسيح فهو تفريط منه ، فكيف أستدل على عدم كتابة الإنجيل في عهد المسيح عليه السلام ، فهل أنَّ عدم وجود الإنجيل الذي بشر به المسيح وضياعه نتيجة إضطهاد اليهود والرومان هو دليل على نفي وجوده !"
ولا يختلف اثنان من علماء المسيحية في أن أول شئ كُتب من الإنجيل هو رسائل بولس التي كُتبت حوالي عام 50 أو 60 بعد الميلاد، ثم إنجيل متى وبقية الأناجيل التي كُتبت حوالي عام 70 إلى 100 بعد الميلاد (دائرة معارف كولومبيا). ومع أن القرآن رمز للإنجيل على أنه كتاب، لم يكن الإنجيل مكتوباً في حياة المسيح. والغريب أن السيد الكرخي يدعي أن النقاش علمي ثم يقول: " ولم يكن يجدر بالدكتور كامل النجار أن يستشهد بالآية (110) من سورة المائدة وهي قوله تعالى مخاطباً المسيح عليه السلام : (( وإذ علمتك الكتاب والحكمة )) ، ثم يعلق الدكتور النجار قائلاً : (فالله هنا لم يكتب لعيسى الإنجيل ولم يكن الإنجيل مكتوباً في عهد عيسى، ومع ذلك قال الله إنه علمه الكتاب) ، وفي هذا التعليق إنكار لما في القرآن الكريم من أن الله عزَّ وجل قد آتى المسيحَ عليه السلام الإنجيل فقال تعالى في الآية (27) من سورة الحديد : (( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الانجيل )) ، فليؤمن الدكتور النجار بما شاء ولكن أن يستشهد بآية قرآنية وينكر آية أخرى مرتبطة بها في سياق بحثٍ واحدٍ ، فهذا خارج أسلوب البحث العلمي ، ولعل هذا الأمر غاب عن ذهنه."
وربما لا يدرك السيد الكرخي أنه لا توجد مقدسات في النقاش العلمي. كل شئ يخضع للعقل والمنطق. وإذا كانت المصادر المسيحية نفسها تقول إن الإنجيل كُتب بعد موت المسيح، فهذه ليست غلطة الدكتور النجار أنه استعان بهذه المراجع. أما كوني استعنت بآية قرآنية لأنكر ما قالته آية أخرى، فهذه طبيعة الجدال العلمي الذي ليس لديه " أبقار مقدسة " أو كما يقول الإنكليز Holy Cows

ولما قلنا إن كلمة "كتاب" يمكن أن تقال على ما لم يُكتب وأعطينا مثالاُ بدعاء إبراهيم عندما سأل الله أن يبعث في العرب رسولاً يعلّمهم الكتاب، قال السيد الكرخي: " ثم أن دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام على فرض أنه يخص القرآن الكريم فلا يدل على تخصيصه بما في الصدور بل إنَّ إبراهيم الخليل عليه السلام كان يعلم ذلك بتعليم الله عزَّ وجل له ، فدعا بدعائه المذكور في الآية الكريمة وهو يقصد الكتاب الذي سينزل على نبي آخر الزمان والذي سيجمع في المصحف ، كما هو حال الصحف التي عنده وصحف موسى عليه السلام أي التوراة وكما هو حال إنجيل عيسى عليه السلام ، فلا يوجد ما يدعم فكرة الدكتور كامل النجار ! فإذن قوله (فإذاً كون الرسول قد قال إنه ترك في أمته الكتاب، لا يعني أن القرآن كان مجموعاً ومكتوباً) هو محض تحكم لا دليل عليه ، وقد أغنانا السيد الخوئي ببيان المسألة ، فليت الدكتور النجار رجع وتدبر ما ذكرناه. " فإذا كان الله قد أعلم إبراهيم مسبقاً أنه سوف يبعث في العرب رسولاً وسوف يُنزل إليهم كتاباً، لماذا دعاه إبراهيم أن ييعث فيهم رسولاً وهو يعرف مسبقاً أن الله سوف يبعثه ؟ وإذا كان إبراهيم الذي علم مسبقاً أن الله سوف يبعث محمد وينزل عليه القرآن، فقال: يُعلمهم الكتاب، ألا يعني هذا أنه من الممكن أن نستعمل كلمة " كتاب" على ما لم يُكتب بعد ؟

وكان السيد الكرخي قد ادعى أن السبب الذي من أجله أحرق عثمان كل نُسخ القرآن غير كتابه الذي جمعه هو أن المسلمين كانوا يكتبون التفسير داخل المصحف مما سبب اختلاطاً عليهم، ولذلك أحرقها عثمان. ولما اعترضنا بأن المصاحف الحديثة تحتوي على التفسير داخلها، قال: " فلعل من الواضح أن بعض المسلمين أيام الخليفة عثمان كانوا حين يكتبون تفسير القرآن إنما يكتبونه ضمن الآيات القرآنية وبشكل يؤدي إلى الإلتباس والتداخل بين الآية والتفسير ، جهلاً منهم أو سوء تقدير للأمر ، أما اليوم فالتفسير يكتب بصورة تمنع الإلتباس على المسلمين لا سيما وأنه يكتب في هوامش الصفحة وبصورة منفصلة عن آيات القرآن الكريم بكل وضوح ، كما هو حال تفسير شبَّر وتفسير الجلالين وغيرهما." وطبعاً هذا سبب واهي قدمه السيد الكرخي لتفسير حرق عثمان للمصاحف. فالمسلمون الذين كانوا كتبوا المصاحف وقتها كانوا يُعدون على الأصابع، وكانوا من العلماء أمثال أبي بن كعب وعليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت، فلا يُعقل أنهم كتبوا التفسير بمتن الآيات مما يسبب خلطاً على القراء. والمصاحف التي كانت متداولة وقتها كانت بسيطة، وحتى لو احتوت على تفسير بداخلها ما كان هذا يسبب للمسلمين الأوائل كبير ارتباك لأنهم حفظوا القرآن في صدورهم، وكان عدد الذين يستطيعون قراءتها بسيطاً. ويبدو أن السبب الرئيسي لحرق المصاحف كان تعدد واختلاف القراءات لأن عدة أشخاص حفظوا سوراً من القرآن تختلف عن بعضها البعض، وليس بسبب اختلاف لغاتهم، كما قال السيد الكرخي، وإنما بسبب أنهم سمعوها من الرسول بعدة أوجه مختلفة كما ظهر من قصة عمر بن الخطاب مع الإعرابي الذي سمعه يقرأ سورة بقراءة مختلفة فأخذه إلى النبي ليتحقق من قراءته فأخبره النبي أن كليهما كان صحيحاً لأن القرآن نزل بسبعة أحرف.




تشويه سمعة الزيات
قال السيد الكرخي إني قد خلطت " بين موضوع القرءات القرآنية المتعارف عليها وبين موضوع القراءات الشاذة وبين موضوع التصحيف للألفاظ ، فالقول بأن رجلاً قرأ (قرآن لا ريب فيه) قرأه لا زيت فيه هو قول مكذوب على المحدث حمزة الزيات كذبه عليه أعداءه ، وقد ذكر العسكري في كتابيه (أخبار المصحفين) و(تصحيفات المحدثين) أنه مفترى عليه من أعدائه " وقد يكون الخبر مكذوباً على حمزة بن حبيب الزيات، ولكن المهم أنه ليس من المستحيلات ويجوز حدوثه لأن الحروف كانت غير منقطة ومن السهل على القارئ أن يخطئ بها. ولولا أن الحجاج بن يوسف جمع القرآن بالنقاط لأخطأ أناس كثيرون في قراءة القرآن. والسيد الكرخي، رغم قوله إن الإمام القرطبي أورد قراءة الآيات التي ذكرنا دون إسناد، إلا أنه يقول: " وأما القراءة الشاذة التي نسبها لأبن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة فهي قد ذكرها القرطبي في تفسيره وهي بدون سند أيضاً ، وسبب هذه القراءة يعود إلى رسم الكلمة حيث كتبها المسلمون (كتبا) ويقرأونها (كاتباً) فقرأها بعضهم على ما قيل (كتاباً) وقرأ آخرون (كتباً) جمع كتاب وهكذا ". فنفهم من هذا أن كتابة مصحف عثمان جعلت الناس يقرؤون بعض الكلمات قراءات مختلفة لا تساعد الزعم بأنه " لا تغيير لكلمات الله".

ابن شنبوذ
لما قلنا إن ابن شنبوذ كان يقرأ عدة قراءات مختلفة عن مصحف عثمان وإنه أفحم خصومه، قال السيد الكرخي: " ، فليس في قصة أبن شنبوذ قراءة بقراءات تختلف عن مصحف عثمان بل كان أبن شنبوذ يجمع القراءات الشاذة التي لم تثبت بطريق معتبر فيقرأ بها وأصر على فعله ، وعندما أستدعاه الوزير أبن مقلة ـ وليس الوالي ! ـ أصر أبن شنبوذ على فعله الشاذ ذلك ولم يكن هناك إفحام للحاضرين من قبل أبن شنبوذ ولا شيء من هذا القبيل فهذا كله أفتراء ، وأظن أن الدكتور قد نقل حكايته المشوهه تلك عن بعض المصادر التي لم تكن أمينة في عرض تلك القصة فوقع الدكتور النجار في سوء عملها. "
وللرد على السيد الكرخي سوف ألجأ إلى الاقتباس من بعض الذين كتبوا عن ابن شنبوذ. فالدكتور محمد الحبش يقول في كتابه " القراءات المتواترة " : " ابن شنبوذ هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت البغدادي المعروف بابن شنبوذ وكان إماماً شهيراً وأستاذاً كبيراً صالحاً، وكان يرى جواز القراءة بما صحَّ سنده وإن خالف رسم المصحف وعقد له بسبب ذلك مجلس، ولم يعدَّ أحد ذلك قدحاً في روايته ولا صحة في عدالته."

ويقول الإمام ابن كثير الدمشقي في كتاب " البداية والنهاية " هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب، كان يخالف الجمهور في قواعد قبول القراءة الصحيحة، فلا يشترط موافقتها للمصحف، ومع ذلك فلم يطعن أحد في عدالته ومنزلته، وقد نبغ في القراءة والتفسير." ويقول ابن كثير كذلك: " أحضر ابن شنبوذ المقري فأنكر عليه جماعة من الفقهاء والقراء حروفاً انفرد بها، فاعترف ببعضها وأنكر بعضها، فاستتيب من ذلك واستكتب خطه بالرجوع عما نقم عليه، وضرب سبع درر بإشارة الوزير أبي علي بن مقلة، ونفي إلى البصرة. فدعا على الوزير أن تُقطع يده ويُشتت شمله، فكان ذلك عما قريب (قطعت يده ولسانه ).

ويقول الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء ": " بْنُ شَنْبُوْذَ، مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَيُّوْبَ شَيْخ المقرِئين، أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بنِ أَيُّوْبَ بن الصَّلْت بن شَنْبُوذ المُقْرِئ. أَكْثَر الترحَال فِي الطَّلَب. وَتَلاَ عَلَى:هَارُوْنَ بن مُوْسَى الأَخْفَش، وَقنبل المَكِّيّ، وَإِسْحَاق الخُزَاعِيّ، وَإِدْرِيْس الحَدَّاد، وَالحَسَن بن العَبَّاسِ الرَّازِيّ، وَإِسْمَاعِيْل النَّحَاس، وَمُحَمَّد بن شَاذَانَ الجَوْهَرِيّ، وَعَدَد كَثِيْر.قَدْ ذكرتهُم فِي(طبقَاتِ القُرَّاء). وَسَمِعَ الحَدِيْث مِنْ:عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُرْبَزَان، وَمُحَمَّد بن الحُسَيْنِ الحُنَيْنِيّ، وَإِسْحَاق بن إِبرَاهيم الدَّبَرِيّ، وَطَائِفَة. وَكَانَ إِمَاماً صَدُوْقاً أَمِيناً متصوناً كَبِيْر القدر. تَلاَ عَلَيْهِ:أَحْمَد بن نَصْرٍ الشذَائِي، وَأَبُو الفَرَجِ الشنبوذِي تلمِيذه، وَأَبُو أَحْمَدَ السَّامرِي، وَالمُعَافَى الجُرَيْرِيّ، وَابْن فُوْرَك القبَّاب، وَإِدْرِيْس بن عَلِيٍّ المُؤَدِّب، وَأَبُو العَبَّاسِ المُطَّوِّعِيّ، وَغَزْوَان بن القَاسِمِ، وَخَلْق. وَحَدَّثَ عَنْهُ:أَبُو طَاهِرٍ بن أَبِي هَاشِم، وَأَبُو الشَّيْخ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ شَاذَانَ وَاعتمده أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَالكِبَار وَثوقاً بنقله وَإِتقَانه لَكِنَّه كَانَ لَهُ رَأْي فِي القِرَاءةِ بِالشواذ الَّتِي تخَالف رسم الإِمَام فَنقمُوا عَلَيْهِ لِذَلِكَ وَبَالغُوا وَعزروهُ، وَالمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيْهَا فِي الجُمْلَةِ وَمَا عَارضوهُ أَصلاً فِيْمَا أَقرأَ بِهِ ليَعْقُوْب وَلاَ لأَبِي جَعْفَرٍ بَلْ فِيْمَا خَرَجَ عَنِ المُصْحَف العُثْمَانِيِّ ".
وأظن هذا القدر يبين أني لم أقع فريسة للروايات المشبوهة.

ويختتم السيد الكرخي تعقيبه بقوله: " إنَّ من يحاولون التشكيك بسلامة القرآن الكريم وتوجيه الطعون إليه يلجأون دائماً إلى الأقوال الشاذة أو يلجأون إلى آراء رجال شذوا بأفكارهم عن مجموع الأمة ، حيث لا يجدون شبهات حقيقية فيلجأون إلى هذا الأسلوب الواضح البطلان ، وسنلتقي في الحلقة الثالثة من هذا التعقيب بمشيئة الله بنموذج آخر يذكره الدكتور كامل النجار عن بعض الشاذين عن مجموع الأمة حين ينقل بعض الآراء المتطرفة عن إحسان إلهي ظهير بخصوص الشيعة وبخصوص صيانة القرآن الكريم عن التحريف ".

 
الحلقة الثالثة


بدأ السيد الكرخي رده الثالث بالآتي: " نبتدأ هذه الحلقة ببيان أستمرار الدكتور كامل النجار الإعتماد على الأقوال الشاذة ، فبعد أعتماده على القول الشاذ لأبن شنبوذ ، نجده يحاكي إحسان إلهي ظهير في نقله الأقوال الشاذة عن علماء الشيعة ومحاولة إظهارها كأنها الأقوال المعتمدة في المذهب ، مع ان أساطين علماء الشيعة واضحين كل الوضوح في القول بسلامة القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل والضياع ." وقد ذكرت في ردي الفائت أن أقوال ابن شنبوذ لم تكن شواذاً، فالرجل كان حجة في القراءات كما بيّنا. وأما عن قول بعض علماء الشيعة بتحريف القرآن، فقد أوردت ما قاله السيد النوري الطبرسي، وهو كان لا شك من علماء الشيعة. وكون أن السيد الكرخي اعتبر قوله يمثل رأيه الشخصي ولا يمثل رأي بقية الشيعة، فلا اعتراض لنا عليه، ولكنه رأي شخصي لشخص عالم في مذهب الشيعة.
ثم استمر السيد الكرخي فقال: " والقول الشاذ يعبر عن وجهة نظر صاحبه مهما علت منزلته ، فلا أحد أعلى من الحق أو فوق القانون كما في تعبيرنا المعاصر ـ إنْ صح التعبير ـ وأقوال المذهب تحدده مجموع أقوال أساطين علماءه ، ولنعد إلى ما كتبه الشيخ علي كوراني ليتضح لنا حقيقة موقف الشيعة من القرآن الكريم. " وسرد لنا السيد الكرخي أقوالاً مطولة تشرح مذهب الشيعة، الذي نعلم عنه الكثير، ولكن لا نود مناقشته في عجالات كهذه، لأن الأمر يحتاج إلى كتابٍ كامل. ولكني سوف أقف وقفة قصيرة عند رأي السيد محمد حسين الطباطبائي، فهو يقول: " ، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله بعينه ، فلو فرض سقوط شئ منه أو إعراب أو حرف أو ترتيب ، وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شئ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الإختلاف ، والهداية ، والنورية ، والذكرية ، والهيمنة على سائر الكتب السماوية ، الى غير ذلك ، وذلك كآية مكررة ساقطة ، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها ) . " فهو لا ينفي سقوط شئ من القرآن، بل يقول لو سقط شئ مثل آية مكررة أو اختلاف في نقطة، فهذا لا يؤثر على إعجاز القرآن وصفاته الأخرى، وبالتالي غير مهم. ولكن لو سقطت كلمة واحدة أو حتى حرف واحد، ينتفي القول بأن القرآن ذكر محفوظ من عند الله. فإذا لم يكن ذكراً محفوظاً من عند الله، جاز فيه التحريف. وهذا ما قال به السيد محسن الكاشاني (ونرجو المعذرة في الخطأ الإملائي في اسمه في مقال سابق). فقد قال السيد الكاشاني: " المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة، منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعه، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضى عند الله." وهذا في رائي قول صريح بتحريف القرآن رغم أن السيد الكرخي يقول إنما هو الأسلوب الذي اتبعه السيد الكاشاني في عرض الشبهة ثم تفنيدها. والسيد الكاشاني عندما قال " المستفاد من مجموع هذه الأخبار" بيّن لنا أن هناك عدة أشخاص من أهل البيت قالوا بتحريف القرآن . وكان من المفيد لنا لو وضّح لنا السيد الكرخي رد السيد الكاشاني على هذه الشبهة، إن كان فعلاً قد اعتبرها شبهة.

واستمر السيد الكرخي في تعقيبه فقال: " فأرجو من الدكتور كامل النجار وهو يبدو هنا حسن النية في نقله عن إحسان إلهي ظهير ولا يعرف مبلغ حقده على الشيعة إلى الحد أن ينسب لهم من كتبهم ما لم يعتقدوه مستخدماً التدليس والخداع ، أرجو منه أن لا نقل آراء الشيعة إلا من كتبهم ومصادرهم المعتبرة المعبرة عن رأي أساطينهم وأكابر المرجعيات الدينية عندهم. " وأنا أشكر للسيد الكرخي ثقته في حسن نيتي وأؤكد له أني دائما أتوخى حسن النية في ما أكتب وأنقل. أما طلبه مني بألا أنقل عن الشيعة إلا من كُتبهم، فقول يناهض البعث العلمي إذ لا بد للباحث أن يطلع على أراء الطرف الآخر في أي حجة أو مذهب، وينقل عنهم آراءهم. وأنا لا أعلم علم اليقين أن السيد إحسان إلهي ظهير حاقدٌ على الشيعة أم لا، لكن ما قرأته من كتاباته لم تُظهر لي حقداً على الشيعة، إنما اعتقاداً جازماً بخطأ مذهبهم.


تحريف التوراة مرة أخرى
كنت قد قلت سابقاً أن التزييف عن طريق السهو أو النقل لا بد أن يحدث، وإذا عرف أهل التوراة أن آيةً بعينها قد يكون بها تحريف وتنبهوا ونبهوا على ذلك، فلا غضاضة فيه، لكن إذا حرفوا حتى آية واحدة عمداً فكأنهم حرفوا جميع التوراة. فرد عليّ السيد الكرخي بقوله: " لكن رأي الدكتور كامل النجار في قوله (لأن الذي يحرف آيتين أو ثلاثة كالذي حرف جميع ما في الكتاب) لم يكن كذلك في ما سطره في (الحلقة الثانية /ق2) التي كتبها ردأ على التعقيب الثاني لي ، ونصه : (فأهل التوراة أو الإنجيل إذا عرفوا أن بعض الآيات غير صحيحة، ونبهوا عليها، فلا أرى غضاضة في ذلك) ، فهو تارة يعتبر أن كون بعض "آيات" التوراة غير صحيحة هو أمر لا غضاضة فيه ثم يخالف قوله فيقول أن من يحرف "آيتين" أو ثلاثة من التوراة فهو كالذي حرّف التوراة كلها ، فنرجو من الدكتور النجار تجاوز هذا التناقض في كتاباته القادمة." وطبعاً الفرق فيما قلت وفيما قال السيد الكرخي واضحٌ وضوح الشمس لأني كنت قد تحدث عن التحريف العمد والتحريف الذي يحدث عفوياً.

إبراهيم والعرب
كنت قد قلت، وما زلت أقول، إننا لا نملك أي دليل أن العرب كانوا يعرفون ثقافة التوحيد من النبي إبراهيم، ولكن السيد الكرخي يقول: " قال الدكتور كامل النجار : (أما كون العرب كانت لهم ثقافة توحيدية من النبي إبراهيم فقول ليس لدينا أي دليل تاريخي عليه. فإبراهيم الذي أتى من العراق سكن أرض فلسطين وكان يتكلم العبرية أو الآرامية ولم يُرسل للعرب لأن الله يقول في القرآن: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ". فثقافة العرب التوحيدية تعلموها من اليهود والنصارى الذين اختلطوا بهم) ، أي دليل تاريخي يطلب الدكتور النجار حول وراثة العرب لثقافتهم التوحيدية من إبراهيم الخليل عليه السلام مع أنه يعرف جيداً أنَّ قسماً كبيراً من العرب هم من أبناء إبراهيم عليه السلام وذريته ، فالعرب العدنانيون هم من ذرية عدنان الذي ينتسب لقبيلة قيدار ، وقيدار هذا هو أبن إسماعيل عليه السلام بن إبراهيم الخليل عليه السلام ، فبالتأكيد أنَّ إبراهيم عليه السلام لم يرسل للعرب فإنَّ قسماً كبيراً منهم هم من ذريته وظهروا إلى الوجود بعده بقرون طويلة ، فلماذا يرتضي الدكتور النجار أن يرث اليهود ثقافتهم ". وليس هناك أي جدال بأن العرب واليهود أبناء عمومة انحدروا من النبي إبراهيم. ولكن الفرق أن إبراهيم ظل في منطقة بيرشيبا في فلسطين وتوالت بعده الرسل من أبنائه على بني إسرائيل، فاستمرت لديهم ثقافة التوحيد. أما العرب الذين انحدروا من صلب ابنه إسماعيل فلم يأتي فيهم رسول، وحتى إن كان إسماعيل قد ترك في أبنائه المباشرين ثقافة توحيد، فقد انقرضت هذه الثقافة بسرعة نسبة لعدم تواصل الرسالات إليهم.

وعندما قلت في كتابي " دراسة نقدية للإسلام ": إن العرب قبل الإسلام كانوا قد عرفوا التوحيد من النصارى واليهود الذين خالطوهم، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله وعبيد الله، قال السيد الكرخي: " فهذا هو نص كلام الدكتور النجار فلماذا يناقضه هنا ويدعي أن العرب أخذوا ثقافة التوحيد من اليهود والنصارى الذين أختلطوا بهم ، فمن أين جاء العرب بلفظ الجلالة (الله) عزَّ وجل أسماً للإله الذي يعبدونه قبل الإسلام مع أن اليهود يعبدون إلهاً أسمه (يهوه) والنصارى يعبدون ثلاثة أقانيم تكون الإله هي الأب والأبن والروح القدس ، فلا تغرنّك أيها الدكتور النجار أستعمال المسيحيون لفظ الجلالة (الله) في الكتاب المقدس باللغة العربية فإنهم يفعلون ذلك تأثراً بالإسلام وإلا فأن إصدارات الكتاب المقدس باللغات الأجنبية غير العربية لا تحوي على هذا اللفظ المقدس. فمن أين جاء العرب بلفظ الجلالة (الله) لو لم يكن قد ورثوه من الحنيفية دين إبراهيم الخليل عليه السلام. " ويخيل إليّ هنا أن السيد الكرخي كالغريق الذي يتشبث بأي شئ يجده، فكونه ادعى أن النصارى استعملوا كلمة " الله" لتأثرهم بالإسلام، إدعاء باطل لأن الشعراء النصارى في دولة المناذرة في العراق، والشعراء النصارى في الدولة الساسانية في الشام قد استعملوا اسم الجلالة " الله" في أشعارهم بأمد طويل قبل ظهور الإسلام. فنجد أمية بن أبي الصلت يقول:
جزى الله الأجل المرء نوحاً جزاء البر ليس له كذاب

وفي أبيات منسوبة إلي زهير بن أبي سُلمى الشاعر المعروف إقراره بوجود اله عالم بكل ما في النفوس، هو "الله" لا تخفي علية خافية، فلا يجوز كتمان شئ عنه، وبوجود يوم حساب يحاسب فيه الناس علي ما قاموا به من أعمال، وقد ينتقم الله من الظالم في الدنيا قبل الآخرة.
فلا تكتمن الله ما في صدوركم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيودع في كتاب فيدخر ليوم حساب أو يعجل فينتقم

واسم الجلالة " الله" هو " اسم علم" وهو " علم مرتجل". وقد ذهب الرأي إلي أنه من أصل سرياني أو عبراني. أما أهل الكوفة فرأوا انه من ال " إله" أي من أداة التعريف " ال" ومن كلمة " إله". وهناك آراء لغوية أخرى في اصل هذه اللفظة " الطبري: تفسير 1/ 40" ، اللسان 17/358" . وقول السيد الكرخي: " إن إصدارات الكتاب المقدس بالغات الأجنبية لا تحوي على هذا اللفظ " فقول زائد عن الحاجة لأن اللغات الأجنبية لا تستعمل كلمة عربية واحدة في وسط آيات إنجيلية باللغة العبرية أو الإغريقية. والمسيحيون العرب قد ترجموا الإنجيل إلى اللغة العربية وترجوا اسم الجلالة إلى "الله" قبل ظهور الإسلام. ونود هنا أن نسأل السيد الكرخي: إذا كان العرب قد ورثوا ثقافة التوحيد من النبي إبراهيم، فمن أين أتوا بكلمة " الله" ؟ هل كان إبراهيم يتحدث العربية ؟

ثم يقول السيد الكرخي: " وايضاً فأن ما قاله الدكتور النجار من أن ثقافة العرب التوحيدية تعلموها من اليهود والنصارى الذين اختلطوا بهم يناقض ما قاله هو نفسه في كتابه (قراءة نقدية للإسلام) ونصه : (والظاهر من شعر هولاء الشعراء الجاهليين، ان عدداً كبيراً منهم كان على علم بالتوحيد، وبالله والملائكة والحساب والثواب والعقاب. ولم يبلغنا ان هولاء الشعراء كانوا يهوداً او نصارى) ، فهو في هذا الموضع يعترف بوجود شعراء عرب في الجاهلية لديهم عقيدة توحيدية ولم يكونوا من اليهود ولا المسيحيين ، فلماذا يحاول الدكتور النجار أن يناقض نفسه !" وطبعاً ليس هناك أي تناقض فيما قلنا، فهؤلاء الشعراء الذين تحدثت عنهم في كتابي " دراسة نقدية للإسلام " هم الشعراء الأحناف الذين اختلطوا باليهود وبالنصارى وتعلموا التوحيد منهم لكنهم وجدوا ما لا يستسيغون في كلا الديانتين، فلم يتبعوا أيً منهما.

تعلم موسى العبرانية
سرد لنا السيد الكرخي قصة عثور بنت فرعون على موسى وظهور أخته وقولها لبنت فرعون إنها تستطيع أن تُحضر لها مرضعةً ترضع الطفل، إلى أن قال: " فقالت لها أبنة فرعون أذهبي بهذا الولد وأرضعيه لي وأنا أعطي أجرتك ، فأخذت المرأة الولد وأرضعته ولما كبر الولد جاءت به إلى أبنة فرعون فصار لها أبناً ودعت أسمه موسى وقالت إني إنتشلته من الماء. وحدث في تلك الأيام لما كبر موسى أنه خرج إلى أخوته لينظر في أثقالهم ، فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من أخوته)إلخ ، فهذا النص يدل على أن موسى كان معروفاً بأنه ينتمي إلى بني إسرائيل منذ أول لحظة علاقته بالأسرة الفرعونية ، وهو حين كبر كان يعلم بأنتمائه وأنه من بني إسرائيل ، بل هو كان مرتبطاً بهم عاطفياً يتفقد حالهم ، فمن هذا حاله فليس من المستغرب انه يتعلم لغة قومه ليسهل عليه الإتصال بهم. " ولكننا نعرف أن الرضاعة تكون لمدة عامين على الأكثر، فأم موسى لا بد أنها أرجعته إلى بنت فرعون عندما صار عمره حوالي عامين، ليصبح ابنها، ولو مكث مع أمه حتى كبر ما كان ليصبح ابناً لبنت فرعون. فإذا رجع إلى القصر وعمره سنتين أو ثلاثة، فليس من المعقول أن يكون قد تعلم اللغة العبرية وهو ابن عامين، فلا بد أن لغته ستكون لغة آل فرعون بالقصر، ولا يتسنى له في مثل هذا الوضع أن يتعلم لغة بني إسرائيل.

تحريف التوراة مرة أخرى
قال السيد الكرخي في مقال سابق إن السيد الطباطبائي قال: " غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مخالفة للتوراة الاصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة ". فلما جاوبناه بنفس القول من السيد الطباطبائي، رد السيد الكرخي بقوله: " فالسيد الطباطبائي حين أورد هذه الجملة في كتابه لم يكن لديه التوراة الأصل ليعرف إن كانت التوراة الموجودة قد أيديهم زمن النبي غير مخالفة للأصل كلياً، وإنما اعتمد على آيات القرآن في ذلك، وأنا كذلك اعتمدت على آيات القرآن) ، فكما قدمنا في بداية الحلقة الأولى من هذا التعقيب ـ الثالث ـ أن آيات القرآن الكريم ذات دلالة على (أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام (( فيها هدى ونور يحكم بها النبيون )) ، إذن التوراة فيها أحكام شرعية ومواعظ (هدى ونور) يحكم بها النبيون) ولذلك ذهب السيد الطباطبائي إلى عدم مخالفة التوراة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) للتوراة الأصلية بصورة عامة ، أي يوجد تطابق لدرجة ما بين النصين للتوراة لا سيما في الأحكام الشرعية ". إذاً ولا السيد الطباطبائي ولا السيد الكرخي يعلم شيئاً عن التوراة قبل ظهور الإسلام، وكل حججهم عن التحريف مأخوذة من القرآن بدون دليل تاريخي يثبت دعواهم. وهذا متوقع من شخص يؤمن بعقيدة معينة ويحاول تصغير شأن ما عداها. وهذا يرجعنا إلى ما قلنا سابقاً أن لكل عملة وجهين، ويجب النظر إلى الوجهين. ولكن الأشخاص الذين ينظرون إلى وجه واحد سيجدون أن المناوئين لهم سوف ينظرون إلى الوجه الآخر فقط، ويكيلون نفس التهم لمعتقداهم. ولذا حاولت أن أتفحص الوجهين دون التحيز لواحد منهما.

الحلقة الأخيرة

الناسخ والمنسوخ
نقل السيد الكرخي شرحاً مطولاً من كتاب (البيان في تفسير القرآن) للسيد الخوئي يشرح فيه معاني وأنواع النسخ، ومع أن السيد الكرخي كان قد استماح لنفسه العذر في نقل هذا الشرح المطوّل، إلا أنه رغم ذلك أطال أكثر من اللزوم دون أن يفيد كثيراً. فلا نعتقد أنه قد بدد أي شئ من الظلام الذي يحيط بهذه المسألة في القرآن. فالذين شرحوا القرآن يخبرونا أن هذا القرآن قد كُتب في لوح محفوظ من قبل أن يخلق الله الأرض ومن عليها. وبما أن الله عليم بكل شئ سوف يحدث مستقبلاُ، ويعلم أسماء وصفات البشر الذين لم يخلقوا بعد، بدليل أن المفسرين أخبرونا أن الله قد أخذ من ظهر آدم جميع ذريته فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلاً وأخذ ميثاقهم بأن يؤمنوا به ويعبدوه، كما جاء في سورة الأعراف، الآية 172: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ". فالله الذي فعل كل هذا وكتبه في اللوح المحفوظ لا يمكن أن يُنزل على رسوله الآية 234 من سورة البقرة : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً " ثم من بعد خمسة آيات من نفس السورة يُنزل عليه الآية 240: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ". ثم يأتي المفسرون ويأتون بحركات عقلية بهلوانية ليحاولوا إقناعنا أن الآية 234 نسخت الآية التي لم تنزل بعد، أي الآية 240. فهل الله الذي كتب هذا القرآن في اللوح المحفوظ واحتفظ به كل هذه الملايين من السنين قبل أن ينزله على رسوله، لم يحدد عدة المتوفى عنها زوجها، فأنزل الآية 234 التي حددتها بأربعة أشهر وعشرة أيام، ثم بعد خمسة آيات قال إنها سنة كاملة، ثم قرر أن ينسخ الآية الأخيرة بالآية الأولى ؟ ولا يستطيع الفقهاء إقناعنا بأن الظروف التي نزلت فيها الآية قد تغيرت، لأن الظرف الزمني بين الآيتين لا يسمح بذلك. ولماذا نزلت الآية الأخيرة إذا كان الله قد نسخها بالتي قبلها؟
وقد حاول السيد الكرخي شرح هذه النقطة بأن قال: " وقد يكون الحكم المجعول حكما حقيقيا ، ومع ذلك ينسخ بعد زمان ، لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الامر ، كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات ، بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله ، مجهول عند الناس ، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان ، لانتهاء أمده الذي قيد به ، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها . والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا ، بداهة ". ونقول للسيد الكرخي إن هذا المنطق لا يُقنعنا، فقد نفهم حسب طبيعة تطور الأمور أن ينتهي العمل بقانون معين مضى عليه زمن وتغيرت ظروف الناس الذين يُطبق عليهم هذا الحكم، أما أن يُنسخ الحكم قبل نزوله، كما بينا في الآيتين من سورة البقرة، فأمر يصعب فهمه. ثم أن أغلب النسخ بدأ بعد الهجرة، وكل مدة نزول القرآن في المدينة كانت عشرة سنوات، فهل تغيرت الظروف في مدى عشرة سنوات لدرجة تفسر كل هذا الكم الهائل من النسخ ؟ فلو غيرّت حكومة وضعية قوانينها بهذه السرعة لما قبل المواطنون ذلك منها.

وبعد أن تكلم السيد الكرخي بإسهاب عن النسخ في التوراة والإنجيل اللتين يقول إنهما محرفتان كليةً، ولا يهم إذاً إن كان بهما نسخ أو ليس بهما، كتب عن النسخ في الإسلام فقال: " النسخ في الشريعة الاسلامية : لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ ، فإن كثيرا من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الاسلامية ، وإن جملة من أحكام هذه الشريعة قد نسخت بأحكام اخرى من هذه الشريعة نفسها ، فقد صرح القرآن الكريم بنسخ حكم التوجه في الصلاة إلى القبلة الاولى ، وهذا مما لا ريب فيه "
ولا شك أن المسلم الذي يقبل الإسلام كما علموه إياه في المدارس لن يناقش في حكمة تغيير القبلة ونسخ القبلة الأولى. لكن يحق لنا أن نسأل هنا، ونحن نعلم من المفسرين أن الكعبة هي أول بيت بُنى للناس، وصلى عليها إبراهيم وإسماعيل الذين أتي النبي ليكمل رسالتهما الحنيفية، فلماذا جعل محمد قبلته إلى القدس التي لم يكن بها مسجدٌ أقصى في ذلك الوقت، بل كان بها كنيسة المهد وبقايا هيكل سليمان ؟ ولا شك أن الله سبحانه وتعالى قد عرف مسبقاً أن النبي يحب أن يصلي إلى الكعبة وكان يتطلع إلى السماء في انتظار الإذن من الله في تحويل القبلة، فهل من المقبول عقلاً أن يجعل الله النبي يصلي إلى بيت المقدس ثلاث عشرة أو خمس عشرة سنة وهو يعلم مسبقاً أن القبلة سوف تكون الكعبة، فيضطر أن ينزل عدة آيات يبرر بها التحويل وينسخ القبلة الأولى ؟ وكان من الممكن أن تستمر القبلة إلى بيت المقدس إذ ليس هناك أي حكم قد انتهت مدته الزمنية، وليس هناك أي مصلحة واضحة من التغيير. فماذا يضير الإسلام لو أن النبي ظل يصلي نحو القدس ؟
ويستمر السيد الكرخي فيقول: " وإنما الكلام في أن يكون شئ من أحكام القرآن منسوخا بالقرآن ، أو بالسنة القطعية ، أو بالاجماع ، أو بالعقل . وقبل الخوض في البحث عن هذه الجهة يحسن بنا أن نتكلم على أقسام النسخ ، فقد قسموا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام : "
1- نسخ التلاوة دون الحكم: يقول السيد الكرخي إن نسخ آية الرجم التي قال عمر بن الخطاب إنها كانت من القرآن وسقطت عنه، استشهاد لا يُعتمد عليه لأنه أتى من شخص واحد فقط. وهذا كلام منطقي ومعقول، لو أن الخبر جاء من عمر فقط، ولكن زر بن حبش قال: " قال لي أبي بن كعب: يا زر كأيّن تقرأ سورة الأحزاب ؟ قلت: ثلاث وسبعين آية، قال: كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ آية الرجم، وفي لفظ، وإن في آخرها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، فرفع فيما رفع " (الناسخ والمنسوخ: هبة الله سلامة بن نصر بن علي البغدادي) وكذلك من غير المعقول أن يرفض السيد الكرخي قول عمر، لأنه آحادي، ثم يأخذ بالعمل بآية الرجم، في تعارض واضح مع القرآن الذي قال إن عقاب الزانية هو الجلد، ولم يحدد إذا كانت متزوجة أم لا. وطبعاً اعتمد فقهاء المسلمين هنا على رواية غير مثبتة قطعياً أن النبي رجم امرأة يهودية كانت قد زنت. وكون فقهاء الإسلام أتوا بباب في النسخ سموه: منسوخ التلاوة باقي الحكم، يجعل موضوع النسخ كله أكثر تخبطاً. فإذا أراد الله أن يحفظ الحكم، فما الداعي إلى نسخ أو محو الآية ؟ خاصةً إذا عرفنا أن الحكم نفسه فيه نظر، فقد قرأ أبي بن كعب: " ولا تقربوا الزنا إنه فاحشةٌ ومقتاً وساء سبيلاً إلا من تاب ، فإنّ الله كان غفوراً رحيماً " فذُكر ذلك لعمر بن الخطاب، فأتاه فسأله عنها، فقال: أخذتها من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لك عمل إلا الصفق بالبقيع. فإذا كان الله قد قال في هذه الآية التي أصر أبي أنه سمعها من النبي مباشرةً، إن الزاني أو الزانية يغفر الله لهما إن تابا، يصبح حكم الرجم حكماً مشكوكاً فيه، لأنه يمنع التوبة عن الزاني بعد أن منحه الله إياها.
2- نسخ التلاوة والحكم: وهنا يمحو الله الآية ويمحو حكمها، وقد يكون هذا معقولاً إذا انتسخ الحكم، غير أن المرء لا يتمالك أن يسأل لماذا كلف الله نفسه بإنزالها في المكان الأول ؟ فمثلاً ما ورد عن عائشة أم المؤمنين، التي قال عنها الرسول: " خذوا نصف دينكم من الحُميراء " عندما قالت: (كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعاتٍ معلومات يحرمن، ثم نُسخ بخمس معلومات ). فهل يستحق إنزال عدد الرضعات من عشرة إلى خمسة إزالة الآية من القرآن ؟ وما الفرق بين خمسة وعشرة رضعات ؟ وهل هناك امرأة أرضعت طفلاً وحسبت عدد الرضعات ؟ وهل تغيرت البيئة العربية لدرجة أن خمسة رضعات أو عشرة رضعات سوف تؤثر في طبيعة العلاقات بين الناس لدرجة جعلت الله ينسخ الآية الأولى ويمحوها من الكتاب ؟
3- منسوخ الحكم دون التلاوة: وهنا يقول السيد الكرخي: " نسخ الحكم دون التلاوة : وهذا القسم هو المشهور بين العلماء والمفسرين ، وقد ألف فيه جماعة من العلماء كتبا مستقلة ، وذكروا فيها الناسخ والمنسوخ . منهم العالم الشهير أبو جعفر النحاس ، والحافظ المظفر الفارسي ، وخالفهم في ذلك بعض المحققين ، فأنكروا وجود المنسوخ في القرآن . وقد اتفق الجميع على إمكان ذلك ، وعلى وجود آيات من القرآن ناسخة لاحكام ثابتة في الشرائع السابقة ، ولاحكام ثابتة في صدر الاسلام . ولتوضيح ما هو الصحيح في هذا المقام نقول : إن نسخ الحكم الثابت في القرآن يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة :
1 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة ، أو بالاجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم عليه السلام وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلا ونقلا ، فإن ثبت في مورد فهو المتبع ، وإلا فلا يلتزم بالنسخ ، وقد عرفت أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد. "
وهنا يحتار العقل إذ كيف يكتب الله القرآن في لوح محفوظ منذ الأزل وينزله على نبيه، ويقول : " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون " ثم يسمح لنبيه بأن ينسخ هذه السورة أو الآية التي فرضها هو ؟ ولماذا الخلاف هنا، ونحن نعرف أن الله عندما أراد أن ينسخ آيةً أو يُنسئها، أنزل آية أحسن منها أو مثلها ؟ فكيف تُنسخ بعض الآيات بأفعال أو قوال النبي دون أن ينزل الله آية أخرى أحسن منها أو مثلها ؟
3 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق ، ولا مبينة لرفعه ، وإنما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما فيلتزم بأن الاية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة. والتحقيق : أن هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن ، كيف وقد قال الله عز وجل : " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 4 : 82 " . ولكن كثيرا من المفسرين وغيرهم لم يتأملوا حق التأمل في معاني الايات الكريمة ، فتوهموا وقوع التنافي بين كثير من الايات ، والتزموا لاجله بأن الاية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة ، وحتى أن جملة منهم جعلوا من التنافي ما إذا كانت إحدى الايتين قرينة عرفية على بيان المراد من الاية الاخرى ، كالخاص بالنسبة إلى العام ، وكالمقيد بالاضافة إلى المطلق ، والتزموا بالنسخ في هذه الموارد وما يشبهها ، ومنشأ هذا قلة التدبر ، أو التسامح في إطلاق لفظ النسخ بمناسبة معناه اللغوي ، واستعماله في ذلك وإن كان شائعا قبل تحقق المعنى المصطلح عليه ، ولكن إطلاقه - بعد ذلك- مبني على التسامح لا محالة ].
والسيد الكرخي هنا يقول لنا إن أناساً مثل الطبري وابن كثير الذين قضوا كل أعمارهم في تأمل ودراسة القرآن، لم يتأملوه بما فيه الكفاية، فقالوا بنسخ بعض الآيات بالتعارض، بينما لا يوجد هذا التعارض في القرآن. والواقع أن التعارض أكثر من أن نعده في هذه العجالة، كما قلنا سابقاً، وأعطينا مثالاً لذلك. ونقل لنا السيد الكرخي قول السيد أبي القاسم الخوئي وقدمه لنا على أنه قول متفق عليه من الفقهاء، وما هو كذلك. فمن الفقهاء من قال بالنسخ بالإستثناء مثل الحسن وقتادة (فتح المنان في نسخ القرآن) وكذلك الطبرسي. ومنهم من قال بالنسخ بتقييد المطلق، مثل قول عكرمة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، في الآيتين: " حُرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " و " قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ". بل قال بعضهم إن كل جملة استثنى الله منها بإلا، فإن الاستثناء ناسخ لها. ويقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدي: " قال قوم-لا يعدون خلافاً- ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ، وهؤلاء قوم عن الحق صدوا وبإفكهم عن الله ردوا ".

وعندما قلنا إن القرآن ملئ بالتناقض ومثلنا بالآيتين : " ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً " والآية: " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن إن أنتم إلا تخرصون " رد علينا السيد الكرخي بقوله: " فأين التناقض "الواضح" أو حتى غير الواضح !؟ فالآية الأولى تتحدث عن مشيئة الله عزَّ وجل وأن تلك المشيئة الإلهية تمتنع عن إجبار الناس على الإيمان لأن ذلك ينافي التكليف ، والآية الثانية تتحدث عن تكذيب المشركين للأنبياء حين أدعوا أن الله لو شاء أن يمنعهم من الشرك لمنعهم ولكنه حيث لم يمنعهم فلا بأس بشركهم ، فنزلت الآية لتبين تكذيبهم المذكور ، فمدار الآيتين أن الله عزَّ وجل لا يجبر إنساناً على الشرك لأن ذلك ينافي التكليف. "
وأظن السيد الكرخي هنا يفسر الآيات حسب ما يخدم غرضه، فليس هناك أي شئ يدل على عدم إجبار الناس على الإيمان. الآية الأولى صريحة في قولها: لو شاء الله ما أشركوا، وهذا يعني أن الله لو أراد لهم ألا يشركوا لآمنوا. وعندما قال المشركون: لو أراد الله ما أشركنا، رماهم الله بالكذب. وهذا تناقض واضح. وهناك آيات أخرى تزيد من التناقض، فمثلاً: " ولو أنا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قُبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ( الأنعام 111) وكذلك: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " (الإنسان 30). فكل هذه الآيات تُثبت أن الإنسان لا يؤمن إلا إن شاء الله له أن يؤمن.


الإنجيل أم الأناجيل
احتج السيد الكرخي على استعمالنا لكلمة الإنجيل بدل الأناجيل لأن للمسيحيين أربعة أناجيل ولم تُجمع هذه الأناجيل منفردة عن التوراة (العهد القديم). والانفراد هنا لا حاجة له لأن المسيح جاء ليكمل رسالة موسى التي احتوت على معظم التشريع ولم يكن هناك داع لإعادة نفس التشريع. فأخذ المسيحيون تعاليم التوراة مع إنجيلهم الذي يتكون من أربعة كتيبات وسموا الكل The Bible أي الإنجيل.
واستمر السيد الكرخي فقال: " ثم ألم يذكر الدكتور النجار في موضع آخر حين تطرقنا إلى قصة النبي نوح عليه السلام ما نصه : (وأما قصة نوح وقومه فقصة لا نملك من تفاصيلها إلا ما أخبرنا به القرآن ولذلك لا نرى جدوى في مناقشتها، لأنها مسألة غيبية) ، فهو يعتقد أن ما يذكره القرآن هو أمور غيبية لا جدوى في مناقشتها ، فلماذا يخالف هذا القول هنا ويقول بأنه قال كلمة الإنجيل إتباعاً للقرآن ، فهلا أتبع القرآن في قصة النبي نوح عليه السلام أيضاً ! وإلى متى نظل نقرأ مثل هذا المنهج المتناقض عنده ؟! " وأنا لا أرى أي تناقض هنا. فإذا وجدنا نفس القصة في التوراة والقرآن فيمكن أن نقول إن أحدهما نقل من الآخر، ولكن إذا لم نجد القصة إلا في القرآن، أو قصة تختلف تفاصيلها القرآنبية عن التوراتية، وليس لدينا أي حفريات أو كتابات أخرى تثبت ما قال القرآن، يصبح الأمر من الغيبيات التي يؤمن بها من يؤمن بالقرآن وينكرها من لا يؤمن به. وعندما قلت إني ذكرت الإنجيل كما جاء في القرآن، فكان قصدي أن أقول للسيد الكرخي: حتى القرآن الذي تؤمن به يقول الإنجيل ولا يقول الأناجيل.

فهم المسيحية
عندما قلت إن العرب كانوا على علم بالتوحيد لأنهم تعلموه من اليهودية والمسيحية ولم يكن لهم حاجة بالإسلام ليعلمهم التوحيد، وإن عيسى كان مرسلاً لبني إسرائيل، اتهمني السيد الكرخي بعدم فهم المسيحية واليهودية، وقال: " فهو هنا يدل بلسانه على عدم فهمه للمسيحية ولا للإسلام ، فقول الدكتور النجار بأن المسيحية إنما أنزلها الله لبني إسرائيل يتعارض مع العقيدة المسيحية نفسها ، ففي إنجيل متى (19:28) ما نصه : (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، وعمّدوهم باسم الأب والأبن والروح القدس) ، فهذا القول هو آخر ما ينسبه أنجيل متى للمسيح عليه السلام وبذلك يكون ناسخاً لما ورد في إنجيل متى (10 : 5و6) ونصه : (وأرسل يسوع هؤلاء التلاميذ الأثني عشر وأوصاهم قال : "لا تقصدوا أرضاً وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية بل أذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل") ، وبذلك تكون المسيحية ديانة عامة لكل الأمم وليس لقوم معينين ، هذا بحسب دعواهم. "
فدعنا نرى ماذا قال غيري عن المسيحية. يقول الدكتورمحمد أحمد الحاج في كتابه (النصرانية من التوحيد إلى التثليث/ دار القلم/ دمشق) : " وما جاء به عيسى عليه السلام إلا تعاليم سامية، جاءت للشعب اليهودي الذي استغرق في المادية وانحرف عن شريعة موسى عليه السلام. ولم يأت المسيح عليه السلام بشريعة جديدة، بل كان يعتبر التوراة شريعته، اللهم إلا بعض التشريعات المعدلة التي جاءت تخفيفاً على بني إسرائيل. بقي عيسى عليه السلام طيلة إقامته يبشر اليهود بدعوته ولم يحدث أن اجتاز بدعوته حدود الأقاليم اليهودية، وكما قلنا كانت رسالته تعاليم روحية لليهود لم تخرج عن نطاق شريعة موسى عليه السلام، ولكننا اليوم نجد أنفسنا أمام ديانة مسيحية منفصلة تماماً عن اليهودية، وبينما نجد اليهودية ديانة قومية لا تبشر ولا تقبل غير اليهود، نجد النصرانية ديانة تنتشر في شتى البقاع، فكيف انفصلت المسيحية عن اليهودية لتشكل ديناً جديداً ؟ وكيف خرجت عن النطاق الإقليمي لتدعو جميع الأمم ؟ ولدى تتبع أسفار العهد نجد أن هذا الافتراق لم يحدث في زمن المسيح عليه السلام، وإنما جاء متأخراً، وقد أوردنا كيف أن المسيح كان يأمر أتباعه المبشرين بدعوته أن لا يدخلوا غير مدن اليهود. والافتراق والخروج عن الإقليمية اليهودية بدأ به بطرس وبولس. " فيبدو أنني لست الوحيد الجاهل بالمسيحية.

تشويش على الحقائق التاريخية
عندما قلت إن العرب أُجبروا على دخول الإسلام بالسيف ثم ارتدوا عنه بعد موت رسوله، قال السيد الكرخي: " وكما ترون أن هذه الدعاوى متهافتة جداً ، فمن الواضح أن الإسلام لم يجبر أحداً على الإطلاق على أعتناقه ، ولا يوجد في الشريعة الإسلامية مثل هذا الإجبار ولا المسلمون الأوائل الذين قاموا بالفتوحات الإسلامية فعلوا ذلك ، ونحن نعلم جيداً إحترام الإسلام لكل الأديان وأنَّ ((لا إكراه في الدين)) آية عظيمة كانت منهجاً قويماً لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ونعلم جيداً أن هناك الكثير جداً من الأمثلة على التسامح الديني للإسلام تجاه الديانات الأخرى ، فمن أبسط الأمثلة هو وجود العشرات من الكنائس في بلاد الشام والعراق منذ عصر ما قبل الإسلام وإلى اليوم لم تزل باقية بفضل التسامح الإسلامي ، ونعلم وجود الملايين من الهندوس والسيخ والبوذيين في بلاد الهند وقد عاشوا تحت سلطة دول إسلامية خضعوا لها ولم تجبرهم على تغيير معتقداتهم ، فالفتوحات الإسلامية كانت تهدف لإزالة الدول الظالمة التي تمنع إنتشار الإسلام أو الخضوع لسلطانه السياسي ، فلماذا هذا التشويه لحقائق التأريخ أيها الباحث المنصف ؟! "
وهذا ما عنيته عندما قلت إن المسلمين يغالطون الحقائق بإسلوب إنشائي محفوظ يرددونه كلما سنحت لهم الفرصة. فاهو السيد الكرخي يقول " ونحن نعلم جيداً احترام الإسلام لكل الأديان الأخرى " ولا شك أن السيد الكرخي قد قرأ كثيراً من كتب التفسير التي لا تذكر اليهود أو النصارى إلا ويقول المفسر " لعنهم الله ". وقد ذكرنا مراراً تحطيم الكنائس وإقامة المساجد في أماكنها كما حدث وقت بناء المسجد الأموي في دمشق وكما حدث في الأندلس وليبيا والمغرب وغيرها، ولا داعي لتكرار طرد اليهود والنصارى من جزيرة العرب. ولا يحتاج السيد الكرخي للنظر بعيداً، فهو لا شك رأي وسمع ما فعل إخوانه المجاهدين في بغداد عندما نسفوا الكنائس وضربوا النساء المسيحيات وأجبروهن على لبس الحجاب. أما عن تسامح الدولة الإسلامية مع الهنود، فما كان للمسلمين أن يدخلوا الهند أصلاً إذ لم يحاربهم الهنود ولم يُعينوا أحداً عليهم. كونهم دخلوا الهند عنوة وقتلوا آلاف الهنود، كما فعل محمد بن قاسم قائد جيوش الحجاج بن يوسف، يدل دخولهم هذا على أحد أمرين: أما إنهم دخلوا ليجبروا الهنود على الإسلام أو إنهم دخلوا لينهبوا خيراتهم ويفرضوا عليهم الجزية " عن يد وهم صاغرون ".واحترام الإسلام لأقباط مصر واضح للعيان,
ثم يستمر السيد الكرخي فيقول: " وأما قوله بارتداد العرب في بلاد الشام عن الإسلام حال سماعهم بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو قول عجيب لأننا نعلم جيداً أن المسلمين لم يدخلوا بلاد الشام إلا بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكيف أرتدوا عند سماع وفاته !! حسناً فلنحتمل أن يكون مقصد الدكتور النجار أن العرب في شبه الجزيرة عامة قد دخلوا في الإسلام بحد السيف ثم أرتدوا عنه حال وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهذا أيضاً مخالف للتأريخ ، لأن العرب في شبه الجزيرة قد دخلوا في الإسلام طواعية ولم يتم إجبارهم على إعتناق الإسلام ، وكان يسمى عام دخولهم في الإسلام طواعية عام الوفود وهو سنة 9 هـ ، وأما دعوى ارتدادهم عن الإسلام حال وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهي غير تامة أيضاً لأن أشهر المرتدين عن الإسلام وهو الأسود العنسي قد أرتد في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وليس بعد وفاته ، وقتل أيضاً في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأن قسماً كبيراً ممن أطلق عليهم أسم الإرتداد عن الإسلام إنما كان ذلك لأنهم رفضوا سلطة الخليفة أبي بكر بن أبي قحافة الذي لم يكن يستحق في نظرهم ان يكون خليفة ، فهم لم يرتدوا عن الإسلام في حقيقة الأمر بل اطلقت السلطة عليهم هذا الأسم لتستحل قتلهم لخروجهم عن طاعتها ، كما هو حال الأنظمة الظالمة في عالمنا اليوم التي تطلق ماشائت من التهم والأوصاف على معارضيها "
لا أدري كيف يقول السيد الكرخي إن العرب في شبه الجزيرة دخلوا الإسلام طواعية بينما نعلم أن النبي قام بسبع وعشرين غزوة وكانت سراياه 56 (شذرات الذهب للدمشقي، ج1، ص3). فهل كانت هذه السرايا لإقناع العرب بدخول الإسلام بالمنطق ؟ أما عام الوفود الذي يتحدث عنه السيد الكرخي فهذا كان بعد حصار وهزيمة بني ثقيف عام 9 وجاءت بقية القبائل التي لم تكن قد أُجبرت بعد على الإسلام لتقدم طاعتها لمعرفتهم أن جيوش المسلمين سوف تغزوهم وتسبي نساءهم وأطفالهم إن لم يسلموا. أما ارتداد العرب بعد موت الرسول فلا جدال فيه. فلنقرأ ما كتب المبرد في التاريخ الكامل عن حروب الردة: " وأما أخبار الردة فإنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم وسيّر أبو بكر جيش أسامة ارتدتْ العربُ وتضّرمتْ الأرضُ ناراً وارتدتْ كلُّ قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً، واستغلظ أمر مسيلمة وطليحة واجتمع على طليحة عَوَامّ طيىء ، وأسد ، وارتدت غطفان تبعاً لعيينة بن حصن فإنه قال : " نبيُّ من الحليفين - يعني أسداً وغطفان - أحبّ إلينا من نبي من قريش ، وقد مات محمد وطليحة حيٌ فاتبعه وتبعته غطفان ، وقدمتْ رسل النبي صلى الله عليه وسلم من اليمامة وأسد وغيرهما وقد مات فدفعوا كتبهم لأبي بكر وأخبروه الخبر عن مسيلمة وطليحة فقال : لا تبرحوا حتى تجيء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم ، فكان كذلك وقدمت كتب أمراء النبي صلى الله عليه وسلم من كل مكان بانتقاض العرب عامة وخاصة وتسلطهم على المسلمين ." فالمبرد يقول إن كل العرب ما عدا قريش وثقيف قد ارتدت، وبعضهم تبع رسولاً غير قرشي. فالأمر لا يتعلق بخلافة ألي بكر، بل بالإسلام الذي أُجبروا على اعتناقه بحد السيف.

تجسيد الآلهة يعني عبادة الأصنام
لما قلت إن العرب عرفوا تجسيد الآلهة في أصنامهم، قال السيد الكرخي: " ولا أعلم كيف فات هذا الأمر على الدكتور النجار ، فعبادة الأصنام لا تعني تجسد الآلهة ، فتجسد الآلهة يعني نزول الآلهة إلى الأرض لتعيش بين الناس بهيئتها البشرية ، والأساطير اليونانية والرومانية مليئة بنماذج على تجسد الآلهة بهذا المعنى ، يضاف لذلك ما جاء في إنجيل برنابا ونصه : (وكانت عادة الرومان أن يدعوا كل من فعل شيئاً جديداً فيه نفع للشعب إلها ويعبدوه فلما كان بعض هؤلاء الجنود في نايين وبخوا واحداً بعد آخر قائلين : " لقد زاركم أحد آلهتكم وانتم لا تكترثون له حقاً لو زارتنا آلهتنا لأعطيناهم كل ما لنا وانتم تنظرون كم نخشى آلهتنا لأننا نعطي تماثيلهم افضل ما عندنا " ، فوسوس الشيطان بهذا الأسلوب من الكلام حتى انه أثار شغبا بين شعب نايين ولكن يسوع لم يمكث في نايين بل تحول ليذهب إلى كفر ناحوم ، وبلغ الشقاق في نايين مبلغاً قال معه قوم : إن الذي زارنا إنما هو إلهنا ، وقال آخرون : إن الله لا يُرى فلم يره أحد حتى ولا موسى عبده فليس هو الله بل هو بالحري ابنه ، وقال آخرون : انه ليس الله ولا ابن الله لان ليس لله جسد فيلد بل هو نبي عظيم من الله "
وبالطبع فإن كلمة تجسيد مشتقة من جسد وجسّد، أي جعل له جسداً. ونحن نقول جسد فلان فكرته، أي جعلها ظاهرة كالمحسوسة، ونعرض المجسدات أو المجسمات في المعارض، وهي عبارة عن أشكال مصغرة لمشروع بناء هندسي مثلاً. وتماثيل الرؤساء العرب من أمثال صدام حسين ما هي إلا مجسدات. وأول ما ظهرت فكرة تجسيد الآلهة كانت في القبائل التي تطورت من عبادة أرواح الأسلاف التي لم تكن محسوسة أو ملموسة، إلى عبادة جذع شجرة أو صخرة كبيرة يستطيع المتعبد أن يحسها بيده ويتمسح بها لتعطيه إحساساً بالطمأنينة أكبر مما تعطيه الروح التي لا يراها. ثم لما عبد الإغريق آلهة السماء المتعددة، كانت الفكرة ما زالت بعيدة عن ذهن الإنسان العادي، فبنوا الأكروبولس على قمة جبل الأولمبياد ووضعوا فيه تماثيلاً ضخمة في هيئة الإنسان أو في هيئة الحصان لتمثل لهم آلهة السماء التي أصبح في مقدورهم وقتها أن يلمسوها ويحتكوا بها ويذبحوا عند أقدامها القرابين. ثم زادوا في ذلك بعد أن اتسع تخيلهم للآلهة، وجعلوا الإله " زيوس " مثلاً ينزل ويعيش في الأكروبولس بينهم لفترة معينة كل عام. ثم جاء الرومان وزادوا على ذلك بأن جعلوا أعظم قياصرتهم آلهة. فتجسيد الآلهة مر بعدة مراحل من بينها عبادة الأصنام ونزول الآلهة لتعيش بين الناس. وبهذا المفهوم قلنا إن العرب كانوا قد عرفوا تجسيد الآلهة.

حول البيئة الصحراوية
يقول السيد الكرخي: "وقد حدث هنا أيضاً سوء فهم لعله غير مقصود ، فقد تحدثتُ عن "بيئة صحراوية قاسية" ولم أتحدث عن "حرارة الصحراء" ويبدو لي الفرق واضح بين التعبيرين ، فهناك مناطق عديدة في العالم تتميز بإرتفاع درجة حرارتها ولكن بيئتها ليست قاسية بقساوة بيئة شبه الجزيرة العربية ، نعم الحرارة المرتفعة هي أحد أسباب قساوة تلك البيئة ولكنها ليست كل الأسباب ، فالجفاف وقلة المراعي وقلة مصادر المياه ووجود اللصوص وقطاع الطرق وسعة الصحراء الممتدة بين مدنها ، والتخوف من الكثبان الرملية ، والخوف من وحوش الصحراء ، وأمور أخرى نجد ذلك كله يشكل البيئة القاسية التي تميزت بها صحراء العرب في شبه الجزيرة العربية ، وإلا فإذا كان الأمر كما ذكره الدكتور النجار من ان المبشرين كانوا مع البدو يرحلون معهم حيث رحلوا ، فلماذا لم نتعرف على شخصية أي مبشر ممن ذكر ولم تصل إلينا أي أخبار عن أولئك المبشرين القادمين من الحيرة أو من بلاد الشام أو من غيرها ؟! " والسيد الكرخي لا شك يعلم أن قوافل قريش كانت تجوب الصحارى شمالاً إلى الشام والعراق، وجنوباً إلى اليمن، وكان التجار من تلك البلاد يأتون إلى مكة بتجارتهم. وكانت كل هذه القوافل تسير على طرق معروفة، أثرها موجود حتى الآن في غرب المملكة العربية السعودية. هذه الطرق كانت عليها آبار واستراحات كان بأغلبها أديرة مسيحية يقدّم قساوستها للتجار الطعام والشراب ويقرؤون عليهم قصص الكتاب المقدس (كما يقول الدكتور جواد علي في سفره القيم- تاريخ العرب قبل الإسلام). هذه الرحلات التي احتملها تجار قريش وتجار الشام واليمن، لا بد أن يكون قد احتملها المبشرون كذلك. وحتى كتب السيرة النبوية تحدثت عن الراهب بحيرة الذي كانت تتوقف عند صومعته قوافل تجار الشام، ومنهم القافلة التي كان بها محمد بن عبد الله مع عمه أبي طالب. وفي قلب هذه الصحراء كانت هناك مجمعات مسيحية مثل البترا وجرش في شمال غرب الجزيرة (في الأردن الحالي) كانت مدن تجارية بها حاميات رومانية لحماية القوافل وبها كنائس وأديرة ما زالت آثارها واضحة حتى الآن. وكذلك مدن تدمر وتيمياء في وسط الصحراء كان بهما مسيحيون ومبشرون. ويقول د. جواد علي: " فقد كان المبشرون يطوفون أنحاء الجزيرة للدعوة إلى النصرانية، وقد شجعت حكومة الروم هذا التبشير وأرسلت مبشرين لمآرب سياسية بعيدة الأهداف ولكسبهم إليهم لمحاربة أعدائهم الفرس بهذا السلاح. "

الإسلام والقوميات غير العربية
قال السيد الكرخي: " من جديد يحاول الدكتور كامل النجار أن يخلط الأوراق ، فتارة ينسب للإسلام أخطاء بعض المسلمين ، وتارة ينسب للإسلام ما ليس فيه. ويتسائل الدكتور النجار : (فهل نظّم الإسلام العلاقة بين القوميات المختلفة ؟) ، وكيف لم يفعل ، فأولاً أعلن الإسلام أنه دين للناس كافة ، بمختلف قومياتهم ، فقال الله سبحانه في الآية (28) من سورة سبأ : (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون )). ثم اعلن الإسلام أنه لا فرق بين عربي على غير العربي ، وأن مقياس المفاضلة هو التقوى وهو المقياس الذي يشترك فيه الناس جميعاً ، فقال الله عزَّ وجل في الآية(13) من سورة الحجرات : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )) ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (يا أيها الناس ألا إنَّ ربكم واحد وان أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) ، رواه أحمد في مسنده. فكيف يمكن ان يدعي احد أن الإسلام لم ينظم العلاقة بين القوميات المختلفة ؟ "

ومشكلة الإسلام أنه دين طوبائي يتحدث عن المُثل العليا التي يستحيل تطبيقها، كما في جمهورية إفلاطون الفاضلة التي لم تُطبق حتى الآن رغم أنه دعا إليها بمئات السنين قبل الميلاد. وكذلك الإسلام قال بطوبيات لم تُطبق منذ نشأته، مثل أمرهم شورى بينهم. وكذلك بشرت الشيوعية الماركسية اللينينية ب " من كل حسب جهده، ولكلٍ حسب حاجته ". وما أجمل هذا الشعار، لكنه شعار أجوف لم يُطبق في عالم الواقع لأنه ضد الطبيعة الإنسانية التي تسعى إلى امتلاك الأفضل من كل شئ، وبلا حدود. والمشكلة الثانية في الإسلام أن النبي يقول بشئ ثم يفعل أو يقول ضده، فمثلاً عندما قال إن المسلمين سواسية لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، قال : " سيظل هذا الأمر (الخلافة) في قريش وإن بقى منها اثنان ". ثم أوصى بعد ذلك بعترته، ففضلهم على بقية المسلمين. وعندما وزع عمر بن الخطاب أموال بيت المال على المسلمين الذين حاربوا في الغزوات، فضّل أزواج النبي على الكل وفضل عائشة عليهن جميعاً وأعطي صفية وجويرية ( اليهوديتان) نصف ما أعطى بقية نساء النبي. فلو قال الفقهاء إن المساواة بين العرب والعجم تكون في يوم القيامة لفهمنا ذلك منهم، على أساس " إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". أما في الدنيا فلم تكن هناك أي مساواة. فمهما قدّم السيد الكرخي من آيات قرآنية، فإنها لا تعنى شيئاً في عالم الواقع.

عربية القرآن تعني تعصبه
يقول السيد الكرخي: " قال الدكتور كامل النجار : (فالإسلام منذ الوهلة الأولى كان ديناً مبنياً على العصبية للقبيلة أولاً ثم للعرب ثانياً. فالقرآن قد كرر أكثر من خمسة مرات أنه قرآن عربي مبين). فلا بد أن يكون القرآن بلغةٍ ما وكونه بالعربية فسببه أنه نزل على نبي عربي وكان الخطاب فيه موجهاً للعرب ومنهم للعالم ، إذ لا بد أن تكون هناك قناة لإيصال الدين إلى الآخرين وقد كان العرب هم تلك القناة ، فلا ميزة لهم أبداً على الآخرين ، قال تعالى في الآية (17) من سورة الحجرات : (( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين )) ، فأين هو التعصب المزعوم في الإسلام ؟! "
طبعاً لا بد أن تكون هناك قناة توصل القرآن للآخرين، ولكن لا يعني هذا أن يتباهى الناس أو القرآن نفسه بهذه القناة. فالقرآن يخبرنا " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " وأصبح هذا مفهوماً للجميع، فلا داعي لتكرار جملة " إنه بلسان عربي مبين " إن لم يكن المقصود بها المباهاة أمام اللسان الأعجمي. فالقرآ يقول: " لو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فُصلت آياته " فالسبب أن الله أنزل القرآن بلغة العرب أنه كان يخاطب العرب، ولو خاطبهم بلغة أعجمية عليهم لما فهموه. ولكن القرآن يستمر فيقول: " ولسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " فنفهم من هذا أن اللسان الأعجمي غير مبين. ثم يستمر القرآن فيقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون "( يوسف 2)، ثم " كتابٌ فُصلت آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون " ( فُصلت 3) ثم " إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون " ( الزخرف 3) ثم " ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا "( الأحقاب 12) ثم " وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها " ( الشورى 7). فما الفائدة من كل هذا التكرار إذا لم يكن المقصود التباهي بلغته العربية ؟ ألم يقل لنا المفسرون إن معجزة النبي محمد هي لغة القرآن. فما دامت اللغة هي معجزته، كان لا بد له من التباهي بها. والتوراة والإنجيل نزلتا لبني إسرائيل، دون أن نقرأ فيهما تكراراً وافتخاراً بلغتهما. أما الآية التي أوردها السيد الكرخي: " (( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين )) فلا دخل للأعاجم فيها. هذه الآية نزلت عندما أتى بنو أسد للنبي ليعلنوا إسلامه وقالوا له: ها نحن أتينا إليك لنسلم بلا حرب، فنزلت الآية بحقهم لأن النبي اعتقد أنهم يمنون عليه إسلامهم.

معاملة الإسلام للأديان الأخرى
قال السيد الكرخي: " قال الدكتور كامل النجار : (أما معاملة الإسلام للديانات الأخرى فلا أظنني في حاجة للخوض فيها، وقد كتبت عنها الكثير في ما مضى. ويكفي أن نذكر معاهدة عمر مع أهل الشام وتخريب الكنائس وتحويلها إلى مساجد وفرض الجزية عليهم حتى يدفعوها بيد وهم صاغرون) ، حسناً فلم لا يخبرنا الدكتور النجار عن السبب الذي من أجله خربت الكنائس التي أخبر عن تخريبها مع ذكره السبب في بقاء العشرات من الكنائس والأديرة في العراق وبلاد الشام منذ عصر ما قبل الإسلام وإلى اليوم دون أن يمسها أحد من المسلمين بسوء ، وأرجو أن يخبرنا الدكتور النجار هل بوسعه أن يتذكر ما قد قراه حول رفض عمر الصلاة في كنيسة القيامة من أجل الحفاظ على تبعيتها للمسيحيين. وفي تقديرنا فسواء أحسن عمر أو أساء فهو لا يعبر عما يجب أن تكون عليه شريعة الإسلام ، إنما يعبر عن نفسه فقط ، إنْ أحسن يقال احسن عمر وإنْ أساء فيقال أساء عمر "
ما كنت أعتقد أن يتجرأ السيد الكرخي ويستشهد بكنائس العراق بعد الذي حدث لها في الشهور القليلة الماضية. وهذا يبين لنا أن الكنائس لم تبق في البلاد الإسلامية إلا لأن حكامها خضعوا للضغوط الخارجية وأبقوا علي الكنائس بقوة القانون، وبمجرد أن انفلت أمر الدولة عمد المسلمون أو المتأسلمون إلى تفجير الكنائس وطرد المسيجيين. فقد غادر العراق 40 ألف مسيحي منذ بدء تفجير الكنائس، كما قالت وزيرة المغتربين باسكال إيشو وردة (الشرق الأوسط 51/8/2004). أما الاستشهاد بعمر بن الخطاب لا يجوز لسببين: أولاً: عمر كان فرداً فريداً في تاريخ الإسلام لم يأت بعده مثله بدليل أن المسلمين لم يستشهدوا بأحد غيره في العدل والحزم ( والحكم بالشواذ لا يجوز، كما قال السيد الكرخي نفسه). وثانياً: إن ما فعله عمر لم يفعله بصفته الشخصية، فعمر كان أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الثاني، وكل شئ فعله كان باسم ولخدمة الإسلام ويمثل رأي المسلمين المتفق عليه، وليس عملاً فردياً لعمر، حتى نقول أن أحسن عمر فقد أحسن لنفسه، وإن أساء فقد أساء عليها.

النظام المشرّف للإسلام
يقول السيد الكرخي: " ونحن نختلف مع الدكتور النجار إذ نجد أن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هو نظام مشرّف للإسلام سواء كان تحت قيادة السيد الخميني (قده) أو تحت قيادة السيد الخامنئي (رعاه الله) ، وليس من قبيل الصدفة أن يكون كل الذين يعادون نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هم أيضاً من الذين يعلنون معاداة الإسلام في نفس الوقت ، سواء كانوا من البعثيين أو الصهاينة أو الملحدين أو العلمانيين أو غيرهم ، وحتى الوهابية فإن عدائهم لها إنما ينبع من عدائهم للإسلام المحمدي الأصيل."
ونحن طبعاً ليس من حقنا أن نقول للسيد الكرخي إن اعتقاده بأن النظام الإيراني نظام مشرّف للإسلام اعتقاد خاطئ. ولكن من حقنا أن نقول أننا نختلف معه في الرأي ولا نرى فيه ما يشرف الإسلام أو غيره.
وبهذا القدر أكتفي.
 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعقيب نبيـل الكرخي رداً على التعقيب الثالث للدكتور النجار

 

إعتذار للقاريء العزيز :

لا شك إنَّ المتابع للتعقيبات المتبادلة مع الدكتور كامل النجار حول مناقشة جزء من كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) يجدنا وقد تأخرنا كثيراً في إصدار هذا التعقيب الرابع ، ونحن نعتذر للقاريء الكريم عن هذا التأخير وعذرنا ان هناك أسباب فنية بالدرجة الأساس بالإضافة إلى معايشة التجربة الديمقراطية التي ما زالت في طور التكوين ، كانت وراء هذا التأخير ، ونحن على أستعداد لتزويد كل من يرغب من القرّاء الأفاضل بالمجموعة الكاملة للتعقيبات المتبادلة مع الدكتور كامل النجار ليكون في تواصل تام مع هذا التعقيب ـ بمشيئة الله عزَّوجل ـ لا سيما وأن بعض التعقيبات المتبادلة المحفوظة في موقع كتابات قد تلفت مع ما تلف عند مهاجمة بعض إرهابيي الأنترنيت للموقع المذكور في أواخر السنة الماضية. إذن نحن بإنتظار طلباتكم على العنوان البريدي nabilalkarkhy@yahoo.com مع أطيب التحيات وأرق كلمات الإعتذار.

 

مقدمـة :

منذ التعقيب الأول الذي تفضل به الدكتور كامل النجار رداً على مقالي الموسوم (من أوهام كامل النجار) والمتضمن نقضاً لجزء من كتابه الموسوم (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) ، والدكتور النجار ليس له هم سوى إحراز نقاط في المنازلة كما ذكر هو نفسه في تعقيبه المذكور ، وطبعاً لأن المنازلة تحمل معاني الحرب فقد وجدت الدكتور النجار يستعمل في ردوده جميع الإمكانيات "العسكرية" من أجل إحراز النقاط التي نوّه عنها ، ولأن هناك مقولة شائعة مفادها (في الحرب كل شيء مباح) نجد الدكتور النجار ينحو بردوده غالباً منحى بعيداً عن المنهج العلمي المطلوب بإعتباره "باحث" في الدين الإسلامي ، فتجده يماطل ويراوغ ولا يعترف بالخطأ رغم وضوحه ويتحكم ويكابر ويتناقض مع أفكاره فيذكر في موضع ما يخالف موضعاً آخر ، وكلما أضاف رداً جديداً كلما تعمقت تلك السمات المذكورة في ردوده ، حتى إذا راجعتُ بعض مقالاته السابقة وإذا بهذه السمات هي سمات عامة في غالبية مقالاته وكتبه ، فوجدت الهدف من ردودي عليه يتحقق تلقائياً من خلال كتاباته ! وهو بيان أن الافكار التي يطرحها الدكتور النجار في كتاباته هي افكار لا تخضع في غالبيتها لموازين البحث العلمي وبالتالي لا يمكن إعتمادها لأن كل ما يبنى على الخطأ فهو خطأ أيضأً.

 

واما عدم خضوع مقالات وكتب الدكتور النجار لموازين البحث العلمي فهو أمر واضح غاية الوضوح ، فهو على سبيل المثال لا يتحقق من صحة المصادر التأريخية التي ينقل عنها ولا يحقق صحة الروايات التأريخية التي يعتمدها ، فينقل عمَّن يشاء شريطة أن يكون ما ينقله داعماً لفكرته في تشويه الإسلام ، وهذا هو مقياسه مع الأسف ، فليس الموضوع موضوع بحث علمي توصل إليه الدكتور النجار في بداية القرن الواحد والعشرين الميلادي أو في نهاية القرن الذي سبقه ، بل هو موضوع أن هناك ركيزة أساسية ومحوراً تتمحور حوله مقالاته وكتبه وهو تشويه الإسلام ، هذا المحور جعله يوظف جميع الوسائل وهي غير مشروعة في غالبيتها من أجل تحقيق هدفه في تشويه الإسلام ، فتجده يوهم القاريء بأن هناك مشكلة وشبهة تحريف في القرآن لمجرد أن حمزة الزيات قد نسب إليه أعداءه أنه قرأ الآية (لا ريب فيه) بأنها (لا زيت فيه) مع أن هذا الخطأ إنْ صح وروده فهو يتعلق بالتصحيف وليس بالتحريف ، ومثال آخر على خروجه عن منهج البحث العلمي هو خطأه في إدعاء أن موسى عليه السلام قد أخبر بنبي من بعده أسمه أحمد مع أن من جاء بعده هو عيسى عليه السلام ، وعندما بينت له أن القرآن الكريم لم يرد فيه أن موسى عليه السلام قد قال بنبي من بعده أسمه أحمد بل ورد ذلك على لسان عيسى عليه السلام عما في الآية (6) من سورة الصف ، نجده بدل أن يعترف بخطأه وإذا به يكابر ويصر على الخطأ حتى قال في تعقيبه السابق : [(والقرآن يقول إن موسى قال سيأتي بعده نبي أمي)] ونحن نعلم جيداً أنه لم يرد في القرآن الكريم عن موسى عليه السلام أنه قال سيأتي بعدي نبي أمي ، ولكنها مكابرة الدكتور النجار وعدم إعترافه بالخطأ.

 

ونموذج آخر من أخطاء الدكتور النجار هو تصويره عدم إتفاق البخاري ومسلم على إخراج الأحاديث إنما هو طعن في تلك الأحاديث غير المتفق عليها ! فيقول : [(وإذا رجعنا إلى كتاب " الموضوعات من الحديث " لابن الجوزي، نجده يقول: "  فهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، جمع ستمائة ألف حديث أثناء إشتغاله بجمع كتابه . صح لديه منها أربعة آلاف حديث يضاف إليها ثلاثة آلاف أخرى مكررة . وجمع الإمام مسلم بن الحجاج القشيرى ثلاثمائة ألف حديث أثناء اشتغاله بجمع كتابه . صح لديه منها قرابة الستة آلاف أيضا ومثلها مكررا . وبلغ ما اتفق عليه الشيخان ألفان وثلاثمائة وستة وعشرون حديثا . " ويعني هذا أن البخاري ومسلم لم يتفقا إلا على 2326 حديثاً فقط، وبقية الأحاديث في صحيح كل منهما أعتبره الآخر ضعيفاً)] ، وهذا الأمر غير صحيح ، فمن المعروف إنَّ الحديث الذي تفرد به كل واحد منهما يحتمل أمرين ، فأما أن يكون الحديث المذكور لم يصل إلى الآخر أو أن الحديث قد يحمل شروط واحدٍ منهما دون الآخر ، حيث أن كل من البخاري ومسلم قد وضع لنفسه شروطاً لرواية الحديث في الصحيح الذي جمعه كلٌ منهما ، وهما أرادا رواية الحديث برتبة الصحيح فقط ولم يرويا الحديث ذي المراتب الأقل كالحسن أو الحسن لغيره إلخ ، فلا تعني عدم رواية أيٍ منهما لحديثٍ ما أنه حديث ضعيف.

 

ونموذج أخير ـ نتطرق إليه في هذه المقدمة الموجزة ـ من نماذج أخطاءه هو معارضته لما ذكره السيد الخوئي حول إستعمال لفظة الكتاب ، فقد نقلت قول السيد الخوئي في كتابه (البيان في تفسير القرآن) وهو (لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط) ، وإذا بالدكتور النجار يعارض هذا القول بان أتى بإستعمالات أخرى لمفردة (الكتاب) هي خارج نطاق البحث وعندما نبهته لذلك أصر قائلاً في التعقيب السابق : [(إذا كان السيد الخوئي قد قصد استعمال كلمة " كتاب: استعمالاً حقيقياً ومجازياً، فهو قد قصد كل الاستعمالات الممكنة للكلمة)] ، فلا السيد الخوئي قد قال بأنه قصد كل الإستعمالات الممكنة لمفردة (كتاب) ولا موضوع بحث السيد الخوئي يتحمل مثل هذا المعنى ! ولكن الدكتور النجار وجد أن خضوعه للدليل الذي ذكره السيد الخوئي يجعله يقول بجمع القرآن الكريم في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبذلك سوف تسقط نظريته المتهافتة حول وجود تحريف مزعوم في القرآن الكريم ، ولذلك أصرَّ على المكابرة.

والآن إلى تفاصيل أخطاء الدكتور كامل النجار في تعقيبه الثالث.

 

كبار الفلاسفة والتوحيد :

قال الدكتور النجار : [(وبهذا يكون المسلمون الشيعة هم الوحيدين في العالم الذين أثبتوا وجود الله ووحدانيته وإرساله الأنبياء وكذلك الأئمة، بالبراهين العقلية، بينما عجز فلاسفة الكلام والمعتزلة وغيرهم في ذلك، بل كانوا قد  شككوا في وجود الله وفي الرسل وما إلى ذلك)] ، فهذا القول فيه بعض المجانبة للصواب ، فكيف يزعم أن المعتزلة شككوا في وجود الله مع أنهم مسلمون ولم يرد عن عقيدتهم في التوحيد أنهم ينكرون وجود الله عزَّ وجل ، كذلك كان كبار فلاسفة اليونان قد توصلوا إلى وجود إله خالق للكون ، فقد قال اناكْسَاغوْرسْ : (من المستحيل على قوة عمياء أن تبدع هذا الجمال وهذا النظام اللذين يتجليان في هذا العالم ، لأن القوة العمياء لا تُنتج إلا الفوضى ، فالذي يحرك المادة هو عقل رشيد بصير حكيم) ، وقال أفلاطون : (إنَّ العالم آية في الجمال والنظام ، ولا يمكن أبداً أن يكون هذا نتيجة علل إتفاقية ، بل هو صنع عاقل كامل توخّى الخير ورتّب كل شيء عن قصد وحكمة) ، وكذلك كان أرسطو من المؤمنين بوجود الخالق. 

 

 لماذا لم يحفظ الله عزَّ وجل التوراة من التحريف :

قال الدكتور النجار : [(والغريب أن السيد الكرخي الذي يؤمن بالعقل والمنطق، يلجأ إلى الغيبيات عندما يعجزه المنطق. فمثلاً، عندما سألته: لماذا يحفظ الله القرآن من التحريف ولا يحفظ التوراة والإنجيل، وهي كلها كتب من عنده، رد عليّ بقوله" " الجواب أن هناك مصلحة يعلمها الله سبحانه لعدم حفظه التوراة من التحريف ولا الإنجيل من الضياع ولا يفترض بنا معرفة كل المصالح التي لم يأت بها نص . " وهذا طبعاً هو نفس منطق ابن تيمية الذي لا ينتمي إلى أتباع أهل البيت، وبالتالي، حسب ما نوه به السيد الكرخي، لا يستعمل العقل في إثبات الإيمان، عندما قال: " إن نزول الله إلى السماء الدنيا حقيقة مسّلم بها والسؤال عنها بدعة. ")] ، فهل فعلاً حدث ما أخبر به الدكتور النجار حول اللجوء للغيبيات ! وهل أورد الدكتور النجار النص الكامل لكلامي حين أطلق إتهامه هذا ؟! حسناً سأعيد ذكر نص كلامي الذي تعرض للبتر ثم أبين كيف أني لم ألجأ للغيبيات كما أفترض الدكتور النجار ـ لولا ما أصابه من بتر ! ـ لقد قلتُ ما نصه :

[ أن هناك مصلحة يعلمها الله سبحانه لعدم حفظه التوراة من التحريف ولا الأنجيل من الضياع ، ولا يفترض بنا معرفة كل المصالح التي لم يأتِ بها نص ، بل ما يهمنا هو تحقيق دعوى التحريف ، ونحن بعد ثبوت التحقيق في وقوع التحريف في التوراة المتداولة ، فيمكن أن نطرح بعض التحليلات المعمقة المستندة على معلومات صحيحة عن سبب عدم حفظ التوراة من التحريف ، تنطلق تلك التحليلات من ظاهرة معروفة لكل أحد وهي أن بني إسرائيل يتميزون عن بقية الأمم بميزة وجود الكثير من الأنبياء منهم بين ظهرانيهم ، وقد شخصنا انه بموازاة الظروف التي مرّت على بني إسرائيل والتي ادت إلى ضياع التوراة الصحيحة بحسب زعمهم أو تحريفها ، فقد كان هناك العديد من الأنبياء الذين كان يمكن أن يرجع لهم بني إسرائيل في معرفة التوراة الصحيحة ، وتنزيه ما أدخل إليها من إضافات ، ولكن بني إسرائيل ومن ثم اليهود لم يفعلوا ذلك بل فعلوا بالضد من ذلك حيث عمدوا إلى أنبيائهم فقتلوهم واستغنوا عن التوراة الصحيحة التي بين أيديهم ، وقد كانت هذه الظاهرة معروفة على أمتداد تاريخ بني إسرائيل ومن ثم تاريخ اليهود وحتى ظهور النبي عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل ، فقد جائهم النبي عيسى عليه السلام بالتوراة الصحيحة وجائهم بالإنجيل ، فما كان من اليهود إلا أن رفضوه وحاولوا قتله وأضطهاد أتباعه وإتلاف إنجيله.

قال تعالى في الآية (110) من سورة المائدة : (( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الاكمه والابرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين )).

وقال تعالى في الآيات (45-50) من سورة آل عمران : (( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين ، ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ، قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ، ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الاكمه والابرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ، ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون )).

فالمشكلة ليست في عدم حفظ الله عزَّ جل لكتابه بل في رفض اليهود لذلك الكتاب واستبداله بالأسفار الخمسة ، وقتلهم الأنبياء الحافظين له ، كما حاولوا من قبل رفض إلاههم وعبادة العجل بدلآً عنه ]

وكما يرى القاريء أنني كنت قد قدَّمتُ تحليلاً لحدوث التحريف ، وليس كما ذكر الدكتور النجار من لجوئي للغيبيات حتى قرنني بأبن تيمية !

وهل يفترض الدكتور النجار أن الإنسان عليه أن يعرف أسباب جميع المصالح التي لم يأت بها نص ؟! قد لا يكون الدكتور النجار معنياً بهذا الأمر أي معرفة الإنسان لأسباب المصالح فهو لا يؤمن بالأديان ، ولكن هل يفترض الدكتور النجار أنه لم يلجأ للغيبيات في تفكيره وهو يؤمن بنظرية دارون المبنية على الإيمان الغيبي ، ولا أقصد الإيمان بالخالق بل بضد ذلك أي إستنادها إلى الإيمان الغيبي بعدم وجود خالقٍ للكون ، فمما قاله دارون حول نظريته : (نستطيع القول أن مفصل الباب مصنوع من قبل الإنسان ، ولكننا لا نستطيع الأدعاء بأن المفصل المدهش الموجود في صدفة المحار هو من صنع كائن عاقل) ، فهل ذلك إلا إستناداً إلى إيمان غيبي بعدم وجود خالق للكون من دون دليل ، وإلا فهل يمكن لإنسان عاقل أن يقول بأن مفصل الباب يحتاج لإنسان ليصنعه بينما مفصل المحار الحي لا يحتاج لصانع يصنعه ! إننا لا نجد مخالفة كبيرة بين أبن تيمية وبين دارون ومن يعتنق فكرته ، من حيث إشتراكهما بإيمان غيبي غير مبني على العقل والمنطق.

 

التوحيد عند الإمامية :

قال الدكتور النجار : [(وأرجو أن يثبت لنا السيد الكرخي الوحدانية والإمامية بالمنطق والفكر، في مقال لاحق)] ، فمن الغريب أن الدكتور النجار لم يطلع على فكر الإمامية وعقيدتهم ! مع أنَّ له العديد من المؤلفات والمقالات حول الإسلام ، فكيف يمكنه الجزم بفهمه للدين الإسلامي وهو لم يطلع على جانب مهم من الفكر الإسلامي الذي يحمله أتباع أهل البيت عليهم السلام ، وأين هو بحثه العلمي مع تغييبه لتناول جزء مهم من الفكر الإسلامي الشيعي.

 

 

 

 

التوراة وكتابتها على ألواح الطين :

قال الدكتور النجار : [(أحب أن أبيّن هنا للسيد الكرخي أني لا أدافع عن التوراة أو الإنجيل أو القرآن من حيث المحتوى، إنما غرضي أن أبيّن أن الكتب الثلاثة أتت من منبع واحد، فإذا جاز التحريف في واحد منها، جاز التحريف في الكتب الأخرى إذ أن اليهود ليسوا أقل تمسكاً بمعتقداتهم من المسلمين)] ، فهذا الأمر غير صحيح ، أي لا توجد ملازمة بين كون الكتب السماوية من منبع واحد وبين عدم وقوع التحريف في أحدها إذا لم يقع فيها جميعاً ، أو عدم ضياع أحدها إلا بضياعها جميعها ! وأي دليل على تلك الملازمة الموهومة ؟!

وأما قوله بأن الكتب الثلاثة من منبع واحد فهو قول مخالف لعقيدته ، لأنه لا يؤمن بوجود الخالق أصلاً بل يؤمن بأن الكون الدقيق والكائنات الحية بكافة تفاصيلها الدقيقة والمنتظمة إنما تكونت نتيجة صدفة عمياء وفقاً لنظرية دارون !! فكيف يقول هنا ان الكتب الثلاثة هي من منبع واحد !

ثم أن الدكتور النجار أنكر في تعقيبه السابق أن يكون هناك كتاب سماوي أسمه الإنجيل نزل على عيسى عليه السلام ، فكيف يقول هنا أن هناك ثلاثة كتب سماوية ؟!

وأما إذا كان يقصد أن الكتب الثلاثة هي سماوية المصدر من وجهة النظر الإسلامية ، فإن وجهة النظر هذه هي نفسها هي التي قالت بتحريف التوراة وضياع الإنجيل ، بل وضياع كتب أخرى مثل صحف إبراهيم عليه السلام وزبور داود عليه السلام ، فلماذا يقوم بتجزئة وجهة النظر بما يخدم أفكاره ؟! فضلاً عن إننا قد بيّنا في بداية هذا التعقيب وفي التعقيب السابق أيضاً كيف أن تحريف التوراة مرتبط بفعل اليهود الذين كانت سيرتهم قائمة على قتل الأنبياء ونبذ ما بأيديهم من كتاب وتعاليم سماوية ، فيما نجد المسلمين قد أعتنوا بالقرآن الكريم أيما إعتناء منذ أول لحظة تلقيهم لآياته الشريفة المطهرة فكتبوها في الصحف فضلاً عن حفظها عن ظهر قلب ، فكان القرآن الكريم مكتوباً منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنتشراً بين الأمة الإسلامية ، وحين توفي النبي (صلى الله عليه وآله) بقي القرآن الكريم على إنتشاره بين المسلمين ولم يستطع المرتدون على الأعقاب من بعض الصحابة ممن أستولوا على السلطة ونقضوا بيعة الغدير أن يسيئوا للقرآن الكريم لأنه ما من سبب يدفعهم لتلك الإساءة حيث أن ولاية الإمام علي عليه السلام ـ التي نقضوها ورفضوها ـ غير مذكورة بالنص في القرآن الكريم ولا أسم الإمام علي عليه السلام مذكور بالنص في القرآن الكريم وبالتالي لم يكن في القرآن ما يقف عائقاً بينهم وبين إستيلائهم على السلطة سوى بعض الآيات التي يكشف عنها سبب نزولها أو معناها العام الذي يمكن تفسيره تبعاً لمصالحهم ، فكان هذا هو سبب منع الخلفاء الثلاثة الأوائل من كتابة السنة النبوية ، فكان توجه الخلفاء الثلاثة المذكورين للإساءة للسنة النبوية بدلاً من الإساءة للقرآن الكريم.

يضاف لما سبق أنه لم يستطع أعداء الإسلام إقتحام مركز دولتهم وإزالة سلطانهم في شبه الجزيرة العربية بالكيفية التي تمت لبني إسرائيل على يد نبوخذ نصر ، فبقي الإسلام عزيزاً منيعاً وبقي المسلمون محافظين على الثقل الأكبر الذي وصاهم به الرسول (صلى الله عليه وآله) ألا وهو القرآن الكريم.

وأما قول الدكتور النجار [(ولا يجوز عقلاً أن يؤمن أناس بدين معيّن ثم يحرفونه عن عمد دون إبداء أسباب معينة جعلتهم يحرفونه)] ، فهو قول لا يستند إلى أي دليل عقلي ، بل لقد دلّت الدلائل على حدوث ذلك التحريف ولأسباب متعددة ، منها ما تعرض له اليهود من إضطهاد في السبي البابلي ومحاولتهم مقاومة نتائج ذلك السبي بأن يحافظوا على شخصيتهم الإعتبارية التأريخية والدينية فكان أن ظهرت تسميتهم باسم اليهود بعد ذلك السبي ، ثم قام أحبارهم في نفس الإطار بإعادة كتابة كتابهم المقدس أي التوراة وذلك بأن أضافوا لها نصوصاً تمجِّد الشخصية اليهودية وترفع منزلة القومية اليهودية في ذلك الزمان وتنظر بدونية للأمم الأخرى ، كل ذلك وأحبار اليهود يظنون أنهم بهذا التغيير إنما يحسنون صنعاً بإعتبارهم يقاومون غزو الوثنيين لهم أي الغزو العسكري والثقافي والإعتباري ، ومن جانب آخر نجد محاولة بعض أتباع العقائد والأديان مقاومة الأديان الجديدة التي تظهر أو العقائد الجديدة مهما كلفهم من أمر ، حتى لو أضطرهم ذلك لطمس بعض تعاليمهم الدينية المؤيدة للدين الجديد ، وهذا هو جزء مما فعله اليهود ، فلم يكن بإمكان قياداتهم الدينية سوى خيارين إما الخضوع للدين الجديد وإعتناقه بعد أن علموا صحته وفقاً لنصوصهم الدينية المقدسة ونتيجة ذلك هو فقدان الميزات والمصالح التي كانوا يمتلكونها أو أن يكتموا تلك النصوص وينكروا صحة الدين الجديد ويبقوا على معتقداتهم الدينية بسبب تعارض مصالحهم الشخصية مع إعتناق الدين الجديد.

وأما قول الدكتور النجار [(فاليهودية هي أقدم الأديان السماوية وما زال أتباعها من أكثر الناس تعصباً لها، ولم يستطع بختنصر القضاء عليها عندما هدم معابدهم وشردهم وسباهم، ولم يفلح الرومان في ذلك، وفشل هتلر في القضاء عليهم رغم أنه قتل منهم الملايين، وكان بإمكان أغلب الذين ماتوا في معتقلات هتلر تغيير دينهم والنجاة بحياتهم، لكنهم فضلوا الموت. فلماذا يا ترى يحرف أناس دينهم عمداً ثم يموتون من أجله ؟)] ، وهذا بلا شك إستدلال خاطيء ، فمن يفترض أنَّ هتلر قد أعطى اليهود فرصة للتراجع عن دينهم قبل أن يقضي عليهم ـ بإفتراض صحة الرواية ـ ومن يفترض أنَّ نبوخذ نصر قد سبى اليهود لغرض ديني وليس لغرض سياسي ، فمن المعروف أنَّ نبوخذ نصر قد سبى اليهود بسبب تمردهم على سلطانه وليس بسبب عقيدتهم. فالوقائع التأريخية لا تؤيد ما ذهب إليه الدكتور النجار.

وأما قول الدكتور النجار المذكور آنفاً بأن اليهود [(من أكثر الناس تعصباً)] ، فلا أتصور أن هناك مفاضلة بالتعصب ، ولا أتصور أن التعصب عند السيخ هو أقل منه عند اليهود أو عند المسيحيين ، على سبيل المثال.

 

الحلقة المفرغة :

أستعمل الدكتور النجار هذا المصطلح (الحلقة المفرغة) ولا أتصور أنه كان يعني هذا الإستعمال حقيقةًً لأنه لم تكن هناك أي حلقة حتى نناقش كونها مفرغة أم لا ، حيث قال الدكتور النجار ما نصه : [(ويبدو أن السيد الكرخي يدور في حلقة مفرغة هنا فيقول: " وفي الحقيقة فأن الكتابة باللغة الهيروغليفية على ألواح طينية لا تمنع أن تكون التوراة مكتوبة في عهد موسى عليه السلام ، لأن الصعوبة المذكورة غير صحيحة نظراً للمقدمات الآتية : الأولى. إنَّ التوراة الحالية (المحرفة) مكونة من خمسة أسفار ، ولكن لا يوجد أي دليل على أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام هي مكونة من نفس هذه الأسفار ، بما تضمنته من قصة الخلق وقصص الأنبياء المذكورة بصورة سردية ، وأنساب الخليقة وأعمارهم ، فلا يوجد دليل على أن من يقول بكتابة التوراة في عهد موسى عليه السلام على ألواح الطين باللغة الهيروغليفية يعني التزامه بالقول بكتابة كل الأسفار الخمسة الحالية على الألواح الطينية ، إذ لا يوجد دليل على أصالة هذه الأسفار الخمسة ". وأنا قد ذكرت في مقالي السابق أن التوراة لم تُكتب في عهد موسى وإنما كُتبت بعد موته بأمد طويل. ولكن هذا لا يعني أنها غير أصيلة إذ من الممكن أن يكون أتباعه قد حفظوها عن ظهر قلب كما حفظ المسلمون القرآن وأحاديث الرسول عن ظهر قلب لفترات متفاوتة قبل أن تُكتب. وكون التوراة احتوت على قصة الخلق وقصص الأنبياء وأنسابهم لا يمنع هذا أن تكون أصيلة، فالقرآن أغلبه قصص عن قصة الخلق وقصص الأنبياء وعن بني إسرائيل أنفسهم)].

فأما ما ذكره من أنه ذكر في مقاله السابق أن التوراة لم تكتب في زمن موسى عليه السلام فقد كانت مجرد دعوى صدرت منه لم يقم عليها أي دليل ، وأما قوله بإمكانية أن يكون أصحاب موسى عليه السلام قد حفظوا التوراة عن ظهر قلب كما حفظ المسلمون القرآن ثم كتبوها بعد مدة فهو أدعاء ضعيف ، لأنه لم يرد عن الأمم غير العربية أنهم كانوا يحفظون أشعارهم وكتبهم المقدسة عن ظهر قلب كما هو حال العرب ، وما زال الدكتور النجار يصر على كون القرآن الكريم قد حفظ في الصدور لفترة قبل أن يكتب مع أنه يعلم جيداً بوجود الكثير من الأدلة بخلاف ذلك والمستندة إلى أحاديث عديدة وقد ذكرناها في تعقيباتنا السابقة ، وإصراره المذكور برفض حقيقة كتابة القرآن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) هو لكون هذا الإصرار المذكور يخدم أهدافه المسبقة في تشويه الإسلام ، فأين هو منهج البحث العلمي !

 

لماذا ذكرنا العالم اليهودي سيلفر :

قال الدكتور النجار : [(ويقول العالم اليهودي سيلفر في كتابه (موسى والتوراة الأصلية) بأن التوراة الحالية لا تمثل توراة موسى الأصلية في أية ناحية وحتى الوصايا العشر التي يكاد يجمع العلماء أنها الشيء الوحيد المتبقي من التوراة الأصلية لم يكن بكمالها وعلى هيئتها الحالية كالتي أتى بها موسى ". وإذا كان هذا الكلام صحيحاً يكون الرسول محمد على غير علم به إذ أنه قال لليهود عندما أتوا ليسألوه عن بعض الأشياء: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " (آل عمران، 93). فكون الرسول قد طلب منهم أن يأتوا بالتوراة ويتلوها أمامه لتثبت وجهة نظره، يعني أن التوراة التي كانت موجودة في أيدي اليهود العرب في ذلك الوقت هي التوراة التي أنزلها الله وإلا لما احتج بها الرسول)].

فحين ذكرتُ ما قاله العالم اليهودي سيلفر كان المراد هو التنبيه على عمق الفكرة القائلة بعدم أصالة الأسفار الخمسة للتوراة عند الباحثين ، وليس الغرض هو تأييد ما قاله سيلفر ، ويدل على ذلك أنني قد ذكرت ما قاله سيلفر في المقدمة الأولى تحت العنوان الفرعي (التوراة وكتابتها على الألواح الطينية) ولكني في المقدمة الثانية تحت نفس العنوان الفرعي قد ذكرت ما نصه : [إنَّ القرآن الكريم يخبرنا أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام (( فيها هدى ونور يحكم بها النبيون )) ، إذن التوراة فيها أحكام شرعية ومواعظ (هدى ونور) يحكم بها النبيون] ، وفي ذلك مخالفة واضحة لما ذكره سيلفر ، فلا مجال للإعتراض على مقالتي لكوني ذكرتُ قول سيلفر من حيث تعارضه مع الإسلام لأن أحداً لم يقل أن رأي سيلفر مطابق لرأي الإسلام.

 

 

 

هل المعتقدات قابلة للتغيير ؟!

قال الدكتور النجار : [(أما قول الدكتور الشلبي: " إن اليهود بعد أن أنحرفت أعتقاداتهم وطباعهم تخلصوا من أسفار موسى الحقيقية لأنها كانت تختلف عمّا أرادوا من طباع وخلق ، وكتبوا سواها مما يتناسب مع ما يريدون من تاريخ وعقيدة " قول في منتهى السذاجة ولا يجوز للسيد الكرخي الاحتجاج به لأنه قول يعارض المنطق السليم. فالمعتقدات ليست كلباس الموضة نغيرها حسب ما نريد. فاليهود آمنوا بموسى عندما أتاهم واعتنقوا اليهودية كدين، وبمجرد أن يعتقد الإنسان في دينٍ ما يصبح هذا الدين حبل نجاته في الآخرة فيحافظ عليه بكلتا يديه، تماماً كما يفعل السيد الكرخي الآن في دفاعه عن الإسلام. فاليهود أناس مثلنا تماماً لهم نفس السليقة والفطرة والغرائز، ويتمسكون بمعتقداتهم كالمسلمين)].

يظن الدكتور النجار أن الإنسان لا يغير معتقده حسب ما يريد ، مع أن هناك شواهد كثيرة بخلاف قوله هذا ، فالدكتور النجار نفسه هو أحد تلك الشواهد ، فهل ورث الإلحاد (اللادينية) من عائلته أم أنه في فترة ما من حياته كان معتنقاً لدينٍ ما ثم غيّر معتقده نحو الإلحاد ، وكذلك عشرات القصص التي نسمع بها من فترة لأخرى حول أفراد غيّروا معتقدهم وغيّروا دينهم ، ليس بين الأديان السماوية فحسب بل على سبيل المثال نجد أنَّ هناك أنتقال من المسيحية إلى البوذية ، وأشخاص كثيرون يعتنقون المورمونية والرائيلية ، أفراد يتركون الدين ويصبحوا شيوعيين ، وآخرون يعبدون الشيطان ، والكثير الكثير من الأمثلة ، بل إنَّ المسيحية نفسها تتحدث عن تغيير بولس لمعتقده من اليهودية إلى الإيمان بالمسيح ـ بطريقةٍ ما ـ لمجرد انه سمع هاتفاً مجهولاً يهتف به وهو يسير في صحراء العرب ، وكان ذلك الهتاف المجهول هو أساس نشوء الديانة المسيحية. فأجد أنَّ من المناسب أن يفكر الدكتور النجار في هذه المسألة بصورة أعمق قبل أن يتهم الآخرين بالسذاجة دون وجه حق.

وأما التمسك بالمعتقد فمن الغريب أن يتطرق إليه الدكتور النجار لا سيما وهو دائم الترويج لنظريته حول إنتقال الشعوب البدائية من عبادة الأسلاف إلى الطوطمية ثم إلى عبادة الآلهة ثم إلى عبادة الإله الأكبر ثم إلى التوحيد ، وهل كل ذلك إلا تغيير للمعتقد ، فلماذا لم يتمسك المتعبدون بالأسلاف بعبادتهم لهم وأنتقلوا للطوطمية !؟ ولماذا لم يتمسك الطوطميون بعبادتهم وأنتقلوا للتوحيد !؟ ، فكيف ينتقد الدكتور النجار ما كان يروج له سابقاً !

أما ما ذكره الدكتور النجار من قوله : [(وبمجرد أن يعتقد الإنسان في دينٍ ما يصبح هذا الدين حبل نجاته في الآخرة فيحافظ عليه بكلتا يديه)] ، فإنَّ مكمن الخلل فيه هو أنه ليس كل من أظهر إعتناقه بدينٍ ما يعني ذلك أنه قد آمن فعلاً به ، وليس كل من أعتنق دينٍ ما يعني ذلك أنه يعتقد أن ذلك الدين هو حبل نجاته ، بل هناك الكثيرون ممن يعتنقون عقيدة ما بدافع إقتصادي أو إجتماعي أو نفسي ، ولا يكون لما ذكره الدكتور النجار حول حبل النجاة أي دور في الإعتناق المذكور ، وبالتالي تكون إمكانية تغيير الدين تبعاً للأهواء والمصالح واردة بصورة واقعية لا سيما إذا كان أولئك المذكورين من القيادات الدينية عندهم.

وقد ورد في سفر حزقيال (22 : 26و27) وصف لما كان عليه حال كهنة وزعماء اليهود : (كهنتها خالفوا شريعتي ونجسوا أقداسي ، لم يميزوا بين المقدس والمحلل ولم يعلموا الفرق بين النجس والطاهر وحجبوا عيونهم عن سبوتي فتدنست في وسطهم ، رؤسائها في وسطها كذئاب خاطفة خطفاً لسفك الدم لإهلاك النفوس لإكتساب كسب).

 

الأحكام الشرعية في التوراة :

قال الدكتور النجار : [(ويقول السيد الكرخي ثانياً: " إنَّ القرآن الكريم يخبرنا أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام (( فيها هدى ونور يحكم بها النبيون )) ، إذن التوراة فيها أحكام شرعية ومواعظ (هدى ونور) يحكم بها النبيون ، ولو قرأنا التوراة الحالية لوجدنا أن كمية الأحكام الشرعية فيها هي كمية ضئيلة مقارنة إلى مجموع الأسفار الخمسة ، فالأحكام الشرعية وردت في المواضع الآتية :

ـ في سفر الخروج ، الفصل 20 الجُمَل (1 إلى 26).

ـ في سفر الخروج ، الفصل 21 الجُمَل (1 إلى 36).

ـ في سفر الخروج ، الفصل 22 الجُمَل (1 إلى 31).

ـ في سفر الخروج ، الفصل 23 الجُمَل (1 إلى 33).

فيكون مجموع جُمَل تلك الأحكام الشرعية هو : (126) جملة فقط. "

وفات على السيد الكرخي أن التوراة تحتوي على عدة آيات في سفر " لاويون "  Leviticus بها أحكام ومواعظ عديدة، منها:

الفصل 12 عن أحكام الطهارة بعد النفاس، من الآية 2 إلى 7

الفصل 13 عن الطهارة من الأمراض الجلدية التي تتميز بالطفح الجلدي، من الآية 2 إلى 46

الفصل 15 عن الإفرازات التي تعتبر نجاسة، من الآية 2 إلى 33

الفصل 17 عن تحريم الدم، من الآية 2 إلى16

الفصل 18 عن العلاقات الجنسية المحرمة، من الآية 2 إلى 30

الفصل 19 عن قوانين عامة، من الآية 2 إلى37

وكذلك هناك آيات في سفر " التثنية " Deutronomy بها أحكام ومواعظ:

الفصل 14 عن أنواع الأطعمة المحرمة والمحلله لبني إسرائيل والزكاة، من الآية 3 إلى 27

الفصل 19 عن عدد الشهود المطلوب توفرّهم في القضايا، من الآية 15 إلى 21

الفصل 21 عن زواج سبايا الحرب وعن دية المقتول، من الآية 1 إلى 14

الفصل 22 عن عدم تشبه النساء بالرجال وعدة أحكام عامة، من الآية 1 إلى 30

الفصل 23 عن البغاء والربا، من الآية 15 إلى 25

الفصل 24 عن الطلاق، من الآية 1 إلى 22

الفصل 25 عن فض المنازعات، من الآية 1 إلى 19

ويظهر من هذا السرد أن عدد الآيات التي بها أحكام ومواعظ أكثر بكثير من التي قال عنها السيد الكرخي. وعدد الآيات في حد ذاته لا يعني شيئاً بالنسبة للتحريف أو مصداقية التوراة. فلو أخذنا القرآن نجد أن عدد آياته يبلغ 6236 ولكن عدد الآيات التي بها أحكام ومواعظ لا يتعدى حوالي 300 آية. كل بقية آيات القران عن اليهود وموسى وأهل الكهف وما إلى ذلك.

وفي النقطة الثالثة يقول السيد الكرخي: " يذكر سفر الخروج (10:25) أن الرب قد أمر موسى عليه السلام بصنع تابوت بأبعاد تعادل تقريباً (25و1×75و.×75و.) متر مكعب ، وأمره أيضاً كما في سفر الخروج (16:25) بأن يضع الأحكام التي ذكرناها في (الفقرة الثانية) آنفة الذكر ، في ذلك التابوت ، فإذا افترضنا أن سمك اللوح الطيني الذي كتبت فيه التوراة في زمن موسى عليه السلام هو 3سم ، فيعني ذلك أن التابوت يستوعب حوالي (50) لوح طيني بابعاد (75×75) سم2 ، وهي كما ترى كمية كافية من الألواح لأستيعاب أحكام التوراة والبشارات والمواعظ.")].

فلو أضفنا الأحكام التي ذكرها الدكتور النجار لأصبح لدينا (404) جملة ، وهو مقدار من الجمل مقبول لكتابته على ألواح التوراة ، ولكي نقوم بتقريب الفكرة فلنأخذ مثالاً من الكتابات القديمة ولتكن مسلة حمورابي الشهيرة ، فمن المعروف أن هذه المسلة منقوشة على حجر أرتفاعه ثمانية أقدام ـ أي حوالي 44و2م ـ وتحتوي على 3500 سطر لنفترض انها تغطي أرتفاع 6و1م ، ولنفترض أن عرض المسلة هو 3 أقدام ـ تساوي تقريباً 92و0 م ـ فتكون مساحتها 47و1 م2 ، فهذه المساحة الصغيرة أحتوت على 3500 سطر تتضمن 282 مادة قانونية ، فلو أفترضنا أن كل مادة تتكون من جملتين فقط فستكون هناك 564 جملة وهو عدد أكثر من جمل التوراة التي افترضنا انها تشغل مساحة أكثر من مساحة مسلة حمورابي ، فليس من الصحيح محاولة الدكتور كامل النجار بنفي إمكانية كتابة التوراة على مساحة 28 م2 ، بل لو حسبنا المساحة وفقاً لرؤية التوراة أي بكتابة التوراة على لوحين فقط ، فلو أفترضنا أن مساحة كل لوح هي ( 75و0 × 20و1 ) م2 ـ وهي مساحة نفترضها للوح واحد نرى إمكانية حمله بسهولة بيد واحدة ـ فيكون مجموع مساحة اللوحين التي يمكن الكتابة بهما هو 8و1 م2 وهي مساحة أكبر من مساحة مسلة حمورابي ، فإذا إحتملنا صحة ما ذكرته التوراة من إنَّ كلا وجهي اللوحين كان مكتوب عليهما ، فيكون مجموع المساحة التي كتبت فيها هو 6و3م2 ، وهي أيضاً أكثر من مساحة مسلة حمورابي ، طبعاً مع مراعاة إختلاف اللغة بين لغة مسلة حمورابي وبين التوراة ، فما ذكرناه هو مجرد تقريب لفكرة إمكانية كتابة التوراة باللغة الهيروغليفية.  

    

 حقيقـة التابـوت :

قال الدكتور النجار : [(وفي الحقيقة فإن التابوت الذي أمر الله موسى بصنعه لم يكن من أجل حمل التوراة وإنما من أجل حمل العهد الذي قطعه الله مع بني إسرائيل بتمليكهم أرض كنعان ويسميه اليهود The Covenant  وقد حملوه معهم في ذلك الصندوق طوال فترة التيه في الصحراء، وأخيراً وضعه الملك داود في معبدهم بالقدس. ولذلك لن أشتغل بالحسابات الهندسية التي أتى بها السيد الكرخي، رغم أنه افترض أن الألواح مربعة الشكل وقد تكون مستطيلة أو حتى مثلثة كالاهرامات المصرية التي رآها موسى في مصر)] ، وهنا يبرز مثال للتناقض في منهج بحث الدكتور النجار ، فهو يعتمد على الأسفار الخمسة المكونة للتوراة الحالية في إثبات أن التوراة لم تكن من ضمن موجودات التابوت لكنه في نفس الوقت يرفض رواية تلك الأسفار الخمسة نفسها والقائلة بأن موسى عليه السلام قد كتب التوراة ـ كما في سفر التثنية (24:31) ـ ويصر الدكتور النجار على أنَّ موسى عليه السلام لم يكتب التوراة بل كتبت بعده بزمن طويل من دون أن يقدم أي دليل على قوله هذا.

فأما ما ذكره الدكتور النجار من أن التابوت يحوي (العهد الذي قطعه الله مع بني إسرائيل بتمليكهم أرض كنعان ويسميه اليهود The Covenant) ، فلا يوجد دليل في التوراة على أن المقصود بالعهد هو تمليك إسرائيل لأرض كنعان. والمصدر الذي أعتمد عليه الدكتور النجار في مقولته هذه هو مصدر غير دقيق.

ففي نسخة الكتاب المقدس التي صادق على إعادة طبعها إغناطيوس زيادة مطران بيروت ، وفي قسم الحواشي منها صفحة (4) نقرأ : (تابوت الشهادة أي التابوت الذي كان فيه لوحا الشريعة الإلهية المسماة شهادةً).

وبالرجوع للتوراة الحالية نجدها تفصل بين لوحي الشهادة وبين التوراة ، وتعطينا المعلومات الاتية :

ـ اللوحان المكتوب فيهما كلمات العهد ، وقد كتبهما الله تعالى بأصبعه على حد تعبير التوراة الحالية {كما في سفر الخروج (18:31)} ، وفي موضع آخر أن موسى هو الذي كتب كلمات العهد على اللوحين ! {كما في سفر الخروج (28:34) }.

ـ وفيهما الأمر بالتوحيد وشرائع الأعياد المعينة وعطلة السبت وأوامر أخرى ، ومحتوى لوحي الشهادة مذكور في سفر الخروج (34: 6-27).

ـ الكتابة منقوشة على وجهي كل لوح من لوحي الشهادة {كما في سفر الخروج (15:32).

ـ لوحا الشهادة موضوعان داخل التابوت {كما في سفر الخروج (16:25) }.

ـ التوراة توضع إلى جـوار التابـوت الحـاوي على لوحي الشهادة داخـل خيمـة الإجتمـاع {كما في سفر التثنية (26:31)}.

فيكون محتوى اللوحين جزء من التوراة الحالية. فلا نجد هناك ميزة لوضع اللوحين فقط داخل التابوت وترك التوراة كلها خارجه مع أنَّ محتوى الألواح موجود في التوراة ؟! هذا طبعاً بحسب رواية التوراة الحالية التي يفترض الدكتور النجار أنها غير محرّفة !؟

 

أما عند المسلمين فقد قال الله عزَّ وجل في القرآن الكريم في الآية (248) من سورة البقرة : (( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ))

 

وقال الله سبحانه في الآيتين (144و145) من سورة الأعراف : (( قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ، وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين )) ، إلى أن يقول عزَّ وجل في الآية (154) من نفس السورة : (( ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون )).

وقال تعالى في الآية (44) من سورة المائدة : (( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور )) ، فكان إشتراك الوصف بين الألواح والتوراة يحملنا على القول على أنَّ ما كتب في الألواح هو التوراة نفسها.     

 

نستنتج مما سبق أن التوراة الحقيقية إنْ إفترضنا أنها كتبت باللغة الهيروغليفية على ألواح طينية في عهد موسى عليه السلام فهو إفتراض مقبول وممكن الحدوث ولا يوجد أي سبب يمكن ان يمنع من القول بصحة هذا الأمر.

 

ما هو الدليل على صحة ما يقول ؟

قال الدكتور النجار : [(ونحن نقول إن التحريف الذي حصل كان متوقعاً بسبب أن التوراة لم تكن مكتوبة لفترة طويلة بعد موسى وحفظها اليهود في صدورهم، ولا بد في مثل هذه الحالات أن يحدث تحريف بسبب الاعتماد على الذاكرة)] ، فما هو الدليل التأريخي الذي يمتلكه الدكتور النجار على صحة ما يقوله من عدم كتابة التوراة وحفظها في الصدور ! ، وإلا فهي دعوى بدون دليل ، ورغم أنه قد كتب ثلاثة تعقيبات إلا أنه لم يذكر أي دليل حول هذا الموضوع في أيٍ منها رغم كثرة ترديده له.

 

 

 

 

 

غريب بلا غرابة ؟!

قال الدكتور النجار : [(ومرة أخرى يستعمل السيد الكرخي منطقاً غريباً ليرد على قولي بأن الله لو قال في التوراة على لسان موسى: سيأتي نبي من بعدي اسمه أحمد، لا بد أن يذكر كذلك عيسى، لأن عيسى أتى بعد موسى، فقال الكرخي: فأولاً لم يثبت أن الله عزَّ وجل قد ذكر أسم (أحمد) في التوراة بدليل قطعي ، نعم ورد ذكر (الرسول النبي الأمي) في التوراة والإنجيل بحسب الآية (157) من سورة الأعراف ، ثم لماذا ينسى الدكتور كامل النجار أن هناك عشرات الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام في بني إسرائيل ، كان النبي عيسى عليه السلام آخرهم ، فهو لم يأتِ بعد موسى عليه السلام مباشرة. وحيث علمنا انه لم يأت بصورة مباشرة بعد موسى عليه السلام ، نجد أن أستخدامه لكلمة (لابد) في النص السابق غير صحيح ، فضلا عن أنه لا يصح أن نفرض على الله سبحانه وتعالى ما يجب أن يفعله سبحانه ، فلا يتحكم بقوله "لابد" للخالق ". وغرابة المنطق هنا أن السيد الكرخي قال قبل هذا وعلى لسان العالم اليهودي سيلفر " بأن التوراة الحالية لا تمثل توراة موسى الأصلية في أية ناحية وحتى الوصايا العشر التي يكاد يجمع العلماء أنها الشيء الوحيد المتبقي من التوراة الأصلية لم يكن بكمالها وعلى هيئتها الحالية كالتي أتى بها موسى " وما دام الأمر كذلك فليس من المتوقع وجود دليل قطعي على اسم أحمد أو حتى النبي الأمي مذكوراً في التوراة. وأما كون عيسى لم يأت بعد موسى مباشرة، فهذه مسألة شكلية، إذ أن الأنبياء اليهود الذين أتوا بعد موسى لم تكن لهم كتب كالتوراة، وظلت التوراة هي الكتاب الرئيسي لليهود، ولذلك من ناحية عملية يمكن أن نعتبر أن عيسى أتى بعد موسى مباشرة لأنه أتى بأول كتاب بعد التوراة. وحتى لو تقاضينا عن هذه النقطة فيمكن أن نسأل لماذا لم يذكر الله بقية الأنبياء الذين أتوا بعد موسى وقبل أحمد ؟)] .

لقد ذكرتُ آنفاً أن ما نقلته عن العالم اليهودي سيلفر هو لغرض التنبيه على عمق الفكرة القائلة بعدم أصالة الأسفار الخمسة للتوراة عند الباحثين ، وليس الغرض هو تأييد ما قاله سيلفر ، ويدل على ذلك أنني قد ذكرت ما قاله سيلفر في المقدمة الأولى تحت العنوان الفرعي (التوراة وكتابتها على الألواح الطينية) ولكني في المقدمة الثانية تحت نفس العنوان الفرعي قد ذكرت ما نصه : [إنَّ القرآن الكريم يخبرنا أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام (( فيها هدى ونور يحكم بها النبيون )) ، إذن التوراة فيها أحكام شرعية ومواعظ (هدى ونور) يحكم بها النبيون] ، وفي ذلك مخالفة واضحة لما ذكره سيلفر ، فلا مجال للإعتراض عليَّ بسبب نقلي ما قاله سيلفر لأن أحداً لم يقل أن رأي سيلفر مطابق لرأي الإسلام.

واما قوله [(وأما كون عيسى لم يأت بعد موسى مباشرة، فهذه مسألة شكلية، إذ أن الأنبياء اليهود الذين أتوا بعد موسى لم تكن لهم كتب كالتوراة، وظلت التوراة هي الكتاب الرئيسي لليهود، ولذلك من ناحية عملية يمكن أن نعتبر أن عيسى أتى بعد موسى مباشرة لأنه أتى بأول كتاب بعد التوراة)] فقد أخطأ فيه وتناقض مع نفسه أيضاً ، فليس كل الأنبياء الذين أتوا بعد موسى عليه السلام لم يكن لديهم كتاب غير التوراة فقد كان لداود عليه السلام كتاب وهو الزبور إلى جانب التوراة ، وأما تناقضه فهو في قوله بأن عيسى عليه السلام لديه كتاب مع أنه في التعقيب الثاني أنكر أن يكون لعيسى عليه السلام كتاب اسمه الإنجيل حين قال : [(فالإنجيل كتاب واحد يحتوي على أربعة كُتيبات)] ومعروف أن عيسى عليه السلام لم يكتب أيٍ من تلك الأناجيل الأربعة !

وأما قوله بان الأنبياء الذين اتوا بعد موسى عليه السلام لم تكن لديهم كتب كالتوراة ، فهو قول غير دقيق لأن أولئك الأنبياء كانت لديهم التوراة الصحيحة مثلما كانت عند موسى عليه السلام ، وإنما التحريف لحقها بعد السبي البابلي ، وحتى بعد مجيء عيسى عليه السلام ظلت التوراة هي الكتاب الرئيسي لدعوة عيسى بالإضافة للإنجيل.

ثم ما هو الدليل على تخصيصه "الناحية العملية" التي ذكرها بالأنبياء من أصحاب الكتب السماوية وتستثني من ليس لديه كتاب منهم ، وهل هذا إلا قول بلا دليل ، وهل يقلل عدم إمتلاك سليمان عليه السلام لكتاب سماوي غير التوراة من أهميته ودوره البارز في بناء الهيكل ؟!

فمن الواضح أن عيسى عليه السلام لم يات بأول كتاب بعد التوراة كما قال الدكتور النجار بل أتى بكتاب إلى جانب التوراة مثلما أتى داود عليه السلام بالزبور إلى جانب التوراة من قبله.

 

إعتماده التأريخ اليهودي يكشف بعض تناقضاته :

قال الدكتور النجار : [(والإشكال هنا أن السيد الكرخي لإيمانه بالقرآن فقط لا يجادل إلا من الزاوية القرآنية فقط. فالتاريخ اليهودي لا يعتبر أن داود وسليمان أنبياء، إنما كانوا ملوكاً فقط ولم تكن لهم كتب منزلة. وأما يحيي وطالوت فهي أسماء عربية أتى بها القرآن لتعبر عن أنبياء يهود يصعب تحديدهم)] ، حسناً فهل يرى الدكتور النجار أن الإعتماد على المصادر الصحيحة هو امر مخالف للبحث العلمي !؟

فإذا توصلنا إلى وجوب وجود خالقٍ للكون ثم عرفنا أنَّ الخالق عدلٌ وأنه تعالى أرسل أنبياء لهداية البشر في إطار إمتحان إلهي عظيم للإنسانية ، ثم علمنا بعد الفحص صدق نبوة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وصدق الكتاب الذي جاء به وحفظه وهو القرآن الكريم ، ألا يكون ذلك الكتاب السماوي مصدراً حقيقياً بل الغاية القصوى في الإعتبار للإعتماد عليه في النواحي التي جاء بها ، سواء الناحية التشريعية أو التأريخية أو الأخلاقية ، فمن أصدق من الله حديثاً ، فالإشكال هنا أن الدكتور النجار لإيمانه بنظرية دارون فقط لا يجادل إلا من الزاوية الإلحادية فقط ، وهذه الزاوية الضيقة تجعله يدخل في تناقضات متعددة ، فهو هنا يعتمد على التأريخ اليهودي في القول بأن داود وسليمان عليهما السلام لم يكونا نبيين بل ملكين ، ولكنه لا يثق بذلك التأريخ نفسه حين يخالفه منكراً أن يكون موسى عليه السلام قد كتب التوراة ، فأين هو منهج البحث العلمي !؟ فهل التأريخ اليهودي جدير بالإعتماد أم لا ؟!

وأما قوله آنف الذكر بأن [(يحيي وطالوت فهي أسماء عربية أتى بها القرآن لتعبر عن أنبياء يهود يصعب تحديدهم)] فهو قول بعيد عن الحقيقة لأن النبي يحيى عليه السلام قد ورد ذكره وجانب من قصة حياته في الأناجيل الأربعة ضمن قانون الكتاب المقدس وأسمه هناك "يوحنا" كما ان النبي عيسى عليه السلام قد ورد ذكره هناك بأسم "يسوع" ، فلماذا يدعي الدكتور النجار صعوبة تحديد هويته ؟! وكذلك طالوت الذي ورد ذكره في القرآن الكريم ورد ذكره في الكتاب المقدس بأسم "شاول".

 

هل اخبرت التوراة بنبي أسمه أحمد :

أدعى الدكتور النجار بأن القرآن الكريم يقول بأن موسى عليه السلام بشّر بنبي يأتي من بعده أسمه أحمد ، وحين أخبرته بأن القرآن الكريم يذكر أن النبي عيسى عليه السلام هو الذي قال ذلك وليس النبي موسى عليه السلام ، وإذا بالدكتور النجار وقد أخذته العزة بالأثم ، فبدلاً من أن يسحب قوله ويعترف بخطاه وإذا به يتمادى في نسبة ذلك الأمر الخاطيء للقرآن الكريم ، حيث قال في تعقيبه الثالث : [(والقرآن يقول إن موسى قال سيأتي بعده نبي أمي. وبما أنه ليس لدينا أي دليل تاريخي يثبت أن عيسى لم يكن أمياً، يجوز أن نستنتج أن القول المذكور في التوراة، إذا كان فعلاً مذكوراً بها، كان المقصود به عيسى وليس محمد)] ، فمن الواضح أن القرآن الكريم لم ينسب لموسى عليه السلام أنه قال سيأتي بعده نبي امي ، بل ما ورد في القرآن الكريم هو في الآية (157) من سورة الأعراف وهي قوله تعالى : (( الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )) ، فلم يرد فيها أن موسى عليه السلام قال سيأتي بعده نبي أمي.

ومن جهة اخرى فمن الغريب أن ينسب الدكتور النجار لعيسى عليه السلام عدم معرفته بالقراءة والكتابة ، مع انه ورد في إنجيل متى (4: 16و17) أنه كان يقرأ فعلاً أي انه ليس باميّ.

 

حول ترجمة الأسماء :

قال الدكتور النجار : [(ويقول السيد الكرخي: " وبغض النظر عن إنَّ النبي عيسى عليه السلام هو الذي بشر برسول يأتي من بعده أسمه (أحمد) بنص القرآن الكريم وليس النبي موسى عليه السلام كما توهم الدكتور كامل النجار ، فهل يتوقع الدكتور كامل النجار أن التوراة بلغتها القديمة العبرانية أو اليونانية تحوي على لفظ (أحمد) ؟ بالطبع أنها تحوي على (أحمد) ولكن بلغتها وليس بلغة العرب ، فـ (أحمد) أسم عربي وليس عبراني أو يوناني ، تماماً مثلما كان أسم عيسى عربي وجيزز أنكليزي وهما أسمان للمسيح أبن مريم عليهما السلام. فالمسألة تتعلق بترجمة اللغات وليس بتبديل الأسماء كما ظن كامل النجار."

ربما غاب عن السيد الكرخي أن اللغتين العبرية  والعربية ينتميان إلى نفس المصدر في اللغات السامية.  فاللغة السريانية واللغة العربية اشتقتا من اللغة الآرامية التي أتت بدورها مع شقيقتها اللغة العبرية القديمة، من الحروف الفينيغية . وبالتالي تكون أغلب الكلمات والأسماء متشابهة في النطق لأن أصل الحروف واحد. وحتى لو أخذنا التوراة باللغة الإنكليزية نجد أن الأسماء لم تتغير إلا قليلاً. فعلى سبيل المثال نجد:

Abraham مترجم إلى إبراهيم

Isaac مترجم إلى إسحق

Jacob إلى يعقوب

Ishmael إلى إسماعيل

Moshe إلى موسى

Aaron إلى هارون

Amram وهو والد موسى وهارون إلى عمران ( وليس والد مريم أم عيسى كما يذكر القرآن)

فيظهر من هذا أن الأسماء لا تُغيّر كثيراً في الترجمة. ولكن عندما نجئ إلى الاسم أحمد نجد أن الذكر الوحيد في الإنجيل لمجئ شخص أو روح بعد عيسى هو في إنجيل يوحنا سفر 14، الآيات من 15 إلى 17 التي تقول: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم " ولكن عندما ترجموا الإنجيل من اللغة السريانية إلى اللغة الإغريقية أصبح المعزّي الذي يأتي بعد عيسى هو Paraclete في اللغة الإغريقية. ولما ترجموا الإنجيل من اللغة الإغريقية إلى العربية اختلطت عليهم كلمة Paraclete التي تعني " الروح القدس " مع كلمة إغريقية أخرى وهي Periclete وتعني شخصاً محمود الخصال. واختلط الأمر في الإسلام وصار " محمود الخصال " هو " أحمد " الذي يشبه " محمد ". وجاءت الآية: " يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " لأن الإنجيل يقول: " وأما أنتم فتعرفونه ". ونرى من هذا السرد أن عيسى لم يذكر نبياً من بعده اسمه أحمد، ولم يتغير الاسم في الترجمة من العبرية إلى العربية كما زعم السيد الكرخي، إنما حاول المسلمون الاستفادة من الكلمة الإغريقية التي تعني " محمود الخصال" فجعلوا منها " أحمد")].

فيبدو أنه قد فات الدكتور النجار أن الأسماء الأجنبية في لغة العرب لها معاملتان ، فأما أن يبقى الأسم على حاله دون تغيير ويسمى (أسم اعجمي) مثل إبراهيم وإسحاق وإسرائيل ، وأما أن يتم تعريب الأسم كما ذكرنا في تعقيب سابق ، مثل تعريبهم أسم (شاه بور) إلى سابور ، وتعريبهم أسم (خوش رو) إلى خسرو ثم إلى كسرى. فليس غريباً أن يكون أسم أحمد قد ذكر في الإنجيل بالآرامية (اللغة المفترضة للمسيح عليه السلام) وتم تعريبه أي وفقاً للمعاملة الثانية للأسماء. 

 

وأما قول الدكتور النجار آنف الذكر ونصه : [(ولكن عندما ترجموا الإنجيل من اللغة السريانية إلى اللغة الإغريقية أصبح المعزّي الذي يأتي بعد عيسى هو Paraclete في اللغة الإغريقية)] فهو قول بعيد عن الصحة :

فأولاً. كلام الدكتور النجار يعني إنَّ الكلمة السريانية هي "المعزي" ولكن لا يوجد دليل على هذا ، وإلا فما هو لفظها باللغة المذكورة ؟ 

وثانياً. لأن إنجيل يوحنا لم يكتب باللغة السريانية بل كتب أصلاً باللغة اليونانية ، ففي نسخة العهد الجديد الصادرة عن مجمع الكنائس الشرقية وفي المدخل إلى إنجيل يوحنا والماخوذ عن الترجمة الفرنسية المسكونية للكتاب المقدس نقرأ ما نصه : ( فالإنجيل واحد من جهة التأليف الأدبي وقد وضع أصلاً باليونانية) ، فرغم أن اللغة المفترضة للمسيح عليه السلام هي الآرامية فإن إنجيل يوحنا كما أسلفنا لم يكتب بها بل كتب باليونانية.

وأما قول الدكتور النجار آنف الذكر ونصه : [(كلمة Paraclete التي تعني " الروح القدس " )] ، فهو قول خطأ لأن كلمة Paraclete   لا تعني الروح القدس بل قال علماء المسيحية بأنها تعني "المعزي" ووضعوها في إنجيل يوحنا بهذا المعنى ثم قالوا بأن المقصود بكلمة "المعزي" وتفسيره هو الروح القدس ، وفي ذلك فرق شاسع عما ذكره الدكتور النجار. وبعبارة أخرى : قام علماء المسيحية بترجمة كلمة Paraclete إلى كلمة "المعزي" ثم قاموا بتشخيص المعزي بأنه الروح القدس لكن الدكتور النجار ترجم كلمة Paraclete إلى الروح القدس مباشرة ، وفي ذلك خطأ كبير لأن إعتراضاً في جانب مهم منه على التشخيص المذكور.

لقد قام الدكتور النجار بتناول الموضوع بطريقة مقلوبة فإنَّ ما نطق به المسيح عليه السلام من لفظ بالآرامية هو بلا شك مقارب للفظ كلمة أحمد العربية لكون اللغة العربية مشتقة من اللغة الآرامية ، ولكن حين ترجم لفظه ذلك إلى اليونانية ترجم على أنه Periqlytos ثم حدثت أخطاء في النسخ مما يدخل ضمن اخطاء النساخ فكتبت الكلمة هكذا  Paraclete واستقرت كتابة إنجيل يوحنا بكتابتها على هذه الهيئة ، وأخطاء النساخ في كتابة الكتاب المقدس معروفة ومعترف بوجودها من قبل علماء المسيحية.

واما قول الدكتور النجار : [(إنما حاول المسلمون الاستفادة من الكلمة الإغريقية التي تعني " محمود الخصال" فجعلوا منها " أحمد")] ، فهو قول خاطيء ، لأن قول المسيح عليه السلام المذكور في القرآن الكريم : (( ومبشراً برسول ياتي من بعدي أسمه أحمد )) فهو ليس من قول المسلمين بل من قول الله سبحانه وتعالى ، وأنّى للمسلمين معرفة اللغة الإغريقية بحسب قول الدكتور النجار حتى يترجموا الكلمة المذكورة ، ولماذا ترجموها "أحمد" ولم يترجموها "محمد" ، حيث أن أسم "أحمد" لم يكن معروفاً عند العرب قبل الإسلام بخلاف أسم "محمد" الذي تسمى به أفراد قلائل من عرب الجاهلية.

 

 

 

 

أبن عباس والتحريف :

نقل الدكتور النجار في تعقيبه الثاني عن تاريخ أبن خلدون من انه نسب إلى صحيح البخاري قول لأبن عباس رضي الله عنهما وهو : (معاذ الله أنّ تَعْمد أُمَّة من الأمَم إلى كتابها المُنْزَل على نبَيها فتبدله أو ما في معناه ) إلخ ، وحين أجبته بأني لم اعثر على هذا القول لأبن عباس في الكتاب المذكور ولا في غيره من كتب الحديث ، فيمكن أن يكون قد أشتبه الأمر على أبن خلدون لا سيما وهو ينقل من ذاكرته ويدل عليه قوله (أو ما في معناه) ، وربما أكون قد قصّرتُ في البحث فهلا دلنا الدكتور النجار عن موضع ذلك الحديث في البخاري.

فعاد الدكتور النجار في تعقيبه الثالث قائلاً : [(وإذا كان ابن خلدون قد أخطأ بعض الشئ فليرجع السيد الكرخي إلى كتاب ( فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، الكتاب 13، التوحيد، باب والطور وكتاب مسطور) فسوف يحد فيه " أن ابن عباس قال: يكتب الخير والشر. يحرفون، يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كُتب الله عز وجل ولكن يحرفونه يتأولونه على غير تأويله. دراستهم تلاوتهم واعية حافظة.  ... وفي رواية الكشميهن " يتأولونه على غير تأويله" قال شيخنا ابن الملقن في شرحه: هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية وهو مختاره _ أي صحيح البخاري- وقد صرّح كثير من أصحابنا بأن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل وفرعوا على ذلك جواز امتهان أوراقهما، وهو يخالف ما قاله البخاري، وهو كالصريح في أن قوله " ليس أحد " إلى آخره من كلام البخاري ذيّل به تفسير ابن عباس، وهو يحتمل أن يكون بقية كلام ابن عباس في تفسير الآية." فواضح من هذا أن ابن عباس لا يعتقد أن الناس يستطيعون حذف أو تغيير كلام الله إنما يمكن أن يغيّروا تأويله)] ، والدكتور النجار يشير إلى ما في صحيح البخاري ونصه : (باب قول الله تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ والطور وكتاب مسطور قال قتادة مكتوب يسطرون يخطون في ام الكتاب جملة الكتاب واصله ما يلفظ من قول ما يتكلم من شئ الا كتب عليه وقال ابن عباس يكتب الخير والشر يحرفون يزيلون وليس احد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله دراستهم تلاوتهم واعية حافظة وتعيها تحفظها واوحي الي هذا القرآن لانذركم به يعني اهل مكة ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير) ، ثم ياتي دور شرح أبن حجر في فتح الباري والذي ذكره الدكتور النجار ، وهنا تكمن المشكلة فالدكتور النجار ينقل ما يخالف كلامه ويستشهد بما ينقض قوله ، فقد نقل عن أبن حجر من أن أبن عباس قال (يكتب الخير والشر. يحرفون، يزيلون) ثم ينقل عن المصدر نفسه ـ أي فتح الباري لأبن حجر ـ بأن القول (وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كُتب الله عز وجل ولكن يحرفونه يتأولونه على غير تأويله) هو من قول البخاري وليس من قول أبن عباس ، فهل يريد الدكتور النجار أن يمرر فكرته ولو بدليل مناقض لها بعد أن أعجزه الدليل المؤيد لها ، وهل هذه طريقة جديدة في البحث العلمي !؟!!

ولمزيد من الفائدة نقول بأن البخاري روى قول أبن عباس مرسلاً بدون سند ، وروى عن أبن عباس في موضع آخر رواية مسندة تخالف روايته المرسلة هذه ، ففي صحيح البخاري ما نصه : (حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله ان عبد الله بن عباس قال يا معشر المسلمين كيف تسألون اهل الكتاب عن شئ وكتابكم الذي انزل الله على نبيكم صلى الله عليه وسلم احدث الاخبار بالله محضا لم يشب وقد حدثكم ان اهل الكتاب بدلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم قالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا اولا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسئلتهم فلا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي انزل عليكم) ، ولعل هذا يختم المناقشة في هذه النقطة حول حقيقة رأي أبن عباس في التحريف.

هذا من جانب ومن جانب آخر فإن ما في التوراة من مخالفات تغنينا عن قول أبن عباس ، فوصف التوراة بأن الله تعالى أستراح ، وافترائها على الأنبياء بأنهم كانوا ياتون الفاحشة من قبيل زنى المحارم والسجود للأصنام ، وغيرها من المخالفات ، كل ذلك يورث القطع بتحريف التوراة وأنَّ ما ذكرناه فيها ليس من كلام الله عزَّ وجل.

 

وأما قول الدكتور النجار : [(أما الإمام ابن حزم الظاهري فيقول في كتابه ( الفصل في الملل والأهواء والنحل، الجزء الأول، ص161) ما يلي: " نقول لمن قال من المسلمين: إن نقلهم نقل تواتر يوجب العلم، وتقوم به الحجة: لا شك أن ما نقلوه من ذلك عن موسى وعيسى عليهما السلام لا ذكر فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا إنذار بنبوته، فإن صدقهم هؤلاء القائلون في بعض نقلهم، فواجب أن يصدقوهم في سائره، أحبوا أم كرهوا، وإن كذبوهم في بعض نقلهم وصدقوهم في بعض، تناقضوا وظهرت مكابرتهم، ومن الباطل أن يكون نقل واحد جاء مجيئاً واحداً بعضه حق وبعضه باطل. " فالإمام ابن حزم يقول لنا إما أن يكون التوراة والإنجيل منقولان نقلاً صحيحاً كاملاً لا تحريف فيه، وإما أن يكونا محرفتين بالكامل ولا صحيح فيهما. أما قول السيد الكرخي أن التوراة تحتوي على أحكام ما زالت صحيحة ولكن باقي التوراة محرف، قول فيه تناقض كما يقول الإمام)] ، فالدكتور النجار ينقل هنا ما لا يؤيد كلامه ، لأن أبن حزم يتكلم بخصوص من قال من المسلمين إنَّ نقل اليهود للتوراة هو نقل متواتر ، وكل كلامه متوقف على هذا الأمر ، وطبعاً فهو لا يقصد من يقول من المسلمين بأن نقلهم للتوراة هو نقل منقطع السند فضلاً عن عدم تواتره ، وكيف لا يكون السند منقطعاً وقد ضاعت التوراة ثم كتبت بعد السبي البابلي ، ثم أضيفت لها نصوص مجهولة المصدر مثل قصة وفاة موسى عليه السلام ، ثم ما ذكرناه آنفاً من مخالفات عقائدية وتشويه لصورة الأنبياء الطاهرة من إتهامهم بزنى المحارم والسجود للأصنام وغيرها ، وكل هذه نصوص دخيلة على التوراة مجهولة المصدر ، فأي تواتر او سند متصل يمكن الحديث عنه وسط هذه الفوضى.

 

وقال الدكتور النجار : [(وعندما قلنا إن القرآن يخبرنا أن فريقاً واحداً من بني إسرائيل حرف كلام الله أما البقية فلم تحرفه وربما صححته، قال السيد الكرخي: " فـ (ربما) هذه التي ذكرها تحتمل أمرين الأول هو ما ذكره من تصحيح ما حرّفوه ، والآخر هو عدم تصحيحهم ما حرفه الآخرون ، والأدلة التي بين أيدينا تخبرنا بوقوع التحريف وعدم تصحيحه." فما دام الأمر يحتمل وجهتي نظر، لماذا يصر المسلمون على وجهة النظر التي تقول إن اليهود قد حرفوا التوراة ؟ وما هي الأدلة التي بين أيدينا تخبرنا بوقوع التحريف وعدم تصحيحه؟ وحتى لو لم يصحح الفريق الآخر ما حرّف الفريق الأول، فسوف يكون عندنا على أقل تقدير توراة الفريق الآخر الذي لم يحرفها)] ، فسؤاله (لماذا يصر المسلمون) ..إلخ ، جوابه مذكور مسبقاً وهو وجود الأدلة على وقوع التحريف وإستمراره إلى يومنا هذا ، فالأمر لا يحتمل وجهتي نظر كما ظن الدكتور النجار لأن الأمر الأول الذي ذكرناه قد بان خطأه بسبب وقوع التحريف وإستمراره ، واما تقديره بوجود التوراة التي لم يحرفها الفريق الآخر على حد تعبيره ، فأين هي ولماذا لا يبرزها لنا ولليهود لكي يصححوا معتقداتهم ! إنَّ عدم وجودها يدل على خطأ فرضيته المذكورة.

 

وقال الدكتور النجار : [(عندما قلنا للسيد الكرخي إذا كان اليهود فعلاً قد قالوا إن عزيز ابن الله، لماذا لم يكتبوها في توراتهم المحرفة، رد علينا بقوله: " وفي هذا الصدد يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان : (وقد ذكر بعض المفسرين : ان هذا القول منهم: (عزير ابن الله ) كلمة تكلم بها بعض اليهود ممن في عصره صلى الله عليه وآله وسلم لا جميع اليهود فنسب إلى الجميع كما ان قولهم : ( إن الله فقير ونحن اغنياء ) وكذا قولهم : ( يد الله مغلولة ) مما قاله بعض يهود المدينة ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسب في كلامه تعالى إلى جميعهم لان البعض منهم راضون بما عمله البعض الاخر ، والجميع ذو رأى متوافق الاجزاء وروية متشابهة التأثير) ، وبذلك يتضح عدم صحة قولكم ."  فمعنى هذا الكلام أن حفنة من يهود المدينة التي لا تمثل حتى واحد بالمائة من يهود العالم وقتها ومن اليهود الذين ماتوا قبل ذلك، قالت عزيز ابن الله، فاستنتج السيد الطباطبائي أنه يجوز أن نستعمل هذه الفئة الضئيلة لنقول إن اليهود عامة قالوا ذلك. ولماذا ياترى عندما قال بعضهم إن النبي محمد أبتر ولا نسل له، رد عليهم القرآن بقوله: " إن شانئك هو الأبتر " ولم يقل علماء المسلمون وقتها إن الأعراب المشركين قالوا إن النبي أبتر؟ لماذا لم يستعملوا القلة هنا لتدل على الكل؟ وكيف عرف السيد الطباطبائي أو غيره أن البعض منهم الذين لم يقولوا عزيز ابن الله كانوا راضين بما قال الفريق الآخر ؟)] ، فأما إعتراض الدكتور النجار فلا موجب له ، لأن أسلوب الكلام هذا هو جزء من لغة العرب وبلاغتهم ، قال الشريف الرضي في حقائق التأويل : (جائز أن يوقع الخبر على الكل والمعنى واقع على البعض كقوله تعالى : (( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم...)) ، وإنما يريد تعالى : بعض الناس) ...(ومثـل ذلـك قوله تعالى : (( إذ قالت الملائكة يا مريم... )) ، والمراد : بعض الملائكة ، لان بعضهم كلَّمها لا جميعهم . ) ، بل إنَّ الدكتور النجار نفسه قد أستعمل هذا الأسلوب في تعقيباته ومقالاته ، فمثلاً قال في تعقيبه الثاني  : (وأقول للسيد الكرخي: ما زال المسلمون يكتبون التفسير مع المصحف داخل المصحف ( راجع تفسير الجلالين) وما زال المسلمون يقرؤون القرآن بسبعة أو عشرة قراءات) ، مع ان بعضاً من المسلمين هم الذين يكتبون التفسير في المصحف ورضي به عموم المسلمين ، وكذلك فإنَّ بعضاً من المسلمين يقرأ بواحدة من القراءات السبعة والبعض الآخر يقرأ بقراءة أخرى من القراءات السبعة ولكن عموم المسلمين متفقون على جواز القراءة بأيِ من القراءات السبعة أو العشرة ، فهذا التوافق هو الذي دفع الدكتور النجار إلى القول بأن جميع المسلمين هم يقرأون بالقراءات السبع أو العشر ، وهو نفس التوافق الذي جعل القرآن الكريم يستعمل لفظة اليهود عامة في نسبة القول "عزير أبن الله" إليهم مع أنَّ بعضهم فقط هو الذي قال ذلك.

 

تسـاؤل !

قال الدكتور النجار : [(وأخيراً لا يسعنا إلا أن نسأل: لماذا احتفظ اليهود بكل القوانين الصعبة التي تحرم عليهم شرب الخمر وأكل عدة أنواع من اللحوم وتفرض عليهم الختان والرجم وما إلى ذلك، وحرفوا بقية التوراة التي هي عبارة عن قصص وتاريخ ؟ لماذا لم يحرفوا أو يمحوا هذه القوانين ؟)] ، فمتى كانت صعوبة القوانين تدل على صحة العقيدة وعدم تحريفها ؟! ، ثم أن هناك إدعائين في كلام الدكتور النجار وهما إدعائان بلا دليل ، الأول. إدعاء أن عدم شرب الخمر أو الختان إلخ هو من القوانين الصعبة !؟ فما وجه الصعوبة فيها !؟ ونحن نرى الملايين من المسلمين يختتنون ولا يشربون الخمر ولا يأكلون بعض اللحوم ، ولا توجد أي صعوبة في حياتهم نتيجةً لذلك. والثاني. إدعاء أن التحريف في التوراة يخص "قصص وتاريخ" ، وهو إدعاء غير صحيح ، لأن التحريف شمل مخالفات عقائدية خطيرة ، فالتوراة الحالية تنص على أنَّ الله عزَّ وجل إستراح في اليوم السابع بعد بداية الخلق ، ونسبة الإستراحة والتعب إلى الله عزَّ وجل غير صحيحة ، فالله عزَّ وجل أكبر وأعظم من أن يتعب ويرتاح وهو غني عن الراحة التي تحتاج إليها المخلوقات لا الخالق ، وكذلك تنسب التوراة الحالية إلى الأنبياء أنهم مارسوا زنى المحارم وهو أخس وأقذر انواع الزنى ، مع أنَّ وصف الزنى بل وصف أتيان المعاصي عموماً غير جائز على الأنبياء لعصمتهم.

 الحلقة الثانية

نظرية دارون والمنطق :

قال الدكتور كامل النجار : [(كنت قد قلت في مقال سابق إن الإنسان عندما بدأ حياته على هذه الأرض بدأ بعبادة الأسلاف ثم الأصنام ثم آلهة السماء المتعددة ثم الإله الواحد. ولكن السيد الكرخي يقول إن الإنسان ابتدأ بالتوحيد ثم رجع للتعددية. ولما اعترضت على هذا القول، رد عليّ السيد الكرخي بقوله: " ولا أدري كيف أن بدء الإنسان مسيرته الإنسانية بالتوحيد يجافي المنطق السليم ! فهلا شرح لنا الدكتور المقدمات المنطقية الدالة على استحالة أن يكون الإنسان قد بدأ مسيرته الإنسانية بالتوحيد ! " والاختلاف هنا يكمن في أن السيد الكرخي يعتمد على الرواية الدينية التي تقول إن أصل الإنسان هو آدم الذي كان في نفس الوقت نبياً، وبالتالي عرف التوحيد وعرفه أحفاده من بعده. ونحن نقول إن الإنسان تطور من أصله المشترك مع بقية الحيوانات إلى أن أصبح شمبانزي ثم إنسان (نظرية دارون) وبالتالي لم يعرف الله ولم يعرف الأديان، إنما نمت لديه الفكرة بالتدريج. ويعلمنا تاريخ البشرية أن الإنسان إذا اكتشف أو اخترع شيئاً جديداً أحسن مما كان يعرفه، فإنه لا يرجع للقديم وإن حنّ إليه. وعليه نقول إن الإنسان بدأ بالتعددية وتطور مفهومه الديني مع تطوره العقلي إلى أن وصل إلى التوحيد. أما قصة الكتب السماوية بأن الإنسان بدأ بالتوحيد مع آدم ثم رجع لعبادة الأوثان فليست مقبولة لدينا لأنها تتعارض مع منطق تطور عقل الإنسان. ولكن السيد الكرخي لا يقتنع بهذا المنطق)] ، وفي الحقيقة فأنا لم أقرأ في كلام الدكتور النجار أي منطق مقبول لكي أقتنع به ، فكلام الدكتور النجار يستند إلى "نظرية دارون" ، والعقل والمنطق يرفضان أن تكون الصدفة العمياء هي خالقة هذا الكون العجيب بإنتظامه وقوانينه الدقيقة ، فإذا كان الدكتور النجار يؤمن بنظرية دارون فهو إيمان غيبي بكون الكون والكائنات الحية مخلوقة صدفة ، وهو إيمان ليس عليه دليل مقبول.

 

وأما قول الدكتور النجار : [(وتطور مفهومه الديني مع تطوره العقلي إلى أن وصل إلى التوحيد)] فهو هنا يعترف بأن التوحيد مرحلة متطورة عن الشرك ، فلماذا بدأ الإنسان بالتعددية بحسب قول الدكتور النجار ولم يبدأ من الإلحاد ، وإذا كان الدكتور النجار يعتقد فعلاً أن الإنسان بدأ من الإلحاد ثم أنتقل إلى التعددية فلماذا نجد الملحدين اليوم قد رجعوا إلى الإلحاد وتركوا التوحيد ، مع أن الدكتور النجار يقول أن الإنسان [(لا يرجع للقديم وإن حنّ إليه)] فإذا كان الأمر كذلك فعلاً فإنّ الدكتور النجار يعترف بأن الإلحاد هو مرحلة بدائية وغير متطورة من العقل الإنساني فلماذا إذن يعتنق الإلحاد ويعيش في تلك المرحلة البدائية ، وأين ذهب منطقه إذن !

 

 عبادة الآلهة على نحو الإستقلال :

قال الدكتور النجار : [(وعندما يتحدث السيد الكرخي عن تعدد آلهة السماء، يقول: " وبالمناسبة فأن الدكتور كامل النجار يقول في هذا الموضع بوجود عبادة الإله الأعظم مع عبادة آلهة أخرى أقل درجة ، وهنا يبرز أحتمالين أما أن يكون الإله الأعظم هو الذي خلق الآلهة الأقل درجة ، وعند ذلك فلا معنى لأعتبارها آلهة لأنها مخلوقة بفضل الإله الأعظم ، وأما أن تكون لها أستقلالية عن الإله الأعظم وإن كانت أقل درجة منه ، وهذا يعني أن يكون البشر قد عبدوا آلهة لها إستقلال عن الإله الأعظم ، غير انه في موضع آخر من رده ينكر أن يكون العرب قد عبدوا الآلهة على نحو الإستقلال عن الله عزَّ وجل." ولا أريد أن أدخل هنا في تفاصيل كنت قد ذكرتها مراراً قبل ذلك، وهي أن فكرة الآلهة المتعددة ظهرت عند أهل بابل القدماء عندما تخيلوا أن الإلهة " تيمات " كانت تعيش في الأجواء العليا، يحيط بها الظلام والماء، وبعد زمن طويل اختلط الماء بالهواء فخُلقت منه كل آلهة النور الذين حاولوا إثناء " تيمات" عن حربهم لأنها أرادت أن تقتلهم. ولما لم ينجحوا طلبوا من الإله " ماردوك" أن يهزمها، فاشترط عليهم طاعته العمياء إن هو فعل ذلك، فوافقوا. وأصبح " ماردوك" هو الإله الأعظم الذي يملي على بقية الآلهة ما يفعلون. وأما الإغريق فقد كانت آلهتهم متعددة ولكلٍ وظيفته، وكبيرهم هو الإله " زيوس". ففي كلا الحالتين خلقت الآلهة نفسها لكن في بابل كانت الآلهة خاضعة لأوامر " ماردوك " بينما كانت مستقلة في " أثينا ". أما عرب الجاهلية فقد عرفوا الله الذي خلق السموات والأرض، ونحتوا هم الأصنام وعبدوها كوسيلة لإيصالهم إلى الله في السماء)] ، ورغم أن الدكتور النجار لا يريد أن يعترف بتناقضه الذي بيّنته في تعقيبي السابق حول إنكاره أن يكون العرب قد عبدوا الآلهة على نحو الإستقلال ، وأنه لا معنى لعبادة آلهة أخرى إلى جنب الله تعالى إلا إذا كانت العبادة على نحو الإستقلال ، فالأمر واضح من جوابه وحيدته فيه.

 

سكان أستراليا :

قال الدكتور النجار : [(ويسألني السيد الكرخي عن الأبوروجنيز في أستراليا، فيقول: " فلماذا إذن بقي هؤلاء المذكورين في أستراليا على عبادة الطواطم والسلاف ولم يتطوروا إلى عبادة الآلهة المتعددة في السماء بحسب النظرية التي ذكرها الدكتور النجار والتي ذكرناها في الفقرة السابقة. ألا يرى الدكتور النجار أن بقائهم على عبادة الطواطم منذ أربعين ألف سنة بحسب قوله يدحض نظريته في التطور الفكري للأنسان نحو التوحيد بدون تدخل الإله." ولا أظنه يخفى على السيد الكرخي أن الإنسان يتعلم من احتكاكه بأخيه الإنسان الذي يعيش في حضارة مختلفة، فيأخذ منه الجديد الذي لم يعرفه من قبل. ولكن سكان أستراليا قبل 40000 سنة كانت قارتهم قد انفصلت عن الكتلة الأرضية وأصبحت جزيرة تحيط بها المياه من كل جوانبها، ولما لم يكن الإنسان وقتها قد اخترع المراكب، فقد ظلوا معزولين عن العالم حتى العصر الحديث، ولذلك لم يتطوروا حضارياً ولا دينياً ولا فكرياً)] ، فأما قول الدكتور النجار [(أن الإنسان يتعلم من احتكاكه بأخيه الإنسان الذي يعيش في حضارة مختلفة)] فقول يخالف الواقع لأن حضارة المايا في أمريكا قد نشأت بعيدة عن الإحتكاك بالحضارات الأخرى ، وقارة أمريكا منفصلة عن بقية القارات كما هو حال قارة أستراليا ، فكان يمكن لسكان أستراليا أن يتطوروا بعيداً عن الإحتكاك بالآخرين ، بل إنّ أقدم الحضارات في وادي الرافدين قد نشأت دون الإحتكاك بآخرين ، إذ لم تكن هناك حضارة تسبقها لتحتك بها.

 

تناقض في سلسلة تناقضاته :

قال الدكتور النجار : [(وعندما قلت إن الدين ينتشر أكثر في المجتمعات المتخلفة التي يسود فيها الجهل، قال السيد الكرخي: " فيبدو أن الدكتور كامل النجار لم يطلع على النهضة الدينية في الغرب (أمريكا وأوربا) ، وظهور المحافظين الجدد والتيارات الدينية والأحزاب المسيحية فيها ، وليس من قبيل المصادفة ما قرأته اليوم في موقع (شبكة أخبار العراق للجميع) وهو مقال مستل من صحيفة الخليج الإماراتية تحت عنوان (ثورة "مسيحية" في أمريكا العلمانية) يتحدث فيها الكاتب عن الحركة الأصولية الإنجيلية المتطرفة التي ساهمت في دعم الرئيس الأمريكي ونجاحه في الإنتخابات الأخيرة ، وهذه الحركة تزداد عدداً لدرجة أنَّ مايكل هوت بروفسور علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا قال ان نسبة المسيحيين الانجيليين من بين البروتستانت الامريكيين باتوا اكثر من 60 في المائة. فإذن ما ذكره الدكتور كامل النجار عن عدم إنتشار الدين مع العلم وما تحدث به من بيع المسيحيين للكنائس في الغرب يبدو أنَّ ذلك كله غير صحيح ! "

هناك نقطة مهمة فاتت على السيد الكرخي، وهي: ليس كل من يعيش في أمريكا أو أوربا متعلماً. وحتى الذين يكملون تعليمهم الثانوي تنتشر بينهم الأمية لدرجة أن 40% إلى 50% منهم لا يعرفون القراءة والكتابة. والدين في أمريكا عبارة عن تجارة يبيعونها في محطات التلفزيون المختلفة. فنجد الداعية الإنجليكي " جراهام "  Billy Graham يخدع المشاهدين بدعوته للكنيسة الإنجليكية ويطلب منهم إرسال تبرعات إليه، بنى لنفسه منها قصوراً فاخرة واقتنى أفخم السيارات، بينما يعيش معظم المتبرعين عيشة الكفاف. وأما كبار رجال الأعمال مثل الرئيس بوش ونائبه " ديك شيني " ووزير عدله " إشكروفت " يظهرون الانتماء للحركات الدينية لتمكنهم من الفوز في الانتخابات وتسهل لهم زيادة أموالهم التي جمعوها من شركات البترول. وما قاله مايكل هوت لا يعني أن عدد المتدينين الكلي قد زاد في أمريكا زيادة ملحوظة، إنما تغيرت نسبة الانتماء إلى المذاهب المختلفة بفعل الدعاية التلفزيونية التي يسمونها Popular Preaching. ولو أخذنا أمريكا الجنوبية عامة لوجدنا أن نسبة الأمية والفقر فيها تفوق ما في أمريكا الشمالية عدة مرات، وكذلك نسبة المتدينين هناك أكبر بكثير من أمريكا الشمالية)] ، ويبدو أن هناك بتراً قد حصل فيما نقله الدكتور النجار ، مما أدى إلى تشوه الفكرة ، فقد قال الدكتور النجار في تعقيبه الثاني ما نصه : [(فالدين لا ينتشر إلا مع الجهل، وكلما تقدم الإنسان في العلم كلما اضمحل دور الدين في حياته. واليوم أصبحت الكنائس تباع في الغرب لأن عدد الذين يؤمونها قد انحدر في الأربعين أو الخمسين عاماً الماضية لدرجة جعلت إدارة الكنائس تبيعها. والمواطن العادي في الغرب ما عاد يتحدث عن الدين، ناهيك عن اعتناقه. وفي بلاد مثل الصين وروسيا لم يعد هناك من يعتنق الأديان غير أقلية من الكاثوليك وبعض اليهود، وحوالي أربعة عشر مليوناً من المسلمين من مجموع ما يزيد على المليار من الصينيين. ومع غزو الإنسان للفضاء سوف يكتشف الناس أنه لا يوجد سماء، ناهيك عن سبعة سماوات طباقاً، كما تخبرنا كتب الأديان السماوية، وليس هناك ملائكة يحرسون السماء من الجن، وسوف يتلاشى الدين ويختفي من حياة الإنسان)] ، وواضح جداً من هذا النص أن الدكتور النجار قد قال أن الكنائس أصبحت تباع في الغرب بسبب التقدم العلمي الذي حصل هناك ومن معالمه غزو الفضاء حتى أن المواطن العادي هناك لم يعد يتحدث عن الدين ، فهذا هو مضمون ما قاله الدكتور النجار في ما أقتبسناه من تعقيبه الثاني ، وعندما اعترضنا عليه في تعقيبنا الثالث بأن هناك نهضة دينية في أمريكا واضحة المعالم تدحض ما ذكره عن عدم إهتمام الغربيين بالدين ، عاد في تعقيبه الثالث لينقض ما ذكره سابقاً فقال أن الأمية منتشرة في الغرب ولذلك أنتشر الدين عندهم ! فهل هذا كلام مقبول في منهج بحث الدكتور النجار ؟! فتارة يزعم أن الغرب لم يعد يبالي بالدين بسبب التقدم العلمي وتارة يزعم أن الغرب أصبح متديناً بسبب الجهل الذي يسوده !!

 

أخطاء فاحشة في تناوله علم الحديث النبوي :

خاض الدكتور النجار في علم الحديث دون سابق معرفة وإطلاع فيما يبدو ، فوقع نتيجة ذلك بأخطاء فادحة حيث يقول : [(وأوافق هنا السيد الكرخي أني أدخلت مصطلحاً جديداً فقلت الأحاديث الرديئة وقصدت الأحاديث الضعيفة والمنتحلة ( التي يمكن وصفها بالرداءة)، ولكن هذا لا يتعارض مع ما قلت من أن آلاف الأحاديث التي جمعها البخاري كانت أحاديثاً موضوعة وضعيفة في رأيه، وقرر ألا يضمها في صحيحه، ولكن مسلم أعتبر بعض هذه الأحاديث الضعيفة أحاديثاً صحيحة وضمنّها صحيحه، والعكس كذلك صحيح. فبعض الأحاديث التي ضعّفها مسلم ظهرت في صحيح البخاري. وموطأ مالك مثلاً، أول ما ظهر كان يحتوي على تسعة آلاف حديث، ثم ما زال يراجعها حتى رجع إلى سبعمائة حديث فقط.  وإذا رجعنا إلى كتاب " الموضوعات من الحديث " لابن الجوزي، نجده يقول: "  فهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، جمع ستمائة ألف حديث أثناء إشتغاله بجمع كتابه . صح لديه منها أربعة آلاف حديث يضاف إليها ثلاثة آلاف أخرى مكررة . وجمع الإمام مسلم بن الحجاج القشيرى ثلاثمائة ألف حديث أثناء اشتغاله بجمع كتابه . صح لديه منها قرابة الستة آلاف أيضا ومثلها مكررا . وبلغ ما اتفق عليه الشيخان ألفان وثلاثمائة وستة وعشرون حديثا . " ويعني هذا أن البخاري ومسلم لم يتفقا إلا على 2326 حديثاً فقط، وبقية الأحاديث في صحيح كل منهما أعتبره الآخر ضعيفاً)] ، فأما وجود آلاف الأحاديث التي جمعها البخاري ولم يضمنها في صحيحه فلا إشكال فيه ، وأما إعتبار أن ما جمعه مسلم هو من تلك الأحاديث الموضوعة التي أعرض عنها البخاري ، فهو كلام بلا دليل ، فقد جمع كل من البخاري ومسلم الأحاديث وفقاً لضوابط وضعوها ، حتى أصبحت تعرف عند علماء الحديث بشرط البخاري وشرط مسلم ، وجاء الحاكم النيسابوري فجمع احاديث وفقاً لشروطهم ، فقال في مستدركه على سبيل المثال عندما يروي حديث ما : "حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه" ، طبعاً لأنه لم يصل إلى البخاري فيما يبدو فاستدركه الحاكم ، ونفس الشيء بالنسبة لمسلم ، فضلاً عن أنهما قد أرادا جمع الحديث الصحيح فقط ونحن نعلم أن الحديث فيه مراتب عديدة فمنه الصحيح والحسن والحسن لغيره والغريب والضعيف إلخ ، فقد يكون ما أعرضوا عن روايته هو من الحديث الحسن وليس الضعيف ، وهكذا ، فمن غير المنطقي حصر الأحاديث الصحيحة في صحيح البخاري وأعتبار ما عداها ضعيف ، وأي دليل على ذلك ؟!

إن هذه الرؤية الخاطئة للدكتور النجار للحديث النبوي وكيفية جمعه وتصنيفه ووجوب الإعتماد على الروايات الصحيحة في الأستدلالات التأريخية فضلاً عن الدينية ساهمت في الأخطاء المتراكمة والأفتراءات الموجودة في كتابه الذي ننقضه في مقالاتنا هذه والموسوم (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) ، ولا أقول أن الدكتور النجار هو صاحب الإفتراءات بل لعله عمد إلى روايات ضعيفه قد إفتراها من سبقه لأغراض دنيوية فعمد الدكتور النجار إلى الإعتماد عليها دون تمحيص ، بدافع الترويج لنظريته الإلحادية وتشويه الإسلام.

 

حول جمع القرآن :

قال الدكتور النجار : [(وليس هناك خلاف في أن مصحف عثمان كُتب باللغة القديمة التي لم يكن بها نقاط أو علامات تنوين، والمصحف الذي لدينا الآن به هذه العلامات، فهل يستطيع السيد الكرخي أن يبيّن لنا كيف أصبح مصحف عثمان منقطاً ؟ وفي الواقع أن الخليفة عبد الملك بن مروان قد أمر الحجاج بن يوسف أن يجمع المصحف ويكتبه بالنقاط وعلامات الترقيم، وفعل الحجاج ذلك وبعث بنسخة إلى مصر وكان واليها عبد العزيز بن مروان، فغضب عبد العزيز وقال: كيف يتجرأ أن يبعث بهذا إلى بلد أنا أميرها ؟ واشتهر عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول: " أخشى أن أموت في رمضان، فقد ولدت فيه وفُطمت فيه وجمعت القرآن فيه ". والحجاج لم يكن أضعف من أن يجمع المصحف ويحرق بقية النسخ لأنه كان يعمل بسلطة الخليفة عبد الملك بن مروان)] ، فمكمن الخطأ عند الدكتور النجار أنه يفترض أن تنقيط المصحف يستدعي جمع المصاحف وإبدالها بمصاحف أخرى جديدة ، وهو إفتراض واضح البطلان ، فلا يتطلب ذلك سوى أن يعمد كل مسلم (يعرف القراءة والكتابة بلا شك) إلى نسخة المصحف التي يمتلكها ويضع النقاط على حروف كلماتها المكتوبة مسبقاً بحسب القواعد المتبعة في التنقيط أي أن يكون للنون نقطة فوقها وللباء نقطة تحتها وهكذا.

وأما قول الدكتور النجار : [(واشتهر عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول: " أخشى أن أموت في رمضان، فقد ولدت فيه وفُطمت فيه وجمعت القرآن فيه ")] فليس له سند تأريخي معتبر ، ومجرد وجود رواية في أحد الكتب لا يعني إعتبارها ، فضلاً عن أنه أدعاء من قبل عبد الملك بن مروان ولا حجة في كلامه بل لا قيمة لكلامه ،  فلو ظهر صدام المجرم في عهده المقبور وقال انه جمع القرآن فهل يمكن لأحد من الحاضرين أن ينكر عليه هذا القول رغم عدم صحته !

واما قول الدكتور النجار بأن [(الحجاج لم يكن أضعف من أن يجمع المصحف ويحرق بقية النسخ لأنه كان يعمل بسلطة الخليفة عبد الملك بن مروان)] ، فهو قول غير صحيح ، لأن الخليفة المذكور نفسه لم يكن يقدر على ذلك فكيف بمن يعمل تحت سلطته ، ولا بد من ملاحظة أن عبد الملك وأباه وباقي الأمويين الذين سبقوه كانوا يتخذون من الإسلام غطاءاً وذريعة لتولي الخلافة ، فكان مستندهم الذي يتظاهرون بإعتماده هو الإسلام أي القرآن بصورة ضمنية ، فمن غير المنطقي أن يعمدوا إلى التغيير في المستند الضروري لبقاء حكمهم ـ لا سيما وقد أصبحت عبارة عمر بن الخطاب دستوراً للسلطات الحاكمة وهي قوله (حسبنا كتاب الله) في حادثة رزية الخميس فكانت عناية السلطات الحاكمة بالقرآن عظيماً لأنه أصبح من ضروريات بقائهم في السلطة ـ وإلا فإن ذلك سيكون أعظم ذريعة للثائرين على حكمهم والمعارضين لهم وهم عديدون فضلاً عن أنه سيستنهض باقي المسلمين على معاداتهم وحربهم وهم يرون أساءة بني أمية المتعمدة للإسلام وللقرآن الكريم ، وفي ذلك زوال لملكهم بلا شك ، فلم يكن بإمكان عبد الملك بن مروان ولا غيره من الأمويين أو أتباعهم أن يخطو مثل هذه الخطوة الخطيرة.

 

إستعمال لفظ الـ "كتاب" :

قال الدكتور النجار : [(واعترض السيد الكرخي عندما قلت إن ما قاله السيد الخوئي عن " الكتاب" وأنه لا بد أن يكون القرآن مكتوباً في كتاب قبل أن يقولوا عليه إنه كتاب، كلام غير صحيح وأتيت بعدة أمثله من القرآن عن استعمال كلمة : الكتاب" لمواعظ وأشياء أخرى لم تكن مكتوبة)] ، فأعيد تذكير القاريء الكريم بما قاله الدكتور النجار في الموضع الذي ذكره وهو التعقيب الثاني (الحلقة الثانية /ق2) وفيه ما نصه : [(فكلمة " كتاب " من أكثر الكلمات العربية ميوعةً إذ يمكن استعمالها لعدة أشياء: فنجد مثلاً الآية 235 من سورة البقرة تقول: " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " ويقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية ( الكتاب هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم في إتمام العدة ). وكذلك تقول الآية 110 من سورة المائدة: " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة " فالله هنا لم يكتب لعيسى الإنجيل ولم يكن الإنجيل مكتوباً في عهد عيسى، ومع ذلك قال الله إنه علمه الكتاب. وهاهو إبراهيم يدعو الله أن يبعث في العرب رسولاً، فيقول: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ( البقرة 129). فعندما دعا إبراهيم هذا الدعاء لم يكن لا محمد ولا القرآن في عالم الوجود، ومع ذلك قال إبراهيم " يعلمهم الكتاب ". وفي سورة البقرة، الآية 213 يقول الله: " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ". ويقول القرطبي: " الكتاب " اسم جنس بمعنى الكتب ". فإذاً كون الرسول قد قال إنه ترك في أمته الكتاب، لا يعني أن القرآن كان مجموعاً ومكتوباً، كما قال السيد الخوئي)] ، ومن الواضح خطأ الدكتور النجار في قوله أن الله عزَّ وجل لم يكتب لعيسى الإنجيل وقد ناقشنا هذا الموضوع في مواضع عديدة من تعقيباتنا ، وأما دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام حول تعليمهم الكتاب فلا يخالف ما ذكره السيد الخوئي لأنه دعاء بتعليمهم الكتاب.

وبذلك نجد أن قوله تعالى (( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله )) ، لا يتعارض مع قول السيد الخوئي لأن إطلاق لفظ الكتاب على عقدة النكاح هو إطلاق مجازي ، (والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة) كما ذكر السيد الخوئي ، لأن هناك قرينة على أن المقصود من الكتاب في الآية الكريمة هو عقدة النكاح فصح إطلاق لفظ الكتاب عليه وهو ما ذكره السيد الخوئي ، ونُذكّر بنص ما ذكره السيد الخوئي حول لفظ الكتاب وهو : ( وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوباً مجموعاً ، لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط).

قال الدكتور النجار : [(ونقول له إذا كان السيد الخوئي قد قصد استعمال كلمة " كتاب: استعمالاً حقيقياً ومجازياً، فهو قد قصد كل الاستعمالات الممكنة للكلمة. والسيد الخوئي قال: " لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط). وواضح أن تعريف السيد الخوئي للكتاب تعريف غير صائب، وكان لا بد لي من إبراز عدة أمثلة لاستعمال كلمة " كتاب" مجازياً وعملياً لأبين خطأ التعريف المذكور)] ، فالسيد الخوئي لم يعرّف الكتاب كما قال الدكتور النجار بل ذكر إطلاق لفظ الكتاب الحقيقي والمجازي ، فلا بد للدكتور النجار أن يتوخى المزيد من الدقة في عباراته حتى لا يتهم بالتحريف هو الآخر. كما أن الأمثلة التي جاء بها الدكتور النجار لا تخرج عن القاعدة التي ذكرها السيد الخوئي ، وهو : (المجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة) ، والمثال الوحيد الذي ذكره الدكتور النجار عن إستعمال لفظ الكتاب مجازاً في قوله تعالى ((ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله )) قد ورد لفظ الكتاب فيه بقرينة عقدة النكاح ، وهو ما ذكره السيد الخوئي.       

 

حول الإنجيل :

قال الدكتور النجار : [(ثم انتقل السيد الكرخي إلى قصة الإنجيل فقال: " واما قول الدكتور كامل النجار بأن الإنجيل لم يكن مكتوباً في عهد المسيح فهو تفريط منه ، فكيف أستدل على عدم كتابة الإنجيل في عهد المسيح عليه السلام ، فهل أنَّ عدم وجود الإنجيل الذي بشر به المسيح وضياعه نتيجة إضطهاد اليهود والرومان هو دليل على نفي وجوده !"

ولا يختلف اثنان من علماء المسيحية في أن أول شئ كُتب من الإنجيل هو رسائل بولس التي كُتبت حوالي عام 50 أو 60 بعد الميلاد، ثم إنجيل متى وبقية الأناجيل التي كُتبت حوالي عام 70 إلى 100 بعد الميلاد (دائرة معارف كولومبيا). ومع أن القرآن رمز للإنجيل على أنه كتاب، لم يكن الإنجيل مكتوباً في حياة المسيح. والغريب أن السيد الكرخي يدعي أن النقاش علمي ثم يقول: " ولم يكن يجدر بالدكتور كامل النجار أن يستشهد بالآية (110) من سورة المائدة وهي قوله تعالى مخاطباً المسيح عليه السلام : (( وإذ علمتك الكتاب والحكمة )) ، ثم يعلق الدكتور النجار قائلاً : (فالله هنا لم يكتب لعيسى الإنجيل ولم يكن الإنجيل مكتوباً في عهد عيسى، ومع ذلك قال الله إنه علمه الكتاب) ، وفي هذا التعليق إنكار لما في القرآن الكريم من أن الله عزَّ وجل قد آتى المسيحَ عليه السلام الإنجيل فقال تعالى في الآية (27) من سورة الحديد : (( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الانجيل )) ، فليؤمن الدكتور النجار بما شاء ولكن أن يستشهد بآية قرآنية وينكر آية أخرى مرتبطة بها في سياق بحثٍ واحدٍ ، فهذا خارج أسلوب البحث العلمي ، ولعل هذا الأمر غاب عن ذهنه."

وربما لا يدرك السيد الكرخي أنه لا توجد مقدسات في النقاش العلمي. كل شئ يخضع للعقل والمنطق. وإذا كانت المصادر المسيحية نفسها تقول إن الإنجيل كُتب بعد موت المسيح، فهذه ليست غلطة الدكتور النجار أنه استعان بهذه المراجع. أما كوني استعنت بآية قرآنية لأنكر ما قالته آية أخرى، فهذه طبيعة الجدال العلمي الذي ليس لديه " أبقار مقدسة " أو كما يقول الإنكليزHoly Cows)] ، وفي كلام الدكتور النجار هذا الكثير من الأخطاء ، منها قوله بأن أول شيء كتب من الإنجيل هو رسائل بولس ، وهو خطأ لأن رسائل بولس ليست جزءاً من الإنجيل بل هي جزء العهد الجديد ، فضلاً عن أنه لا يوجد إنجيل واحد عند المسيحيين بل هناك أربعة أناجيل قانونية معترف بها من الكنيسة والعديد من الأناجيل غير المعترف بقانونيتها عندهم. والخطا الثاني في نفس العبارة هو أن رسائل بولس ليست أول ما كتب من العهد الجديد ـ إذا كان مقصد الدكتور النجار هو العهد الجديد بدلاً من "الإنجيل" ـ حيث أن بعض علماء المسيحية يقولون أن رسالة يعقوب (لربما كتبت قبل مجمع أورشليم سنة 50) ـ كما في المدخل إلى رسالة يعقوب في نسخة العهد الجديد التي صادق على إعادة طبعها بولس باسيم النائب الرسولي للاتين في بيروت ـ ورسائل بولس كتبت بعد المجمع المذكور ، حيث كتبت أول رسالة له وهي الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي حيث كتبت سنة 52م ـ كما في قاموس الكتاب المقدس الصادر عن مجمع الكنائس الشرقية ـ وقيل كتبت سنة 51م ـ كما في نسخة العهد الجديد (بولس باسيم) آنفة الذكر ـ فما ذكره الدكتور النجار من أنه [(لا يختلف اثنان من علماء المسيحية)] إلخ هو قول بعيد عن الصواب.

وأما قول الدكتور النجار : [(والغريب أن السيد الكرخي يدعي أن النقاش علمي)] إلخ ، فمن الواضح أن الفكرة التي طرحتها لم تصل بوضوح إلى الدكتور النجار ، لأن ما ذكرته هو الآتي : بما أن الدكتور النجار قد أستشهد بآية في القرآن الكريم تبين أن الإنجيل غير مكتوب ـ بحسب الفهم الخاطيء للدكتور النجار والذي بيّنا خطأه ـ وهي الآية (110) من سورة المائدة فما كان يصح له ذلك وهو يجد آية أخرى تتحدث بوضوح عن إنجيل المسيح وهي الآية (27) من سورة الحديد ، فالمشكلة تتعلق بصميم البحث العلمي ، حيث أنَّه بغض النظر عن قدسية القرآن الكريم وصدوره عن الله عزَّ وجل ، فلنتعامل مع القرآن بإعتباره وثيقة ، كما هو حال الوثائق التأريخية ، وهو وثيقة لكاتب واحد وسند واحد ، فكيف يجوز أن نصحح جزء من تلك الوثيقة وننكر جزءاً واحداً منها ، من دون أي مرجح ، لا سيما وأن المشكلة تكمن في إفتراض خارجي للدكتور النجار بأن الإنجيل لم يكتب في حياة المسيح عليه السلام ، وهو إفتراض بدون دليل ـ وهو مشابه لإفتراضه بعدم كتابة التوراة في حياة موسى عليه السلام وهو إفتراض بدون دليل أيضاً كما بينّاه في تعقيباتنا المتتالية ـ  فالقرآن الكريم يقول بأن الله عزَّ وجل قد آتى المسيح عليه السلام الإنجيل ، فهل يصح أن يستشهد الدكتور النجار بآية أخرى في القرآن عند نقاشه لفظ "الكتاب" ورأي السيد الخوئي ثم يفترض أن الإنجيل غير مكتوب في حياة المسيح عليه السلام ! ولذلك أدعى أن لفظ الكتاب قد أطلق في القرآن على شيء غير مكتوب وهو الإنجيل مع أن هناك آية واضحة في القرآن نفسه تبين إيتاء الله عزَّ وجل الإنجيل للمسيح عليه السلام ، ومع ذلك يدعي الدكتور النجار أن النقاش علمي !

واما قول الدكتور النجار : [(وإذا كانت المصادر المسيحية نفسها تقول إن الإنجيل كُتب بعد موت المسيح، فهذه ليست غلطة الدكتور النجار أنه استعان بهذه المراجع)] ، بل أن غلطة الدكتور النجار تكمن في أنه لم يميز بين الأناجيل التي تتحدث عنها المصادر المسيحية والمنسوبة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا ، وبين إنجيل المسيح عليه السلام الذي تحدث عنه القرآن الكريم.

وأما قول الدكتور النجار : [(طبيعة الجدال العلمي الذي ليس لديه " أبقار مقدسة " أو كما يقول الإنكليزHoly Cows)] ، فلا يليق بالدكتور النجار أستعمال هذا المثل في النقاش والحوار ، وليس كل ما يقوله الإنكليز يليق بالذوق العام ، وهذا ثاني مثل يستعمله الدكتور النجار وهو مما لا يليق أستعماله ، بعد مثله الأول الذي ذكره في تعقيبه الأول.

وأما "الجدال العلمي" الذي تحدث عنه الدكتور النجار فيبدو أنه جدال ليس له قواعد صحيحة عنده حيث لم نعثر إلى الآن على أي نموذج سليم لجدال علمي في كتاباته ، بل وجدنا غالبية ما يتحدث عنه الدكتور النجار هو إفتراضات مسبقة لا تستند إلى دليل ، وخلط للأوراق وأستخدام روايات تاريخية غير معتبرة ، وعدم الإحاطة ببعض المواضيع التي يتناولها ـ مثل علم الحديث النبوي الشريف ـ فأي جدال علمي يتحدث عنه الدكتور النجار.

 

دعاء الخليل ولفظة "كتاب" :

قال الدكتور النجار ـ في معرض مناقشته للآية (129) من سورة البقرة ، قوله تعالى : ((ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة)) ـ ما نصه : [(فإذا كان الله قد أعلم إبراهيم مسبقاً أنه سوف يبعث في العرب رسولاً وسوف يُنزل إليهم كتاباً، لماذا دعاه إبراهيم أن ييعث فيهم رسولاً وهو يعرف مسبقاً أن الله سوف يبعثه ؟ وإذا كان إبراهيم الذي علم مسبقاً أن الله سوف يبعث محمد وينزل عليه القرآن، فقال: يُعلمهم الكتاب، ألا يعني هذا أنه من الممكن أن نستعمل كلمة " كتاب" على ما لم يُكتب بعد ؟)] ، فنقول للدكتور النجار : نعم يمكن إستعمال كلمة (كتاب) على ما لم يكتب بعد مع وجود قرينة تدل على هذا الإستعمال كما ذكر السيد الخوئي ، وهذه القرينة هي أنه عليه السلام أستخدم هذه الكلمة في الدعاء على نحو الأستقبال والترجي لبعث النبي ونزول القرآن الكريم ، فلا إشكال في هذا الإستعمال ولا مخالفة فيه مع ما ذكره السيد الخوئي.

 

الحروف السبعة :

قال الدكتور النجار : [(وكان السيد الكرخي قد ادعى أن السبب الذي من أجله أحرق عثمان كل نُسخ القرآن غير كتابه الذي جمعه هو أن المسلمين كانوا يكتبون التفسير داخل المصحف مما سبب اختلاطاً عليهم، ولذلك أحرقها عثمان. ولما اعترضنا بأن المصاحف الحديثة تحتوي على التفسير داخلها، قال: " فلعل من الواضح أن بعض المسلمين أيام الخليفة عثمان كانوا حين يكتبون تفسير القرآن إنما يكتبونه ضمن الآيات القرآنية وبشكل يؤدي إلى الإلتباس والتداخل بين الآية والتفسير ، جهلاً منهم أو سوء تقدير للأمر ، أما اليوم فالتفسير يكتب بصورة تمنع الإلتباس على المسلمين لا سيما وأنه يكتب في هوامش الصفحة وبصورة منفصلة عن آيات القرآن الكريم بكل وضوح ، كما هو حال تفسير شبَّر وتفسير الجلالين وغيرهما." وطبعاً هذا سبب واهي قدمه السيد الكرخي لتفسير حرق عثمان للمصاحف. فالمسلمون الذين كانوا كتبوا المصاحف وقتها كانوا يُعدون على الأصابع، وكانوا من العلماء أمثال أبي بن كعب وعليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت، فلا يُعقل أنهم كتبوا التفسير بمتن الآيات مما يسبب خلطاً على القراء. والمصاحف التي كانت متداولة وقتها كانت بسيطة،)] ، فما يجده الدكتور واهياً هو في حقيقته ليس كذلك ، ولم يكن الذين كتبوا المصاحف على عدد الأصابع بل اكثر من ذلك بكثير وهم منتشرون في الأمصار ، فضلاً عن أنهم ليسوا جميعاً من العلماء ، وما ادعاه الدكتور النجار بعيد جداً عن الواقع.

 

وقال الدكتور النجار : [(وحتى لو احتوت على تفسير بداخلها ما كان هذا يسبب للمسلمين الأوائل كبير ارتباك لأنهم حفظوا القرآن في صدورهم، وكان عدد الذين يستطيعون قراءتها بسيطاً)] ، بل يسبب إرباكاً لأن المسلمين كانوا يجدون تعارضاً بين ما حفظوه في الصدور وبين ما هو مكتوب في القرآن من تفسير وهم غير مميزين له ظانين أنه من القرآن ، فكانت هذه إحدى المشاكل التي سببت منع عثمان لكتابة التفسير في المصحف.   

 

وقال الدكتور النجار : [(ويبدو أن السبب الرئيسي لحرق المصاحف كان تعدد واختلاف القراءات لأن عدة أشخاص حفظوا سوراً من القرآن تختلف عن بعضها البعض، وليس بسبب اختلاف لغاتهم، كما قال السيد الكرخي، وإنما بسبب أنهم سمعوها من الرسول بعدة أوجه مختلفة كما ظهر من قصة عمر بن الخطاب مع الإعرابي الذي سمعه يقرأ سورة بقراءة مختلفة فأخذه إلى النبي ليتحقق من قراءته فأخبره النبي أن كليهما كان صحيحاً لأن القرآن نزل بسبعة أحرف)].

أما الروايات التي تتحدث عن سبعة أحرف فهي في مجملها ضعيفة السند ، فضلاً عن تعارضها مع ما صحت روايته عن أئمة آل البيت عليهم السلام ، ففي الحديث الصحيح عن الإمام الباقر عليه السلام يقول : (إن القرآن واحد نزل من عند واحد) ، وقد سأل الفضيل بن يسار الإمام الصادق عليه السلام فقال : إنّ الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة احرف ، فقال الإمام الصادق عليه السلام : (كذبوا ـ أعداء الله ـ ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد) ، وروايات الحروف السبعة بعضها مروي عن أم أيوب وهي صحابية يقولون بعدالتها لمجرد أنها عاشت في زمن النبوة وهو أمر بعيد عن التحقيق العلمي إذ يمكن ان يتصف الصحابي بالخلط والتدليس وقلة الضبط وهي من العيوب التي توجب ضعف الراوي والرواية ، فهي مجهولة الحال وروايتها ضعيفة ، وبعض تلك الروايات مروي عن عمرو بن العاص وما قلناه عن أم أيوب يجري فيه ، فضلاً عن كونه من النواصب لحربه علياً عليه السلام ومن هذا حاله لا تقبل روايته. وبعضها مروي عن سمرة بن جندب وبعضها عن المسور بن مخرمة وما قيل في عمرو بن العاص وأم أيوب يجري عليهما ، فهما مجهولا الحال. فلا تصح روايات نزول القرآن على سبعة أحرف. ولو صحت فلماذا لم ينكر أحد على عثمان كتابته المصحف على حرف واحد وإهماله بقية الحروف ، لم يفعل ذلك ولا واحد من المسلمين. ولماذا لم تنقل لنا ولو رواية واحدة لآية مروية بسبعة أحرف ولو كانت ضعيفة السند أو حتى موضوعة ! كل ذلك يدل على خطأ ما رووه حول نزول القرآن بسبعة أحرف وخطأ ما نقله الدكتور النجار عنهم.

 

 

إصرار على الخطأ :

قال الدكتور النجار : [(قال السيد الكرخي إني قد خلطت " بين موضوع القرءات القرآنية المتعارف عليها وبين موضوع القراءات الشاذة وبين موضوع التصحيف للألفاظ ، فالقول بأن رجلاً قرأ (قرآن لا ريب فيه) قرأه لا زيت فيه هو قول مكذوب على المحدث حمزة الزيات كذبه عليه أعداءه ، وقد ذكر العسكري في كتابيه (أخبار المصحفين) و(تصحيفات المحدثين) أنه مفترى عليه من أعدائه " وقد يكون الخبر مكذوباً على حمزة بن حبيب الزيات، ولكن المهم أنه ليس من المستحيلات ويجوز حدوثه لأن الحروف كانت غير منقطة ومن السهل على القارئ أن يخطئ بها. ولولا أن الحجاج بن يوسف جمع القرآن بالنقاط لأخطأ أناس كثيرون في قراءة القرآن)] ، وقد ذكرت في تعقيبي السابق أن القصة المزعومة لحمزة الزيات قد حدثت في منتصف القرن الثاني الهجري أي بعد موت الحجاج بفترة طويلة لكن الدكتور النجار ما زال يصر على أنها حدثت قبل تنقيط الحجاج للمصحف. وأما قوله [(أنه ليس من المستحيلات ويجوز حدوثه)] ، فليس كل ما هو جائز حدوثه هو واقع فعلاً ، وما يهمنا ليس إمكانية الحدوث بل الحدوث الفعلي. ولو حدث فليس الموضوع متعلق بالتحريف بل بالتصحيف ، وهو ليس له قيمة تذكر لأن كتاب الله عزَّ وجل محفوظ من التحريف.

واما قول الدكتور النجار : [(والسيد الكرخي، رغم قوله إن الإمام القرطبي أورد قراءة الآيات التي ذكرنا دون إسناد، إلا أنه يقول: " وأما القراءة الشاذة التي نسبها لأبن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة فهي قد ذكرها القرطبي في تفسيره وهي بدون سند أيضاً ، وسبب هذه القراءة يعود إلى رسم الكلمة حيث كتبها المسلمون (كتبا) ويقرأونها (كاتباً) فقرأها بعضهم على ما قيل (كتاباً) وقرأ آخرون (كتباً) جمع كتاب وهكذا ". فنفهم من هذا أن كتابة مصحف عثمان جعلت الناس يقرؤون بعض الكلمات قراءات مختلفة لا تساعد الزعم بأنه " لا تغيير لكلمات الله") ، فأما قوله (لا تساعد الزعم بأنه " لا تغيير لكلمات الله")] فلا نعرف مصدر هذا الزعم : (لا تغيير لكلمات الله) فهو ليس بآية قرآنية ولا حديث شريف ، فكيف يستند عليه الدكتور النجار في الإحتجاج على المسلمين !  

وأما ما ورد في القرآن الكريم فهو قوله تعالى في الآية (34) من سورة الأنعام : (( ولا مبدل لكلمات الله )) وقوله تعالى في الآية (64) من سورة يونس : (( لا تبديل لكلمات الله )) ، فلا يوجد تعارض بين هذين الآيتين وبين وجود قراءات قرآنية ، والمسلمون يقرأون القرآن الكريم بقراءة حفص عن عاصم أو قراءة ورش عن نافع أو غيرها من القراءات السبع أو العشر ، وهو مثبت في نهاية معظم مصاحف المسلمين ووجود هذه القراءات ليس فيه تبديل لآيات الله عزَّ وجل.

 

مع أبن شنبوذ من جديد :

قال الدكتور النجار : [(لما قلنا إن ابن شنبوذ كان يقرأ عدة قراءات مختلفة عن مصحف عثمان وإنه أفحم خصومه، قال السيد الكرخي: " ، فليس في قصة أبن شنبوذ قراءة بقراءات تختلف عن مصحف عثمان بل كان أبن شنبوذ يجمع القراءات الشاذة التي لم تثبت بطريق معتبر فيقرأ بها وأصر على فعله ، وعندما أستدعاه الوزير أبن مقلة ـ وليس الوالي ! ـ أصر أبن شنبوذ على فعله الشاذ ذلك ولم يكن هناك إفحام للحاضرين من قبل أبن شنبوذ ولا شيء من هذا القبيل فهذا كله أفتراء ، وأظن أن الدكتور قد نقل حكايته المشوهه تلك عن بعض المصادر التي لم تكن أمينة في عرض تلك القصة فوقع الدكتور النجار في سوء عملها. "

وللرد على السيد الكرخي سوف ألجأ إلى الاقتباس من بعض الذين كتبوا عن ابن شنبوذ. فالدكتور محمد الحبش يقول في كتابه " القراءات المتواترة " : " ابن شنبوذ هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت البغدادي المعروف بابن شنبوذ وكان إماماً شهيراً وأستاذاً كبيراً صالحاً، وكان يرى جواز القراءة بما صحَّ سنده وإن خالف رسم المصحف وعقد له بسبب ذلك مجلس، ولم يعدَّ أحد ذلك قدحاً في روايته ولا صحة في عدالته."

 

ويقول الإمام ابن كثير الدمشقي في كتاب " البداية والنهاية " هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب، كان يخالف الجمهور في قواعد قبول القراءة الصحيحة، فلا يشترط موافقتها للمصحف، ومع ذلك فلم يطعن أحد في عدالته ومنزلته، وقد نبغ في القراءة والتفسير." ويقول ابن كثير كذلك: "  أحضر ابن شنبوذ المقري فأنكر عليه جماعة من الفقهاء والقراء حروفاً انفرد بها، فاعترف ببعضها وأنكر بعضها، فاستتيب من ذلك واستكتب خطه بالرجوع عما نقم عليه، وضرب سبع درر بإشارة الوزير أبي علي بن مقلة، ونفي إلى البصرة. فدعا على الوزير أن تُقطع يده ويُشتت شمله، فكان ذلك عما قريب (قطعت يده ولسانه ).

 

ويقول الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء ": " بْنُ شَنْبُوْذَ، مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَيُّوْبَ شَيْخ المقرِئين، أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بنِ أَيُّوْبَ بن الصَّلْت بن شَنْبُوذ المُقْرِئ. أَكْثَر الترحَال فِي الطَّلَب. وَتَلاَ عَلَى:هَارُوْنَ بن مُوْسَى الأَخْفَش، وَقنبل المَكِّيّ، وَإِسْحَاق الخُزَاعِيّ، وَإِدْرِيْس الحَدَّاد، وَالحَسَن بن العَبَّاسِ الرَّازِيّ، وَإِسْمَاعِيْل النَّحَاس، وَمُحَمَّد بن شَاذَانَ الجَوْهَرِيّ، وَعَدَد كَثِيْر.قَدْ ذكرتهُم فِي(طبقَاتِ القُرَّاء). وَسَمِعَ الحَدِيْث مِنْ:عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُرْبَزَان، وَمُحَمَّد بن الحُسَيْنِ الحُنَيْنِيّ، وَإِسْحَاق بن إِبرَاهيم الدَّبَرِيّ، وَطَائِفَة. وَكَانَ إِمَاماً صَدُوْقاً أَمِيناً متصوناً كَبِيْر القدر. تَلاَ عَلَيْهِ:أَحْمَد بن نَصْرٍ الشذَائِي، وَأَبُو الفَرَجِ الشنبوذِي تلمِيذه، وَأَبُو أَحْمَدَ السَّامرِي، وَالمُعَافَى الجُرَيْرِيّ، وَابْن فُوْرَك القبَّاب، وَإِدْرِيْس بن عَلِيٍّ المُؤَدِّب، وَأَبُو العَبَّاسِ المُطَّوِّعِيّ، وَغَزْوَان بن القَاسِمِ، وَخَلْق. وَحَدَّثَ عَنْهُ:أَبُو طَاهِرٍ بن أَبِي هَاشِم، وَأَبُو الشَّيْخ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ شَاذَانَ وَاعتمده أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَالكِبَار وَثوقاً بنقله وَإِتقَانه لَكِنَّه كَانَ لَهُ رَأْي فِي القِرَاءةِ بِالشواذ الَّتِي تخَالف رسم الإِمَام فَنقمُوا عَلَيْهِ لِذَلِكَ وَبَالغُوا وَعزروهُ، وَالمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيْهَا فِي الجُمْلَةِ وَمَا عَارضوهُ أَصلاً فِيْمَا أَقرأَ بِهِ ليَعْقُوْب وَلاَ لأَبِي جَعْفَرٍ بَلْ فِيْمَا خَرَجَ عَنِ المُصْحَف العُثْمَانِيِّ ".

وأظن هذا القدر يبين أني لم أقع فريسة للروايات المشبوهة)] ، وهنا مثال واضح لمحاولة الدكتور النجار الهروب مما ذكره بدون دليل ، ففي التعقيب السابق والذي نقله الدكتور النجار نفسه ، أعترضنا على قوله بأن أبن شنبوذ أفحم الحاضرين وقلنا أنه ليس هناك أي إفحام ولم يُنقل ذلك أصلاً ولعل الدكتور النجار قد نقل دعوى الإفحام عن أحدٍ ما بدون دليل ، لكن الدكتور النجار يعود في تعقيبه الأخير لينفي أنه وقع فريسة لروايات مشبوهة ، وذكر هذه النصوص عن الدكتور محمد الحبش وأبن كثير والذهبي ، ورغم إطالته في ذلك النقل بلا فائدة فإن فيما نقله لم يكن هناك نص على وجود إفحام من قبل ابن شنبوذ للحاضرين ، وهو ما أعترضنا عليه.

فأما ما نسبه لأبن كثير الدمشقي في كتابه البداية والنهاية من قوله : [(هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب، كان يخالف الجمهور في قواعد قبول القراءة الصحيحة، فلا يشترط موافقتها للمصحف، ومع ذلك فلم يطعن أحد في عدالته ومنزلته، وقد نبغ في القراءة والتفسير)] ، فهذا النص غير موجود في الكتاب المذكور ، ولا نعلم من أين جاء به الدكتور النجار ، بل إنَّ أبن كثير قد ذكر في هذا الكتاب ـ ج11 ص220 ـ مانصه : (واختار حروفاً في القراءات أنكرت عليه ) ثم قال أبن كثير : (وكانت قراءات شاذة أنكرها عليه قراء أهل عصره) ، فهو قد صرّح بلجوء أبن شنبوذ للقراءة بقراءات شاذة.

وأما ما نقله الدكتور النجار عن الذهبي ففيه يصرح الذهبي بقراءة أبن شنبوذ بقراءات شاذة بقوله : [(لَكِنَّه كَانَ لَهُ رَأْي فِي القِرَاءةِ بِالشواذ الَّتِي تخَالف رسم الإِمَام فَنقمُوا عَلَيْهِ لِذَلِكَ)] ، والدكتور النجار في نقله هذا عن الذهبي يناقض نفسه حيث يقول في بداية الحلقة الثالثة من تعقيبه الثالث ما نصه : [(وقد ذكرتُ في ردي الفائت أن أقوال ابن شنبوذ لم تكن شواذاً)] ، فهل هي محاولة لأستغفال القاريء حيث ينقل الدكتور النجار شيء ويوهم القاريء بأنه قد نقل نقيضه !؟ فهل هذا هو البحث العلمي الذي يعتمده الدكتور النجار !

 

الحلقة الثالثة

يبتدأ الحلقة الثالثة بتمويه :

قال الدكتور النجار : [(وقد ذكرت في ردي الفائت أن أقوال ابن شنبوذ لم تكن شواذاً)] ، وقد بيّنا في الحلقة السابقة كيف أن الدكتور النجار ـ في نهاية حلقته الثانية ـ ينقل عن الذهبي قوله بقراءة أبن شنبوذ لقراءات شاذة ثم يدعي الدكتور النجار ـ في بداية حلقته الثالثة ـ أنه ذكر أن أقوال أبن شنبوذ لم تكن شواذاً ، ونترك التعليق للقاريء الكريم.

 

توضيح كلام للعلامة الطباطبائي :

قال الدكتور النجار : [(ولكني سوف أقـف وقفة قصيرة عند رأي السيـد محمد حسين الطباطبائي، فهو يقول: " ، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله بعينه ، فلو فرض سقوط شئ منه أو إعراب أو حرف أو ترتيب ، وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شئ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الإختلاف ، والهداية ، والنورية ، والذكرية ، والهيمنة على سائر الكتب السماوية ، الى غير ذلك ، وذلك كآية مكررة ساقطة ، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها ) . " فهو لا ينفي سقوط شئ من القرآن، بل يقول لو سقط شئ مثل آية مكررة أو اختلاف في نقطة، فهذا لا يؤثر على إعجاز القرآن وصفاته الأخرى، وبالتالي غير مهم. ولكن لو سقطت كلمة واحدة أو حتى حرف واحد، ينتفي القول بأن القرآن ذكر محفوظ من عند الله. فإذا لم يكن ذكراً محفوظاً من عند الله، جاز فيه التحريف)] ، فكلام السيد الطباطبائي واضح ومحاولة تحميله أكثر مما يحتمل هي محاولة غير مقبولة ، حيث أن السيد الطباطبائي قد ذكر أمثلة لما أفترضه بقوله : (وذلك كآية مكررة ساقطة ، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها) ، فالسيد الطباطبائي يتحدث عن فرضية حوارية ـ تبعاً لأسلوب العلماء في مناقشة المواضيع والأطروحات وهو أسلوب خاص بهم قد لا نكون اعتدنا عليه في زماننا الحاضر ـ  فيفترض أمراً ثم يبين عدم صلاحه ، لذلك نجده يثبت عدم تحريف القرآن ويثبت صفات عالية جداً للقرآن الكريم فيقول : (لا يؤثر في شئ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الإختلاف ، والهداية ، والنورية ، والذكرية ، والهيمنة على سائر الكتب السماوية ، الى غير ذلك) ، فأين التحريف !؟

 

مع الفيض الكاشاني :

قال الدكتور النجار : [(فقد قال السيد الكاشاني: " المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة، منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعه، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضى عند الله." وهذا في رائي قول صريح بتحريف القرآن رغم أن السيد الكرخي  يقول إنما هو الأسلوب الذي اتبعه السيد الكاشاني في عرض الشبهة ثم تفنيدها. والسيد الكاشاني عندما قال " المستفاد من مجموع هذه الأخبار" بيّن لنا أن هناك عدة أشخاص من أهل البيت قالوا بتحريف القرآن . وكان من المفيد لنا لو وضّح لنا السيد الكرخي رد السيد الكاشاني على هذه الشبهة، إن كان فعلاً قد اعتبرها شبهة)] ، ونحن نستجيب لطلب الدكتور النجار ونبين له ما ذكره الفيض الكاشاني في معرض تفنيده لهذه الشبهة ، حيث قال ما نصه :

(ويرد على هذا كله إشكال وهو أنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شئ من القرآن إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفا ومغيرا ويكون على خلاف ما أنزل الله فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلا فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك ، وأيضا قال الله عز وجل : وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ، وأيضا قد استفاض عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمة ( عليهم السلام ) حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله).

وواضح جداً من هذا النص أن الفيض الكاشاني لم يكن يقول بتحريف القرآن كما زعم إحسان إلهي ظهير.

 

من سمات البحث العلمي عند الدكتور النجار :

قال الدكتور النجار : [(أما طلبه مني بألا أنقل عن الشيعة إلا من كُتبهم، فقول يناهض البحث العلمي إذ لا بد للباحث أن يطلع على أراء الطرف الآخر في أي حجة أو مذهب، وينقل عنهم آراءهم. وأنا لا أعلم علم اليقين أن السيد إحسان إلهي ظهير حاقدٌ على الشيعة أم لا، لكن ما قرأته من كتاباته لم تُظهر لي حقداً على الشيعة، إنما اعتقاداً جازماً بخطأ مذهبهم)] ، فمن الواضح جداً أني أتكلم في وادٍ ويتكلم الدكتور النجار في وادٍ آخر ، فأنا طلبت من الدكتور النجار أن يعرف عقيدة الشيعة من أفواه علماء الشيعة المعتبرين وأساطين مذهبهم ثم يناقشها نفياً أو تأييداً ، لا أن يأتي إلى أحد خصوم الشيعة وينقل عنه أقوال ينسبها للشيعة وهم غير متبنين لها ، فيقوِّلهم ما لم يقولوه ، وأتصور أن ما طلبته هو حق مشروع لأي إنسان ولأي إتجاه فكري ومذهب عقائدي ، أما ما يتكلم عنه الدكتور النجار فهو المرحلة التالية أي بعد أن نعرف رأي الشيعة في مسألةٍ ما فيمكن حينئذٍ اللجوء لخصومهم لمعرفة الرأي المقابل والحجة المخالفة في نفس المسألة ، فالخطأ الذي ارتكبه الدكتور النجار انه أراد التعرف على مذهب الشيعة من خلال أحد ألد خصومهم وهو إحسان إلهي ظهير.

واما الإعتقادات الجازمة مثل ما ذكره الدكتور النجار عن الإعتقاد الجازم لإحسان إلهي ظهير بخطأ مذهب الشيعة ، ومثل إعتقاد الدكتور النجار بصحة نظرية دارون ، فمثل هذه الإعتقادات المبنية على أدلة موهومة تارةً وغير مقبولة تارةً أخرى ، نحن في غنى عنها بعد أن صح لدينا الدليل العقلي على وجوب أن يكون لهذا الكون خالق ، وصح لدينا الدليل العقلي على عدم جواز أن يترك النبي (صلى الله عليه وآله) الأمة من غير قيادة تقودها بعد وفاته ، ومن غير خليفة يرعى شؤونها ، وتوازى مع ذلك تواتر حديث الغدير عند السنة والشيعة (من كنت مولاه فعلي مولاه) ، فليقل إحسان إلهي ظهير بعد ذلك ما يشاء ، فلن نتقبل إلا الدليل العقلي والدليل النقلي المعتبر.

تحريف التوراة بين العمد والسهو :

قال الدكتور النجار : [(أن التزييف عن طريق السهو أو النقل لا بد أن يحدث، وإذا عرف أهل التوراة أن آيةً بعينها قد يكون بها تحريف وتنبهوا ونبهوا على ذلك، فلا غضاضة فيه، لكن إذا حرفوا حتى آية واحدة عمداً فكأنهم حرفوا جميع التوراة)] ، لكن هذا الذي يقوله الدكتور النجار ليس له واقع عملي ، لأن العلماء المسيحيين المتأخرين إذا نبهوا على بعض المواضع في الكتاب المقدس أنه غير صحيح فهم لا يستطيعون رفع ذلك الموضع ولا معرفة كيف تمت إضافته هل تم ذلك عمداً أو سهواً وبذلك سوف نبقى حيارى هل نتقبل ذلك التحريف بإعتباره غير متعمد أم نرفضه لأنه متعمد ، هذا على فرض قبولنا بنظرية الغض عن التحريف غير المتعمد.

فلنأخذ بعض الأمثلة على التحريف ولندع الدكتور النجار يحكم هل أنها عفوية التحريف أم أن هناك تعمد في التحريف بإضافتها إلى النص الأصلي :

ـ في أعمال الرسل (37:8) : (فقال فيلبس إنْ كنت تؤمن من كل قلبك يجوز ، فأجاب وقال أنا أؤمن أنَّ يسوع المسيح هو أبن الله).

فجاء التعليق الآتي في نسخة العهد الجديد ـ وهي منشورات المطبعة الكاثوليكية في بيروت ، الطبعة الخامسة ، 1977م ـ حول هذه الجملة المذكورة : (لم ترد هذه الجملة في الأصول المعول عليها) وتم حذفها من النص في النسخة المذكورة ، مما يعني أنها أضيفت فيما بعد من قبل شخص مجهول وفي زمن مجهول.

ـ في رسالة يوحنا الأولى (5 : 7و8) : (فإنَّ الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد ، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في واحد).

فجاء التعليق الآتي في نسخة العهد الجديد المذكورة في الفقرة السابقة ، حول الكلمات التي وضعنا تحتها خط : (لم يرد ذلك في الأصول اليونانية المعول عليها ، والأرجح أنه شرح أدخل إلى المتن في بعض النسخ) ، وتم حذف تلك الكلمات من النسخة المذكورة ، مما يعني انها أضيفت فيما بعد من قبل شخص مجهول وفي زمن مجهول.

ـ في نسخة العهد الجديد ـ التي صادق عليها بولس باسيم النائب الرسولي للاتين في بيروت ، 1982م ـ وفي مقدمة إنجيل يوحنا ص348 ما نصه : (أما رواية المرأة الزانية (7 : 53 ـ 8 : 11) فهناك إجماع على أنها من مرجع مجهول فاُدخلت في زمن لاحق ، وهي مع ذلك جزء من "قانون" الكتاب المقدس) ، وفي تلك القصة نجد المسيح عليه السلام لم يطبق أحكام التوراة في المرأة الزانية بل أطلق سراحها وعفا عنها ، وقد ورد في القصة المدسوسة أن المسيح قال للجمع الذي أراد رجمها : (من كان منكم بلا خطيئة فليكن أول من يرميها بحجر) ، فانصرف الجمع كله وبقي وحيداً ، فكان يمكنه أن يرجمها بنفسه تطبيقاً لحكم التوراة التي قال عنها هو نفسه كما في إنجيل متى (17:5) : (لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء ما جئت لأبطل بل لأكمل) ، ففي هذه القصة تأييد لعقيدة بولس على حساب دعوة يعقوب في رسالته في التمسك بالعمل بالتوراة من قبل اليهود المؤمنين بالمسيح عليه السلام.

 

دعوى إنقراض الثقافة :

قال الدكتور النجار : [(كنت قد قلت، وما زلت أقول، إننا لا نملك أي دليل أن العرب كانوا يعرفون ثقافة التوحيد من النبي إبراهيم، ولكن السيد الكرخي يقول: " قال الدكتور كامل النجار : (أما كون العرب كانت لهم ثقافة توحيدية من النبي إبراهيم فقول ليس لدينا أي دليل تاريخي عليه. فإبراهيم الذي أتى من العراق سكن أرض فلسطين وكان يتكلم العبرية أو الآرامية ولم يُرسل للعرب لأن الله يقول في القرآن: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ". فثقافة العرب التوحيدية تعلموها من اليهود والنصارى الذين اختلطوا بهم) ، أي دليل تاريخي يطلب الدكتور النجار حول وراثة العرب لثقافتهم التوحيدية من إبراهيم الخليل عليه السلام مع أنه يعرف جيداً أنَّ قسماً كبيراً من العرب هم من أبناء إبراهيم عليه السلام وذريته ، فالعرب العدنانيون هم من ذرية عدنان الذي ينتسب لقبيلة قيدار ، وقيدار هذا هو أبن إسماعيل عليه السلام بن إبراهيم الخليل عليه السلام ، فبالتأكيد أنَّ إبراهيم عليه السلام لم يرسل للعرب فإنَّ قسماً كبيراً منهم هم من ذريته وظهروا إلى الوجود بعده بقرون طويلة ، فلماذا يرتضي الدكتور النجار أن يرث اليهود ثقافتهم ". وليس هناك أي جدال بأن العرب واليهود أبناء عمومة انحدروا من النبي إبراهيم. ولكن الفرق أن إبراهيم ظل في منطقة بيرشيبا في فلسطين وتوالت بعده الرسل من أبنائه على بني إسرائيل، فاستمرت لديهم ثقافة التوحيد. أما العرب الذين انحدروا من صلب ابنه إسماعيل فلم يأتي فيهم رسول، وحتى إن كان إسماعيل قد ترك في أبنائه المباشرين ثقافة توحيد، فقد انقرضت هذه الثقافة بسرعة نسبة لعدم تواصل الرسالات إليهم)] ، وكما هو واضح فليس هناك دليل مقنع على محاولة الدكتور النجار سلب عرب الجاهلية وراثتهم لثقافتهم التوحيدية من النبي إبراهيم الخليل عليه السلام جد العدنانيين منهم ، فإذا كان بقاء النبي إبراهيم عليه السلام في فلسطين لم يمنع بني إسرائيل في مصر من وراثة ثقافتهم التوحيدية عنه لأكثر من 600 سنة قبل ظهور النبي موسى عليه السلام ، فلماذا يسلب هذا الحق عن ذرية النبي إبراهيم عليه السلام الذين يعيشون في شبه الجزيرة العربية وأعني العرب ، حيث أن الـ 600 سنة التي تحدثنا عنها لم يردنا وجود أي نبي في بني إسرائيل فيها ، وهي الفترة الممتدة بين يوسف وموسى عليهما السلام.

 

حول لفظ الجلالة :

قال الدكتور النجار : [(وعندما قلت في كتابي " دراسة نقدية للإسلام ": إن العرب قبل الإسلام كانوا قد عرفوا التوحيد من النصارى واليهود الذين خالطوهم، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله وعبيد الله، قال السيد الكرخي: " فهذا هو نص كلام الدكتور النجار فلماذا يناقضه هنا ويدعي أن العرب أخذوا ثقافة التوحيد من اليهود والنصارى الذين أختلطوا بهم ، فمن أين جاء العرب بلفظ الجلالة (الله) عزَّ وجل أسماً للإله الذي يعبدونه قبل الإسلام مع أن اليهود يعبدون إلهاً أسمه (يهوه) والنصارى يعبدون ثلاثة أقانيم تكون الإله هي الأب والأبن والروح القدس ، فلا تغرنّك أيها الدكتور النجار أستعمال المسيحيون لفظ الجلالة (الله) في الكتاب المقدس باللغة العربية فإنهم يفعلون ذلك تأثراً بالإسلام وإلا فأن إصدارات الكتاب المقدس باللغات الأجنبية غير العربية لا تحوي على هذا اللفظ المقدس. فمن أين جاء العرب بلفظ الجلالة (الله) لو لم يكن قد ورثوه من الحنيفية دين إبراهيم الخليل عليه السلام. " ويخيل إليّ هنا أن السيد الكرخي كالغريق الذي يتشبث بأي شئ يجده، فكونه ادعى أن النصارى استعملوا كلمة " الله" لتأثرهم بالإسلام، إدعاء باطل لأن الشعراء النصارى في دولة المناذرة في العراق، والشعراء النصارى في الدولة الساسانية في الشام قد استعملوا اسم الجلالة " الله" في أشعارهم بأمد طويل قبل ظهور الإسلام. فنجد أمية بن أبي الصلت يقول:

جزى الله الأجل المرء نوحاً                  جزاء البر ليس له كذاب

 

وفي أبيات منسوبة إلي زهير بن أبي سُلمى الشاعر المعروف إقراره بوجود اله عالم بكل ما في النفوس، هو "الله" لا تخفي علية خافية، فلا يجوز كتمان شئ عنه، وبوجود يوم حساب يحاسب فيه الناس علي ما قاموا به من أعمال، وقد ينتقم الله من الظالم في الدنيا قبل الآخرة.

فلا تكتمن الله ما في صدوركم               ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيودع في كتاب فيدخر                 ليوم حساب أو يعجل فينتقم

 

واسم  الجلالة " الله"  هو " اسم علم" وهو " علم مرتجل". وقد ذهب الرأي إلي أنه من أصل سرياني أو عبراني. أما أهل الكوفة فرأوا انه من ال " إله" أي من أداة التعريف " ال" ومن كلمة " إله". وهناك آراء لغوية أخرى في اصل هذه اللفظة " الطبري: تفسير 1/ 40" ، اللسان 17/358" . وقول السيد الكرخي: " إن إصدارات الكتاب المقدس بالغات الأجنبية لا تحوي على هذا اللفظ " فقول زائد عن الحاجة لأن اللغات الأجنبية لا تستعمل كلمة عربية واحدة في وسط آيات إنجيلية باللغة العبرية أو الإغريقية. والمسيحيون العرب قد ترجموا الإنجيل إلى اللغة العربية وترجوا اسم الجلالة إلى "الله" قبل ظهور الإسلام. ونود هنا أن نسأل السيد الكرخي: إذا كان العرب قد ورثوا ثقافة التوحيد من النبي إبراهيم، فمن أين أتوا بكلمة " الله" ؟ هل كان إبراهيم يتحدث العربية ؟)] ، ونحن هنا أمام جملة من الملاحظات :

فأما قول الدكتور النجار المذكور آنفاً : [(وعندما قلت في كتابي " دراسة نقدية للإسلام ": إن العرب قبل الإسلام كانوا قد عرفوا التوحيد من النصارى واليهود الذين خالطوهم، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله وعبيد الله، قال السيد الكرخي: " فهذا هو نص كلام الدكتور النجار فلماذا يناقضه هنا)] ، فهو غير صحيح لأني لم أعترض على ما ذكره في كتابه المذكور بل قلت في التعقيب الثالث / الحلقة الثالثة ما نصه : (ثم إنَّ كلام الدكتور النجار هذا يناقض ما ذكره هو نفسه في كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) ، فقد قال فيه ما نصه : (وسواء ابتدأ الإنسان بفطرته بالتوحيد كما في عبادة الطوطم أم تدرج إليه عن طريق التعددية) إلخ إلى أن قلتُ : (فهذا هو نص كلام الدكتور النجار فلماذا يناقضه هنا) ، فلعل هناك سهو في نقل الدكتور النجار لأني كنت أتحدث عن نص مأخوذ من كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) وليس من كتابه (دراسة نقدية للإسلام) ، فيرجى ملاحظة ذلك. 

 

وأما قوله : [(ويخيل إليّ هنا أن السيد الكرخي كالغريق الذي يتشبث بأي شئ يجده)] فهذه الخيالات لا تغني عن الحق شيئاً ، ونحن نعتمد الحقائق لا الخيالات ، على أية حال ، فإنَّ قول الدكتور النجار : [(والمسيحيون العرب قد ترجموا الإنجيل إلى اللغة العربية وترجوا اسم الجلالة إلى "الله" قبل ظهور الإسلام)] هو قول بلا دليل ، لأن العرب لم يعرفوا كلمة (إنجيل) إلا بعد ظهور الإسلام من خلال القرآن الكريم ، وإلا فإنّ أصل هذه الكلمة هو (ايوانجليون) اليونانية ، ولا يوجد أي نص قبل الإسلام يتضمن كلمة (إنجيل) ، وأما لفظ الجلالة فليس المسيحيون هم الذين ترجموه قبل الإسلام بل أقتبسوه من الأحناف الذين ظلوا على دين إبراهيم الخليل عليه السلام.

 

وأما قول الدكتور النجار الذي نسبه للطبري واللسان ـ لسان الميزان فيما يبدو ـ فلم نعثر عليه لا في تفسير الطبري الموسوم جامع البيان ولا في لسان الميزان ، عموماً فقد قال الطبري في تفسيره ج1 ص84 (طبعة دار الفكر في بيروت) : (الله ، أصله الاله ، أسقطت الهمزة ، التي هي فاء الاسم ، فالتقت اللام التي هي عين الاسم ، واللام الزائدة التي دخلت مع الالف الزائدة ، وهي ساكنة ، فأدغمت في الاخرى التي هي عين الاسم ، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة).

 

واما قول الدكتور النجار : [(لأن اللغات الأجنبية لا تستعمل كلمة عربية واحدة في وسط آيات إنجيلية باللغة العبرية أو الإغريقية. والمسيحيون العرب قد ترجموا الإنجيل إلى اللغة العربية وترجموا اسم الجلالة إلى "الله" قبل ظهور الإسلام)] ، ففيه تناقض عجيب فأولاً يقول إنَّ اللغات الأجنبية لا تستعمل كلمات عربية في ترجمة الأناجيل ثم يقول أن المسيحيين هم الذين أدخلوا لفظ الجلالة (الله) إلى العربية ، فمن أين جاؤوا به وأدخلوه إلى اللغة العربية إذا كانوا لا يستعملون هذه المفردة وهي أيضاً غير موجودة في اللغات القديمة التي كتبت بها الأناجيل لاسيما اللغة اليونانية ؟ حسناً فليس هذا أول تناقضاته ويبدو أنه ليس بآخرها.

وفي الأناجيل نجدهم يكتبون في المواضع التي تحوي كلمة (رب) كلمة (Lord) وفي المواضع التي تحوي كلمة (إله) و(الإله) كلمة (GOD) ، وكذلك يكتبون في المواضع التي تحوي لفظ الجلالة (الله) كلمة (GOD) ! ولو كان لفظ الجلالة موجود في الأصول اليونانية للأناجيل لكتبوه أيضاً بأي لغة مثل الإنكليزية وغيرها ، ولكنه غير موجود فيها ، لأن لفظ الجلالة هو لفظ عربي أستعمله العرب قبل الإسلام لأنه جزء من ثقافتهم الدينية التي ورثوها عن جدهم إبراهيم الخليل عليه السلام. فالعرب ورثوا عن إبراهيم الخليل عبادته لإله واحد هو الله جلَّ وعلا ، واتصور إنَّ في هذا جواب لسؤال الدكتور النجار : [(إذا كان العرب قد ورثوا ثقافة التوحيد من النبي إبراهيم، فمن أين أتوا بكلمة " الله" ؟ هل كان إبراهيم يتحدث العربية ؟)] ، فالعرب ورثوا التوحيد عن جدهم إبراهيم الخليل عليه السلام كما ورث بنو إسرائيل ذلك التوحيد ، ثم أستعملوا لفظ الجلالة (الله) عزَّ وجل بعد أن تم دمج (ال) التعريف مع كلمة (إله) وهو كلام عربي لا علاقة له بالمسيحيين لا قبل الإسلام ولا بعده.

 

تعلم موسى عليه السلام العبرانية :

وعندما ذكرت نصاً من التوراة يبين أن موسى عليه السلام قد تربى في بلاط فرعون وهو يعلم نسبه إلى بني إسرائيل ، قال الدكتور النجار : [(سرد لنا السيد الكرخي قصة عثور بنت فرعون على موسى وظهور أخته وقولها لبنت فرعون إنها تستطيع أن تُحضر لها مرضعةً ترضع الطفل، إلى أن قال: "  فقالت لها أبنة فرعون أذهبي بهذا الولد وأرضعيه لي وأنا أعطي أجرتك ، فأخذت المرأة الولد وأرضعته ولما كبر الولد جاءت به إلى أبنة فرعون فصار لها أبناً ودعت أسمه موسى وقالت إني إنتشلته من الماء. وحدث في تلك الأيام لما كبر موسى أنه خرج إلى أخوته لينظر في أثقالهم ، فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من أخوته)إلخ ، فهذا النص يدل على أن موسى كان معروفاً بأنه ينتمي إلى بني إسرائيل منذ أول لحظة علاقته بالأسرة الفرعونية ، وهو حين كبر كان يعلم بأنتمائه وأنه من بني إسرائيل ، بل هو كان مرتبطاً بهم عاطفياً يتفقد حالهم ، فمن هذا حاله فليس من المستغرب انه يتعلم لغة قومه ليسهل عليه الإتصال بهم. " ولكننا نعرف أن الرضاعة تكون لمدة عامين على الأكثر، فأم موسى لا بد أنها أرجعته إلى بنت فرعون عندما صار عمره حوالي عامين، ليصبح ابنها، ولو مكث مع أمه حتى كبر ما كان ليصبح ابناً لبنت فرعون. فإذا رجع إلى القصر وعمره سنتين أو ثلاثة، فليس من المعقول أن يكون قد تعلم اللغة العبرية وهو ابن عامين، فلا بد أن لغته ستكون لغة آل فرعون بالقصر، ولا يتسنى له في مثل هذا الوضع أن يتعلم لغة بني إسرائيل)] ، فالدكتور النجار بعد أن أعجزه الدليل ينتقل للإفتراضات حول الرضاعة ومدة بقاء أمه معه ، ونحن وإنْ لم تكن لدينا معلومات تفصيلية حول هذا الموضوع إلا أنَّ عدم معرفتنا بالتفاصيل لا تعني مخالفة الحقائق التي تقول أن موسى عليه السلام كان يعرف بإنتمائه إلى بني إسرائيل ويتفقد قومه ، وعلى هذه الحقائق نبني إستنتاجاتنا التي تقول بأنه كان يتكلم العبرانية لغة قومه إلى جانب لغة أهل مصر.

 

 

 

 

 

 

تحريف التوراة مرة أخرى :

قال الدكتور النجار : [(إذاً ولا السيد الطباطبائي ولا السيد الكرخي يعلم شيئاً عن التوراة قبل ظهور الإسلام، وكل حججهم عن التحريف مأخوذة من القرآن بدون دليل تاريخي يثبت دعواهم. وهذا متوقع من شخص يؤمن بعقيدة معينة ويحاول تصغير شأن ما عداها. وهذا يرجعنا إلى ما قلنا سابقاً أن لكل عملة وجهين، ويجب النظر إلى الوجهين. ولكن الأشخاص الذين ينظرون إلى وجه واحد سيجدون أن المناوئين لهم سوف ينظرون إلى الوجه الآخر فقط، ويكيلون نفس التهم لمعتقداهم. ولذا حاولت أن أتفحص الوجهين دون التحيز لواحد منهما)] ، ونحن نقول للدكتور النجار أن الدليل التأريخي موجود في الكتاب المقدس نفسه ، ففي سفر أرميا (8:8) ما نصه : (كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا ، حقاً انه إلى الكذب حوّلها قلم الكتبة الكاذب) ، يضاف لذلك فإنَّ كتابة قصة وفاة موسى عليه السلام في التوراة التي يفترض أنه هو الذي كتبها تدل على وجود إضافات إلى النص الأصلي للتوراة ، إضافات مجهولة الكمية ومجهولة المؤلف ، والتوراة وأسفار الأنبياء أيضاً تتحدث عن أسفار ضائعة مما يعني وجود إضافات مجهولة المصدر إلى التوراة لأنه يفترض أن التوراة هي أول ما كتب من الأسفار عند بني إسرائيل فكيف إذن أحتوت على أسماء أسفار كتبت بعدها ! فوجدنا أن هذه المعلومات عن التوراة قد توافقت مع المعلومات المأخوذة من القرآن الكريم عن تحريف التوراة ، فتعاضد هذا كله على القول بتحريف التوراة.

وأما قول الدكتور النجار : [(وهذا متوقع من شخص يؤمن بعقيدة معينة ويحاول تصغير شأن ما عداها)] ، فهو إتهام باطل لأننا لا نبني ابحاثنا على قضايا الإيمان بمعزل عن الدليل لأننا أصلا لم نؤمن إلا وفق الدليل ، فإيماننا مبني على العقل والمنطق ، ولا نحاول تصغير شأن عقائد الآخرين بل نحاول توضيح الخطأ الذي هم عليه من وجهة نظرنا.

واما قول الدكتور النجار المذكور آنفاً : [(وهذا يرجعنا إلى ما قلنا سابقاً أن لكل عملة وجهين، ويجب النظر إلى الوجهين. ولكن الأشخاص الذين ينظرون إلى وجه واحد سيجدون أن المناوئين لهم سوف ينظرون إلى الوجه الآخر فقط، ويكيلون نفس التهم لمعتقداهم. ولذا حاولت أن أتفحص الوجهين دون التحيز لواحد منهما)] ، فهو غير دقيق في هذا القول لأنه لم يتفحص الوجهين بل بنى لنفسه إفتراضات سار عليها إفتراضات ليست وفق قواعد اليهود ولا المسيحيين ولا المسلمين ، من قبيل قوله بأن موسى عليه السلام لم يكتب التوراة ، وقواعد أخرى خاصة به ! فكان هناك وجه ثالث سار عليه الدكتور النجار وليس كما ذكر عن تفحصه لوجهين.

 

التعقيب الرابع لـ نبيـل الكرخي على الدكتور كامل النجار

الحلقة الرابعة

 

الناسخ والنسوخ :

قال الدكتور النجار : [(نقل السيد الكرخي شرحاً مطولاً من كتاب (البيان في تفسير القرآن) للسيد الخوئي يشرح فيه معاني وأنواع النسخ، ومع أن السيد الكرخي كان قد استماح لنفسه العذر في نقل هذا الشرح المطوّل، إلا أنه رغم ذلك أطال أكثر من اللزوم دون أن يفيد كثيراً)] ، وفي الحقيقة فإني في التعقيب الثالث ذكرتُ : (وإنما أردنا من الإطالة تمام الفائدة) وأعني فائدة القاريء الكريم ، فهو صاحب الحق في أن يحكم إن كان في الكلام فائدةً له أم لا.

 

وقال الدكتور النجار : [(فالذين شرحوا القرآن يخبرونا أن هذا القرآن قد كُتب في لوح محفوظ من قبل أن يخلق الله الأرض ومن عليها. وبما أن الله عليم بكل شئ سوف يحدث مستقبلاُ، ويعلم أسماء وصفات البشر الذين لم يخلقوا بعد، بدليل أن المفسرين أخبرونا أن الله قد أخذ من ظهر آدم جميع ذريته فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلاً وأخذ ميثاقهم بأن يؤمنوا به ويعبدوه، كما جاء في سورة الأعراف، الآية 172: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ". فالله الذي فعل كل هذا وكتبه في اللوح المحفوظ لا يمكن أن يُنزل على رسوله الآية 234 من سورة البقرة : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً " ثم من بعد خمسة آيات من نفس السورة يُنزل عليه الآية 240: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ". ثم يأتي  المفسرون ويأتون بحركات عقلية بهلوانية ليحاولوا إقناعنا أن الآية 234 نسخت الآية التي لم تنزل بعد، أي الآية 240. فهل الله الذي كتب هذا القرآن في اللوح المحفوظ واحتفظ به كل هذه الملايين من السنين قبل أن ينزله على رسوله، لم يحدد عدة المتوفى عنها زوجها، فأنزل الآية 234 التي حددتها بأربعة أشهر وعشرة أيام، ثم بعد خمسة آيات قال إنها سنة كاملة، ثم قرر أن ينسخ الآية الأخيرة بالآية الأولى ؟ ولا يستطيع الفقهاء إقناعنا بأن الظروف التي نزلت فيها الآية قد تغيرت، لأن الظرف الزمني بين الآيتين لا يسمح بذلك. ولماذا نزلت الآية الأخيرة إذا كان الله قد نسخها بالتي قبلها؟)] ، فهذا النص الذي ذكره الدكتور النجار مليء بالأخطاء الدالة على عدم إستيعاب تاريخ الإسلام وكيفية نزول القرآن ، لأنه لا مشكلة في وجود وذكر الناسخ قبل المنسوخ حيث أن السورة لم تنزل كاملة بل نزلت آياتها تدريجياً ثم تمت إعادة ترتيب كل سورة في السنوات المتأخرة من حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فالآيات كانت تنزل منفردة ثم يعاد ترتيبها في سورة ، وهو أمر معروف في الإسلام ولا مشكلة فيه ، وليس كما حاول أن يوهم الدكتور النجار ، فالفترة الزمنية بين الآيتين المذكورتين ليست قليلة كما ظن الدكتور النجار. وبذلك يتضح خطأ ما قاله الدكتور النجار : [(أما أن يُنسخ الحكم قبل نزوله، كما بينا في الآيتين من سورة البقرة، فأمر يصعب فهمه)] ، فالمشكلة ليست في آيات القرآن الكريم بل تكمن المشكلة في عدم معرفة الدكتور النجار لكيفية نزول الآيات القرآنية وكيفية ترتيب السور القرآنية.

وأما نزول الأحكام تدريجياً ففيه حكمة إلهية في تربية الجيل الأول من المسلمين وتهيئتهم تدريجياً للتخلص من أحكام الجاهلية وأجوائها النفسية والإجتماعية إلى الإسلام وأجوائه الصحية ، ولا علاقة له بدعوى عدم علم الله سبحانه وتعالى بما سينزل.

 

وقال الدكتور النجار : [(وقد حاول السيد الكرخي شرح هذه النقطة بأن قال: " وقد يكون الحكم المجعول حكما حقيقيا ، ومع ذلك ينسخ بعد زمان ، لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الامر ، كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات ، بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله ، مجهول عند الناس ، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان ، لانتهاء أمده الذي قيد به ، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها . والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا ، بداهة ". ونقول للسيد الكرخي إن هذا المنطق لا يُقنعنا، فقد نفهم حسب طبيعة تطور الأمور أن ينتهي العمل بقانون معين مضى عليه زمن وتغيرت ظروف الناس الذين يُطبق عليهم هذا الحكم، أما أن يُنسخ الحكم قبل نزوله، كما بينا في الآيتين من سورة البقرة، فأمر يصعب فهمه. ثم أن أغلب النسخ بدأ بعد الهجرة، وكل مدة نزول القرآن في المدينة كانت عشرة سنوات، فهل تغيرت الظروف في مدى عشرة سنوات لدرجة تفسر كل هذا الكم الهائل من النسخ ؟ فلو غيرّت حكومة وضعية قوانينها بهذه السرعة لما قبل المواطنون ذلك منها)] ، إذا كان الدكتور النجار لا يقنع بهذا المنطق فهذا شأنه لأن هناك أمور كثيرة لا يقنع بها الدكتور النجار رغم وضوحها ، وعدم الإقتناع بمنطقٍ ما لا يعني أن المنطق غير مقنع بل لعل هناك عوامل نفسية وإجتماعية تمنع الدكتور النجار من أن يقنع بالحقائق ، وربما إحداها هي رغبته في عملية إحراز النقاط ! والتي تحدث عنها في بداية أول تعقيب كتبه.

فأما ما ذكره حول دعوى وجود [(هذا الكم الهائل من النسخ)] فهي دعوى غير صحيحة لأن عدد الآيات المنسوخة قليل جداً ، ويمكن للقاريء الكريم مراجعة كتاب (البيان في تفسير القرآن) للسيد الخوئي وكتاب (مواهب الرحمن في تفسير القرآن) للسيد عبد الأعلى السبزواري للأطلاع على العدد القليل جداً من الآيات المنسوخة ، وأما ما يقوله بعض علماء أهل السنة حول وجود عدد كثير من الآيات التي يدَّعون نسخها فذلك يعود إلى قصر فهمهم لآيات القرآن الكريم بسبب إبتعادهم عن التمسك بالثقلين.

 

وقال الدكتور النجار : [(وبعد أن تكلم السيد الكرخي بإسهاب عن النسخ في التوراة والإنجيل اللتين يقول إنهما محرفتان كليةً، ولا يهم إذاً إن كان بهما نسخ أو ليس بهما)] ، فعدم أهمية وجود النسخ في التوراة والأناجيل هي مسألة تخص الدكتور النجار لأنه غير مهتم بالتعبد بهاذين الكتابين ، ونحن نعتقد إنها مسألة مهمة للقاريء الكريم المهتم بهذا الموضوع لا سيما من أتباع الدين المسيحي أو اليهودي ، فعدم أهمية موضوع ما عند الدكتور النجار يجب أن لا تثني أحداً من مناقشة الموضوع لأن الغرض من كل هذه التعقيبات ليس إقناع الدكتور النجار بل إيضاح الحقيقة وإبرازها للقاريء الكريم.

 

وقال الدكتور النجار : [(ولا شك أن المسلم الذي يقبل الإسلام كما علموه إياه في المدارس لن يناقش في حكمة تغيير القبلة ونسخ القبلة الأولى. لكن يحق لنا أن نسأل هنا، ونحن نعلم من المفسرين أن الكعبة هي أول بيت بُنى للناس، وصلى عليها إبراهيم وإسماعيل الذين أتي النبي ليكمل رسالتهما الحنيفية، فلماذا جعل محمد قبلته إلى القدس التي لم يكن بها مسجدٌ أقصى في ذلك الوقت، بل كان بها كنيسة المهد وبقايا هيكل سليمان ؟ ولا شك أن الله سبحانه وتعالى قد عرف مسبقاً أن النبي يحب أن يصلي إلى الكعبة وكان يتطلع إلى السماء في انتظار الإذن من الله في تحويل القبلة، فهل من المقبول عقلاً أن يجعل الله النبي يصلي إلى بيت المقدس ثلاث عشرة أو خمس عشرة سنة وهو يعلم مسبقاً أن القبلة سوف تكون الكعبة، فيضطر أن ينزل عدة آيات يبرر بها التحويل وينسخ القبلة الأولى ؟ وكان من الممكن أن تستمر القبلة إلى بيت المقدس إذ ليس هناك أي حكم قد انتهت مدته الزمنية، وليس هناك أي مصلحة واضحة من التغيير. فماذا يضير الإسلام لو أن النبي ظل يصلي نحو القدس ؟)] ، فاي مدارس تلك التي يتحدث عنها الدكتور النجار والتي تعلم الإسلام ، هل هي مدارس الأنظمة العلمانية العربية التي لا يهمها سوى بث أفكار تمنع معارضة حكمهم وتعمل على دوام حكمهم الهزيل ، أم هي المدارس التي تروج لأفكار العفالقة البعثيين الذين يريدون مسخ الإسلام وإبداله برسالة خالدة تستلهم روح الإسلام وتمنع تطبيقه بل تحارب من يدعوا لتطبيقه ! وأما مسألة الإتجاه للقبلة ففيه جانب عبادي عظيم ، من حيث أن الإنسان المسلم يطيع الله عزَّ وجل ويخالف أهوائه ونزعاته النفسية ورغباته الإجتماعية وما ورثه عن آبائه وأجداده لتكون كلمة الله هي العليا ، فحين كان المسلمون في مكة أمرهم الله عزَّ وجل بإتخاذ بيت المقدس قبلةً لهم رغم حبهم العظيم لمكة وقدسيتها عندهم ، ولكن ليستأصل الإسلام كل حب إلا الحب في الله سبحانه ، وليستأصل كل خضوع وطاعة إلا الخضوع والطاعة لله جلَّ وعلا ، وحين أثبت المسلمون المكيون ذلك وأطاعوا أوامر الله تعالى ، وتمت الهجرة المباركة جاء الدور لتربية الجيل الإسلامي من الأنصار والذين كانت عندهم ثقافة إحترام بيت المقدس نتيجة إختلاطهم باليهود وإن لم يكونوا يهوداً ، فكان الأمر الإلهي لهم بالإتجاه لمكة وإتخاذها قبلةً ، ليتم تربيتهم على الطاعة والخضوع لله تعالى كما ذكرنا ، وبذلك يتم قطع كل صلة لهم بالثقافة اليهودية ، ليكون التوحيد خالصاً لله عزّ وجل ، وليتم تربية المسلمين جميعاً على أن المهم ليس الإتجاه نحو بيت المقدس أو مكة بل المهم هو طاعة الله سبحانه في أي إتجاه كانت تلك الطاعة ، ومهما كانت تلك الطاعة.

 

وقال الدكتور النجار : [(يقول السيد الكرخي إن نسخ آية الرجم التي قال عمر بن الخطاب إنها كانت من القرآن وسقطت عنه، استشهاد لا يُعتمد عليه لأنه أتى من شخص واحد فقط. وهذا كلام منطقي ومعقول، لو أن الخبر جاء من عمر فقط، ولكن زر بن حبش قال: " قال لي أبي بن كعب: يا زر كأيّن تقرأ سورة الأحزاب ؟ قلت: ثلاث وسبعين آية، قال: كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ آية الرجم، وفي لفظ، وإن في آخرها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، فرفع فيما رفع " (الناسخ والمنسوخ: هبة الله سلامة بن نصر بن علي البغدادي))] ، فالخطأ أن الدكتور النجار يعتمد على روايات لا يُعرف مدى صحتها ، لمجهولية بعض رواتها ، بل إنَّ في تلك الروايات ما يعارض القرآن فوجب طرحه حتى لو إفترضنا صحة سنده ، فأما مجهولية بعض الرواة ، فإن أهل السنة ـ الذين يروون الأحاديث التي يعتمدها الدكتور النجار ـ إنما وضعوا قواعد لصحة السند ولعلم الجرح والتعديل ، وإحدى تلك القواعد تنص على عدالة جميع الصحابة ، أي عدالة كل من رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مسلم ، وينزهونهم عن الكذب ويصححون روايات جميعهم ولا يجرحونهم مطلقاً ، والخلل هنا أن هناك عيوباً في بعض الرواة توجب طرح رواياتهم حتى لو لم يتصفوا بالكذب أو عدم تعمد الكذب ، من تلك العيوب التدليس وكثرة النسيان والخلط ، وهي عيوب ممكن وقوعها في الصحابة ولكن أهل السنة لم يلتفتوا لذلك وإنْ ألتفتوا فلا يتقبلونه ويصرون على القول بعدالة جميع الصحابة وقبول رواياتهم مطلقاً ، فلذلك ظهرت عند أهل السنة مثل تلك الروايات.

 

وقال الدكتور النجار : [(وكذلك من غير المعقول أن يرفض السيد الكرخي قول عمر، لأنه آحادي، ثم يأخذ بالعمل بآية الرجم، في تعارض واضح مع القرآن الذي قال إن عقاب الزانية هو الجلد، ولم يحدد إذا كانت متزوجة أم لا. وطبعاً اعتمد فقهاء المسلمين هنا على رواية غير مثبتة قطعياً أن النبي رجم امرأة يهودية كانت قد زنت)] ، فمن المؤكد أن المسلمين لم يعتمدوا في إثبات الرجم على رواية رجم المرأة اليهودية ، لأن الرجم هو عقوبة قد أجمع المسلمون على فعلها منذ عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) والعصور التي تلته ، وحد الرجم فيه تفصيل عند المسلمين فبعضه قد دلّ عليه القرآن الكريم وبعضه قد دلت عليه السنة المطهرة ، فالرجل والمرأة غير المحصنين حدهما الجلد والمحصنين حدهما الرجم ، وأما إذا كانا شيخين محصنين فحدهما الجلد والرجم معاً. فالحق أنه لا تعارض مع القرآن الكريم لأن للأحكام الشرعية عند المسلمين مصدرين أساسيين هما القرآن الكريم والسنة المطهرة.

 

وقال الدكتور النجار : [(نسخ التلاوة والحكم: وهنا يمحو الله الآية ويمحو حكمها، وقد يكون هذا معقولاً إذا انتسخ الحكم، غير أن المرء لا يتمالك أن يسأل لماذا كلف الله نفسه بإنزالها في المكان الأول ؟)] ، ولعل الدكتور النجار لم يتدبر جيداً ما نقلناه عن السيد الخوئي في التعقيب الثالث ، وإلا لما عاد وسأل هذا السؤال الذي أجبنا عنه مقدماً. ونعيد هنا قول السيد الخوئي : (إن الحكم المجعول من قبل الحكيم قد لا يراد منه البعث ، أو الزجر الحقيقيين كالاوامر التي يقصد بها الامتحان ، وهذا النوع من الاحكام يمكن إثباته أولا ثم رفعه ، ولا مانع من ذلك ، فإن كلا من الاثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة ، وهذا النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة ، ولا ينشأ من البداء الذي يستحيل في حقه تعالى ، وقد يكون الحكم المجعول حكما حقيقيا ، ومع ذلك ينسخ بعد زمان ، لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الامر ، كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات ، بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله ، مجهول عند الناس ، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان ، لانتهاء أمده الذي قيد به ، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها . والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا).

 

قال الدكتور النجار : [(فمثلاً ما ورد عن عائشة أم المؤمنين، التي قال عنها الرسول: " خذوا نصف دينكم من الحُميراء " عندما قالت: (كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعاتٍ معلومات يحرمن، ثم نُسخ بخمس معلومات ). فهل يستحق إنزال عدد الرضعات من عشرة إلى خمسة إزالة الآية من القرآن ؟ وما الفرق بين خمسة وعشرة رضعات ؟ وهل هناك امرأة أرضعت طفلاً وحسبت عدد الرضعات ؟ وهل تغيرت البيئة العربية لدرجة أن خمسة رضعات أو عشرة رضعات سوف تؤثر في طبيعة العلاقات بين الناس لدرجة جعلت الله ينسخ الآية الأولى ويمحوها من الكتاب ؟)] ، فالحديث الذي ذكره وفيه لفظ (الحميراء) هو حديث ضعيف ، حيث قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ج10 ص259 : (وأما حديث خذوا شطر دينكم عن الحميراء يعني عائشة فقال الحافظ أبن حجر العسقلاني لا أعرف له إسناداً ولا رواية في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لأبن الأثير ولم يذكر من خرجه وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير أنه سأل المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه وقال السخاوي ذكره في الفردوس بغير إسناد وبغير هذا اللفظ ولفظه خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء وبيض له صاحب مسند الفردوس ولم يخرج له إسناداً وقال السيوطي لم أقف عليه كذا في المرقاة) ، والدكتور النجار دائم الإعتماد على الأحاديث الضعيفة ، وأما حديث الرضعات فهو مردود أصلاً ولا إعتبار له عندنا لأنه مخالف لما ورد عن آل البيت عليهم السلام الذين أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإتباعهم والأخذ منهم ، والأمر بجملته توهم من أم المؤمنين عائشة أو من قبل الرواة ، وعموماً فهو غير صحيح ولا يستأهل المناقشة.

واما تساؤل الدكتور النجار عن حساب النساء لعدد الرضعات فهو أمر سهل وميسور ومتعارف عليه عند النساء ، والإستغراب ليس من حسابهم عدد الرضعات بل في عدم معرفة الدكتور النجار لهذا الأمر !

 

قال الدكتور النجار : [(إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة ، أو بالاجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم عليه السلام وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلا ونقلا ، فإن ثبت في مورد فهو المتبع ، وإلا فلا يلتزم بالنسخ ، وقد عرفت أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد. "

وهنا يحتار العقل إذ كيف يكتب الله القرآن في لوح محفوظ منذ الأزل وينزله على نبيه، ويقول : " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون " ثم يسمح لنبيه بأن ينسخ هذه السورة أو الآية التي فرضها هو ؟ ولماذا الخلاف هنا، ونحن نعرف أن الله عندما أراد أن ينسخ آيةً أو يُنسئها، أنزل آية أحسن منها أو مثلها ؟ فكيف تُنسخ بعض الآيات بأفعال أو قوال النبي دون أن ينزل الله آية أخرى أحسن منها أو مثلها ؟)] ، وقد فات الدكتور النجار إنَّ الذي فرض السورة هو من فرض طاعة النبي (صلى الله عليه وآله) ، وهو جلَّ شأنه الذي أراد كل ذلك بنص القرآن الكريم فقال تعالى : (( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )) ، فلا تناقض بين الأمرين لأنهما صادران من الله عزَّ وجل.

 

وقال الدكتور النجار : [(والسيد الكرخي هنا يقول لنا إن أناساً مثل الطبري وابن كثير الذين قضوا كل أعمارهم في تأمل ودراسة القرآن، لم يتأملوه بما فيه الكفاية، فقالوا بنسخ بعض الآيات بالتعارض، بينما لا يوجد هذا التعارض في القرآن. والواقع أن التعارض أكثر من أن نعده في هذه العجالة، كما قلنا سابقاً، وأعطينا مثالاً لذلك.  ونقل لنا السيد الكرخي قول السيد أبي القاسم الخوئي وقدمه لنا على أنه قول متفق عليه من الفقهاء، وما هو كذلك. فمن الفقهاء من قال بالنسخ بالإستثناء مثل الحسن وقتادة (فتح المنان في نسخ القرآن) وكذلك الطبرسي. ومنهم من قال بالنسخ بتقييد المطلق، مثل قول عكرمة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، في الآيتين: " حُرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير "  و " قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ". بل قال بعضهم إن كل جملة استثنى الله منها بإلا، فإن الاستثناء ناسخ لها. ويقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدي: " قال قوم-لا يعدون خلافاً- ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ، وهؤلاء قوم عن الحق صدوا وبإفكهم عن الله ردوا ")] ، وحتى لو ذكر الدكتور النجار أضعاف ما ذكره من أسماء أناسٍ (مثل الطبري وابن كثير الذين قضوا كل أعمارهم في تأمل ودراسة القرآن) فإن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئاً وهي الحقيقة الخالدة التي أعلنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث التمسك بالثقلين ، فمن هو الطبري وقتادة وعبد الرحمن بن زيد والسدي حتى يكونوا ملجاً للأمة من الضلال ، وهل النجاة من الضلال تتحقق إلا بإتباع مذهب آل البيت عليهم السلام ؟ فكل ما ذكره من أقوال علماء من أهل السنة هي أقوال لاتهمنا ولا يُعبأ بها لأنها أقوال غير منجية من الضلال ، فإنَّ أصحابها ليسوا معالم للنجاة من الضلال ولسنا مأمورين بأتباعهم أو أخذ أقوالهم.

 

وقال الدكتور النجار : [(وعندما قلنا إن القرآن ملئ بالتناقض ومثلنا بالآيتين : " ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً " والآية: " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن إن أنتم إلا تخرصون " رد علينا السيد الكرخي بقوله: " فأين التناقض "الواضح" أو حتى غير الواضح !؟ فالآية الأولى تتحدث عن مشيئة الله عزَّ وجل وأن تلك المشيئة الإلهية تمتنع عن إجبار الناس على الإيمان لأن ذلك ينافي التكليف ، والآية الثانية تتحدث عن تكذيب المشركين للأنبياء حين أدعوا أن الله لو شاء أن يمنعهم من الشرك لمنعهم ولكنه حيث لم يمنعهم فلا بأس بشركهم ، فنزلت الآية لتبين تكذيبهم المذكور ، فمدار الآيتين أن الله عزَّ وجل لا يجبر إنساناً على الشرك لأن ذلك ينافي التكليف. "

وأظن السيد الكرخي هنا يفسر الآيات حسب ما يخدم غرضه، فليس هناك أي شئ يدل على عدم إجبار الناس على الإيمان. الآية الأولى صريحة في قولها: لو شاء الله ما أشركوا، وهذا يعني أن الله لو أراد لهم ألا يشركوا لآمنوا. وعندما قال المشركون: لو أراد الله ما أشركنا، رماهم الله بالكذب. وهذا تناقض واضح)] ، وأنا ادعو القاريء الكريم لقراءة ما كتبته سابقاً والتركيز على ما وضعت تحته خط من أجل معرفة ما قصدته من بيان لدفع شبهة التناقض وليتضح خطأ ما فهمه الدكتور النجار من الآيات الكريمة.

 

إنجيل أم أناجيل ؟

قال الدكتور النجار : [(احتج السيد الكرخي على استعمالنا لكلمة الإنجيل بدل الأناجيل لأن للمسيحيين أربعة أناجيل ولم تُجمع هذه الأناجيل منفردة عن التوراة (العهد القديم). والانفراد  هنا لا حاجة له لأن المسيح جاء ليكمل رسالة موسى التي احتوت على معظم التشريع ولم يكن هناك داع لإعادة نفس التشريع. فأخذ المسيحيون تعاليم التوراة مع إنجيلهم الذي يتكون من أربعة كتيبات وسموا الكل The Bible أي الإنجيل)] ، فمن المؤكد خطأ قوله (والإنفراد هنا لا حاجة له) فالإنفراد المذكور قد حدث حين طبعوا العهد الجديد وحده بدون العهد القديم.

وأما كلمة The Bible فلا تعني الإنجيل بل تعني الكتاب المقدس ، وكلمة Gospel هي التي تعني "إنجيل".

والكتاب المقدس لا يقتصر على التوراة والأناجيل الأربعة كما ظن الدكتور النجار بل يحتوي أيضاً على المزامير وأسفار الأنبياء اليهود وعلى أسفار أعمال الرسل والرسائل والرؤيا.

وقال الدكتور النجار : [(واستمر السيد الكرخي فقال: " ثم ألم يذكر الدكتور النجار في موضع آخر حين تطرقنا إلى قصة النبي نوح عليه السلام ما نصه : (وأما قصة نوح وقومه فقصة لا نملك من تفاصيلها إلا ما أخبرنا به القرآن ولذلك لا نرى جدوى في مناقشتها، لأنها مسألة غيبية) ، فهو يعتقد أن ما يذكره القرآن هو أمور غيبية لا جدوى في مناقشتها ، فلماذا يخالف هذا القول هنا ويقول بأنه قال كلمة الإنجيل إتباعاً للقرآن ، فهلا أتبع القرآن في قصة النبي نوح عليه السلام أيضاً ! وإلى متى نظل نقرأ مثل هذا المنهج المتناقض عنده ؟!" وأنا لا أرى أي تناقض هنا. فإذا وجدنا نفس القصة في التوراة والقرآن فيمكن أن نقول إن أحدهما نقل من الآخر، ولكن إذا لم نجد القصة إلا في القرآن، أو قصة تختلف تفاصيلها القرآنية عن التوراتية، وليس لدينا أي حفريات أو كتابات أخرى تثبت ما قال القرآن، يصبح الأمر من الغيبيات التي يؤمن بها من يؤمن بالقرآن وينكرها من لا يؤمن به)] ، فهل قصة الطوفان والنبي نوح عليه السلام موجودة في التوراة أم غير موجودة ؟ فإذا كانت موجودة فلماذا لم يوافق الدكتور النجار عليها ولو بالخطوط العامة لها ؟ وهل هو إلا إصرار على التناقض ؟! وأما قوله : [(فإذا وجدنا نفس القصة في التوراة والقرآن فيمكن أن نقول إن أحدهما نقل من الآخر)] فهذا ليس نقطة بحثنا بل ما نبحثه في هذه النقطة هو أنه ذكر أنه أستخدم كلمة الإنجيل إتباعاً للقرآن ولكنه لم يؤيد ما جاء في القرآن الكريم حول قصة النبي نوح وأعتبرها من المسائل الغيبية ، رغم أن قصة الطوفان قد ذكرت أيضاً في التوراة بل وفي الحفريات التي اشار لها أيضاً ، فهو منهج متناقض يريد الدكتور النجار التغطية عليه بإستحداث مواضيع جانبية من قبيل إشارته لنقل القرآن الكريم عن التوراة !

 

وقال الدكتور النجار : [(وعندما قلت إني ذكرت الإنجيل كما جاء في القرآن، فكان قصدي أن أقول للسيد الكرخي: حتى القرآن الذي تؤمن به يقول الإنجيل ولا يقول الأناجيل)] ، فالقرآن الكريم يقول أن الله عزَّ وجل آتى المسيح عليه السلام الإنجيل ، فهو كتاب سماوي ، وأما الأناجيل التي يتحدث عنها الدكتور النجار والتي أطلق عليها مجتمعة كلمة (الإنجيل) فهي كتب قد كتبها أشخاص من أتباع بولس ، فهي ليست كتب سماوية ، والمسيحيون أنفسهم لا يقولون إنها كتب سماوية بل يقولون إنَّ الذين كتبوها كانوا ملهمين !

 

 

فهم المسيحية :

قال الدكتور النجار : [(عندما قلت إن العرب كانوا على علم بالتوحيد لأنهم تعلموه من اليهودية والمسيحية ولم يكن لهم حاجة بالإسلام ليعلمهم التوحيد، وإن عيسى كان مرسلاً لبني إسرائيل، اتهمني السيد الكرخي بعدم فهم المسيحية واليهودية، وقال: " فهو هنا يدل بلسانه على عدم فهمه للمسيحية ولا للإسلام ، فقول الدكتور النجار بأن المسيحية إنما أنزلها الله لبني إسرائيل يتعارض مع العقيدة المسيحية نفسها ، ففي إنجيل متى (19:28) ما نصه : (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، وعمّدوهم باسم الأب والأبن والروح القدس) ، فهذا القول هو آخر ما ينسبه أنجيل متى للمسيح عليه السلام وبذلك يكون ناسخاً لما ورد في إنجيل متى (10 : 5و6) ونصه : (وأرسل يسوع هؤلاء التلاميذ الأثني عشر وأوصاهم قال : "لا تقصدوا أرضاً وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية بل أذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل") ، وبذلك تكون المسيحية ديانة عامة لكل الأمم وليس لقوم معينين ، هذا بحسب دعواهم. " فدعنا نرى ماذا قال غيري عن المسيحية. يقول الدكتورمحمد أحمد الحاج في كتابه (النصرانية من التوحيد إلى التثليث/ دار القلم/ دمشق) : " وما جاء به عيسى عليه السلام إلا تعاليم سامية، جاءت للشعب اليهودي الذي استغرق في المادية وانحرف عن شريعة موسى عليه السلام. ولم يأت المسيح عليه السلام بشريعة جديدة، بل كان يعتبر التوراة شريعته، اللهم إلا بعض التشريعات المعدلة التي جاءت تخفيفاً على بني إسرائيل. بقي عيسى عليه السلام طيلة إقامته يبشر اليهود بدعوته ولم يحدث أن اجتاز بدعوته حدود الأقاليم اليهودية، وكما قلنا كانت رسالته تعاليم روحية لليهود لم تخرج عن نطاق شريعة موسى عليه السلام، ولكننا اليوم نجد أنفسنا أمام ديانة مسيحية منفصلة تماماً عن اليهودية، وبينما نجد اليهودية ديانة قومية لا تبشر ولا تقبل غير اليهود، نجد النصرانية ديانة تنتشر في شتى البقاع، فكيف انفصلت المسيحية عن اليهودية لتشكل ديناً جديداً ؟ وكيف خرجت عن النطاق الإقليمي لتدعو جميع الأمم ؟ ولدى تتبع أسفار العهد نجد أن هذا الافتراق لم يحدث في زمن المسيح عليه السلام، وإنما جاء متأخراً، وقد أوردنا كيف أن المسيح كان يأمر أتباعه المبشرين بدعوته أن لا يدخلوا غير مدن اليهود.  والافتراق والخروج عن الإقليمية اليهودية بدأ به بطرس وبولس. " فيبدو أنني لست الوحيد الجاهل بالمسيحية)] ، فنقول للدكتور النجار أنه لا فخر بالجهل ، وإذا كان هناك من يجهل بعضاً من سمات المسيحية فهل يعتقد أنَّ في ذلك عزاءاً له !

     وأما ما نقله عن الدكتور محمد أحمد الحاج فلا يتقاطع مع ما ذكرته عن المسيحية ، لأنني ذكرت رؤية المسيحيين لدينهم وفهمهم له وذكر الدكتور محمد احمد الحاج رؤية المسلمين للدعوة المسيحية التي جاء بها المسيح عليه السلام ، وأنا أتفق مع الدكتور محمد أحمد الحاج فيما قاله ـ عدا ما ذكر حول بطرس ـ والسبب الذي دفعني للإعتراض على الدكتور النجار هو أن الأخير لا يؤمن بالإسلام ومع ذلك يتبنى الرؤية الإسلامية للمسيحية ويرفض الرؤية المسيحية للدين المسيحي ـ مع انه لا يؤمن بصحة القرآن الكريم ولا يعتبره مصدراً مقبولاً ككتاب يؤرخ ما ورد فيه من قصص الأنبياء ـ وحين أعترضت عليه بعد أن وجدته يقفز بين حبال المعتقدات كلما وجد فكرة تناقض كتاباته تبنى فكرة أخرى وإنْ كانت مخالفة لقواعده الإيمانية في عقيدته الإلحادية ، فنجده وقد عاد ليستشهد بقول الدكتور محمد احمد الحاج الذي ينطلق في قوله من رؤية إسلامية كما ذكرنا آنفاً !

 

إدعاء بحاجة إلى إثبات :

قال الدكتور النجار : [(ولا شك أن السيد الكرخي قد قرأ كثيراً من كتب التفسير التي لا تذكر اليهود أو النصارى إلا ويقول المفسر " لعنهم الله ")] ، فعلى الدكتور النجار أن يأتي بأمثلة تدل على ما ذكره لكي يثبت للقاريء الكريم صدق ما نقله عن كتب المسلمين ، وإلا فإنَّ ما ذكره غير صحيح ، ونحن نعلم عدم صحته ولكننا ندعو الدكتور النجار أن يبين خلاف ما ذكرنا ، لكي لا يقوم بإشاعة معلومات ليس لها نصيب من الصحة.

 

الأخوة الأعداء :

قال الدكتور النجار : [(ولا يحتاج السيد الكرخي للنظر بعيداً، فهو لا شك رأي وسمع ما فعل إخوانه المجاهدين في بغداد عندما نسفوا الكنائس وضربوا النساء المسيحيات وأجبروهن على لبس الحجاب)] ، وأنا أرى أنَّ وصفه لي بالأخوة للمجاهدين هو وصف تحريضي ، فلا هم مجاهدون ولا أخوة بيننا ، وأنا أرى أن دورهم لا يختلف كثيراً عن دور الدكتور النجار فكلاهما يقومان بالإساءة للإسلام وإنْ تنوعت الطرق ، ومن الواضح أن الشيعة لا يمكن أن يؤآخوا الملحدين ولا الوهابية ممن يعملون للإساءة للإسلام ، وما عدا ذلك فإنَّ باب الأخوة الإنسانية مفتوح لجميع الناس بمختلف معتقداتهم وإنتمائاتهم الفكرية والقومية.

وإجبار الوهابية الإرهابية للنساء على إرتداء الحجاب في مناطق محدودة في العراق هو أمر مماثل لإجبار صدام المجرم للنساء على نزع الحجاب في الكليات والمدارس لا سيما في مدارس جنوب العراق في نهاية السبعينيات من القرن العشرين ، والإرهاب الذي سلطه بواسطة زبانيته لتحقيق هذا الغرض ، فلا صدام المجرم يمثل الإسلام ولا الوهابية الإرهابية تمثل الإسلام.

واما ما ذكره الدكتور النجار من دعوى إجبار الإسلام لغير المسلمين على إعتناقه فهي دعاوى واضحة البطلان ، وقد ناقشنا هذا الأمر أكثر من مرّة في مقالات في موقع كتابات ، والدكتور النجار يصر على تكرار جمله وأفكاره نفسها في مختلف مقالاته.

 

إعتناق العرب للإسلام :

وأما قول الدكتور النجار : [(أما عام الوفود الذي يتحدث عنه السيد الكرخي فهذا كان بعد حصار وهزيمة بني ثقيف عام 9 وجاءت بقية القبائل التي لم تكن قد أُجبرت بعد على الإسلام لتقدم طاعتها لمعرفتهم أن جيوش المسلمين سوف تغزوهم وتسبي نساءهم وأطفالهم إن لم يسلموا)] ، فهل يعلم الدكتور النجار عدد القبائل التي أعتنقت الإسلام في عام 9 هـ ، إنَّ عددها كان اكثر بكثير من عدد قبيلتي الأوس والخزرج وقريش أي من عدد المسلمين ، وكان يمكن لتلك القبائل أن تشكل تحالفاً قوياً بينها يمنع عنها غزو المسلمين وما يترتب عليه من نتائج أفترضها الدكتور النجار كالسبي للنساء والأطفال ، ولكن هذا لم يحدث لأن الحقيقة كانت غير ما ذكره الدكتور النجار ، فبعد فتح مكة والطائف وقضاء المسلمين على القوة العسكرية لمشركي قريش وثقيف وإزالة مظاهر الشرك من مكة بتحطيم الأصنام وعفو النبي (صلى الله عليه وآله) عن كافة المشركين مرةً بإعلان أن من أغلق باب بيته على نفسه فهو آمن ومرةً بإعلان العفو عمن اساء للمسلمين من قادتهم بإطلاقهم (الطلقاء) ، فأدى ذلك إلى إنهيار المنظومة الإجتماعية لكافة العرب في شبه الجزيرة العربية أمام بزوغ هذا الدين العظيم الذي يدعو للتوحيد وإحياء الحنيفية دين جدهم إبراهيم الخليل وهو دين مسدد بمعجزة قرآنية إنهار العرب امامها ثقافياً ولم يستطيعوا أن يقاوموا الإعتراف بإعجازها وأنها دليل على صدق النبوة يضاف لذلك مبدأ العفو وعدم الإكراه الذي نادى به الإسلام ، فكان عام الوفود سنة 9 هـ ودخول الناس في دين الله أفواجاً.

وأما قول الدكتور النجار : [(فالمبرد يقول إن كل العرب ما عدا قريش وثقيف قد ارتدت، وبعضهم تبع رسولاً غير قرشي. فالأمر لا يتعلق بخلافة أبي بكر، بل بالإسلام الذي أُجبروا على اعتناقه بحد السيف)] ، فنحن نرى عدم دقة الدكتور النجار في تناول هذا الموضوع لأن المطالع لكتب التأريخ التي تؤرخ تلك الفترة يقرأ المآسي التي حدثت ويستطيع تمييز أنواع من أسباب الردة ، فمَن رَفَضَ خلافة أبي بكر بن أبي قحافة أطلق عليه أسم المرتد مثل مالك بن نويرة رحمه الله وجهزت الجيوش لحربه والفتك به ، ومن أعترف بخلافة أبي بكر وأمتنع عن إعطاءه الزكاة أطلق عليه أيضاً أسم المرتد ، ومن كان قد أرتد في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يفعل له النبي (صلى الله عليه وآله) شيئاً فقد جهّز أبو بكر له جيشاً وحاربه مثل مسيلمة الكذاب ، ومن أرتد بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً تمت محاربته من قبل جيوش أبي بكر ، ويجمع هؤلاء كلهم أمران إثنان الأول أنهم قد دخلوا في إلاسلام طواعيةً والثاني انهم حوربوا من قبل جيوش أبي بكر بن أبي قحافة ، وأكذوبة أن الإسلام قد أجبر الناس على إعتناقه قد رددها الدكتور النجار كثيراً وما زال مستمراً في ترديدها رغم عدم وجود أي دليل تأريخي على ذلك الإجبار !

 

مفهوم شخصي لتجسد الآلهة !

قال الدكتور كامل النجار : [(لما قلت إن العرب عرفوا تجسيد الآلهة في أصنامهم، قال السيد الكرخي: " ولا أعلم كيف فات هذا الأمر على الدكتور النجار ، فعبادة الأصنام لا تعني تجسد الآلهة ، فتجسد الآلهة يعني نزول الآلهة إلى الأرض لتعيش بين الناس بهيئتها البشرية ، والأساطير اليونانية والرومانية مليئة بنماذج على تجسد الآلهة بهذا المعنى ، يضاف لذلك ما جاء في إنجيل برنابا ونصه : (وكانت عادة الرومان أن يدعوا كل من فعل شيئاً جديداً فيه نفع للشعب إلها ويعبدوه فلما كان بعض هؤلاء الجنود في نايين وبخوا واحداً بعد آخر قائلين : " لقد زاركم أحد آلهتكم وانتم لا تكترثون له حقاً لو زارتنا آلهتنا لأعطيناهم كل ما لنا وانتم تنظرون كم نخشى آلهتنا لأننا نعطي تماثيلهم افضل ما عندنا " ، فوسوس الشيطان بهذا الأسلوب من الكلام حتى انه أثار شغبا بين شعب نايين ولكن يسوع لم يمكث في نايين بل تحول ليذهب إلى كفر ناحوم ، وبلغ الشقاق في نايين مبلغاً قال معه قوم : إن الذي زارنا إنما هو إلهنا ، وقال آخرون : إن الله لا يُرى فلم يره أحد حتى ولا موسى عبده فليس هو الله بل هو بالحري ابنه ، وقال آخرون : انه ليس الله ولا ابن الله لان ليس لله جسد فيلد بل هو نبي عظيم من الله "

وبالطبع فإن كلمة تجسيد مشتقة من جسد وجسّد، أي جعل له جسداً. ونحن نقول جسد فلان فكرته، أي جعلها ظاهرة كالمحسوسة، ونعرض المجسدات أو المجسمات في المعارض، وهي عبارة عن  أشكال مصغرة لمشروع بناء هندسي مثلاً. وتماثيل الرؤساء العرب من أمثال صدام حسين ما هي إلا مجسدات. وأول ما ظهرت فكرة تجسيد الآلهة كانت في القبائل التي تطورت من عبادة أرواح الأسلاف التي لم تكن محسوسة أو ملموسة، إلى عبادة جذع شجرة أو صخرة كبيرة يستطيع المتعبد أن يحسها بيده ويتمسح بها لتعطيه إحساساً بالطمأنينة أكبر مما تعطيه الروح التي لا يراها. ثم لما عبد الإغريق آلهة السماء المتعددة، كانت الفكرة ما زالت بعيدة عن ذهن الإنسان العادي، فبنوا الأكروبولس على قمة جبل الأولمبياد ووضعوا فيه تماثيلاً ضخمة في هيئة الإنسان أو في هيئة الحصان لتمثل لهم آلهة السماء التي أصبح في مقدورهم وقتها أن يلمسوها ويحتكوا بها ويذبحوا عند أقدامها القرابين. ثم زادوا في ذلك بعد أن اتسع تخيلهم للآلهة، وجعلوا الإله " زيوس " مثلاً ينزل ويعيش في الأكروبولس بينهم لفترة معينة كل عام. ثم جاء الرومان وزادوا على ذلك بأن جعلوا أعظم قياصرتهم آلهة. فتجسيد الآلهة مر بعدة مراحل من بينها عبادة الأصنام ونزول الآلهة لتعيش بين الناس. وبهذا المفهوم قلنا إن العرب كانوا قد عرفوا تجسيد الآلهة)] ، فمن الواضح أن الدكتور النجار يؤسس مفهوماً شخصياً له حول معنى التجسد وإلا فإن المعنى العام لهذا المصطلح يخالفه ، وإذا كان الدكتور النجار يريد ذلك فهذا شأنه ولكن عليه أن يخاطب القراء بالمفاهيم العامة أو بمفاهيمه الشخصية بعد أن يوضح أنها مفاهيمه الخاصة ، فتجسد الآلهة كما يعرفه الآخرون ـ عدا الدكتور النجار ـ هو نزول الآلهة لتعيش على الأرض لا أن توضع للآلهة تماثيل ، وقد ضربنا لذلك مثلاً من سفر أعمال الرسل حين أطلق بعض الرومان صفة إلهين على بطرس وبولس بعد أن خطبا فيهم ، فأطلقوا على بطرس أسم كبير الآلهة وعلى بولس أسم إله الفصاحة كما ذكرنا ذلك في تعقيباتنا السابقة ، فتجسد الآلهة كما نعرفه لا تعني عبادة الأصنام بإعتبارها جسداً يمثل قيمةً ما ، والعرب لم يعرفوا تجسد الآلهة بل هي فكرة يونانية توغلت إلى المسيحية عبر الرومان.

 

التبشير بالمسيحية :

قال الدكتور النجار : [(والسيد الكرخي لا شك يعلم أن قوافل قريش كانت تجوب الصحارى شمالاً إلى الشام والعراق، وجنوباً إلى اليمن، وكان التجار من تلك البلاد يأتون إلى مكة بتجارتهم. وكانت كل هذه القوافل تسير على طرق معروفة، أثرها موجود حتى الآن في غرب المملكة العربية السعودية. هذه الطرق كانت عليها آبار واستراحات كان بأغلبها أديرة مسيحية يقدّم قساوستها للتجار الطعام والشراب ويقرؤون عليهم قصص الكتاب المقدس (كما يقول الدكتور جواد علي في سفره القيم- تاريخ العرب قبل الإسلام). هذه الرحلات التي احتملها تجار قريش وتجار الشام واليمن، لا بد أن يكون قد احتملها المبشرون كذلك. وحتى كتب السيرة النبوية تحدثت عن الراهب بحيرة الذي كانت تتوقف عند صومعته قوافل تجار الشام، ومنهم القافلة التي كان بها محمد بن عبد الله مع عمه أبي طالب.  وفي قلب هذه الصحراء كانت هناك مجمعات مسيحية مثل البترا وجرش في شمال غرب الجزيرة (في الأردن الحالي) كانت مدن تجارية بها حاميات رومانية لحماية القوافل وبها كنائس وأديرة ما زالت آثارها واضحة حتى الآن. وكذلك مدن تدمر وتيمياء في وسط الصحراء كان بهما مسيحيون ومبشرون. ويقول د. جواد علي: " فقد كان المبشرون يطوفون أنحاء الجزيرة للدعوة إلى النصرانية، وقد شجعت حكومة الروم هذا التبشير وأرسلت مبشرين لمآرب سياسية بعيدة الأهداف ولكسبهم إليهم لمحاربة أعدائهم الفرس بهذا السلاح. ")] ، فأما قول الدكتور جواد علي فليس بحجة ما دام لا يستند لدليل ، وإلا لأصبحت كل أقوال الدكتور النجار أيضاً حجةً علينا وهي تفتقر للدليل ، ومع وجود بعض الأديرة النصرانية في طريق القوافل في شبه الجزيرة العربية لا يعني ذلك وجود نشاط تبشيري إذ لا ملازمة بين وجود المسيحيين ووجود نشاط تبشيري بالمسيحية كما انه هناك مسلمون في كثير من بقاع الأرض ولكن لا توجد دعوة إسلامية فيها ، وأغلب المسيحيين الذين عاشوا في شبه الجزيرة العربية هم مسيحيون هربوا من إضطهاد كنيسة روما نتيجة إعلانها الحرمان بحقهم أو بحق عقيدتهم ، فلم تكن هناك جهة تدعمهم لغرض التبشير وما يحتاجه من أموال وإسناد ، بل إنّ معيشة أولئك المسيحيين على طريق القوافل هو قرينة على ما ذكرنا من عدم وجود إرتباطٍ لهم مع بقية الكنائس المسيحية خارج شبه الجزيرة العربية وأنهم هاربون من إضطهاد تلك الكنيسة ، إذ أنهم كانوا يعيشون ويتكسبون من بيع الطعام وتوفير السكن لقوافل العرب ، إذ لا مهنة عندهم تمكنهم من التوغل في داخل بلاد العرب بعيداً عن خطوط القوافل وكذلك فلا توجد جهة تبشيرية تدعمهم لإمدادهم بالأموال اللازمة لذلك الجهد التبشيري والتوغل في بلاد العرب بعيداً عن خطوط القوافل ، فببساطة ووضوح نقول انه لم يكن هناك نشاط تبشيري ملحوظ في بلاد العرب ذات الطبيعة الصحراوية القاسية.

 

الإسلام والقوميات غير العربية :

قال الدكتور النجار : [(ومشكلة الإسلام أنه دين طوبائي يتحدث عن المُثل العليا التي يستحيل تطبيقها، كما في جمهورية إفلاطون الفاضلة التي لم تُطبق حتى الآن رغم أنه دعا إليها بمئات السنين قبل الميلاد. وكذلك الإسلام قال بطوبيات لم تُطبق منذ نشأته، مثل أمرهم شورى بينهم. وكذلك بشرت الشيوعية الماركسية اللينينية ب " من كل حسب جهده، ولكلٍ حسب حاجته ". وما أجمل هذا الشعار، لكنه شعار أجوف لم يُطبق في عالم الواقع لأنه ضد الطبيعة الإنسانية التي تسعى إلى امتلاك الأفضل من كل شئ، وبلا حدود. والمشكلة الثانية في الإسلام أن النبي يقول بشئ ثم يفعل أو يقول ضده، فمثلاً عندما قال إن المسلمين سواسية لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، قال : " سيظل هذا الأمر (الخلافة) في قريش وإن بقى منها اثنان ". ثم أوصى بعد ذلك بعترته، ففضلهم على بقية المسلمين. وعندما وزع عمر بن الخطاب أموال بيت المال على المسلمين الذين حاربوا في الغزوات، فضّل أزواج النبي على الكل وفضل عائشة عليهن جميعاً وأعطي صفية وجويرية ( اليهوديتان) نصف ما أعطى بقية نساء النبي. فلو قال الفقهاء إن المساواة بين العرب والعجم تكون في يوم القيامة لفهمنا ذلك منهم، على أساس " إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". أما في الدنيا فلم تكن هناك أي مساواة. فمهما قدّم السيد الكرخي من آيات قرآنية، فإنها لا تعنى شيئاً في عالم الواقع)] ، فالمشكلة ليس في أن الإسلام دين طوبائي كما ذكر الدكتور النجار بل المشكلة في أن الدكتور النجار ينظر للإسلام نظرة سطحية وعشوائية في نفس الوقت ، فأما ما قاله حول أن الإسلام دين طوبائي يتحدث عن المثل العليا التي يستحيل تطبيقها وضرب لذلك مثال آية الشورى ، فهو هنا يقع في مأزق بين ما ذكره وبين ما ضرب له مثلاً ، فهل الشورى والديمقراطية هي أمر مستحيل الوقوع في عالم الإمكان ، ألم نجد هناك دولاً ديمقراطية في أنحاء العالم تمارس الديمقراطية والشورى بين أبناء شعبها ، فالديمقراطية والشورى ليست مستحيلة التطبييق كما ظن الدكتور كامل النجار ، وهكذا نجد كل ما جاء به الإسلام هو تعاليم ممكنة الوجود والتطبيق ولكن الخلل يكمن فيمن تصدى لتطبيقها لا في التعاليم نفسها.

وسبق أن ذكرنا في تعقيباتنا السابقة أن فعل عمر بن الخطاب ليس حجة على المسلمين ولا يعبر عن العقيدة الإسلامية شاء من شاء أم لم يشأ ، فإنْ طبق عمر بعض تعاليم الإسلام فقد أحسن وإنْ إنحرف عن تطبيق البعض الآخر فقد أساء ، ولا تؤخذ إساءات عمر حجة على المسلمين لأننا مأمورون بالتمسك بالكتاب والعترة وعمر لا ينتمي لأيٍ منهما ، وأما ما نسبه لرسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال يظل هذا الأمر في قريش إلخ ، فهو حديث غير متفق عليه بين أهل السنة أنفسهم فضلاً عن الشيعة بدليل إنَّ أبا حنيفة كان يجيز خلافة غير القرشي بل غير العربي أيضاً.

 

عربية القرآن لا تعني تعصبه :

قال الدكتور النجار : [(يقول السيد الكرخي: " قال الدكتور كامل النجار : (فالإسلام منذ الوهلة الأولى كان ديناً مبنياً على العصبية للقبيلة أولاً ثم للعرب ثانياً. فالقرآن قد كرر أكثر من خمسة مرات أنه قرآن عربي مبين). فلا بد أن يكون القرآن بلغةٍ ما وكونه بالعربية فسببه أنه نزل على نبي عربي وكان الخطاب فيه موجهاً للعرب ومنهم للعالم ، إذ لا بد أن تكون هناك قناة لإيصال الدين إلى الآخرين وقد كان العرب هم تلك القناة ، فلا ميزة لهم أبداً على الآخرين ، قال تعالى في الآية (17) من سورة الحجرات : (( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين )) ، فأين هو التعصب المزعوم في الإسلام ؟! "

طبعاً لا بد أن تكون هناك قناة توصل القرآن للآخرين، ولكن لا يعني هذا أن يتباهى الناس أو القرآن نفسه بهذه القناة. فالقرآن يخبرنا " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " وأصبح هذا مفهوماً للجميع، فلا داعي لتكرار جملة " إنه بلسان عربي مبين " إن لم يكن المقصود بها المباهاة أمام اللسان الأعجمي. فالقرآن يقول: " لو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فُصلت آياته " فالسبب أن الله أنزل القرآن بلغة العرب أنه كان يخاطب العرب، ولو خاطبهم بلغة أعجمية عليهم لما فهموه. ولكن القرآن يستمر فيقول: " ولسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " فنفهم من هذا أن اللسان الأعجمي غير مبين. ثم يستمر القرآن فيقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون "( يوسف 2)، ثم " كتابٌ فُصلت آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون " ( فُصلت 3) ثم " إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون " ( الزخرف 3) ثم " ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا "( الأحقاب 12) ثم " وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها " ( الشورى 7). فما الفائدة من كل هذا التكرار إذا لم يكن المقصود التباهي بلغته العربية ؟ ألم يقل لنا المفسرون إن معجزة النبي محمد هي لغة القرآن. فما دامت اللغة هي معجزته، كان لا بد له من التباهي بها. والتوراة والإنجيل نزلتا لبني إسرائيل، دون أن نقرأ فيهما تكراراً وافتخاراً بلغتهما. أما الآية التي أوردها السيد الكرخي: " (( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين )) فلا دخل للأعاجم فيها. هذه الآية نزلت عندما أتى بنو أسد للنبي ليعلنوا إسلامه وقالوا له: ها نحن أتينا إليك لنسلم بلا حرب، فنزلت الآية بحقهم لأن النبي اعتقد أنهم يمنون عليه إسلامهم)] ، فإنّ سبب نزول الآية المذكورة التي يقول أنها نزلت في بني أسد لا يعني تخصيص معنى الآية بسبب النزول فالآية عامة في لفظها وهي تخص جميع المسلمين ، فلا يمن أحد من المسلمين أنه أسلم ، ولا يمن أحد من العرب أنه أسلم قبل الفرس وأنه حمل لواء الإسلام إليهم ، فالإسلام ليس به مَنّ من أحد على الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا على أي شخصٍ آخر بطريقٍ أولى ، ومن هذا المعنى كان للآية علاقة بالأعاجم ، فلا يمن أحد من العرب أنه أسلم قبل الأعاجم أو أنه حمل مشعل الإسلام إليهم.

وأما كون وصف القرآن الكريم للسان الأعاجم بأنه غير مبين فهو كذلك بالنسبة للعرب ، فالعربي لا يفهم اللسان غير العربي كما أن غير العرب لا يفهمون لغة العرب ، والقرآن الكريم بإعتباره حجة ومعجزة لغوية فقد خاطب العرب قائلاً لهم أنه كلام عربي يعرفونه ويفهمونه جيداً فلماذا لا يؤمنون به ، فلو كان القرآن بلسان أعجمي ووجه الخطاب فيه للعرب لقال العرب هذا قرآن لا نفهمه لأنه بلسان أعجمي ونحن لا نعرف هذا السان فهو غير مبين لنا ، ولكان في ذلك حجةً لهم ، ولكن القرآن نزل بلسان عربي مبين ، فلم يعد أمام العرب إلا الإذعان له والإيمان به أو إنكاره لا بسبب أعجميته بل بسبب العناد وحب السلطة والجاه وعوامل نفسية أخرى تمنع من أمتنع عن قبول الإسلام.

وتكرار القرآن الكريم في العديد من آياته أنَّه نزل بلغة عربية لا يقصد به التباهي كما فهم الدكتور النجار بل يقصد به تذكير المشركين بأن هذا القرآن المعجز إنما هو بلغتهم وأن حجة إعجازه تامةً عليهم ، فليس أمامهم سوى الإيمان به كما ذكرنا آنفاً.

وعدم ذكر التوراة والإنجيل أنها نزلت بلغةٍ ما فذلك لأنها لم تكن معجزة من جهة اللغة بل نزلت بنظام تأليف طبيعي غير معجز ، فلم تكن هناك حاجة للتذكير به أو إلأشارة إليه.

وأما قول الدكتور النجار أنه ما دامت اللغة هي المعجزة فكان لا بد له من التباهي بها فهو قول غير صحيح لأنه لم يكن هناك أي تباهي باللغة بل ما ذكرناه من تذكير المشركين بأنها لغتهم وقد نزلت بإطار يعجز البشر أن يأتوا بمثله ، ولو شاء الله عزَّ وجل لأنزل التوراة بلغة معجزة وبالعبرانية او الإنجيل وبالآرامية ، ولكنه سبحانه لم يفعل ، لأنه لم تكن هناك ضرورة لهذا فكانت معجزات كل نبي بحسب مقتضيات عصره.

 

معاملة الإسلام للأديان الأخرى :

قال الدكتور النجار : [(قال السيد الكرخي: " قال الدكتور كامل النجار : (أما معاملة الإسلام للديانات الأخرى فلا أظنني في حاجة للخوض فيها، وقد كتبت عنها الكثير في ما مضى. ويكفي أن نذكر معاهدة عمر مع أهل الشام وتخريب الكنائس وتحويلها إلى مساجد وفرض الجزية عليهم حتى يدفعوها بيد وهم صاغرون) ، حسناً فلم لا يخبرنا الدكتور النجار عن السبب الذي من أجله خربت الكنائس التي أخبر عن تخريبها مع ذكره السبب في بقاء العشرات من الكنائس والأديرة في العراق وبلاد الشام منذ عصر ما قبل الإسلام وإلى اليوم دون أن يمسها أحد من المسلمين بسوء ، وأرجو أن يخبرنا الدكتور النجار هل بوسعه أن يتذكر ما قد قراه حول رفض عمر الصلاة في كنيسة القيامة من أجل الحفاظ على تبعيتها للمسيحيين. وفي تقديرنا فسواء أحسن عمر أو أساء فهو لا يعبر عما يجب أن تكون عليه شريعة الإسلام ، إنما يعبر عن نفسه فقط ، إنْ أحسن يقال احسن عمر وإنْ أساء فيقال أساء عمر "

ما كنت أعتقد أن يتجرأ السيد الكرخي ويستشهد بكنائس العراق بعد الذي حدث لها في الشهور القليلة الماضية. وهذا يبين لنا أن الكنائس لم تبق في البلاد الإسلامية إلا لأن حكامها خضعوا للضغوط الخارجية وأبقوا علي الكنائس بقوة القانون، وبمجرد أن انفلت أمر الدولة عمد المسلمون أو المتأسلمون إلى تفجير الكنائس وطرد المسيجيين. فقد غادر العراق 40 ألف مسيحي منذ بدء تفجير الكنائس، كما قالت وزيرة المغتربين باسكال إيشو وردة (الشرق الأوسط 51/8/2004). أما الاستشهاد بعمر بن الخطاب لا يجوز لسببين: أولاً: عمر كان فرداً فريداً في تاريخ الإسلام لم يأت بعده مثله بدليل أن المسلمين لم يستشهدوا بأحد غيره في العدل والحزم ( والحكم بالشواذ لا يجوز، كما قال السيد الكرخي نفسه). وثانياً: إن ما فعله عمر لم يفعله بصفته الشخصية، فعمر كان أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الثاني، وكل شئ فعله كان باسم ولخدمة الإسلام ويمثل رأي المسلمين المتفق عليه، وليس عملاً فردياً لعمر، حتى نقول أن أحسن عمر فقد أحسن لنفسه، وإن أساء فقد أساء عليها)] ، فأي ضغوط خارجية موهومة يتحدث عنها الدكتور النجار وقد حافظت الدولة الإسلامية على الكنائس ولم تسيء إليها في ذروة عظمة وقوة تلك الدولة حين لم تكن هناك دولة على وجه الأرض لا تخشاها ، ثم أنه في أي قانون أو شريعة أو فكر يتم تحميل الخطأ لمن لم يرتكبه وهل هذه هي العدالة التي يبشر بها الدكتور النجار ، فإذا كانت هناك قوى ظلامية خفية أو حتى معلومة وهابية إرهابية تسيء للمسيحيين وتعمل على تهجيرهم بتفجير بعض كنائسهم فهل يحمل تبعة ذلك كله كل المسلمين لا سيما الذين يخالفونهم في منهجهم الإرهابي ، وهل نجا أحد من أطياف الشعب العراقي من مسلميهم سنتهم وشيعتهم ومسيحييهم وغيرهم من إجرام الحركة الوهابية الإرهابية والمتحالفين معهم من أيتام النظام البعثي المقبور ، فمن غير العدالة تحميل المسلمين كلهم خطأ إجرام تلك العصابات القذرة.

 

إعلان إنتهاء التعقيبات :

لا بد أن القاريء الكريم المتابع للتعقيبات المتعاقبة والمتبادلة قد كوّن فكرة عامة عن الحق وما يجده صواباً ، لذلك نجد أنه من غير المناسب الإستمرار بالتعقيبات على نفس الموضوع من أجل إتاحة الفرصة لمناقشة بقية فصول كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) للدكتور كامل النجار ، حيث ان هذه التعقيبات المتبادلة تخص مناقشة جزءٍ صغيرٍ فقط من الكتاب المذكور.

وربما إذا وجدنا ان هناك نقطة تتطلب التوضيح في التعقيب القادم ـ المحتمل ! ـ للدكتور النجار فسيكون هناك توضيح موجز ، وأما إذا رغب القاريء العزيز بتوضيح أي نقطة أو كلام قد يورد من قبل الدكتور النجار فسنكون سعداء بإستقبال ومناقشة أي إستفسارات على البريد الألكتروني : nabilalkarkhy@yahoo.com 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعقيب

بعد إكتمال نشر التعقيبات عثرت في

قاموس الكتاب المقدس ، الصادر عن مجمع الكنائس الشرقية ، ص773  

على النص الآتي والذي يذكر أن الكتابة الهجائية كانت قد اكتشفت منذ القرن الثامن عشر قبل الميلاد مما يعني انها كانت معروفة في زمن النبي موسى (عليه السلام) الذي عاش في القرن الثالث عشر قبل الميلاد

وبذلك يترجح ما ذكرناه حول حقيقة كتابة التوراة في عهد النبي موسى (عليه السلام) كما هو نص القرآن الكريم ، وليس كما قال الدكتور كامل النجار من أنها كتبت بعد النبي موسى (عليه السلام) بدون أن يستند في هذا القول إلى دليل مقبول سوى ما أفترضه من عدم إمكانية كتابة كل التوراة بالكتابة الصوريّة الهيروغليفية التي كانت معروفة في ذلك الزمان ، وهو الأمر الذي ناقشناه بإسهاب وفندناه ـ فيما نظن ـ خير تفنيد.

 

والنص هو :

 

[[ أما كتابة مصر الهيروغليفية فقد بقيت معانيها مجهولة

حتى اهتدى إلى حلها أحد العلماء الأفرنسيين المدعو شامبليون عام 1822

وقد أثبت الكثير منها بعض الحوادث المذكورة في الكتاب المقدس.

وأما الكتابة الهجائية فقد أخذت عن الكتابة الهيروغليفية

واستخدمها الساميون الذين كانوا يعملون في المناجم في سيناء.

وأقدم أثر باق من هذه الكتابة الهجائية

هو ما اكتشفه فيلندرز بيترى سنة 1905 في سرابيت الخادم في سيناء

ويرجع إلى حوالي عام 1800 قبل الميلاد

. ثم أدخل الفينيقيون تحسينات كثيرة على هذه الكتابة الهجائية

وعنهم أخذها اليونان والرومان وغيرهم من الشعوب ]]

 

 

 

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين

 

الصفحة الرئيسية