بسم الله الرحمن الرحيم

تعقيبات متبادلة مع الدكتور كامل النجار حول نقض الفصل الأول

تعقيبه الثاني وردنا عليه

نبيـل الكرخي

 

قال الدكتور كامل النجار معقباً على ردي السابق :

الحلقة الأولى


شكراً للسيد نبيل الكرخي لاستمراره في النقاش رغم أنه لا يعتبره منازلة، فهو يقول: " أنا أعمل للآخرة وأنت تعمل للدنيا ، فإن كان عندك ما يفيدني في آخرتي أسعفني به ، وأنا لن ابخل عليك بما يفيدك في آخرتك ودنياك ". ويؤسفني أن أقول للسيد الكرخي إني لا أملك ما يفيده في آخرته، ولا حتى في دنياه ، كل ما أملكه هو عقل يتطلع لتفسير ما نعيشه تفسيراً علمياً بحتاً بعيداً عن المسلمات الغيبية. ومناظرتنا هذه، مثلها مثل المناظرات التي سبقتها في التاريخ، قد لا تؤدي إلى شئ في النهاية إذ أننا ننطلق من زاويتين مختلفتين، تجعلان من الصعب على كلٍ منا تغيير زاوية انطلاق الآخر. فالسيد الكرخي مؤمن بما قرأ من الآيات ويعتبرها من المسلمات التي لا تقبل النقد، فهو ، على سبيل المثال يقول: " وقد شاءت الحكمـة الإلهيـة أن تكون التقوى هي مفتـاح كل خير في الدنيا بالإضافة إلى الآخرة ، قال تعالى : (( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )) ، وقال تعالى : (( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدق .)) ولكن نحن نعلم أن كل الخير في الدنيا موجود في بلاد الغرب الكافرة، وأن المسلمين الأتقياء في بنقلاديش ونيجيريا والسودان ومصر وغيرها يعيشون في فقر مدقع ومرض دائم، ونعلم كذلك أن أهل الغرب لم يستقيموا على الطريقة ورغم ذلك سقاهم الله ماءً غدق من السماء أكثر مما سقى مكة والمدينة. فالإيمان بأن بعض المسلّمات لا تقبل النقد، إيمان يُعطل العقل.

ونأتي الآن إلى تاريخ كتابة التوراة. فعندما قلت إن التوراة لم تُكتب إلا بعد حوالي ستمائة عام بعد وفاة موسى، قال السيد الكرخي: " ولكن يبدو أن هذه المعلومة غير صحيحة ، فالتوراة وبضمنها الوصايا العشر كانت مكتوبة منذ عهد موسى عليه السلام ولكن ما حصل أنها فقدت نتيجة ظروف مرت على اليهود ثم أعادوا كتابتها بالإعتماد على ما استنقذوه من مخطوطات ، مع إضافات كثيرة وذلك بعد ستمائة أو سبعمائة سنة من عهد موسى عليه السلام ، وفي هذا الصدد يقول الدكتور أحمد سوسة : ( وقد ورد في التوراة أيضاً أن موسى تلقى الوصايا وأحكام الشريعة التي أوصى بها الرب في عربات موآب فكتبها وسلّمها للكهنة ـ التثنية (9:31) " فلو أخذنا تاريخ اختراع الكتابة، نجد أن أول من اخترعها هم السومريون في أرض الرافدين حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. وكانت الكتابة وقتها بدائية جداً وتتكون من عدة كلمات يستشف السامع منها المعنى العام. وكانت الكتابة محصورة في الدواوين الملكية ويقوم بها الكهنة بغرض تسجيل الضرائب للملك. وكانت الكلمات تُكتب على أقراص من طين وتُجفف في الشمس. وببطء شديد وعلى مدى مئات السنين انتشرت الكتابة إلى خارج منطقة سومر فوصلت الفكرة إلى الصين حوالي عام 1300 قبل الميلاد، وإلى المكسيك حوالى عام 600 قبل الميلاد. والكتابة الهيروغلوفية بدأت في نفس الفترة وكانت تُكتب على أقراص من الطين، ولم يظهر ورق البردى إلا في الألف الأخيرة قبل الميلاد . فإذا علمنا أن موسى ظهر حوالي العام 1300 قبل الميلاد ، يتبين لنا أن فكرة أن التوراة كانت مكتوبة في عهد موسى فكرة لا يمكن أن تكون صحيحة. والتوراة نفسها تخبرنا أن الله أعطى موسى وصاياه مكتوبة على حجر. فلو كانت توراة موسى مكتوبة على ورق البردى في ذلك الوقت، لماذا أنزل الله الوصايا مكتوبة على حجر ؟ وقد استشهد السيد الكرخي بالدكتور أحمد سوسة الذي كتب عن اليهود في فترة السبي البابلي الذي حدث حوالي عام 500 قبل الميلاد، فقال: " ففي بابل مارس اليهود شعائرهم الدينية وواصل كهنتهم أعمالهم الدينية بتحرير أهم فصول التوراة … فجلس هؤلاء الكهنة وأمامهم الأكداس من الرقم الطينية في شتى المواضيع في مختلف اللغات والخطوط وفي مقدمتها المواضيع الدينية التي كانت تشغل حيّزاً كبيراً من تفكير أقوام تلك العصور" فإذا كان الكهنة حتى عام 500 قبل الميلاد يجلسون وأمامهم الرقم أو الأقراص الطينية لينقلوا منها، ألا يُثبت هذا أن التوراة لا يمكن أن تكون قد كُتبت في عهد موسى، إذ يصعب أن نتصور كمية الأقراص الطينية التي احتاجها موسي ليكتب كتب التوراة الخمسة. ثم أن اللغة السريانية التي ولدت منها اللغة العبرية لم تكن لغة مكتوبة في عهد موسى، فإن كان موسى قد كتب التوراة على ألواح من طين، فلا بد أنه كتبها باللغة الهيروغلوفية.
وإذا أخذنا برأي العلماء المتخصصين في دراسة الإنجيل والتوراة The Bible Scholars نجدهم يقولون إنه بعد فترة السبي البابلي بدأ الكهنة بجمع ما وجدوا من أحاديث شفهية وبعض الأقوال المكتوبة وبدؤوا كتابة كُتب التوراة الخمسة التي أضيف إليها فيما بعد 34 كتاباً آخراً لتكوّن " العهد القديم " . ويقول نفس العلماء إن سفر " اللاويين "لم تتم كتابته إلا حوالي عام 400 قبل الميلاد. وسفر التثنية أغلبه عبارة عن تاريخ بني إسرائيل وحروبهم في فترة التيه، فلا يُعقل أن يكون هذا التاريخ رسالة من الله أنزلها على موسى. ونفس السفر يحتوي على قصة موت موسى، فلا يمكن أن يكون قد كتبه موسى بنفسه. وفي الواقع أن كتب " المشنة " و" المدراش " التي تُعتبر جزءاً من التوراة، ما هي إلا مجموعة أقوال شفهية كان يتناقلها اليهود منذ القدم، تماماً كما تناقل المسلمون الأحاديث النبوية شفاهة على مدى ما يقرب من مائتي عام.

ثم نأتي الآن إلى تحريف التوراة. سواء قلنا عنه تحريف أو تزييف، لماذا يُحرف اليهود أو النصارى كتبهم ؟ نستطيع أن نقول إن التحريف أما يحدث سهواً أثناء الكتابة فيغير الكاتب حرفاً أو حروفاً دون قصد فتتغير معاني الكلمات المتأثرة بالتحريف، وأما أن يفعل الكاتب ذلك عمداً. فإن كان التحريف سهواً، فهذه طبيعة البشر ولا غبار على الكاتب، أما إن كان التحريف عمداً، فلا بد أن الكاتب أراد أن يطمس بعض الآيات التي لا يوافق عليها، أو أراد أن يزيد أو يغير بعض الآيات حتى يجد فيها سنداً لأفكاره. فلو اعتبرنا أن اليهود حرّفوا التوراة عمداً، يجب أن نسأل لماذا ؟ هل حرفوها لطمس بعض القوانين أو الشرائع ؟ والجواب هنا يجب أن يكون بالنفي لأن القرآن يقول " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء " (المائدة 44) فالنبيون الذين أسلموا بما فيهم الرسول محمد يحكمون بالتوراة، وقد حكم الرسول بالرجم الموجود في التوراة وليس موجوداً في القرآن. ثم أن الله يقول إن الأحبار قد حفظوا كتاب الله وشهدوا عليه. فحتى لو حاول بعضهم تحريف التوراة، فإن الرهبان قد حفظوها وشهدوا عليها، فلا يمكن أن تُحرف دون أن يعلموا بالتحريف فيردوه. ثم يقول الله لرسوله محمد: " قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل " فحتى وقت ظهور الإسلام في مكة يقول الله لليهود إنهم سوف يكونون على شئ لو أقاموا التوراة. فإذاً التوراة لم تكن محرفة حتى ذلك الوقت بالنسبة للقوانين والتشريع الإلهي.
يبقى إذاً سبب واحد لتحريف التوراة عمداً، وذلك لطمس اسم النبي أحمد من التوراة. فلو كان هذا هو السبب، لوجب علينا أن نجيب عل هذه الأسئلة:
1. هل كان النبي أحمد مذكوراً في التوراة ؟
2. هل كان النبي عيسى مذكوراً كذلك ؟
3. لماذا قال الله على لسان موسى: إني مبشر بنبي من بعدي اسمه أحمد والله يعلم أن النبي اسمه محمد ؟
فالسؤال الأول تكون إجابته بالنفي لأنه من غير المعقول أن يكون الرسول موسى في محاولة مستمرة ليقنع بني إسرائيل بنبوته وهم في تمرد دائم ضده، ويقول لهم سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد. فسوف يقول اليهود: لماذا لا ننتظر حتى يأتي هذا الرسول أحمد فنؤمن به بدل أن نؤمن بموسى ثم نبدل ديننا ونؤمن بالنبي الجديد ؟ خاصة أن موسى لم يقل لهم متى سوف يأتي هذا النبي الجديد. فربما قد يأتي بعد عشرين سنة أو أقل.

والجواب على السؤال الثاني هو أن الله لو ذكر أحمد في التوراة، فلا بد أن يذكر عيسى كذلك، لأن النبي الذي أتي بعد موسى كان عيسى وليس أحمد. ولكن القرآن لا يقول لنا إن اليهود حرفوا التوراة وحذفوا اسم عيسى منها، ولكنه ذكر أحمد فقط. فإذاً عيسى لم يكن مذكوراً في التوراة. ولا يستطيع أحد أن يلوم اليهود على عدم تصديقهم عيسى، لأن التوراة أخبرتهم أن النبي الذي سوف يأتي بعد موسى اسمه أحمد، فكيف يصدقون بنبي اسمه عيسى ؟

أما الإجابة على السؤال الثالث فيصعب الحصول عليها، إلا إذا افترضنا أن الله يحب تغيير أسماء رسله كما غير اسم يعقوب إلى " إسرائيل "

والمنطق يخبرنا أنه ليس من المعقول أن يحرّف اليهود دينهم عمداً. وهاهو ابن خلدون يقول : " وأمَّا ما يقال من أنّ علماءَهم بدَّلوا مواضع من التوراة، بحسب أغْراضهم في ديانتهم. فقد قال ابن عباس، على ما نقل عنه البخاري في صحيحه: أنّ ذلك بعيد، وقال معاذ الله أنّ تَعْمد أُمَّة من الأمَم إلى كتابها المُنْزَل على نبَيها فتبدله أو ما في معناه، قال وإنما بدَّلوه وحرفوه بالتأويل. ويشهد لذلك قوله تعالى: {وعندهم التوراة فيها حكم الله}[سورة...] ولو بدّلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراةُ التي فيها حكم الله. وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم، فإنما المعني به التأويل، اللهم إلا أنّ يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط. وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة، لا سيما وملكهم قد ذهب، وجماعتهم انتشرت في الآفاق، واستوى الضابط منهم وغيرُ الضابط، والعالمُ والجاهل، ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذَهاب الملك، فتطرَّق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف، غير متعمد من علمائهم وأحبارهم. ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه .
ثم أن اليهود لم يجتمعوا جميعاً ويحرفوا التوراة عمداً، والقرآن يشهد بذلك، إذ يقول الله: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه " (البقرة 75). فالقرآن يخبرنا أن فريقاً منهم حرّف كلام الله، فلا بد أن الفريق الآخر لم يحرف الكلام وربما صححوا ما حرفه الآخرون. والقرآن يؤكد لنا مرة أخرى أن جزءاً من أهل الكتاب هم الذين حرفوا الكلام وقد انتقم منهم الله وقتلهم: " فبدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون " ( الأعراف 162). وكذلك يخبرنا القرآن أن أهل الكتاب منهم أمة صالحة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " ( آل عمران 114). فهؤلاء اليهود الذين يتلون آيات الله آناء الليل، هل يمكن أن يسمحوا لأحد منهم أن يحرّف كلام الله عمداً ولا يصححون ما حرّف ؟
وعلق السيد الكرخي على قولي إن اليهود ليس لديهم نبي اسمه عزيز، فقال: " قال جنابكم : (ثم أن اليهود ليس لديهم أي رسول أو نبي اسمه عزيز، حتى يقولون إنه ابن الله. فقد كان لديهم " عزرا " ولو كان هذا قولهم بأفواههم كان لا بد أن يقولـوا " عزرا ابن الله " ) ، وجنابكم يعلم أن الأسماء تختلف بإختلاف اللغات فعيسى ويسوع وجيزز إسماء لشخص واحد وكذلك ميكائيل وميخائيل ومايكل وميشيل وميخيل هي أسماء لمعنى واحد ، وأيضاً بطرس وبيتر ، وكذلك متى وماثيو ، وأيضاً يحيى ويوحنا ، ومثله يوسف وجوزيف وكذلك مريم وماري ، وأخيراً عزير وعزرا ، فلا وجه للإعتراض على ذلك حيث انهم قد قالوا فعلاً (عزرا أبن الله) ولكن بلغتهم والتي يقابلها في العربية (عزير أبن الله) وهي لغة القرآن " والمشكلة في الأسماء التي ذكرها السيد الكرخي هي أن اسم Michael ينطقه الإنكليز مايكل وينطقه الفرنسيون ميشيل وينطقه الألمان ميخيل، وما إلى ذلك. ولكن القرآن من عند الله والله يعلم أن بني إسرائيل يقولون " عزرا " والأسماء لا تُعرّب، فنحن الآن نقول الرئيس بوش ونقول عزرا وايزمان ونقول موشى دايان، تماماً كما ينطقها الإسرائيليون، فلماذا عرّب الله اسم عزرا إلى عزيز ؟

وأتى السيد الكرخي بقول عجيب حين قال: " بل وحتى بعد حدوث التحريف فإن التوراة بعد التحريف لم تحتو على قولهم (عزير أبن الله) مما يعني أن تلك الدعوى هي دعوى شفهية لم يتم تثبيتها في التوراة المحرفة ، فليست كل الدعاوى الباطلة لليهود تم تثبيتها في التوراة المحرفة " فلماذا يا تُرى تقاعس اليهود عن كتابة هذا الادعاء في التوراة ما داموا قد قالوه وآمنوا به، وقد علمنا من السيد الكرخي أن أحبار اليهود اجتمعوا في بابل وكتبوا التوراة من الألواح الطينية التي كانت عندهم. فما الذي منعهم، ما داموا قد حرفوا التوراة عمداً، من أن يكتبوا فيها ما يؤمنون به؟

ثم ذكر السيد الكرخي رأي السيد الطباطبائي في التحريف وهو رأي طويل لكنه لا يختلف عما ذكرنا سالفاً، ولا داعي للتكرار. وأخيراً نود أن نعرف لماذا حفظ الله الذكر في القرآن ولم يحفظه في التوراة، مع أن التوراة من عنده وقد كرّم الله موسى فكلمه تكليماً، ومع ذلك لم يحفظ الذكر الذي أنزله له من التحريف. والله قد قال في سورة الأنبياء، الآية 105: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية (قال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور الذب أنزل على داود والذكر التوراة، وقال الثوري هو اللوح المحفوظ). فسواء أكان الذكر هو التوراة أو اللوح المحفوظ الذي أتت منه التوراة، فالتوراة ذكر، والله قد قال: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وقال الله كذلك: " قالوا سبحانك ما كان لنا أن نتخذ من دونك أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بورا " (الفرقان 18). ويقول ابن كثير كذلك في تفسير هذه الآية (أي طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك ). فإذاً كل ما أُنزل من الله على عباده في التوراة والإنجيل والقرآن هو ذكر والله حافظ لذكره ومانعه من التحريف.

الحلقة الثانية / ق1

كنت قد قلت في مقالي الأول: " وفي البدء كان الإنسان البدائي يعبد أرواح أسلافه الذين ربما زاد عددهم على العشرين أو الثلاثين ". فرد علي السيد الكرخي بقوله: " فما يمنع ذلك الإنسان البدائي من أنه قد إنحرف من عبادة التوحيد إلى عبادة أرواح الأسلاف ، بقرينة أن آدم أبو البشر كان نبياً فالتوحيد قد ظهر على الأرض قبل ظهور الوثنية ، فإذا ظهرت جماعة تعبد أرواح الأجداد فلأنها أنحرفت إليه من التوحيد ، مثلما انحرف بنو أسرائيل إلى عبادة العجل وقد كانوا موحدين. " والسيد الكرخي ينطلق هنا من منطلق ديني بحت يبعد كل البعد عن نقطة انطلاقي أنا. فأنا أناقش نشوء الأديان من ناحية علمية بحتة لا تأخذ المسلمات الدينية في الاعتبار. فنحن نعلم الآن أن الإنسان نشأ مع الشمبانزي من أصل مشترك قبل حوالي ستة أو سبعة ملايين من السنين، ومر بمراحل تطور مختلفة انتهت به قبل حوالي ملونين من السنين إلى إنسان الكهوف البدائي الذي امتهن الصيد كوسيلة للعيش، بينما تخبرنا الأديان السماوية أن الله خلق آدم وأسكنه الجنة ثم خلق حواء من ضلعه. وتخبرنا كتب التراث الإسلامي أن الفترة الزمنية بين آدم والرسول محمد تقدر بحوالي خمسة آلاف من السنين. والغالبية العظمى من سكان العالم الآن لا يصدقون قصة الخلق الدينية هذه. والمنطق يقول إن الإنسان البدائي قد بدأ عقيدته الدينية بعبادة الحيوانات والأصنام ثم توصل بالتدريج إلى الوحدانية. أما قول السيد الكرخي أن الإنسان بدأ بالتوحيد ثم ارتد للتعددية فقول يجافي المنطق السليم.

ويقول السيد الكرخي كذلك إني أخطأت عندما قلت إن الإنسان خطا نحو التوحيد بتخليه عن تعددية الأسلاف والأصنام بظهور عقيدة الطوطمية. فقال: " وهذا خطأ فالطوطمية لم تتخلى عن عبادة الأسلاف بل أن بعض الذين أتخذوا طوطماً كان أحد أسلافهم هو ذلك الطوطم. " ولكن لو رجعنا إلى تعريف الطوطمية حسب دائرة معارف كولومبيا، نجدها تقول: " الطوطم هو رمز، قد يكون حيواناً أو نباتاً، يقدسه أفراد مجموعة معينة من الناس لارتباطه بعلاقة روحية مع تلك المجموعة من الناس. والقوة الروحية التي في الطوطم تمثل الرابطة التي تجمع أو تربط أفراد القبيلة. وغالباً ما يشعر أفراد القبيلة أنهم قد انحدروا من سلف واحد يمثله هذا الطوطم. " وقد قال بمثل هذا التعريف السيد فريزر Frazer,J.G. في كتابه " الطوطمية والزواج خارج القبيلة " وكذلك سيجموند فرويد في كتابه: الطوطم والتابو ". وهذا القول يتفق مع ما جاء في مقالي الأول من أن الإنسان عبد الأصنام العديدة والأسلاف العديدين، ثم جاءت فكرة الطوطمية التي حصرت المعبود في روح حيوان واحد أو سلف ( جد) واحد. فالطوطمية إذاً خطوة نحو التوحيد. وفي الواقع أن تاريخ الأديان عند الإنسان بدأ بالتعددية Polytheism عند الإنسان البدائي في إفريقيا، واستمرت معه التعددية عندما نزح إلى أوربا. ثم جاءت فكرة الطوطمية، ثم تطور الإنسان إلى عبادة آلهة السماء الذين كانوا أكثر من واحد، ولكل إله اختصاصه، كما كان عند البابليين الذين عبدوا إله الخير وإله الرياح وإله المطر وإله الخصب وما إلى ذلك. ثم ظهرت في اليونان فكرة ال Henotheism وهذه الفكرة أدت إلى عبادة إله واحد قوي في السماء، دون إنكار وجود الآلهة الآخرين الذين يقلون درجة عن الإله الأعظم. فعبد الإغريق الإله زيوس Zeus دون أن ينكروا وجود الآخرين. وأخيراً جاءت فكرة الإله الواحد فعبد قدماء المصرين الإله رع دون أن يشركوا معه آلهة أخرى.

يقول السيد الكرخي: " لقد ذهب فريق من الباحثين إلى أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر ، وأن الوثنيات ما هي إلا أعراض طارئة بجانب هذه العقيدة الخالدة ، وهذا ما أثبته لانج عند القبائل الهمجية في أستراليا وأفريقيا وأمريكا ، وما أثبته بروكلمان عند الساميين قبل الإسلام وكارتر فاج عند أقوام أواسط أفريقيا .

وهذا القول في اعتقادي، لا يتفق مع ما قرأته أنا للانج وغيره عن عقيدة التوحيد. فلم يقل أحد غير علماء الدين، إن عقيدة التوحيد هي الأصل، ولم أقرأ لعالم أنثروبولوجي أو مؤرخ ديني قال إن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة عند البشر، والدليل على أنها ليست كذلك هو أن الأبروجنيز في استراليا وكذلك سكان غينيا الجديدة بالقرب من استراليا، ما زالوا يعبدون الطواطم والأسلاف، التي عبدها أسلافهم منذ آلاف السنين، ولم يتطوروا دينياً ولا حضارياً منذ أن وصلوا إلى أستراليا من جزر أندونيسيا حوالي العام 40000 قبل الميلاد. وهذا الحال يختلف عن حال عرب ما قبل الإسلام الذين كانوا يعرفون الخالق الأكبر، وهو الله، واعترف لهم القرآن بذلك عندما قال للرسول لو سألتهم: من خلق السموات والأرض، ليقولن الله. فهم كانوا يعرفون أن الله هو الإله الأكبر الذي خلق كل شئ.

ويستمر السيد الكرخي فيقول: " فالدين ميل روحاني من النفس للخلاص من أسر المادة الأرضية والعروج إلى سماء الكمال الأقدس وهذا الميل الروحاني فطر الله تعالى عليه كل نفس إنسانية تزيدها العلوم قوة وظهوراً ، يقول رينان : من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه وكل شيء نعده من ملاذ الحياة ونعيمها ، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين ويتلاشى بل سيبقى أبد الآباد حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي" . وأختلف هنا مع السيد الكرخي لأن الإنسان الأول عندما عبد الأسلاف والحيوانات والأشجار لم يكن يفكر في الصعود إلى السماء، وإنما كان همة الحماية من الظواهر الطبيعية التي كانت تخيفه ولم يكن يفهم أسبابها. فكرة إله السماء جاءت متأخرة جداً في تطور الإنسان الذي ظهر على البسيطة، كما قلنا قبل حوالي سبعة ملايين من السنين. أما " رينان " الذي كان قد بدأ دراسة الكهنوت وكان على وشك أن يصبح قسيساً لكنه تخلى عن الدين وقطع دراسته عام 1845 ليصبح فيلسوفاً، وكتب عن الدين من الجانب التاريخي فقط، وليس كاعتقاد، وكتب " تاريخ أصل المسيحية " وكذلك " تاريخ بني إسرائيل ". فإني أحترم رأيه، كمؤرخ للأديان، لكني لا أشاطره هذا الاعتقاد. فالدين لا ينتشر إلا مع الجهل، وكلما تقدم الإنسان في العلم كلما اضمحل دور الدين في حياته. واليوم أصبحت الكنائس تباع في الغرب لأن عدد الذين يؤمونها قد انحدر في الأربعين أو الخمسين عاماً الماضية لدرجة جعلت إدارة الكنائس تبيعها. والمواطن العادي في الغرب ما عاد يتحدث عن الدين، ناهيك عن اعتناقه. وفي بلاد مثل الصين وروسيا لم يعد هناك من يعتنق الأديان غير أقلية من الكاثوليك وبعض اليهود، وحوالي أربعة عشر مليوناً من المسلمين من مجموع ما يزيد على المليار من الصينيين. ومع غزو الإنسان للفضاء سوف يكتشف الناس أنه لا يوجد سماء، ناهيك عن سبعة سماوات طباقاً، كما تخبرنا كتب الأديان السماوية، وليس هناك ملائكة يحرسون السماء من الجن، وسوف يتلاشى الدين ويختفي من حياة الإنسان.

وعندما قلت في مقالي الأول أن المسلمين ما زالوا يعبدون الأصنام متمثلة في مقابر الأولياء، وفي الحجارة الزرقاء والتمائم التي يعلقونها على أطفالهم لتحميهم من " العين "، رد عليّ السيد الكرخي بقوله: " فهم توسلوا إلى الله تعالى بالأصنام على نحو الإستقلال أي أن الأصنام مستقلة في شؤونها وتأثيرها في الكون ، وتأثيرها على الله تعالى ، وهذا هو الشرك أن تعتقد ان لشيءٍ ما تأثير على نحو الإستقلالية عن الله تعالى ، أما ما ذكرته من زيارة قبور الأولياء فالمسلمون لا يعتقدون أن للولي تأثيراً على نحو الإستقلالية بل هو مخلوق ورجل صالح وولي من الأولياء وصل إلى المرتبة التي هو فيها عبر التقوى والورع والتضحية في سبيل الله عزَّ وجل. أما موضوع تعليق الحجارة الزرقاء على الأطفال فهي تصب في هذا الاتجاه ، فإن كنت تعتقد أن للحجارة تأثير في حماية الطفل مستقل عن الله تعالى فهذا شرك ، ولا يفعل ذلك أحد من المسلمين بل جميعهم يفعلون ذلك بظنهم أن لتلك الحجارة خواص وضعها الله تعالى فيها مثلما أعطى الله سبحانه للدواء خاصية الشفاء وللنار خاصية الإحراق ، وهكذا. " فلا أدري من أين أتى السيد الكرخي بهذا الافتراض ليقول إن العرب عبدوا الأصنام على نحو الاستقلال، فالعرب كانوا يعرفون ويعتقدون بوجود الله ويسمون أولادهم " عبد الله " والقرآن نفسه قال للرسول لو سألتهم من خلق السماء أو من أنزل المطر، يقولون الله. فهم عبدوا الأصنام كوسيلة توصل دعواتهم إلى الله، تماما كما يزور المسلمون قبور الأولياء ويتمسحون بها ويدعون روح الولي أن تشفي مرضاهم أو يبلغهم مرادهم، فلا فرق بين الاثنين. وإذا كان المسلمون اليوم يعتقدون أن للحجارة الزرقاء خاصية وضعها الله فيها لتحميهم من " العين " فإن عرب ما قبل الإسلام كانوا يعتقدون أن في أصنامهم خاصية وضعها الله فيها لتمنع عنهم الأمراض أو لتشفيهم منها وما إلى ذلك. وقد ذكرتُ سابقاً أن الرسول عندما ذهب إلى ثقيف بعد موت عمه أبي طالب، قال له رجل من ثقيف: إن كنت فعلاً رسول الله فإنك أعظم من أن أكلمك، وإن كنت تكذب على الله فلا يحق لي أن أكلمك. فهل هذا حديث رجل كان يعبد الأصنام كأداة مستقلة عن الله ؟

ونقل السيد الكرخي تعريف كلمة " يُزيّف، تزيفاً " كما في القاموس المحيط، وهو تعريف لا نختلف عليه، لكنه أضاف: " فإذا كانت التوراة مزيفة فلأنها محرّفة ، أي أن المسلمين قد ردوها ولم يعترفوا بصحة كل ما فيها فأصبحت مزيفة ، أما المسيحيين فرغم أنهم يعترفون بوجود نفس الخلل ونفس معاني التحريف فيها لكنهم يؤولوه ويتقبلوه فلم يردوها أي أنها لم تصبح زائفة عندهم رغم وجود معاني التحريف فيها. وأرجو الإنتباه لدقة اللغة العربية في إستخدام مفردة (زاف) و (زيف) و (زائف) ، حيث أننا نتكلم اللغة العربية وما نستعمله من كلمات يجب أن يخضع لقواعدها ومعانيها. فلا يمكن قبول ما اقترحته من وصف التوراة بالزائفة دون المحرفة لأن التزييف سببه التحريف " .

الحلقة الثانية / ق2

و أحب هنا أن أنبه السيد الكرخي إلى أن اللغة العربية ليست بالدقة التي ادعاها لها وطلب مني الانتباه إليها. فكلمة " زاف " لها معاني كثيرة أخرى بالإضافة لما ذكر هو. فزاف الحائط : تعني قفزه، و" الزيف " تعني الطنف الذي يقي الحائط والدرج من التسلق، أي كل شئ نضعه أمام الحائط أو الدرج لنمنع الناس أو الأطفال من تسلقه. وكذلك " الزائف " و " الزياف " تعني الأسد. ولكن هذا لا ينفي ما قلتُه سابقاً من أن التحريف قد يحدث تلقائياً وعفوياً ويكون، في هذه الحالة مقبولاً، كما قبل أهل الكتاب أن كتبهم السماوية قد تكون بها كلمات أضيفت أو حُذفت سهواً أثناء النسخ. ولكن عندما يحرّف الإنسان شيئاً عمداً، يفعل ذلك ليخدع ويغش الناس، كالشخص الذي يزيّف ورقة من فئة المائة دولار، فهو يفعل ذلك ليوهم العامة أن هذه الورقة المالية ورقة أصلية قابلة للتداول، حتى يستفيد هو من هذا التداول، فيصبح هذا تزييفاً وليس تحريفاً حدث سهواً. وقد ينخدع أغلب العامة بهذا التزييف، ولكن الاختصاصيين بالبنك لا تنطلي عليهم الحيلة ويكتشفون التزييف. وعلماء التوراة، الذين قال الله عنهم " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " مثلهم مثل أخصائي البنك بمقدورهم اكتشاف الخطأ في التوراة، سواء أكان خطأً عمداً أو سهواً، وسواء اقترفه واحد منهم أو أحد الذين نسخوا الكتاب، وكان لا بد أن يصححوا هذا الخطأ. وفي بعض الأحيان يقبل الناس ما يعرفون أن به تغييراً أي أنه زائف و ردئ، ما داموا يعرفون أنه ليس الأصل، فقد قال الخليفة عمر بن الخطاب ذات مرة: " من زافت عليه دراهمه فليأت بها السوق وليشتر بها سحق ثوب ولا يحالف الناس عليها أنها جياد " (لسان العرب، تحت باب " زاف " ). وفي حديث لابن مسعود أنه باع نفاية بيت المال وكانت زيوفاً وقسية، أي رديئة ( النهاية في غريب الحديث والأثر، للإمام ابن الأثير ). وفي كتب الأحاديث نجد مئات الأحاديث التي يقول عنها البخاري أو مسلم أو غيرهما إنها أحاديث رديئة، لكنهم يقبلونها ويدونونها في الصحاح. والمهم أنهم نبهوا الناس إليها. فأهل التوراة أو الإنجيل إذا عرفوا أن بعض الآيات غير صحيحة، ونبهوا عليها، فلا أرى غضاضة في ذلك.

وتحت عنوان " لا تقولوا على الله ما لا تعلمون " قال السيد الكرخي: " فقد بينّا في الفقرة السابقة عدم صلاحية وصف التوراة بالمزيفة مالم نصفها أولا بالمحرّفة ، أما دعواكم بوصف القرآن أيضاً بهذا الوصف وأنه لم يجمع إلا في زمن عثمان ، فهو بعيد جداً عن الواقع التأريخي ، فقد كان القرآن الكريم مجموعاً منذ حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ومن أبرز المسلمين الذين جمعوا القرآن الكريم في مصحف على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) هم : عبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت واُبيّ بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري وأبو زيد (قيس بن السكن) وزيد بن ثابت وسعد بن عبيد وسالم مولى أبي حذيفة وعقبة بن عامر الجهني ومجمع بن جارية وعطاء بن مركبود وبشير بن أبي زيد الأنصاري وسعد بن شهيد الأوسي الأنصاري . فالقرآن كان مجموع في كتاب كامل وذلك الجمع منتشر عند المسلمين ، يقول السيد الخوئي (قده) في كتابه(البيان في تفسير القرآن) : ( إنَّ المتصفح لأحوال الصحابة وأحوال النبي (صلى الله عليه وآله) يحصل له العلم اليقين بأن القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن عدد الجامعين له لا يستهان به ) ، ومن الروايات التأريخية التي تدعم هذا الأمر :
ـ روى البخاري في صحيحه أن إبن عباس رضي الله عنه سُئِلَ : أترك النبي (صلى الله عليه وآله) من شيء ؟ قال أبن عباس : ما ترك إلا ما بين الدفتين . )
وموضوع جمع القرآن موضوع طويل قد كتبت عنه فصلاً كاملاً في كتابي " دراسة نقدية للإسلام " ومن الصعب تلخيصه في مقال كهذا. ولكن معظم الباحثين يتفقون أن القرآن جمعه عثمان بن عفان وحرق بقية المصاحف الأخرى، ثم جاء الحجاج بن يوسف وحرق ما جمع عثمان وجمع مصحفه المنقح الذي امتاز على مصحف عثمان بأنه كان منقطاً، أي وُضعت على حروفه النقاط فزالت الأخطاء التي كانت تحدث في قراءة مصحف عثمان الذي لم تكن به نقاط.
ثم قال السيد الكرخي شيئاً غريباً حينما قال عن حديث الرسول " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " ما يلي: " وفي هذا الصدد يقول السيد الخوئي (قده) : ( وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوباً مجموعاً ، لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط ).
وهذا القول بعيد عن الحقيقة كل البعد، فكلمة " كتاب " من أكثر الكلمات العربية ميوعةً إذ يمكن استعمالها لعدة أشياء: فنجد مثلاً الآية 235 من سورة البقرة تقول: " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " ويقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية ( الكتاب هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم في إتمام العدة ). وكذلك تقول الآية 110 من سورة المائدة: " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة " فالله هنا لم يكتب لعيسى الإنجيل ولم يكن الإنجيل مكتوباً في عهد عيسى، ومع ذلك قال الله إنه علمه الكتاب. وهاهو إبراهيم يدعو الله أن يبعث في العرب رسولاً، فيقول: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ( البقرة 129). فعندما دعا إبراهيم هذا الدعاء لم يكن لا محمد ولا القرآن في عالم الوجود، ومع ذلك قال إبراهيم " يعلمهم الكتاب ". وفي سورة البقرة، الآية 213 يقول الله: " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ". ويقول القرطبي: " الكتاب " اسم جنس بمعنى الكتب ". فإذاً كون الرسول قد قال إنه ترك في أمته الكتاب، لا يعني أن القرآن كان مجموعاً ومكتوباً، كما قال السيد الخوئي.

ثم استمر السيد الكرخي فقال: " غاية ما في الأمر أن عثمان منع أن يكتب التفسير مع القرآن داخل المصحف حتى لا يشتبه الأمر على المسلمين ، ومنع الناس من القراءة بقراءات دخيلة حيث كان بعض الناس يقرأون القرآن بإبدال كلمات القرآن الكريم بكلمات ذات معنى قريب مثل قرائتهم الآية (إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأ وأقوم قيلا ) يقرأونها (وأصوب قيلا) وقرائتهم الآية ( إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم ) يقرأونها :(طعام الفاجر) وهكذا لا سيما بعد الفتوحات الإسلامية ودخول أقوام متعددون في الإسلام في ذلك الزمن " و أقول للسيد الكرخي: ما زال المسلمون يكتبون التفسير مع المصحف داخل المصحف ( راجع تفسير الجلالين) وما زال المسلمون يقرؤون القرآن بسبعة أو عشرة قراءات لأنه كُتب أولاً بدون نقاط فتشابهت عليهم الكلمات، مثل الرجل الذي قرأ " قرآن لا ريب فيه " قرأها " قرآن لا زيت فيه " لأن الحروف لم تكن منقطة، فسموه " الزيات " من وقتها. وبعضهم يغير الكلمات أو يضيف كلمات جديدة، فمثلاً الآية: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب " نجدها في مصحف أبي " ربنا وابعث في آخرهم رسولاً منهم " فأضاف " في آخرهم ". وكذلك " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً " قرأها ابن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة " ولم تجدوا كتاباً ".

وقال السيد الكرخي: " وكذلك منع عثمان من يكتب قرآناً بترتيب آيات وسور يختلف من مصحف لآخر وفقاً لرغبات الناس وأهوائهم ، فمنع عثمان مثل هذا التبديل ونشر المصحف الذي يحتوي على القرآن الكريم كما نزل وتقبله المسلمون لأن غالبيتهم يمتلكون نسخاً مطابقة لنسخة المصحف الذي نشره عثمان ". فكيف يستطيع السيد الكرخي أن يقول إن عثمان كتب المصحف بالترتيب الذي نزل به على النبي، وفي المصحف الذي بين أيدينا نجد أن الآيات المدنية الطويلة كُتبت في بداية المصحف قبل الآيات المكية، ونجد معظم الآيات المكية تحتوي على آيات مدنية وبعض الآيات المدنية تحتوي على آيات مكية. وأكثر من ذلك نجد أن المسلمين حتى الآن لا يتفقون على سورة الفاتحة، هل هي مكية أم مدنية أم نزلت مرتين كما يقول بعضهم. بل أن أبي بن كعب قال إنها ليست من القرآن. فلو كان القرآن قد كُتب بمجرد نزوله حينما كان ينزل في شكل آيات متقطعة، لما حدث كل هذا الاختلاف.

وطرح السيد الكرخي سؤالاً، فقال: " لو لم يحفظ الله عزَّ وجل القرآن الكريم من الضياع والتبديل والتحريف كما وعد بقوله تعالى : (( إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون)) ، فلماذا لم يحدث تغيير وتبديل في الآلاف من المصاحف التي نسخت عن النسخ التي نسخها عثمان ووزعها في الأمصار مع أن نسخها عن تلك النسخ كان بصورة عفوية وبيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ، ومع ذلك بقي القرآن الكريم محفوظاً كما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) سواء بتدخل عثمان أو بدون تدخله ، بخلاف الكتاب المقدس الذي مرّت عليه نفس الظروف التي مرت على القرآن الكريم من حيث النسخ وصلاحية النُسّاخ للعمل ولكنه تعرض للتغيير ولم يصمد ، فالأساس هو حفظ الله عزَّ وجل للقرآن الكريم سواء كان ذلك الحفظ بسبب مادي أو غيبي. " وأظنني قد أجبت على هذا السؤال في الفقرات أعلاه إذ أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن الذي نزل على محمد وبنفس الترتيب ولا حتى نفس الكلمات، فهناك كلمات كثيرة اختلفت فيها المصاحف، وما قصة ابن شنبوذ الذي كان يقرأ القرآن بعدة قراءات تختلف عن مصحف عثمان، فدعاه الوالي إلى اجتماع مع القضاة ليفصلوا في قراءاته، وأفحم الرجل كل الحاضرين، ولكن رغم ذلك ضربوه وهددوه بالرجم ما لم يتبع مصحف عثمان، ففعل، إلا دليل على اختلاف وجهات النظر وقتها في مصحف عثمان. وحتى الخليفة عمر بن الخطاب قال: " كيف يقول الرجل منكم إنه حفظ القرآن كما نزل، وما يدريه كيف نزل، وإنما الصواب أن يقول حفظته كما علمته "
وسوف أواصل الرد في الحلقة الثالثة

 الحلقة الثالثة / ق1

قلت في مقالي الأول أن النوري الطبرسي قال إن القرآن به تحريف لأنهم حذفوا سورة الولاية من مصحف عثمان، فرد عليّ السيد الكرخي بقوله: " ثم أن رأي النوري الطبرسي هو رأي شخصي له وليس رأي طائفة الشيعة فإن أساطين هذه الطائفة في القرون المختلفة يذهبون إلى صيانة القرآن عن كل أشكال التلاعب ، ويؤكد ما ذكرناه ـ من أنه رأي شخصي للنوري الطبرسي ـ أن علماء الشيعة المعاصرين له والمتأخرين عنه تناولوا كتابه بالرد والنقد كما ذكرنا آنفاً. "
فلو وافقنا أن هذا رأي النوري الطبرسي الشخصي، فماذا نقول في قول المفسر الشيعي محسن الكاشي الذي قال في مقدمة تفسيره: " المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة، منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعه، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضى عند الله وبه قال إبراهيم" (مقدمة تفسير الصافي ص14, نقلاً عن إحسان إلهي). ثم ماذا عن ما قاله السيد محمد باقر المجلسـي في كتابه ( تذكرة الأئمة ) : " أن عثمان حذف عن هذا القرآن ثلاثة أشياء، مناقب أمير المؤمنين علي، وأهل البيت، وذم قريش والخلفاء الثلاثة مثل آية" يا ليتني لم أتخذ أبا بكر خليلاً" ". ويقول إحسان إلهي ظهير في كتابه " الشيعة والقرآن " ما يلي: " وعلى ذلك صرح نابغة الأندلس المفقود وإمام عصره، العلم الفحل، الحافظ ابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456ه‍ بقوله: ومن قول الإمامية كلها قديماً وحديثاً إن القرآن مبدل، زيد فيه ما ليس منه، ونقص منه كثير، وبدل منه كثير" ["الملل والنحل" ج4 ص182 ط مكتبة المثنى بغداد]. "

ويقول السيد الكرخي: " أما قولكم : (وما كان السيد الكرخي في حاجة لأن يجهد نفسه ويذكر كل هذه الآيات ) ، فلا أتفق معه لأن القاريء الكريم بحاجة لطرح كل الحقائق دون أي تدليس أو مخادعة ، لتكون عنده الصورة واضحة فيبني قناعاته على أسس صحيحة وله أن يقرر ما يشاء بعد ذلك. فنعتقد أنَّ معرفة الحق والصواب بحاجة لجهد ليس من قبل كاتب المقال أو المتكلم فحسب بل من القاريء الكريم أيضاً إنْ كان يبحث عن الحقيقة بصورة جدية ، والقاريء الكريم يستحق أن نبذل أقصى جهدنا من أجل بيان الحقائق كاملةً أمامه. " وأنا أوافق السيد الكرخي في أن نقدم للقارئ الحقيقة كاملة، ولكن العرب قالت: خير الكلام ما قل ودل. والسيد الكرخي أورد إحدى وعشرين آية من التوراة ليثبت أنها محرفة، وفي هذا إجهاد لنفسه وللقارئ كذلك، وكان يكفي أن يورد آيتين أو ثلاثة، لأن الذي يُحرّف آيتين أو ثلاثة كالذي حرف جميع ما في الكتاب.

ويعتقد السيد الكرخي أني قد نسبت إليه كلاماً لم يقله، فقال: " قال جنابكم وقد نسبتم لي كلاماً لم أقله : (وما كان السيد الكرخي في حاجة لأن يجهد نفسه ويذكر كل هذه الآيات، إذ أننا نتفق معه على أن العهد القديم قد كُتب بعد موت موسى بمئات السنين ) ، فمن الطبيعي أن يكون العهد القديم ـ أسفار يشوع والقضاة والتواريخ والأنبياء ـ قد كتب بعد موسى عليه السلام بصورة قاطعة لأنه يحكي قصص بني إسرائيل في عهد يشوع والقضاة والأنبياء وتأريخهم أي قصصهم بعد وفاة موسى عليه السلام ، فهل لعاقل أن يفترض أن أسفار العهد القديم عدا التوراة قد كتبت في عهد موسى عليه السلام !!! فما معنى كلامك إذن ". وأعتذر للسيد الكرخي إن فهم من كلامي أني قصدت أن أنسب إليه كلاماً لم يقله، وكل ما حدث أني قلت " العهد القديم " بدل أن أقول " التوراة " والعهد القديم يحتوي على التوراة. وفعلاً فإن السيد الكرخي قال إن التوراة كُتبت في عهد موسى وحُرفت أخيراً وأضافوا إليها موت موسى، وأنا أقول إن التوراة نفسها كُتبت بعد موت موسى ولذلك نجد ذكر موت موسى في سفر التثنية، الإصحاح 34 فمعذرة للخطأ مرة أخرى.

وعندما قلت إن عبارة " سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد : لم تكن في التوراة لأنه ليس من المعقول منطقياً أن يقول موسى لبني إسرائيل الذين كانوا يثورون عليه ولا يصدقون دعوته: أنا نبي مؤقت وسوف يأتي نبي من بعدي اسمه أحمد، رد السيد الكرخي بقوله: " عجيب قولك هذا فإذا كانت الوظيفة النبوية لموسى عليه السلام وظيفة مؤقتة تنتهي بظهور نبي آخر الزمان فهل تريد لموسى عليه السلام أن يدّعي خلاف هذا ـ وحاشاه ـ " أولاً: أنا لم أقل كان على موسى أن يدعي أنه ليس رسولاً مؤقتاً، بل قلت هل يُعقل أن يقول ذلك لبني إسرائيل الذين لم يكونوا قد آمنوا به بعد ؟ وثانياً: إن كان لا بد أن يذكر موسي لبني إسرائيل أنه نبي مؤقت وسوف يأتي من بعده نبي آخر، فالمنطق يتطلب أن يقول لهم سوف يأتي من بعدي نبي اسمه عيسى ليكمل رسالتي لكم. ثم أن الأنبياء من عهد إبراهيم إلى أن ظهر موسى لم يقولوا من سوف يأتي بعدهم، فلماذا قالها موسى، وغلط في ذلك وقال إن النبي الذي سوف يأتي بعده اسمه أحمد " بينما النبي الذي أتى بعده كان عيسى؟

ثم قال السيد الكرخي: " ثم ألا تدري ان بني إسرائيل كانوا قد ورثوا الوحدانية من يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم الخليل عليهم السلام ، فقولك أنهم لم يكونوا يعرفون الإله يهوى مردود عليك ولا صحة له ، وأما إنحرافهم عن الوحدانية مؤقتاً بعبادة العجل فلا تمنع أنهم كانت لهم ثقافة توحيدية بل ديانة توحيدية ، مثلما كان للعرب ولقريش ثقافة توحيدية وبقايا ديانة توحيدية مستمدة من إبراهيم الخليل عليه السلام ثم أنحرفوا بعبادة الأصنام ، ثم كيف تمنع أن يخبر موسى عليه السلام قومه بنبي من بعده أسمه أحمد وتقترح أن يكون ذلك النبي هو عيسى عليه السلام فأين ذهب منطقك ، ولماذا يسمح منطقك أن يخبر موسى عليه السلام قومه بنبي من بعده أسمه عيسى ولا يسمح منطقك نفسه بأن يكون ذلك النبي أسمه أحمد !!! "
فإذا صح أن بني إسرائيل كانوا قد ورثوا الوحدانية من يوسف ويعقوب وإسحق، فإنهم لم يكونوا يعرفون الإله " يهوه " لأن اسم الإله في تلك الرسالات كان " إلوهم " Elohim ولم يكن " يهوه ". ولذلك لم يكن بنو إسرائيل يعرفون " يهوه ". أما كون العرب كانت لهم ثقافة توحيدية من النبي إبراهيم فقول ليس لدينا أي دليل تاريخي عليه. فإبراهيم الذي أتى من العراق سكن أرض فلسطين وكان يتكلم العبرية أو الآرامية ولم يُرسل للعرب لأن الله يقول في القرآن: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ". فثقافة العرب التوحيدية تعلموها من اليهود والنصارى الذين اختلطوا بهم.

ثم يسأل السيد الكرخي: " ثم لماذا أقترحت أن يكون عيسى عليه السلام هو المرشح لكي يبشر موسى عليه السلام به ـ (( ولو أتبع الحق أهوائهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن )) ـ مع أن عيسى عليه السلام ليس آخر الأنبياء ولا شريعته هي خاتمة الشرائع ولا هو أبن الله تعالى. ثم ما ادراك أن موسى عليه السلام لم يخبرهم بظهور عيسى عليه السلام أيضاً قبل ظهور أحمد (صلى الله عليه وآله) وهل على موسى عليه السلام أن يخبر بظهور نبي واحد فقط أمّا عيسى أو أحمد !! ومن الذي حدد هذا الإدعاء الذي لم ينزل الله به من سلطان ، بل من الذي يمنعه من الإخبار بظهورهما إذا امره الله عزَّ وجل بفعل ذلك ؟ وهل على القرآن الكريم أن يذكر كل ما أخبر به موسى عليه السلام ! "
والموضوع هنا ليس موضوع اتباع أهواء حتى تفسد السماء والأرض، فالموضوع موضوع منطق وعقل. فلو كان لا بد لموسى أن يبشر بمن سوف يأتي بعده، وهو ما زال يجد صعوبة في إرساء قواعد رسالته، فكان المنطق يُحتم أن يتبع موسى التسلسل التاريخي المنطقي، فيقول لهم سوف يأتي من بعدي عيسى ثم أحمد. خاصة إذا عرفنا أن الله قد أرسل عيسى لبني إسرائيل ليكمل لهم رسالة موسى، ولم يرسل لهم أحمد. فعندما بشر جبريل زوجة النبي إبراهيم بشرها بإسحق ومن ورائه يعقوب " فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب " ( البقرة 71). فهل يُعقل أن يبشر الله بالأبناء والأحفاد ثم يهمل عيسى الذي نفخ فيه من روحه وأعطاه كل المعجزات التي لم يعط لنبي قبله أو بعده، ويذكر أحمد ؟ ولو كان موسى قد أخبرهم بعيسى، فلم يذكر لنا الإنجيل ذلك ولم يذكره المسيحيون ولم يحتجوا به، وكذلك لم يذكر القرآن ذلك، فهل لنا أن نلجأ إلى التخمين ؟ ويسأل السيد الكرخي: "وهل على القرآن أن يذكر كل ما أُخبر به موسى" ؟ ولمَ لا ؟ وأكثر من ثلث القرآن عن بني إسرائيل وموسى ؟ والقرآن نفسه يقول : " إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون " ( النمل 76 ). فلا بد أن يهود يثرب اختلفوا في النبي أحمد وقالوا إن موسى أخبرهم أن سيأتي من بعـده نبي اسمه أحمد ولكن قد جاء نبي بعده اسمه عيسى والآن يأتي نبي اسمه محمد. فأين أحمد ؟

ثم رجع السيد الكرخي لموضوع كتابة التوراة، هل كانت أيام موسى أم بعده، فقال: " نعم لقد تربى موسى عليه السلام في قصر فرعون ولكنه لم ينسى أن أصله من بني إسرائيل ، وأن أمه هي التي ربّته في ذلك البلاط ، وتعلمه اللغة الهيروغليفية لا يمنع تعلمه لغة ثانية هي لغته الأصلية. فلا معنى لإتخاذ كتابة التوراة بالسريانية ذريعةً على أن موسى عليه السلام لم يكن هو الذي كتبها. "
فلو افترضنا أن موسى قد مكث مع أمه حتى تعلم منها اللغة العبرية قبل أن ترجعه للبلاط الملكي وهـو ما زال طفلاً، ( وهذا ما تقوله التوراة، فالتوراة تقول إن بنت فرعون قالت للمرأة العبرية: خذي هذا الطفل وارضعيه لي وسوف أجازيك، ولم تقل إن أم موسى ربته في القصر ) من الذي علمه أن يكتب السريانية أو العبرية في البلاط الملكي الذي كان يكتب بالهيروغلوفية ؟
اقرا القسم الثاني من الحلقة الثالثة :

الحلقة الثالثة / ق2

ويستمر السيد الكرخي فيقول: " ثم ان كتابة التوراة بالهيروغليفية ـ على فرض ذلك ـ لا يمنع من ترجمتها إلى السريانية أو أي لغة أخرى لا سيما وقد ظهر في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام العشرات من الأنبياء الذين كان يمكنهم أن يقوموا بهذه المهمة. بل وحتى غير الأنبياء من ذوي الإختصاص كان يمكنهن فعل ذلك ، فإنَّ التوراة إذا ترجمت فلا يعني هذا أن موسى عليه السلام لم يكتبها ، وأي منطق في هذا !! ، ألا ترى أن شكسبير قد كتب رواياته بالإنجليزية ثم ترجمت إلى الفرنسية والألمانية والعربية ولم يقل أحد أن رواياته باللغة الفرنسية أو الألمانية على سبيل المثال ، ليس هو الذي كتبها !"
والاعتراض على هذا القول هو أننا لم نعثر حتى الآن على أثر للتوراة باللغة الهيروغلوفية، وأقدم أثر ظهر لنا من الحفريات حول البحر الميت وفي الكهوف التي تحيط به كان باللغة السريانية. وعدد أنبياء بني إسرائيل بعد موسى لم يكن بالعشرات، إذ أن الفترة الزمنية بين موسى وعيسى كانت حوالي ألف سنة أو تزيد قليلاً، فلو أرسل الله لهم رسولاً كل مائة سنة، لما بلغوا العشرات. وإذا كانت التوراة قد تُرجمت من الهيروغلوفية فلا بد أن يحتفظ المترجم بالأصل لأنه المرجع الذي يرجعون إليه إذا اختلفوا. فعندما ترجم الناس روايات شكسبير من الإنكليزية إلى لغات أخرى، احتفظوا بالأصل حتى يقرأه من يقرأ بالإنكليزية. فأين التوراة الهيروغلوفية التي كتبها موسى ؟
واستمر السيد الكرخي في موضوع تحريف التوراة واتهمني بأني حرفت كلامه ثم قال: " ثم عدت لأستنتاجاتك التي لم يدل عليها دليل ، فقلتَ : (ونستنتج من هذا أن التحريف كان بسيطاً لم يغير من الأصل كثيراً ) مع أنه لا شيء يدعوك لهذا الإستنتاج ، فقد ذكرنا أن التوراة الأصلية موجودة مع التحريف ، فهل عندك التوراة الأصلية بدون تحريف حتى نستطيع معرفة مقدار التحريف فيها ، وإلا فكيف حكمت على أنه تحريف بسيط !!! " وأقول للسيد الكرخي إني حكمت على قلة التحريف بالأدلة التي قدمها هو نفسه عندما قال: " ولذلك فقد تنبه علماء المسلمون لهذا الأمر فنجد السيد الطباطبائي في تفسير الميزان يقول ما نصه (غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مخالفة للتوراة الاصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة)". فالسيد الطباطبائي حين أورد هذه الجملة في كتابه لم يكن لديه التوراة الأصل ليعرف إن كانت التوراة الموجودة قد أيديهم زمن النبي غير مخالفة للأصل كلياً، وإنما اعتمد على آيات القرآن في ذلك، وأنا كذلك اعتمدت على آيات القرآن.

ويختتم السيد الكرخي تعقيبه بالآتي: " بل المعروف أن التوراة ثلاثة إصدارات ـ إنْ صح التعبير ـ هي التوراة العبرانية والتوراة اليونانية (تسمى أيضاً السبعينية) والتوراة السامرية وتوجد بينها إختلافات ، كما ان اليهود قد لجأوا في نفس الفترة الزمنية التي بُعِثَ بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى إتلاف نسخ من التوراة ، يقول الدكتور كني : كانت نسخ العهد القديم التي هي موجودة قد كتبت ما بين (1000-1400) ، وقال أيضاً : أن جميع النسخ التي كانت كتبت في المائة السابعة أو الثامنة اعدمت بأمر (محفل الشورى) اليهودي لأنها كانت تخالف مخالفة كثيرة للنسخ التي كانت معتمدة عندهم. وقال والتن أن النسخ التي مضى على كتابتها (600) عام قلما توجد أما التي مضى على كتابتها (700) أو (800) عام ففي غاية الندرة. وعلى هذا فلا يمكنك الجزم بأن التوراة الموجودة اليوم هي نفسها التي كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) "
لتأريخ التوراة وتاريخ اليهود لجأ المؤرخون إلى تاريخ بابل والآشوريين Assyria القديم لأنهم لم يعثروا على أي شئ مكتوب عن اليهود والتوراة قبل عام 1000 قبل الميلاد. ولكن من بعد النبي داود أصبح تتبع تاريخ اليهود أسهل لكثرة المواد المكتوبة. وكذلك ساعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت على ملئ الفراغ. وكذلك ساعدت الأعمال المترجمة إلى لغات أخرى في ذلك. فالتوراة قد ترجمت إلى اللغة الإغريقية في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد (كما تقول موسوعة علوم كولومبيا تحت عنوان " العهد القديم ") ولما انقسمت مملكة إسرائيل إلى المملكة الشمالية ومملكة جودا في الجنوب، جمعت كل مملكة توراتها، ثم لما توحدت مملكة إسرائيل، جمع أحد الكهان الكتابين بما يعرف بنسخة JE التي كونت معظم محتويات العهد القديم. ويعتقد علماء التوراة أن سفر التثنية كُتب في عهد الرسول يشوع في القرن السابع قبل الميلاد. ولا ندري هل قصد السيد الكرخي بتاريخ جمع العهد القديم كما قال به الدكتور كني هو 1400-1000 قبل الميلاد (كما نعتقد) أم بعده. فلو كانت قبل الميلاد، فإذاً هناك ما يمكن أن نقارن به العهد القديم الموجود اليوم مع ما كُتب قبل الميلاد، وإن كانت النُسخ الموجودة نادرة. ونستطيع أن نجزم أن التوراة الموجودة اليوم هي نفس التوراة التي كانت أيام الرسول محمد، لأن المتاحف العريقة تحتوي على نُسخ من التوراة الإغريقية التي تُرجمت في القرن الثالث قبل الميلاد، ونستطيع مقارنتها بما كان موجوداً في القرن السابع الميلادي. وقد سبق أن استشهدنا برأي السيد الطباطبائي في ذلك.

ويستمر السيد الكرخي فيقول: " أما النسخ الموجودة في المتاحف والمكتبات والتي ذكرت أنها تعود للقرن الأول قبل الميلاد فلا يوجد أي دليل على أنها نسخ كاملة وكذلك لا يوجد أي دليل على مطابقتها للنسخ المطبوعة من التوراة عند اليهود أو نسخ التوراة الموجودة ضمن العهد القديم عند المسيحيين ، لا سيما وأن تلك النسخ المذكورة مكتوبة بلغات قديمة لا يتيسر لكل أحد معرفتها ودراستها ، وهي لغات مقتصرة في أغلب الأحيان على كبار الأحبار والأساقفة الذين يحتفضون بأسرار تلك النسخ ، فلا يمكن بأي حال الجزم في صحة ومطابقة تلك النسخ الموجودة في المتاحف والمكتبات. " ولا أعلم لماذا يقول السيد الكرخي أنه لا يوجد دليل على مطابقة نسخ التوراة الموجودة في العهد القديم عند المسيحيين مع توراة اليهود، فالعلماء المتخصصون في دراسة الإنجيل Bible Scholars قد قارنوا بين كل الأناجيل وكتب اليهود من التوراة والمشنة والتلمود واقتنعوا بمطابقتها. وكون النسخ القديمة مكتوبة بلغات قديمة لا يتيسر لكل أحد معرفتها، ليس سبباً في التشكيك فيها لأن مثل هذه الدراسات لا يقوم بها كل شخص، إنما يقوم بها علماء متخصصون في هذه اللغات القديمة.
وسوف أواصل بالتعقيب الثالث قريباً.

 الحلقة الأخيرة / 1

عندما قلت إن العهد الجديد مثله مثل القرآن به آيات يعرض بعضها بعضاً، رد السيد الكرخي بقوله: " قال جنابكم متهجماً على القرآن الكريم بدون دليل : ( والعهد الجديد، مثله مثل العهد القديم ومثل القرآن، ملئ بالآيات التي يعارض بعضها البعض ) ، فأية آيات في القرآن الكريم يعارض بعضها بعضاً !! ولماذا هذا التلبيس على القاريء الكريم ، فالفكرة البروتستانتية بجعل كل شخص يفهم الكتاب المقدس حسب رأيه وذوقه لا تنطبق على القرآن الكريم ، فلا تستعير ثقافة أقوام آخرين وتحاول تطبيقها على الإسلام والمسلمين. "

أولاً: الآيات القرآنية التي تعارض بعضها بعضاً أكثر من أن أعددها في هذه العجالة، ويكفي أن نذكر الكمية الهائلـة من الكتب التي كُتبت عن الناسخ والمنسوخ. ولولا التعارض لما احتاجـوا أن يأتوا بفكرة الناسخ والمنسوخ. ولكن كمثـال للتعارض نذكر آيتيـن من سـورة الأنعام: الآية 107: " ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً " ثـم الآية 148: " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن إن أنتم إلا تخرصون ". وأظن التناقض هنا واضحاً.
ثانياً: جعل كل شخص يفهم الكتاب المقدس حسب رأيه، ليست فكرة بروتستانتية إنما هي منطق عقلي. فالقرآن نزل بلسان عربي مبين يستطيع كل عربي أن يفهمه، وليس ابن كثير أو غيره أعلم باللغة العربية من كل العرب ولم يكن لديه تفويض من الله ليشرح القرآن شرحاً نلتزم به إلى الأبد.
ورجع السيد الكرخي إلى فكرة التثليث فقال إن قولى إن المسيحيين يؤمنون بالإله الواحد رغم فكرة الأقانيم الثلاثة هو " مجرد أمنية تتمناها وجدت صداها في كتاباتك وإلا فإنَّ المسيحيين واضحين وصريحين في هذا الأمر مخالفين أمنيتك ، مصرحين بأن إلاههم يتكون من ثلاثة أقانيم .... وأما قولـك : (وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع ) فقد أستخدمت كلمة الإنجيل وأنت تعلم إنها أربعة أناجيل فلماذا لم تستعمل الكلمة الصحيحة (الأناجيل )"
وأنا لست هنا بصدد الدفاع عن المسيحية، إنما بينت ما فهمته من قراءتي لما كُتب عن المسيحية من علماء مسيحيين وغير مسيحيين، ولا أظننا سوف نصل إلى اتفاق في هذه المناظرة. فكل منا قد بين رأيه والحكم للقارئ. وأما لماذا قلتُ " الإنجيل " ولم أقل " الأناجيل " فلأني تبعت قول القرآن: " وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة " ( المائدة 46). فالإنجيل كتاب واحد يحتوي على أربعة كُتيبات، كما أن التوراة كتاب واحد مكون من خمسة كتيبات.
وزعم السيد الكرخي أني أفتخر بتوحيد المسيحيين وأهـل قريش الذين عبـدوا الأصنام، ولما أخبرته أني لا أفتخر بـأي توحيد، رد عليّ بقوله: " فإن لم يكـن في كلامك إفتخار بالتوحيد ففيه إذن تسخيف لفكرة التوحيد ثم تشويه الإسلام بإعتباره أهم دين توحيدي على وجه الأرض ، حيث أنه لا يهمك إن كان للخالق تعالى شريكين همـا الأبن والروح القدس ، او كان للخالق سبحانه أنداد وأصنام تعبد معه أو من دونه ، كل هذا لا يهمك ، فأنت لا تؤمن بوجود الخالق أصلاً ، فتقول كان هناك توحيد عند العرب فما حاجتنا لظهور الإسلام ، ،لكنك لم تطرح نفس التساؤل حول المسيحية ، فتوحيد اليهود كان موجوداً بين العرب وكذلـك توحيد عبدة الأصنام بحسب قولك ! فما حاجة العرب لتوحيد المسيحية ! هذا هو نفس منطقك الذي يدينك حيث أنَّك لم تتناوله. " والإنسان عادة يفتخر بنسبه كما فعل العرب قديماً وما زالوا يفعلون، أو بعلمه، أو بماله أو بمنجزاته أو بأولاده، إلخ، والتوحيد ليس من صنعي، فلماذا أفتخر به؟ وما كان جدالي عن توحيد المسيحيين إلا ناتجاً عن قناعتي بأنهم يعبدون إلهاً واحداً وإن كثرت الأقانيم، وكما قال الرسول " إنما الأعمال بالنيات ولكل إمرئ ما نوى " .أما الادعاء بأني أسخف فكرة التوحيد وأشوه الإسلام، فادعاء لم أقل به ولا هم لي في تسخيف فكرة الأديان، فلكل إنسان الحق في اعتناق ما يراه صالحاً له، وعلى الآخرين احترام اختياره بشرط أن لا يتعالى هو على الآخرين ويسفه معتقداتهم، كما يفعل المسلمون مع أهل الكتاب. أما لماذا لم أقل إن العرب ما كانوا في حاجة للمسيحية هو أن المسيحية لم تنزل للعرب إنما أنزلها الله لبني إسرائيل وبالتحديد للخراف الضالة منهم لتكمل رسالة موسى التوحيدية. ولكن الإسلام نزل خصيصاً للعرب بلسان عربي مبين رغم أنهم كانوا يعرفون التوحيد من اليهودية والمسيحية، ولذلك قلت لم يكن بهم حاجة للإسلام ليعرّفهم بالتوحيد.
ثم ذكر السيد الكرخي كل الديانات التي كانت في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، فذكر:
1. كان منهم من آمن بالله وآمن بالتوحيد وهم الأحناف على دين إبراهيم الخليل عليه السلام.
2. كان منهم من آمن بالله ويعبد الأصنام.
3. كان منهم من يعبد الأصنام.
4. كان منهم من دان باليهودية ، منهم أقوام من أهل اليمن وقوم من الأوس والخزرج وقوم من بني الحارث بن كعب وقوم من بني غسان وقوم من جذام.
5. كان منهم من دان بالمسيحية (النصرانية) ، منهم عثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل وهما من قريش من بني أسد بن عبد العزى وأبو عامر الراهب في يثرب وقوم من بني تميم هم بنو أمريء القيس بن زيد مناة وقوم من بني تغلب وقوم من طيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم ، فكان أكثرهم في بلاد الشام.
6. كان منهم من دان بالمجوسية.
7. كان منهم من توقف ولم يعتقد بشيء.
8. كان منهم من تزندق أي كان ملحداً دهرياً ، منهم حجر بن عمرو الكندي المعروف بحجر آكل المرارة ، وهو ملك كندة.

فقال " منهم من آمن بالله ويعبد الأصنام " وهو نفس الكلام الذي قلته أنا سبقاً. وذكر في النقطة الخامسة الذين دانوا بالمسيحية فذكر عدة قبائل ولم يذكر البحرين وعُمان ومنطقة البترا في الأردن الحالية وعرب دومة الجندل الذين صالحهم الرسول على الجزية وعرب نجران وعرب تبوك وما حولها وقد كانت تحت سيطرة الروم. ويظهر من هذا أن معظم جزيرة العرب باستثناء الحجاز كانوا قد عرفوا المسيحية. وقال السيد الكرخي: " فتناسيت بقية الإتجاهات الدينية الموجودة ، وصوّرتَ الأمر على أنه إنتشار للمسيحية واليهودية فقط وهو أمر بعيد عن الصواب جداً ، فقريش على كثرة عددها وتعدد بطونها لم يكن فيها من المسيحيين سوى إثنين ذكرناهما آنفاً ، ويثرب وفيها الأوس والخزرج لم يكن فيها من المسيحيين سوى واحد أو أفراد فلائل في أحسن الإحتمالات ، فهل تسمي هذا إنتشاراً ". وأقول للسيد الكرخي إن قريشاً ليست كل العرب، ولا تمثل إلا جزءاً بسيطاً من سكان شبه جزيرة العرب الشاسعة.
وقال كذلك: " وأما الغساسنة في بلاد الشام فقد أعتنقوا المسيحية لأسباب سياسية نتيجة هيمنة إمبراطورية الروم على المنطقة وكذلك كان إعتناق بهراء وسليح وتنوخ لمسيحية وهم في بلاد الشام. ، قال اليعقوبي : ( كانت قضاعة أول من قدم الشام من العرب ، فصارت الى ملوك الروم ودخلوا في النصرانية فملكوهم فكان أولهم : تنوخ ابن مالك بن فهم بن تيم الله بن الأسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة . ثم ورد بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الى الشام فغلبوا على تنوخ من بني قضاعة ، ودخلوا في ذمة الروم وتنصروا وأقاموا على ذلك . فلما تفرقت الأزد بسيل العرم وصار من صار منهم الى تهامة ، ومن صار الى يثرب ، ومن صار الى عمان ، صارت غسان الى الشام فقدموا أرض البلقاء ) "
ولا أعتقد أن سبب اعتناقهم للمسيحية مهم، فكل من يعتنق ديناً أو مذهباً يفعل ذلك بدافع سياسي أو دافع الخوف أو لتفادي دفع الجزية والضرائب المرهقة. المهم أنهم اعتنقوا المسيحية ولم يرتدوا عنها إلا بحد السيف. وحتى بعد أن أجبروا على اعتناق الإسلام، ارتدوا عنه بمجرد أن سمعوا بموت رسوله. ومن الطبيعي في تلك الأيام أن يتبع الناس دين ملوكهم، فالمسيحية لم تنتشر في الغرب إلا بعد أن اعتنقها الإمبراطور قسطنطين حوالي عام 300 بعد الميلاد وجعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية.
ثم بعد كل هذا السرد قال السيد الكرخي: " فهناك عوامل عديدة ساهمت في فشل المسيحية في الإنتشار في بلاد العرب منها :
اذهب الى قراءة القسم الثاني من الحلقة الأخيرة :

الحلقة الأخيرة / 2

ـ العقلية العربية التي لا تمتلك أرث فكري حول تجسد الآلهة ، كما هو حال الرومان ، بل أرثها الفكري هو ارث توحيدي ، هذا الأمر ساهم في جعل إنتشار المسيحية بين العرب على نطاق ضيق "

وكما يظهر من السرد أعلاه أن المسيحية لم تفشل في الانتشار في جزيرة العرب. أما قوله إن العرب لم يكن لهم إرث فكري حول تجسيد الآلهة يناقض قوله إن قريش عبدوا الأصنام. فأي تجسيد للآلهة أكثر من الأصنام.
وقال كذلك إن " البيئة الصحراوية القاسية التي منعت المبشرين من إقتحام ديار العرب وصحرائهم القاسية " . وهؤلاء المبشرون لم يكونوا من أوربا حتى تمنعهم حرارة الصحراء من اقتحام الجزيرة، فقد كان المبشرون من الشام والحيرة وجزيرة سيلان، فلم تكن حرارة الصحراء غريبة عليهم، ولم تمنعهم من اقتحام كل أرجاء جزيرة العرب، فقد كان المبشرون حتى مع البدو يرحلون معهم حيثما رحلوا، كما يقول الدكتور جواد علي. واستمر السيد الكرخي في تعداد أسباب فشل المسيحية في جزيرة العرب فقال: " الضربة العنيفة التي تلقتها المسيحية في شبه الجزيرة العربية كلها حين فشل جيش أبرهة الحبشي المسيحي في تهديم الكعبة وما لا قاه من هزيمة بسبب الطير الأبابيل التي أرسلها الله عز َّوجل لهزيمته ، فكان إنتصار الكعبة رمز الحنيفية دين إبراهيم الخليل عليه السلام على الجيش المسيحي الذي قاده أبرهة ، مما شكل هزّة في عمق الإيمان المسيحي الذي يعتبر إبراهيم الخليل عليه السلام أبا لجميع المؤمنين المسيحيين ـ كما في رسالة بولس إلى أهل روما (11:4) ـ مما أوقف إنتشار المسيحية بين العرب عموماً وفي اليمـن خصوصاً ".
فحملة أبرهة كانت في العام الذي ولد فيه الرسول وقد كانت المسيحية وقتها قد انتشرت في كل الجزيرة ما عدا الحجاز وأجزاء من نجد. ففشل حملة أبره لم يؤثر في انتشار المسيحية إطلاقاً. ولن أخوض في قصة أبرهة وطير أبابيل الآن. وكذلك قال السيد الكرخي: " فيتضح من خلال هذه العوامل أن اليهودية والمسيحية لم تكن لتتمكن من أن تغزو بلاد العرب بالشكل الذي يجعلها بديلاً عن الإسلام ، فضلاً عن إنحراف عقيدة التوحيد عند المسيحية نحو التثليث. " وهنا أحب أن أوجه السيد الكرخي إلى كتاب الدكتور جواد علي " تاريخ العرب قبل الإسلام " خاصة المجلد الثامن الذي يتحدث عن أديان العرب قبل الإسلام، وسيرى فيه أن المسيحية فعلاً قد انتشرت في معظم بلاد العرب ولم يوقف انتشارها إلا السيف الإسلامي.

وعندما اعترضت على قوله إن العالم كله يشهد للإسلام بأنه دين شامل لجميع نواحي الحياة، قال السيد الكرخي: " حسناً فهل درست الإسلام بموضوعية ولم تجد فيه نواحي روحية ومادية متكاملة ، ألم ينظم الإسلام العلاقة بين الإنسان وربه ، ألم ينظم الإسلام العلاقات الإجتماعية ، ألم ينظم الإسلام العلاقة بين القوميات والمجتمعات المختلفة ، ألم ينظم الإسلام العلاقة بين الأديان المختلفة ، فهل تجد بين الأديان المختلفة السماوية وغيرها ديناً يرتقي إلى النظم الإسلامية في جميع المجالات الروحية والمادية ، تنظيم العلاقة بين الإنسان وخالقه والعلاقة بين الإنسان والإنسان والعلاقة بين الإنسان والطبيعة. فماذا تريد بعد ذلك دليلاً على شمول الإسلام لكل نواحي الحياة. "
وأرى أن السيد الكرخي قد أدعى للإسلام ما لم يفعله الإسلام. فهل نظّم الإسلام العلاقة بين القوميات المختلفة ؟ فالإسلام منذ الوهلة الأولى كان ديناً مبنياً على العصبية للقبيلة أولاً ثم للعرب ثانياً. فالقرآن قد كرر أكثر من خمسة مرات أنه قرآن عربي مبين. وقريش قد حاربت الإسلام منذ الوهلة الأولى وكادت أن تقضي عليه لولا أن تدخل الأنصار ورحبوا بالرسول في المدينة وآزروه. فماذا فعل الإسلام بالأنصار بعد موت الرسول ؟ فقد جعل الخلافة في قريش التي حاربته، وقال الرسول: " سوف يظل هذا الأمر في قريش حتى إن ظل منهم اثنان ". ومن يومها لم يخرج الحكم من قريش إلى نهاية الدولة العباسية. وما هي معاملة الإسلام للقوميات الأخرى ؟ ألم يمنع عمر بن الخطاب كل السبايا من دخول المدينة ؟ ألم يضطهد الأميون الفرس ويعاملونهم معاملة العبيد، حتى في الجيوش الأموية التي جعلت للموالي خيامهم ومساجدهم التي كانت تفصل عن خيام ومساجد العرب ؟ ألم يمنع الأمويون الموالي من الفئ ؟ وماذا عن معاملة الزنج بنواحي البصرة حتى اضطروا للقيام بثورة الزنج ؟ إلم يبح الإسلام العبودية وجعل العبد والأمة أقل مرتبةً من الأحرار ؟

أما معاملة الإسلام للديانات الأخرى فلا أظنني في حاجة للخوض فيها، وقد كتبت عنها الكثير في ما مضى. ويكفي أن نذكر معاهدة عمر مع أهل الشام وتخريب الكنائس وتحويلها إلى مساجد وفرض الجزية عليهم حتى يدفعوها بيد وهم صاغرون.

وعندما قلت إن المسيحيين ما زالوا أكثر من المسلمين بعد مرور ألف وأربعمائة عام على ظهور الإسلام، قال السيد الكرخي: " أولاً. كان المسيحيون بالملايين ولم يكن هناك سوى مسلم واحد هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم أنتشر الإسلام بدعوته المباركة ، وأصبح هناك مليار مسلم على وجه الأرض ، فهل تجد أن المقارنة بين هذين الدينين من حيث العدد هي مقارنة منصفة ؟
ثانياً. هل تعلم أن أكبر نسبة في العالم للأديان هي للأديان الوثنية ، فسؤالك يمكن أن يوجه للمسيحيين أيضاً عن سبب تدني نسبتهم أمام الأديان الوثنية.
ثالثاً. كون كثرة العدد المتبع لعقيدةٍ ما هو دليل على صحة تلك العقيدة هو مفهوم خاطيء ، وأبرز مثال على ذلك هو النبي نوح عليه السلام الذي لبث في قومه يدعوهم للتوحيد (950) سنة ولم يؤمن به سوى عدد قليل جداً ، فكان أكثرية أهل زمانه حين الطوفان من الوثنيين ، فهل يكون الوثنيين هم أهل الحق لكثرتهم ونوح عليه السلام ومن آمن معه هم أهل الباطل لقلة عددهم ! فهل يرتضي عاقل مثل هذا القول !؟
رابعاً. ما هو مصدر النسبة التي ذكرتها (15%) وإلا فهي غير صحيحة. "
وللرد على هذه النقاط نقول:
1. هناك مثل صيني يقول " رحلة المليون ميل تبتدئ بخطوة واحدة ". ومن الضروري عندما يظهر نبي جديد أو صاحب فكرة جديدة، يكون هو الوحيد في بادئ الأمر حتى يكثر أتباعه تدريجياً. فكون محمد كان المسلم الوحيد لا يعني الكثير. وازدياد عدد المسلمين ونقصان عدد المسيحيين في القرن السابع الميلادي وما بعده لم يكن إلا بعامل الاحتلال الإسلامي للشام والعراق ومملكة بيزنطة ومصر وشمال إفريقيا وإسبانيا. فلولا السيف الإسلامي والفتوحات لظلت كل هذه البلاد مسيحية. ولكن رغم هذا ما زال عدد المسيحيين أكثر من عدد المسلمين.
2. وفعلاً إن أكبر نسبة من الأديان في العالم هي نسبة الأديان الوثنية (غير السماوية) كالبوذية والهندوس وغيرها، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن الإدعاء بأن التوحيد فطرة فطر الله عليها البشر ليس إلا إدعاءً عارياً عن الحقيقة. ويمكن بالطبع أن نوجه السؤال للمسيحيين.
3. وما دام مفهوم عدد أتباع العقيدة مفهوم خاطئ، لماذا يفلق المسلمون أدمغتنا بتعداد المسلمين في العالم وأنهم بلغوا المليار حتى الآن ؟ ألا يدل هذا على أن عدد الأتباع مهم ؟ وأما قصة نوح وقومه فقصة لا نملك من تفاصيلها إلا ما أخبرنا به القرآن ولذلك لا نرى جدوى في مناقشتها، لأنها مسألة غيبية
4. وأما مصدر نسبة ال 15% هو قول المسلمين إن عددهم مليار مسلم وسكان العالم الآن حوالي سبعة مليارات، فحساب النسبة هنا يعطينا ما يقارب 15%

وكان السيد الكرخي قد قال إن مقومات الحكومة هي الأرض والشعب والدستور، ولما أعطيته مثالاً بقبيلة الماساي التي تملك الأرض والشعب ودستورها القبلي لكنهنا ليست دوله، قال: " فأنت تعرف جيداً إني لم أتحدث عن حكومة عشائرية بل عن حكومة الدولة فلماذا هذه المغالطة ! ولماذا تنكر وجود السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في الإسلام وفي حكومة النبي (صلى الله عليه وآله) بالذات ، كل ماهناك أن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية كانت محصورة في شخص النبي (صلى الله عليه وآله) لمقتضى منصب النبوة ، فلا يصح مقارنة الدولة الإسلامية النبوية مع أية دولة أسلامية أخرى ، وأما النظام الإسلامي للدولة في عصرنا الحاضر فهو بلا شك يتكون من مفهوم السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ومن أراد المزيد عن شكل الحكم الإسلامي في العصر الحاضر فليراجع كتاب (الإسلام يقود الحياة) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر. "
وأنا طبعاً أختلف مع السيد الكرخي في تعليله لحكومة النبي، التي يجب أن تكون المثال المحتذى لكل الحكومات الإسلامية. فكل السلطات كما قال كانت متمركزة في يد النبي رغم أن بعض المسلمين في ذلك الوقت كانوا قد تفقهوا في الإسلام وكان من الممكن للنبي أن يفوض Delegate بعض سلطاته لغيره، مثل القضاء وبيت المال والشرطة وما إلى ذلك. أما الحكومات التي أتت بعده فكانت عين العشائرية ووراثة الحكم الذي نعاني منه حتى الآن. ورغم كتاب الشهيد محمد باقر الصدر عن الحكومات الإسلامية، فخير مثال ننظر إليه هو الحكومات الإسلامية الحالية في إيران والسودان وفي حكومة طالبان المنهارة. ولا أظن أننا سوف نجد ما يشرف الإسلام.
وبهذا القدر اكتفي
 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعقيب نبيـل الكرخي رداً على التعقيب الثاني للدكتور النجار

الحلقة الأولى


بركات السماء شاملة :
لم يتقبل الدكتور كامل النجار فكرة الحصول على الخير في الدنيا من خلال طاعة الله وإلتزام أوامره إستناداً لقوله تعالى : (( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )) ، وقال تعالى : (( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا )) ، فقال معترضاً : [(ولكن نحن نعلم أن كل الخير في الدنيا موجود في بلاد الغرب الكافرة، وأن المسلمين الأتقياء في بنقلاديش ونيجيريا والسودان ومصر وغيرها يعيشون في فقر مدقع ومرض دائم، ونعلم كذلك أن أهل الغرب لم يستقيموا على الطريقة ورغم ذلك سقاهم الله ماءً غدق من السماء أكثر مما سقى مكة والمدينة)] ، فهو ظن أنَّ ما نتحدث عنه من خير وبركات هو هذا التقدم العلمي والمدنية التي تعيشها أوربا منذ الثورة الصناعية فيها ، ولكنه نسي ما يعانيه الغرب نفسه اليوم من أمراض إجتماعية كشيوع الزنى وشرب الخمر والمخدرات وتجارة الرقيق الأبيض وأنواع الجرائم والتفكك الأسري ، وهي أمراض إجتماعية متزامنة مع المدنية والتقدم العلمي الموجود ، فليس هذا هو المقصود بالبركات والخير ، لأن المسلمين أيضاً في فترة ما من تأريخهم كانوا قد مروا بنفس مرحلة المدنية والتقدم العلمي الموازي لتخلف الغرب ، أيام الدولة الإسلامية العباسية ، فليس هذا كله ما تقصده الآية الكريمة من بركات ، بل إنَّ بركات الله عزَّ وجل متكاملة وشاملة للمجتمع ، بركات لا تخص جانب على حساب جوانب أخرى ، وعلى العموم فأن الخوض في هذا الجانب ليس ضمن مجال بحثنا المشترك ، بل كان مقدمة له.

الإيمان مبني على العقل :
قال الدكتور كامل النجار وهو يتحدث عن إيمـان المسلمين بالقرآن معتبراً أنَّ إيمانهم به يعطل عقلهم : [(فالإيمان بأن بعض المسلّمات لا تقبل النقد، إيمان يُعطل العقل)] ، وهو بلا شك من اخطاء الدكتور النجار وعدم فهمه للإسلام والمسلمين ، فالمسلمون من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام يعتمدون بشكل أساسي على العقل في إثبات التوحيد والعدل الإلهي والنبوة والإمامة والمعاد ، فإذا توصلوا بالدليل العقلي إلى هذه الأصول الخمسة للدين ، فإنها تصبح منطلقات عقائدية لهم ، ومن يتهمهم بأنهم يعتمدون على مسلّمات إنما يريد التقليل من قيمة العقل عندهم ، ويتهمهم بما ليس فيهم.

التوراة وكتابتها على الألواح الطينية :
أثار الدكتور كامل النجار في رده على التعقيب الثاني الذي نشرته ، نقطة مفادها رفض فكرة كتابة التوراة إستناداً إلى القول بأن الكتابة الهيروغليفية في وقت نزول التوراة كانت تكتب على الحجر وأعتبر الدكتور كامل النجار هذا الأمر دليلاً على إمكانية نفي كتابة التوراة في زمن موسى عليه السلام ، نظراً لصعوبة كتابة الأسفار الخمسة المكونة للتوراة على ألواح طينية ، فيقول الدكتور كامل النجار : [(والكتابة الهيروغلوفية بدأت في نفس الفترة وكانت تُكتب على أقراص من الطين، ولم يظهر ورق البردى إلا في الألف الأخيرة قبل الميلاد . فإذا علمنا أن موسى ظهر حوالي العام 1300 قبل الميلاد ، يتبين لنا أن فكرة أن التوراة كانت مكتوبة في عهد موسى فكرة لا يمكن أن تكون صحيحة. والتوراة نفسها تخبرنا أن الله أعطى موسى وصاياه مكتوبة على حجر. فلو كانت توراة موسى مكتوبة على ورق البردى في ذلك الوقت، لماذا أنزل الله الوصايا مكتوبة على حجر ؟) ويضيف أيضاً : (فإذا كان الكهنة حتى عام 500 قبل الميلاد يجلسون وأمامهم الرقم أو الأقراص الطينية لينقلوا منها، ألا يُثبت هذا أن التوراة لا يمكن أن تكون قد كُتبت في عهد موسى، إذ يصعب أن نتصور كمية الأقراص الطينية التي احتاجها موسي ليكتب كتب التوراة الخمسة)].
وفي الحقيقة فأن الكتابة باللغة الهيروغليفية على ألواح طينية لا تمنع أن تكون التوراة مكتوبة في عهد موسى عليه السلام ، لأن الصعوبة المذكورة غير صحيحة نظراً للمقدمات الآتية :
الأولى. إنَّ التوراة الحالية (المحرفة) مكونة من خمسة أسفار ، ولكن لا يوجد أي دليل على أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام هي مكونة من نفس هذه الأسفار ، بما تضمنته من قصة الخلق وقصص الأنبياء المذكورة بصورة سردية ، وأنساب الخليقة وأعمارهم ، فلا يوجد دليل على أن من يقول بكتابة التوراة في عهد موسى عليه السلام على ألواح الطين باللغة الهيروغليفية يعني إلتزامه بالقول بكتابة كل الأسفار الخمسة الحالية على الألواح الطينية ، إذ لا يوجد دليل على أصالة هذه الأسفار الخمسة ـ عدا ما سنذكره في النقطة الثانية الآتية الذكر ـ فتكون هذه الأسفار الخمسة التي أطلقوا عليها أسم التوراة مشمولة بقوله تعالى في الآية (79) من سورة البقرة : (( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون )) ، ويقول العالم اليهودي سيلفر في كتابه (موسى والتوراة الأصلية) بأن التوراة الحالية لا تمثل توراة موسى الأصلية في أية ناحية وحتى الوصايا العشر التي يكاد يجمع العلماء أنها الشيء الوحيد المتبقي من التوراة الأصلية لم يكن بكمالها وعلى هيئتها الحالية كالتي أتى بها موسى ، ويقول الدكتور أحمد الشلبي في كتابه (مقارنة الأديان) : (إن اليهود بعد أن أنحرفت أعتقاداتهم وطباعهم تخلصوا من أسفار موسى الحقيقية لأنها كانت تختلف عمّا أرادوا من طباع وخلق ، وكتبوا سواها مما يتناسب مع ما يريدون من تاريخ وعقيدة) ويضيف : (وهكذا كتبت أسفار العهد القديم ـ بأسم الله ـ والله منها بريء ، أنها في الحقيقة صدى لأنفعالات اليهود وأحاسيسهم ، وبهذا السبب وبسبب كثرة الكتّاب الذين أشتركوا في تدوين العهد القديم كثرت الأخطاء فيه) ، بل الدكتور كامل النجار نفسه قد ذكر ما يؤيد هذا الأمر بقوله : [(وإذا أخذنا برأي العلماء المتخصصين في دراسة الإنجيل والتوراة The Bible Scholars نجدهم يقولون إنه بعد فترة السبي البابلي بدأ الكهنة بجمع ما وجدوا من أحاديث شفهية وبعض الأقوال المكتوبة وبدؤوا كتابة كُتب التوراة الخمسة التي أضيف إليها فيما بعد 34 كتاباً آخراً لتكوّن " العهد القديم " . ويقول نفس العلماء إن سفر " اللاويين "لم تتم كتابته إلا حوالي عام 400 قبل الميلاد. وسفر التثنية أغلبه عبارة عن تاريخ بني إسرائيل وحروبهم في فترة التيه، فلا يُعقل أن يكون هذا التاريخ رسالة من الله أنزلها على موسى. ونفس السفر يحتوي على قصة موت موسى، فلا يمكن أن يكون قد كتبه موسى بنفسه. وفي الواقع أن كتب " المشنة " و" المدراش " التي تُعتبر جزءاً من التوراة، ما هي إلا مجموعة أقوال شفهية كان يتناقلها اليهود منذ القدم، تماماً كما تناقل المسلمون الأحاديث النبوية شفاهة على مدى ما يقرب من مائتي عام)] ، فهذه التوراة الموجودة اليوم قد كتبها بعض اليهود ـ عدا ما سنذكره في النقطة الثانية الآتية ـ مما يدل على عدم أصالة هذه التوراة.
الثانية. إنَّ القرآن الكريم يخبرنا أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام (( فيها هدى ونور يحكم بها النبيون )) ، إذن التوراة فيها أحكام شرعية ومواعظ (هدى ونور) يحكم بها النبيون ، ولو قرأنا التوراة الحالية لوجدنا أن كمية الأحكام الشرعية فيها هي كمية ضئيلة مقارنة إلى مجموع الأسفار الخمسة ، فالأحكام الشرعية وردت في المواضع الآتية :
ـ في سفر الخروج ، الفصل 20 الجُمَل (1 إلى 26).
ـ في سفر الخروج ، الفصل 21 الجُمَل (1 إلى 36).
ـ في سفر الخروج ، الفصل 22 الجُمَل (1 إلى 31).
ـ في سفر الخروج ، الفصل 23 الجُمَل (1 إلى 33).
فيكون مجموع جُمَل تلك الأحكام الشرعية هو : (126) جملة فقط.
ثم يخبرنـا سفر الخروج أن موسى عليه السلام قد كتـب هذه الأحكـام فـي المواضع المذكورة آنفاً ، حيث جاء في (24 :3و4) : (فجاء موسى وبلَّغ الشعب بكل كلام الرب وأحكامه ، فأجاب الشعب بصوت واحد : "كل ما أمرنا به الرب نفعل" ، فكتب موسى جميع أقوال الرب) ، فهذه الأحكام هي جزء من التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام.
الثالثة. يذكر سفر الخروج (10:25) أن الرب قد أمر موسى عليه السلام بصنع تابوت بأبعاد تعادل تقريباً (25و1×75و.×75و.) متر مكعب ، وأمره أيضاً كما في سفر الخروج (16:25) بأن يضع الأحكام التي ذكرناها في (الفقرة الثانية) آنفة الذكر ، في ذلك التابوت ، فإذا افترضنا أن سمك اللوح الطيني الذي كتبت فيه التوراة في زمن موسى عليه السلام هو 3سم ، فيعني ذلك أن التابوت يستوعب حوالي (50) لوح طيني بابعاد (75×75) سم2 ، وهي كما ترى كمية كافية من الألواح لأستيعاب أحكام التوراة والبشارات والمواعظ.
فلا يوجد سبب واقعي لرفض إمكانية كتابة التوراة الأصلية في زمن موسى عليه السلام باللغة الهيروغليفية على ألواح طينية. واما إذا عدنا إلى القرآن الكريم فإننا سنجد أن موضوع إيتاء الله عزَّ وجل التوراة لموسى عليه السلام وكتابتها في زمنه هو أمر صحيح بلا شك.

كامل النجار يوافق على نوع من التحريف :
قال الدكتور كامل النجار ما نصه : [(فإن كان التحريف سهواً، فهذه طبيعة البشر ولا غبار على الكاتب)] ، إذن هو يتقبل فكرة أنه حدث في التوراة تحريف من قبيل أخطاء النساخ وسهوهم ونسيانهم إلخ ، وعلماء المسيحية أيضاً يعترفون بحدوث مثل هذا التحريف كما فصلناه في الرد الأول على كامل النجار ، فما هي المشكلة إذن ! فلماذا إذن ما زال الدكتور كامل النجار يرفض أن توصف التوراة بأنها محرفة ؟! فنحن يهمنا إن نعرف أنَّ هناك تحريفاً وقع في التوراة يمنع كونها مرجعاً لمعرفة عقيدة التوحيد منها.

إفتراض بعيد عن الواقع :
قال الدكتور كامل النجار : [(من غير المعقول أن يكون الرسول موسى في محاولة مستمرة ليقنع بني إسرائيل بنبوته وهم في تمرد دائم ضده، ويقول لهم سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد. فسوف يقول اليهود: لماذا لا ننتظر حتى يأتي هذا الرسول أحمد فنؤمن به بدل أن نؤمن بموسى ثم نبدل ديننا ونؤمن بالنبي الجديد ؟ خاصة أن موسى لم يقل لهم متى سوف يأتي هذا النبي الجديد. فربما قد يأتي بعد عشرين سنة أو أقل)].
وهو أفتراض بعيد عن الواقع ، وإلا فماذا سيفعل بنو إسرائيل في فترة الإنتظار حتى لو كانت شهراً واحداً أو أسبوعاًَ واحداً ، هل سيعبدون الله سبحانه كما أمرهم موسى عليه السلام أم سيعبدون العجل لحين ظهور النبي الموعود ؟! بالتأكيد أنهم سيعملون بشريعة موسى عليه السلام ، إلى أن يظهر النبي الموعود وإنْ كان ظهوره بعد شهر ، وكما فعلوا فعلاً.
ثم إذا كانت وظيفة النبي موسى عليه السلام هي تبليغهم عن ظهور نبي آخر الزمان ، فهو بلا شك سيؤدي وظيفته تلك على أكمل وجه سواء تمرد بنو إسرائيل أم لا ، على أنَّ تمردهم في زمنه لم يمنعه من تبليغهم التوراة وقيادتهم نحو الأرض المقدسة ، فلماذا يمنعه أمر مستقبلي من التبليغ ؟! فأن قول كامل النجار : [(فسوف يقول اليهود: لماذا لا ننتظر حتى يأتي هذا الرسول أحمد فنؤمن به بدل أن نؤمن بموسى)] هو قول مرفوض لأن إيمانهم بنبي آخر الزمان مستمد من إيمانهم بموسى عليه السلام ، فلا يوجد مفهوم التجزئة في الإيمان ! فمن يؤمن بنبي يؤمن بكل الأنبياء لأن أي نبي يخبر عن صدق جميع الأنبياء السابقين واللاحقين إنْ وجدوا.
مع ملاحظة أن القرآن الكريم لا يقول بأن موسى عليه السلام قد أخبر بنبي يأتي من بعده أسمه أحمد ولكن المسيح عيسى عليه السلام هو الذي فعل ذلك ، وفقاً للآية (6) من سورة الصف.

قوله (لابد) بعيد عن الإنصاف :
قال الدكتور كامل النجار : [(أن الله لو ذكر أحمد في التوراة ، فلا بد أن يذكر عيسى كذلك، لأن النبي الذي أتي بعد موسى كان عيسى وليس أحمد)].
فأولاً لم يثبت أن الله عزَّ وجل قد ذكر أسم (أحمد) في التوراة بدليل قطعي ، نعم ورد ذكر (الرسول النبي الأمي) في التوراة والإنجيل بحسب الآية (157) من سورة الأعراف ، ثم لماذا ينسى الدكتور كامل النجار أن هناك عشرات الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام في بني إسرائيل ، كان النبي عيسى عليه السلام آخرهم ، فهو لم يأتِ بعد موسى عليه السلام مباشرة. وحيث علمنا انه لم يأت بصورة مباشرة بعد موسى عليه السلام ، نجد أن أستخدامه لكلمة (لابد) في النص السابق غير صحيح ، فضلا عن أنه لا يصح أن نفرض على الله سبحانه وتعالى ما يجب أن يفعله سبحانه ، فلا يتحكم بقوله "لابد" للخالق جلَّ وعلا أن يذكر أسم عيسى عليه السلام ، لأن الله عزَّ وجل فعال لما يريد ، وما يدريك أين تكمن الحكمة والمصلحة الإلهية.
وكذلك فأن الله عزَّ وجل لم يذكر أسم النبي داود عليه السلام في التوراة رغم أنه أنزل عليه الزبور ، ولم يذكر أسم النبي سليمان عليه السلام في التوراة مع أنه هو الذي بنى الهيكل قبلة اليهود ، ولم يذكر أسم طالوت ولا أسم النبي يحيى عليه السلام ولا غيرهم.

أستنتاج بعيد عن المنطق :
قال الدكتور كامل النجار : [(ولا يستطيع أحد أن يلوم اليهود على عدم تصديقهم عيسى، لأن التوراة أخبرتهم أن النبي الذي سوف يأتي بعد موسى اسمه أحمد، فكيف يصدقون بنبي اسمه عيسى)]
فلا التوراة أخبرت اليهود أن النبي بعد موسى عليه السلام أسمه أحمد ، ولا حدث ذلك فعلاً ، وفوق ذلك كله فأن النبي عيسى عليه السلام قد أتى في زمانه بمعجزات تدل بدون ادنى شك على صدق نبوئته ، إبتداءاً من ولادته المعجزة من غير أب ومروراً بإحياءه الموتى وإبرائه الأكمه والأبرص وغيرها من المعجزات.
وأخيراً فقد ذكرنا آنفاً أن القرآن الكريم يذكر أنَّ المسيح عيسى عليه السلام هو الذي بشر بنبي يأتي من بعده أسمه أحمد ، كما في الآية رقم (6) من سورة الصف وليس موسى عليه السلام ، مع أن الآية (157) من سورة الأعراف تخبر عن وجود صفة النبي الأمي (صلى الله عليه وآله) في التوراة والإنجيل ، فقال تعالى : (( الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )) ،وقال الله عزَّ وجل في الآية (146) من سورة البقرة : (( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإنّ فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون )).

سؤال باهت !
تسائل الدكتور كامل النجار قائلاً : [(لماذا قال الله على لسان موسى: إني مبشر بنبي من بعدي اسمه أحمد والله يعلم أن النبي اسمه محمد ؟ ) ثم يقول : (أما الإجابة على السؤال الثالث فيصعب الحصول عليها، إلا إذا افترضنا أن الله يحب تغيير أسماء رسله كما غير اسم يعقوب إلى " إسرائيل ")].
وبغض النظر عن إنَّ النبي عيسى عليه السلام هو الذي بشر برسول يأتي من بعده أسمه (أحمد) بنص القرآن الكريم وليس النبي موسى عليه السلام كما توهم الدكتور كامل النجار ، فهل يتوقع الدكتور كامل النجار أن التوراة بلغتها القديمة العبرانية أو اليونانية تحوي على لفظ (أحمد) ؟ بالطبع أنها تحوي على (أحمد) ولكن بلغتها وليس بلغة العرب ، فـ (أحمد) أسم عربي وليس عبراني أو يوناني ، تماماً مثلما كان أسم عيسى عربي وجيزز أنكليزي وهما أسمان للمسيح أبن مريم عليهما السلام. فالمسألة تتعلق بترجمة اللغات وليس بتبديل الأسماء كما ظن كامل النجار.

منطق بعيد عن المنطق :
يقول الدكتور كامل النجار : [(والمنطق يخبرنا أنه ليس من المعقول أن يحرّف اليهود دينهم عمداً )].
فأي منطق هذا الذي يتكلم عنه الدكتور كامل النجار بوجود الكثير من الأدلة والقرائن على تحريف اليهود لدينهم وللتوراة ، فإن أضافة نصوص كثيرة للتوراة الأصلية حتى أصبحت خمسة أسفار مقدسة وهي مجهولة الكاتب ، ألا يُعد هذا تحريفاً ؟ فإذا أحتوت هذه النصوص المضافة على مخالفات عقائدية ، مثل نسبة التعب إلى الله تعالى ، وأدعاء أقتراف الأنبياء للمعاصي ، أو ولادتهم من زواج محرم ، وغير ذلك ، ثم يعتبر كل ذلك مقدساً وجزءاً من التوراة التي يدعون أنها نزلت من عند الله سبحانه ، ألا يكون ذلك تحريفاً ، فإن لم يكن كذلك فأطلقوا عليه أنتم التسمية التي ترونها مناسبة.
فهل المنطق الذي يملكه الدكتور النجار يمنعه من تصديق أن بني إسرائيل بعد خروجهم من البحر ورؤيتهم معجزة شق البحر لموسى عليه السلام يقومون بعبادة إله آخر ، وثن يسجدون له ، فهل ينكر منطقه هذا الأمر !

أبن عباس والتحريف اليهودي :
وأما ما نقله الدكتور كامل النجار عن تاريخ أبن خلدون من انه نسب إلى صحيح البخاري قول لأبن عباس رضي الله عنهما وهو : (معاذ الله أنّ تَعْمد أُمَّة من الأمَم إلى كتابها المُنْزَل على نبَيها فتبدله أو ما في معناه ) إلخ ، فمع الأسف لم اعثر على هذا القول لأبن عباس في الكتاب المذكور ولا في غيره من كتب الحديث ، فيمكن أن يكون قد أشتبه الأمر على أبن خلدون لا سيما وهو ينقل من ذاكرته ويدل عليه قوله (أو ما في معناه) ، وربما أكون قد قصّرتُ في البحث فهلا دلنا الدكتور النجار عن موضع ذلك الحديث في البخاري ! حيث أنَّ وما وجدته في صحيح البخاري في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ، هو القول الآتي لأبن عباس ونصه : (كيف تسألون اهل الكتاب عن شئ وكتابكم الذي انزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم احدث تقرؤنه محضا لم يشب وقد حدثكم ان اهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا الا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسئلتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي انزل عليكم ).


التعمد في التحريف :
ذكرنا قبول الدكتور كامل النجار لمفهوم التحريف غير المتعمد للتوراة ، وهو على أي حال تحريف ، ولكن هل وقع تحريف متعمد للتوراة من قبل اليهود ؟ بالتأكيد قد وقع كما بينا حين تكلمنا عن إضافة نصوص عديدة إلى التوراة الأصلية لتكون في النهاية الأسفار الخمسة المتداولة.
ونقل الدكتور كامل النجار عن أبن خلدون نفيه لوقوع مثل هذا التحريف فقال أبن خلدون : (ما يقال من ان علماءهم بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه ان ذلك بعيد وقال معاذ الله ان تعمد أمة من الامم إلى كتابها المنزل على نبيها فتبدله أو ما في معناه قال وانما بدلوه وحرفوه بالتأويل ويشهد لذلك قوله تعالى وعندهم التوراة فيها حكم الله ولو بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التى فيها حكم الله وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فانما المعنى به التأويل اللهم الا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما وملكهم قد ذهب وجماعتهم انتشرت في الآفاق واستوى الضابط منهم وغير الضابط والعالم والجاهل ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف غير معتمد من علمائهم وأحبارهم) ، وأريد أن أركز في هذا النص على قول أبن خلدون : (وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فانما المعنى به التأويل) ، فأن هذا التأويل لا يمنع أن يكون هو أيضاً كلاماً مقدساً مكتوباً في نفس التوراة ليصبح قانوناً مقدساً ، فقد روى البخاري عن أبي هريرة قوله : (كان اهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما انزل الينا وما انزل اليكم الاية) ، وهذا النص ذكر لنا أمراً نعرفه جيداً وهو التحريف بالترجمة ، حيث يقوم الأحبار بترجمة النص الأصلي بحيث تتوافق الترجمة مع أهدافهم ودعواهم يساعدهم في ذلك عدم معرفة الغالبية العظمى من الناس للغات القديمة التي كتبت بها الأسفار ، وأقتصار تلك المعرفة على الأحبار والقساوسة ، أي علماء اليهودية والمسيحية ، فلا رقيب عليهم يحاسبهم على عدم دقة ترجمتهم لأحتكارهم معرفة تلك اللغات. وقد تبينا هذا الأمر من خلال مقارنتنا لعدة إصدارات من الكتاب المقدس والعهد الجديد باللغة العربية حيث أكتشفنا أن هناك كلمات وجمل يتم ترجمتها بصيغة مختلفة وهي كلمات ومواضع تتعلق بأصل عقيدتهم وتتعلق بالبشارات الموجودة فيه ، وربما سنفرد دراسة متكاملة لهذا الأمر في المستقبل بمشيئة الله عزَّ وجل.
فالتأويل الذي ذكره أبن خلدون تحول إلى نصوص مقدسة في نسخ التوراة والكتاب المقدس التي تترجم إلى اللغات الحية من اللغات القديمة ، وهذا نوع جديد من التحريف ـ أي التحريف بالترجمة ـ يضاف لما سبق بيانه.

إحتمال غير واقع :
قال الدكتور كامل النجار : [(فالقرآن يخبرنا أن فريقاً منهم حرّف كلام الله، فلا بد أن الفريق الآخر لم يحرف الكلام وربما صححوا ما حرفه الآخرون)] ، فـ (ربما) هذه التي ذكرها تحتمل أمرين الأول هو ما ذكره من تصحيح ما حرّفوه ، والآخر هو عدم تصحيحهم ما حرفه الآخرون ، والأدلة التي بين أيدينا تخبرنا بوقوع التحريف وعدم تصحيحه.

تدليس مرفوض :
قال الدكتور كامل النجار : [(والقرآن يؤكد لنا مرة أخرى أن جزءاً من أهل الكتاب هم الذين حرفوا الكلام وقد انتقم منهم الله وقتلهم: " فبدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون " ( الأعراف 162))].
فما ذكره غير صحيح ، وهو يعلم ذلك قطعاً ، لأن الآية (162) من سورة الأعراف تتكلم عن جماعة من اليهود طلـب منهم أن يقولوا كلمة بعينها فقالوا غيرها ، وهو الأمر الـذي لا علاقة له بتحريف التوراة ، ومـزاعم إنتقام الله تعالى منهم لتحريفهم التوراة مرفوضة ، والقصة كما ذكرتها سورة الأعراف في الآيتين (161و162) هي : (( وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ، فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون )).

وجود يهود صالحين لا يدل على عدم التحريف :
قال الدكتور كامل النجار : [(وكذلك يخبرنا القرآن أن أهل الكتاب منهم أمة صالحة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " ( آل عمران 114). فهؤلاء اليهود الذين يتلون آيات الله آناء الليل، هل يمكن أن يسمحوا لأحد منهم أن يحرّف كلام الله عمداً ولا يصححون ما حرّف ؟ )] ، وهنا خلط واضح للأمور ، فالآيات القرآنية التي ذكرها تتحدث عن جماعة من اليهود الصالحين المتعبدين المؤمنين بالله واليوم الآخر ، مع أننا نعلم أن التحريف قام به علماء اليهود من متنفذيهم وليس من العباد الصالحين ، والفرق واضح بين العابد والعالم ، والعلماء أيضاً على مراتب ، والظروف والأدلة ـ التي ذكرناها في هذا التعقيب والتعقيبات السابقة ـ التي مرّت على التوراة وكتابتها قبل السبي البابلي وبعده تدل بوضوح على أن هناك تحريفاً قد حصل ، فإذا ظهرت جماعة من العباد الصالحين بعد ذلك توارثوا تلك التوراة المحرفة وتعبدوا بها فلا يدل ذلك على عدم وقوع التحريف ، ونحن ذكرنا وجود التوراة الأصلية ضمن التوراة المحرفة ، فلا تضاد بين وقوع التحريف وبين وجود الصالحين المتعبدين.

تعريب الأسماء :
قال الدكتور كامل النجار : [(والأسماء لا تُعرّب، فنحن الآن نقول الرئيس بوش ونقول عزرا وايزمان ونقول موشى دايان، تماماً كما ينطقها الإسرائيليون، فلماذا عرّب الله اسم عزرا إلى عزيز ؟ )] ، وهو أدعاء غريب ، ومن المدهش أن يصدر عن الدكتور النجار "المطلع" على تاريخ العرب ولغتهم ، فبعيداً عن القرآن الكريم والكتاب المقدس وأسماء الأنبياء ، نجد العرب معتادون على تعريب الأسماء ، بل هو منهج متبع عندهم وجزء من سليقتهم العربية ، فأسم الملك الفارسي (شاه بور) عربه العرب إلى (سابور) ، ولقب ملوك الفرس (خسرو) عربه العرب إلى (كسرى) بل الزبيدي في تاج العروس يذهب إلىأن (خسرو) أيضاً معرّب من (خوش رو) !
فإذا كان أصحاب القواميس العربية كالزبيدي والجوهري والفيروز آبادي والطريحي وأبن منظور والبكري الأندلسي يتحدثون عن تعريب الأسماء فلماذا يتحكم الدكتور كامل النجار برفضه تعريب الأسماء ؟!
وبالمناسبة فهل يعرف الدكتور كامل النجار أن أسم (موشي) الذي ذكره قد تم تعريبه في لغة العرب إلى أسم (موسى) ، وأن العرب في الجاهلية لم يكونوا يعرفون هذا الأسم !
فهل يمكن أن يقتنع الدكتور كامل النجار أن الأسماء تعرّب ؟!

يبتر كلامي ثم يقول (وأتى السيد الكرخي بقول عجيب) !!!
قال الدكتور كامل النجار : [(وأتى السيد الكرخي بقول عجيب حين قال: " بل وحتى بعد حدوث التحريف فإن التوراة بعد التحريف لم تحتو على قولهم (عزير أبن الله) مما يعني أن تلك الدعوى هي دعوى شفهية لم يتم تثبيتها في التوراة المحرفة ، فليست كل الدعاوى الباطلة لليهود تم تثبيتها في التوراة المحرفة " فلماذا يا تُرى تقاعس اليهود عن كتابة هذا الادعاء في التوراة ما داموا قد قالوه وآمنوا به، وقد علمنا من السيد الكرخي أن أحبار اليهود اجتمعوا في بابل وكتبوا التوراة من الألواح الطينية التي كانت عندهم. فما الذي منعهم، ما داموا قد حرفوا التوراة عمداً، من أن يكتبوا فيها ما يؤمنون به؟)].
حسناً فلنعد إلى ماكتبته قبل أن يبتره لنجيب عن تساؤله ، لقد كتبتُ ما نصه : ( بل وحتى بعد حدوث التحريف فإن التوراة بعد التحريف لم تحتو على قولهم (عزير أبن الله) مما يعني أن تلك الدعوى هي دعوى شفهية لم يتم تثبيتها في التوراة المحرفة ، فليست كل الدعاوى الباطلة لليهود تم تثبيتها في التوراة المحرفة ، وفي هذا الصدد يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان : (وقد ذكر بعض المفسرين : ان هذا القول منهم: (عزير ابن الله ) كلمة تكلم بها بعض اليهود ممن في عصره صلى الله عليه وآله وسلم لا جميع اليهود فنسب إلى الجميع كما ان قولهم : ( إن الله فقير ونحن اغنياء ) وكذا قولهم : ( يد الله مغلولة ) مما قاله بعض يهود المدينة ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسب في كلامه تعالى إلى جميعهم لان البعض منهم راضون بما عمله البعض الاخر ، والجميع ذو رأى متوافق الاجزاء وروية متشابهة التأثير) ، وبذلك يتضح عدم صحة قولكم : [(فلو قالت اليهود إن عزيز بن الله فلا بد أن يضيفوها للتوراة لتصبح أكثر إقناعاً للناس) ، حيث كما أسلفنا لم يكن اليهود يهتمون أو يتمكنون بتثبيت كل دعاواهم الباطلة في التوراة أو أسفار الأنبياء)].

وهكذا تجدون أن تساؤل الدكتور كامل النجار وهو : [(فما الذي منعهم، ما داموا قد حرفوا التوراة عمداً، من أن يكتبوا فيها ما يؤمنون به؟)] ، كنت قد أجبت عنه قبل أن يسأله حيث نقلت له ما ذكره السيد الطباطبائي في تفسير الميزان من أن دعوى (عزير أبن الله) هي دعوى من بعض اليهود في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) أي بعد أن تمت كتابة التوراة المحرفة في بابل بمئات السنين ، وأن اليهود لم يكونوا يثبتون كل دعاواهم الباطلة في التوراة ، ولكنه أصر على بتر كلامي هذا أولاً ليتيسر له أن يطرح سؤاله الذي يجد جوابه سلفاً ، ثم يسمي كلامي هذا بالقول العجيب ، فقول من هو العجيب يا ترى !!!

لماذا لم يحفظ الله سبحانه التوراة من التحريف :
يتسائل الدكتور كامل النجار قائلاً : [(وأخيراً نود أن نعرف لماذا حفظ الله الذكر في القرآن ولم يحفظه في التوراة )] ، والجواب أن هناك مصلحة يعلمها الله سبحانه لعدم حفظه التوراة من التحريف ولا الأنجيل من الضياع ، ولا يفترض بنا معرفة كل المصالح التي لم يأتِ بها نص ، بل ما يهمنا هو تحقيق دعوى التحريف ، ونحن بعد ثبوت التحقيق في وقوع التحريف في التوراة المتداولة ، فيمكن أن نطرح بعض التحليلات المعمقة المستندة على معلومات صحيحة عن سبب عدم حفظ التوراة من التحريف ، تنطلق تلك التحليلات من ظاهرة معروفة لكل أحد وهي أن بني إسرائيل يتميزون عن بقية الأمم بميزة وجود الكثير من الأنبياء منهم بين ظهرانيهم ، وقد شخصنا انه بموازاة الظروف التي مرّت على بني إسرائيل والتي ادت إلى ضياع التوراة الصحيحة بحسب زعمهم أو تحريفها ، فقد كان هناك العديد من الأنبياء الذين كان يمكن أن يرجع لهم بني إسرائيل في معرفة التوراة الصحيحة ، وتنزيه ما أدخل إليها من إضافات ، ولكن بني إسارائيل ومن ثم اليهود لم يفعلوا ذلك بل فعلوا بالضد من ذلك حيث عمدوا إلى أنبيائهم فقتلوهم واستغنوا عن التوراة الصحيحة التي بين أيديهم ، وقد كانت هذه الظاهرة معروفة على أمتداد تاريخ بني إسرائيل ومن ثم تاريخ اليهود وحتى ظهور النبي عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل ، فقد جائهم النبي عيسى عليه السلام بالتوراة الصحيحة وجائهم بالإنجيل ، فما كان من اليهود إلا أن رفضوه وحاولوا قتله وأضطهاد أتباعه وإتلاف إنجيله.
قال تعالى في الآية (110) من سورة المائدة : (( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الاكمه والابرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين )).
وقال تعالى في الآيات (45-50) من سورة آل عمران : (( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين ، ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ، قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ، ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الاكمه والابرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ، ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون )).

فالمشكلة ليست في عدم حفظ الله عزَّ جل لكتابه بل في رفض اليهود لذلك الكتاب واستبداله بالأسفار الخمسة ، وقتلهم الأنبياء الحافظين له ، كما حاولوا من قبل رفض إلاههم وعبادة العجل بدلآً عنه.

 الحلقة الثانية

منطق بلا منطق :
قال الدكتور كامل النجار : [(والمنطق يقول إن الإنسان البدائي قد بدأ عقيدته الدينية بعبادة الحيوانات والأصنام ثم توصل بالتدريج إلى الوحدانية. أما قول السيد الكرخي أن الإنسان بدأ بالتوحيد ثم ارتد للتعددية فقول يجافي المنطق السليم )] ، ولا أدري كيف أن بدء الأنسان مسيرته الإنسانية بالتوحيد يجافي المنطق السليم ! فهلا شرح لنا الدكتور المقدمات المنطقية الدالة على إستحالة أن يكون الأنسان قد بدأ مسيرته الإنسانية بالتوحيد !

مسلسل الشرك والتوحيد ، تأليفه بلا دليل :
قال الدكتور كامل النجار : [(وفي الواقع أن تاريخ الأديان عند الإنسان بدأ بالتعددية Polytheism عند الإنسان البدائي في إفريقيا، واستمرت معه التعددية عندما نزح إلى أوربا. ثم جاءت فكرة الطوطمية، ثم تطور الإنسان إلى عبادة آلهة السماء الذين كانوا أكثر من واحد، ولكل إله اختصاصه، كما كان عند البابليين الذين عبدوا إله الخير وإله الرياح وإله المطر وإله الخصب وما إلى ذلك. ثم ظهرت في اليونان فكرة ال Henotheism وهذه الفكرة أدت إلى عبادة إله واحد قوي في السماء، دون إنكار وجود الآلهة الآخرين الذين يقلون درجة عن الإله الأعظم. فعبد الإغريق الإله زيوس Zeus دون أن ينكروا وجود الآخرين. وأخيراً جاءت فكرة الإله الواحد فعبد قدماء المصرين الإله رع دون أن يشركوا معه آلهة أخرى )] ، ولم يبين الدكتور كامل النجار لماذا أنتقل الإنسان البدائي من شرك التعددية إلى توحيد الطوطمية ثم إلى شرك آلهة السماء المتعددة ثم إلى شرك آخر أقل درجة هو شرك الإله القوي والآلهة الأقل درجة ثم أنتقلوا إلى توحيد الإله الواحد في اليهودية ثم إلى شرك الأقانيم الثلاثة في المسيحية ثم إلى توحيد الإله الواحد في الإسلام ، فما هي العوامل التي دفعت الإنسانية للإنتقال من الشرك إلى التوحيد عبر هذا المسلسل المضطرب ؟
نحن نقول بأن العامل الوحيد لظهور هذه الأديان والمعتقدات الشركية والتوحيدية هو أن الأنسانية بدأت مسيرتها بالتوحيد ثم تنحرف مفاهيمها نحو الشرك بسبب الشيطان وجنوده ، ثم يعود التوحيد للظهور من جديد بفضل العناية الإلهية والرسالات السماوية ، وهكذا هي مسيرة الإنسانية صراع بين الرسالات السماوية وبين الشيطان.

وبالمناسبة فأن الدكتور كامل النجار يقول في هذا الموضع بوجود عبادة الإله الأعظم مع عبادة آلهة أخرى أقل درجة ، وهنا يبرز أحتمالين أما أن يكون الإله الأعظم هو الذي خلق الآلهة الأقل درجة ، وعند ذلك فلا معنى لأعتبارها آلهة لأنها مخلوقة بفضل الإله الأعظم ، وأما أن تكون لها أستقلالية عن الإله الأعظم وإن كانت أقل درجة منه ، وهذا يعني أن يكون البشر قد عبدوا آلهة لها إستقلال عن الإله الأعظم ، غير انه في موضع آخر من رده ينكر أن يكون العرب قد عبدوا الآلهة على نحو الإستقلال عن الله عزَّ وجل.

من سبق بالظهور ، التوحيد أم الشرك ؟
قال الدكتور كامل النجار : [(فلم يقل أحد غير علماء الدين، إن عقيدة التوحيد هي الأصل، ولم أقرأ لعالم أنثروبولوجي أو مؤرخ ديني قال إن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة عند البشر، والدليل على أنها ليست كذلك هو أن الأبروجنيز في استراليا وكذلك سكان غينيا الجديدة بالقرب من استراليا، ما زالوا يعبدون الطواطم والأسلاف، التي عبدها أسلافهم منذ آلاف السنين، ولم يتطوروا دينياً ولا حضارياً منذ أن وصلوا إلى أستراليا من جزر أندونيسيا حوالي العام 40000 قبل الميلاد)] ، فلماذا إذن بقي هؤلاء المذكورين في أستراليا على عبادة الطواطم والسلاف ولم يتطوروا إلى عبادة الآلهة المتعددة في السماء بحسب النظرية التي ذكرها الدكتور النجار والتي ذكرناها في الفقرة السابقة. ألا يرى الدكتور النجار أن بقائهم على عبادة الطواطم منذ أربعين ألف سنة بحسب قوله يدحض نظريته في التطور الفكري للأنسان نحو التوحيد بدون تدخل الإله.

النهضة الدينية الجديدة في الغرب :
قال الدكتور كامل النجار : [( فالدين لا ينتشر إلا مع الجهل، وكلما تقدم الإنسان في العلم كلما اضمحل دور الدين في حياته. واليوم أصبحت الكنائس تباع في الغرب لأن عدد الذين يؤمونها قد انحدر في الأربعين أو الخمسين عاماً الماضية لدرجة جعلت إدارة الكنائس تبيعها. والمواطن العادي في الغرب ما عاد يتحدث عن الدين، ناهيك عن اعتناقه )] ، فيبدو أن الدكتور كامل النجار لم يطلع على النهضة الدينية في الغرب (أمريكا وأوربا) ، وظهور المحافظين الجدد والتيارات الدينية والأحزاب المسيحية فيها ، وليس من قبيل المصادفة ما قرأته اليوم في موقع (شبكة أخبار العراق للجميع) وهو مقال مستل من صحيفة الخليج الإماراتية تحت عنوان (ثورة "مسيحية" في أمريكا العلمانية) يتحدث فيها الكاتب عن الحركة الأصولية الإنجيلية المتطرفة التي ساهمت في دعم الرئيس الأمريكي ونجاحه في الإنتخابات الأخيرة ، وهذه الحركة تزداد عدداً لدرجة أنَّ مايكل هوت بروفسور علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا قال ان نسبة المسيحيين الانجيليين من بين البروتستانت الامريكيين باتوا اكثر من 60 في المائة.
فإذن ما ذكره الدكتور كامل النجار عن عدم إنتشار الدين مع العلم وما تحدث به من بيع المسيحيين للكنائس في الغرب يبدو أنَّ ذلك كله غير صحيح !

عبادة الأصنام على نحو الإستقلال :
حينما بينت للدكتور كامل النجار أن العرب في الجاهلية كانت تعبد الأصنام بأعتبارها آلهة لها أستقلالية عن الله تعالى ، أعترض على كلامي هذا قائلاً : [(فلا أدري من أين أتى السيد الكرخي بهذا الافتراض ليقول إن العرب عبدوا الأصنام على نحو الاستقلال، فالعرب كانوا يعرفون ويعتقدون بوجود الله ويسمون أولادهم " عبد الله " والقرآن نفسه قال للرسول لو سألتهم من خلق السماء أو من أنزل المطر، يقولون الله. فهم عبدوا الأصنام كوسيلة توصل دعواتهم إلى الله)] إلخ ، فلماذا ربط الدكتور النجار بين معرفة عرب الجاهلية لله وبين إنكاره أن تكون عبادتهم على نحو الإستقلال ، إذ لا خلاف بين الأمرين ، فهم يعرفون أن الله هو الإله الأعظم وأن هناك آلهة أخرى أقل درجة منه ، فإذا لم يكونوا يعتقدون بوجود إستقلالية لتلك الآلهة فمعنى ذلك أن الله هو الذي خلقها ، فما معنى كونها آلهة وهي مخلوقة ! ولا يمكن مقارنة الأمر مع قبور الأولياء كما فعل لأنه لم يقل أحد بأن تلك القبور آلهة ، فإذا قال بأن المسلمين يعتقدون تأثيرها ، فنقول نحن لا نتحدث عن التأثير بل عن المكانة ، فالقبور مخلوقة ولها تأثير ما بحسب إعتقاد بعض المسلمين كما ان السم على سبيل المثال له تأثير القتل وهو مخلوق أيضاً ، ولكن هذا التأثير لا يرفع مكانة السم إلى درجة الآلهة ـ رغم أن السم يميت والله عزَّ وجل أيضاً يميت ـ فنحن نتحدث عن المكانة لا عن التأثير. فكل من له مكانة الآلهة يجب أن يكون غير مخلوق ، فإن كان غير مخلوق فهو مستقل عن الله سبحانه وهذا هو الشرك الذي كان موجوداً عند العرب في الجاهلية.

حول "التزييف" من جديد :
قال الدكتور كامل النجار : [(و أحب هنا أن أنبه السيد الكرخي إلى أن اللغة العربية ليست بالدقة التي ادعاها لها وطلب مني الانتباه إليها. فكلمة " زاف " لها معاني كثيرة أخرى بالإضافة لما ذكر هو. فزاف الحائط:
تعني قفزه، و" الزيف " تعني الطنف الذي يقي الحائط والدرج من التسلق، أي كل شئ نضعه أمام الحائط أو الدرج لنمنع الناس أو الأطفال من تسلقه. وكذلك " الزائف " و " الزياف " تعني الأسد)] ، لكن الدكتور كامل النجار يعرف جيداً أنه لم يستعمل مفردة التزييف في إطار المعاني الأخرى التي ذكرها هنا ولا نحن فعلنا ذلك ، فلماذا يحشر بقية المعاني غير المقصودة ! وأما شهادته بأن اللغة العربية ليست بالدقة التي أدعيتها فنحن في غنى عنها ، على أن وجود معاني أخرى لكلمة (زاف) لا يعني عدم دقة إستعمال تلك المعاني كلٌ حسب معناه ، ونحن مطالبين بدقة أستعمال كل مفردة حسب معناها.

لا تخصيص بلا مخصص :
قال الدكتور كامل النجار : [(وعلماء التوراة، الذين قال الله عنهم " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ")] ، فالآية الكريمة لا تخصص تلك الأمة من أهل الكتاب بعلماء التوراة ، فالآية الكريمة تصفهم بالعبادة وهذا الوصف قد يصدق على العلماء وعلى العبّاد من العامة منهم ممن حمل هذا الوصف ، وقد يوجد من علماء التوراة ممن لا يصدق عليهم هذا الوصف ، فليس صحيحاً قوله أن الله تعالى قد قال هذه الآية الكريمة عن علماء التوراة.

الرداءة بعد التزييف والتحريف :
يستعمل الدكتور كامل النجار هذه المرة مفردة ثالثة هي مفردة (الرداءة) ، فيقول : [(وفي كتب الأحاديث نجد مئات الأحاديث التي يقول عنها البخاري أو مسلم أو غيرهما إنها أحاديث رديئة، لكنهم يقبلونها ويدونونها في الصحاح. والمهم أنهم نبهوا الناس إليها. فأهل التوراة أو الإنجيل إذا عرفوا أن بعض الآيات غير صحيحة، ونبهوا عليها، فلا أرى غضاضة في ذلك)] ، ونحن نطالب الدكتور كامل النجار أن يثبت كلامه هذا بالدليل أي أن يذكر لنا المصدر الذي تم فيه وصف بعض أحاديث صحيحي البخاري ومسلم بالرديئة من قبل البخاري ومسلم أو من قبل علماء آخرين من علماء أهل السنة ، وإلا فإن فكرة الدكتور النجار كلها تصبح غير صحيحة ، لأن علماء أهل السنة هم الذين يعتقدون صحة كل أحاديث هذين الصحيحين.
ثم نقول بأن رأيه بأن "عدم صحة بعض آيات التوراة والأنجيل ليس فيه غضاضة" هو رأي شخصي له لأنه غير مهتم بالتعبد بأحد هذين الكتابين أو كليهما ، وأما اليهود والمسيحيون فيرفضون كلامه هذا.

حول جمع القـرآن :
قال الدكتور كامل النجار : [(معظم الباحثين يتفقون أن القرآن جمعه عثمان بن عفان وحرق بقية المصاحف الأخرى، ثم جاء الحجاج بن يوسف وحرق ما جمع عثمان وجمع مصحفه المنقح الذي امتاز على مصحف عثمان بأنه كان منقطاً، أي وُضعت على حروفه النقاط فزالت الأخطاء التي كانت تحدث في قراءة مصحف عثمان الذي لم تكن به نقاط)] ، فأما ما ذكره من أدعاء أن معظم الباحثين متفقون على كل ما ذكره فهو قول غير صحيح ، إلا أن يشترط في الباحثين أن يكونوا من غير المسلمين أي من اليهود والمسيحيين والملحدين وغيرهم ممن يهمهم توجيه الطعون إلى القرآن الكريم بكل وسيلة وكل طريقة ، وأما أن يشمل بكلامه المعتدلين من الباحثين من أي دين أو معتقد فلن يمكنه إثبات ذلك ، ولعله نسي أن يشمل برعايته الباحثين الشيعة الذين لديهم موقف واضح في إبطال كل ما ذكره ، لأن ما ذكره فيه الكثير من التهافت ، فمثلاً أدعاء أن الحجاج بن يوسف حرق ما جمع عثمان هو أدعاء واضح البطلان فالحجاج أقل شأناً من أن يتمكن من فعل ذلك ، وعصر الحجاج عصر الإضطرابات والخصومات الدموية والفتن ، فلم يكن يتهيأ له فعل ذلك دون أن يشنع عليه أحد أو يقف بوجهه أحد ، لا سيما وقد كان الحجاج من رجال دولة بني أمية التي يتربص بها الكثير من أعدائها الهاشميين والزبيريين والخوارج والكيسانية وغيرهم ، فلو فعل الحجاج شيئاً قليلاً مما ذكره في القرآن لكان أبلغ حجة لدى خصومه وخصوم الدولة الأموية لإظهار العداء لها وحربها.

حين " قال السيد الكرخي شيئاً غريباً " !!
قال الدكتور كامل النجار : [(ثم قال السيد الكرخي شيئاً غريباً حينما قال عن حديث الرسول " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " ما يلي: " وفي هذا الصدد يقول السيد الخوئي (قده) : ( وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوباً مجموعاً ، لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط ).
وهذا القول بعيد عن الحقيقة كل البعد، فكلمة " كتاب " من أكثر الكلمات العربية ميوعةً إذ يمكن استعمالها لعدة أشياء: فنجد مثلاً الآية 235 من سورة البقرة تقول: " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " ويقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية ( الكتاب هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم في إتمام العدة ). وكذلك تقول الآية 110 من سورة المائدة: " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة " فالله هنا لم يكتب لعيسى الإنجيل ولم يكن الإنجيل مكتوباً في عهد عيسى، ومع ذلك قال الله إنه علمه الكتاب. وهاهو إبراهيم يدعو الله أن يبعث في العرب رسولاً، فيقول: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ( البقرة 129). فعندما دعا إبراهيم هذا الدعاء لم يكن لا محمد ولا القرآن في عالم الوجود، ومع ذلك قال إبراهيم " يعلمهم الكتاب ". وفي سورة البقرة، الآية 213 يقول الله: " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ". ويقول القرطبي: " الكتاب " اسم جنس بمعنى الكتب ". فإذاً كون الرسول قد قال إنه ترك في أمته الكتاب، لا يعني أن القرآن كان مجموعاً ومكتوباً، كما قال السيد الخوئي)].
كنت أتمنى أن يكون الدكتور كامل النجار أكثر تأنياً في قراءة ما أكتبه ، فواضح جداً أن ما نقلته عن السيد الخوئي في كتابه (البيان في تفسير القرآن) حول إستخدام كلمة (الكتاب) كان مداره إستخدام هذه الكلمة إستعمالاً حقيقياً ومجازياً ، ولم يكن السيد الخوئي بصدد تعداد نطاق إستعمال هذه الكلمة في لغة العرب ، سواء كان ذلك الإستخدام في النكاح أو غيره ، فلماذا يحشر الدكتور النجار معاني أخرى لا صلة لها بموضوع بحثنا ثم يقول أن ما ذكره السيد الخوئي غير صحيح بدلاً من أن يخضع للدليل ، فهل هذا إلا تحكّم.
واما قول الدكتور كامل النجار بأن الإنجيل لم يكن مكتوباً في عهد المسيح فهو تفريط منه ، فكيف أستدل على عدم كتابة الإنجيل في عهد المسيح عليه السلام ، فهل أنَّ عدم وجود الإنجيل الذي بشر به المسيح وضياعه نتيجة إضطهاد اليهود والرومان هو دليل على نفي وجوده ! وقد ذكرنا في الرد الأول على كتابه أنَّ هناك أكثر من عشرين سفراً قد ضاعت من اليهود وأن هناك أربعة رسائل لبولس قد ضاعت من المسيحيين ، فضياع الأسفار المقدسة عندهم أمر شائع نتيجة ظروف الإضطهاد القاسية التي كانوا يمرون بها ، فلا غرابة حين يضيع الإنجيل بعد رفض اليهود له وإضطهاد المؤمنين به. وقد ورد في العهد الجديد نفسه كلمة (الإنجيل) أو (إنجيل المسيح) أو (إنجيل الله) في مواضع عديدة في دلالة واضحة لأقتباس كتّاب العهد الجديد لهذه الكلمة من الموروث الديني الذي تركه المسيح عيسى عليه السلام ، والمواضع التي ورد فيها ذكر كلمة (الإنجيل) أو (إنجيل المسيح) أو (إنجيل الله) وما شابهها ، في العهد الجديد هي :
ـ في إنجيل مرقس (1:1).
ـ في رسالة بولس إلى أهل روما (9:1) و(29:15).
ـ في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (18:9).
ـ في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس (12:2) و(14:10).
ـ في رسالة بولس إلى أهل غلاطية (6:1) و(7:1).
ـ في رسالة بولس إلى أهل أفسس (13:1).
ـ في رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي (8:2) و(2:3).
ـ في رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي (8:1).
ـ في رسالة بطرس الأولى (17:4).
وأما محاولة علماء المسيحية تاويل كلمة الإنجيل بإرجاعها إلى معنى (البشارة) فهو تحريف مفضوح يندرج في سلسلة تحريفاتهم المستمرة ضمن ما أطلقنا عليه (التحريف بالترجمة) وقد أكّد تحريفهم المذكور أنه في بعض المواضع التي ذكرناها لا يستقيم المعنى بعد إستبدال كلمة (إنجيل) بكلمة (بشارة) ، فضلاً عن تعارض مفهوم البشارة مع مفهوم العزاء ، فلو كان المؤمن بالعهد الجديد يعيش أجواء البشارة بالخلاص فلماذا وعدهم المسيح بإرسال معزّي لهم ، فقال في إنجيل يوحنا (16:14) : (وسأطلب من الآب أن يعطيكم معزياً آخر يبقى معكم إلى الأبد) ، ومعروف أن المعزّي إنما يحتاج إليه في أجواء الحزن والظلم لا في أجواء البشارة والسرور. فالصحيح هو أستعمال كلمة (الإنجيل) المأخوذة من أسم الكتاب الذي كان يبشر به المسيح عليه السلام.
لقد توارث المسيحيون كلمة (الإنجيل) بإعتبارها أسم علم يطلق على كتاب متى وأيضاً على كتاب مرقس وكتاب لوقا وكتاب يوحنا ، كلٌ على حدة ، حتى أصبحت جزءاً من الموروث الديني والثقافي عندهم ولم يعد بسهولة التخلص من هذا الموروث بإستبدال كلمة (إنجيل) بكلمة (بشارة) ، فالذين يستعملون هذه الكلمة (البشارة) ما زالوا يسمون الأسفار الأربعة في العهد الجديد بالأناجيل الأربعة ، وليس البشارات الأربعة ، لأن أسم الأنجيل هو أسم علم وليس مجرد كلمة يمكن ترجمة معناها من لغة إلى أخرى.
ولم يكن يجدر بالدكتور كامل النجار أن يستشهد بالآية (110) من سورة المائدة وهي قوله تعالى مخاطباً المسيح عليه السلام : (( وإذ علمتك الكتاب والحكمة )) ، ثم يعلق الدكتور النجار قائلاً : [(فالله هنا لم يكتب لعيسى الإنجيل ولم يكن الإنجيل مكتوباً في عهد عيسى، ومع ذلك قال الله إنه علمه الكتاب)] ، وفي هذا التعليق إنكار لما في القرآن الكريم من أن الله عزَّ وجل قد آتى المسيحَ عليه السلام الإنجيل فقال تعالى في الآية (27) من سورة الحديد : (( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الانجيل )) ، فليؤمن الدكتور النجار بما شاء ولكن أن يستشهد بآية قرآنية وينكر آية أخرى مرتبطة بها في سياق بحثٍ واحدٍ ، فهذا خارج أسلوب البحث العلمي ، ولعل هذا الأمر غاب عن ذهنه.

وأما قول الدكتور كامل النجار : [(وهاهو إبراهيم يدعو الله أن يبعث في العرب رسولاً، فيقول: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ( البقرة 129). فعندما دعا إبراهيم هذا الدعاء لم يكن لا محمد ولا القرآن في عالم الوجود)] ، فأين الدليل على أن إستعمال النبي إبراهيم الخليل عليه السلام لمفردة (الكتاب) تعني أنه يطلق على ما في الصدور ! فنحن نعلم أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان لديه كتاب أيضاً ذكره الله تعالى في القرآن الكريم بقوله تعالى : (( إنَّ ذلك لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى )) ، ثم أن دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام على فرض أنه يخص القرآن الكريم فلا يدل على تخصيصه بما في الصدور بل إنَّ إبراهيم الخليل عليه السلام كان يعلم ذلك بتعليم الله عزَّ وجل له ، فدعا بدعائه المذكور في الآية الكريمة وهو يقصد الكتاب الذي سينزل على نبي آخر الزمان والذي سيجمع في المصحف ، كما هو حال الصحف التي عنده وصحف موسى عليه السلام أي التوراة وكما هو حال إنجيل عيسى عليه السلام ، فلا يوجد ما يدعم فكرة الدكتور كامل النجار ! فإذن قوله [(فإذاً كون الرسول قد قال إنه ترك في أمته الكتاب، لا يعني أن القرآن كان مجموعاً ومكتوباً)] هو محض تحكم لا دليل عليه ، وقد أغنانا السيد الخوئي ببيان المسألة ، فليت الدكتور النجار رجع وتدبر ما ذكرناه.

كتابة تفسير القرآن في المصحف :
قال الدكتور كامل النجار : [(و أقول للسيد الكرخي: ما زال المسلمون يكتبون التفسير مع المصحف داخل المصحف ( راجع تفسير الجلالين) )] ، فلعل من الواضح أن بعض المسلمين أيام الخليفة عثمان كانوا حين يكتبون تفسير القرآن إنما يكتبونه ضمن الآيات القرآنية وبشكل يؤدي إلى الإلتباس والتداخل بين الآية والتفسير ، جهلاً منهم أو سوء تقدير للأمر ، أما اليوم فالتفسير يكتب بصورة تمنع الإلتباس على المسلمين لا سيما وأنه يكتب في هوامش الصفحة وبصورة منفصلة عن آيات القرآن الكريم بكل وضوح ، كما هو حال تفسير شبَّر وتفسير الجلالين وغيرهما.
ذلك الإلتباس والتداخل الذي قام به بعض المعتنقين للإسلام حديثاً في زمنه لا سيما من الأمم الأخرى هو الذي منع الخليفة عثمان من إستمراره ، صيانة للقرآن الكريم ، فسعى إلى إتلاف النسخ الحاوية عليه.


تشويه سمعة الزيات :
قال الدكتور كامل النجار : [(وما زال المسلمون يقرؤون القرآن بسبعة أو عشرة قراءات لأنه كُتب أولاً بدون نقاط فتشابهت عليهم الكلمات، مثل الرجل الذي قرأ " قرآن لا ريب فيه " قرأها " قرآن لا زيت فيه " لأن الحروف لم تكن منقطة، فسموه " الزيات " من وقتها. وبعضهم يغير الكلمات أو يضيف كلمات جديدة، فمثلاً الآية: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب " نجدها في مصحف أبي " ربنا وابعث في آخرهم رسولاً منهم " فأضاف " في آخرهم ". وكذلك " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً " قرأها ابن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة " ولم تجدوا كتاباً ")] ، فهو هنا يخلط بين ثلاثة مواضيع مختلفة لتكون نتيجة عملية الخلط هذه خلطة غير منسجمة بهيئة شبهة باهتة تحاول الطعن بالقرآن الكريم ، فلقد خلط بين موضوع القرءات القرآنية المتعارف عليها وبين موضوع القراءات الشاذة وبين موضوع التصحيف للألفاظ ، فالقول بأن رجلاً قرأ (قرآن لا ريب فيه) قرأه لا زيت فيه هو قول مكذوب على المحدث حمزة الزيات كذبه عليه أعداءه ، وقد ذكر العسكري في كتابيه (أخبار المصحفين) و(تصحيفات المحدثين) أنه مفترى عليه من أعدائه حيث قال : (أخبرنا الحسن قال سمعت أبا بكر محمد بن يحيى يحكي قال مما يرويه أعداء حمزة الزيات انه كان في أول تعلمه القرآن يتعلم من المصحف فقرأ ذلك الكتاب لا زيت فيه فقال له أبوه دع المصحف وتلقن من أفواه الرجال) ، علماً أن لقب الزيات لحقه لأنه (كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة) ـ كما ذكر ذلك أبن حبان في كتابه الثقاة ج 6 ص 228 ـ ومن جهة أخرى فأن حمزة الزيات توفي سنة 156هـ أي أنه قد عاش في فترة كان المصحف فيها قد تم تنقيطه ، فموضوع (لا ريب فيه) و(لازيت فيه) هو موضوع تصحيف وليس موضوع قراءة قرآنية ، فما حاول الدكتور كامل النجار أن يصوره من أن رجلاً قرأ لا زيت فيه قبل أن يتم تنقيط المصحف هو كلام لا أساس له من الصحة.
وأما القراءات الشاذة التي أوردها الدكتور النجار عن أبيّ فهي قراءة شاذة أوردها القرطبي في تفسيره بدون أسناد ، ومثل هذه القراءة لا قيمة لها ولا دليل على صحة نسبتها لأبيّ.
وأما القراءة الشاذة التي نسبها لأبن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة فهي قد ذكرها القرطبي في تفسيره وهي بدون سند أيضاً ، وسبب هذه القراءة يعود إلى رسم الكلمة حيث كتبها المسلمون (كتبا) ويقرأونها (كاتباً) فقرأها بعضهم على ما قيل (كتاباً) وقرأ آخرون (كتباً) جمع كتاب وهكذا ، فالموضوع لا أرتباط له بما ذكرناه من أخطاء بعض الأقوام التي أعتنقت الإسلام في قرائتها لبعض آيات القرآن بإبدال بعض كلماته وتثبيت تلك الأخطاء في المصحف والتي كانت من أسباب إتلاف الخليفة عثمان لتلك النسخ من المصحف ، فأرجو الأنتباه إلى أن أسلوب "خلط الأوراق" ـ إنْ صح التعبير ـ والذي يستخدمه الدكتور كامل النجار لايخدم الحقيقة ولا يخدم البحث العلمي الذي نطمح للإرتقاء به.

سوء فهم لبعض كلامي :
قال الدكتور كامل النجار : [(وقال السيد الكرخي: " وكذلك منع عثمان من يكتب قرآناً بترتيب آيات وسور يختلف من مصحف لآخر وفقاً لرغبات الناس وأهوائهم ، فمنع عثمان مثل هذا التبديل ونشر المصحف الذي يحتوي على القرآن الكريم كما نزل وتقبله المسلمون لأن غالبيتهم يمتلكون نسخاً مطابقة لنسخة المصحف الذي نشره عثمان ". فكيف يستطيع السيد الكرخي أن يقول إن عثمان كتب المصحف بالترتيب الذي نزل به على النبي، وفي المصحف الذي بين أيدينا نجد أن الآيات المدنية الطويلة كُتبت في بداية المصحف قبل الآيات المكية، ونجد معظم الآيات المكية تحتوي على آيات مدنية وبعض الآيات المدنية تحتوي على آيات مكية)] ، فأنا لم أقل أن عثمان كتب المصحف بترتيب النزول ، فكلامي واضح وهو أن هناك بعض الناس كتبوا مصاحف بترتيب للسور والآيات يختلف عن المصحف الموجود اليوم وهو الترتيب الذي كان موجودا في زمن عثمان ، فمنع عثمان الناس من أن يكتب كل منهم ما يريده من ترتيب ، فأنا تحدثت عن ترتيب آيات وسور وليس عن ترتيب حسب النزول ، وأما قولي (ونشر المصحف الذي يحتوي على القرآن الكريم كما نزل) فأقصد نزل من حيث الألفاظ لا من حيث ترتيب الآيات والسور.


أبن شنبوذ وشذوذه !
قال الدكتور كامل النجار : [(أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن الذي نزل على محمد وبنفس الترتيب ولا حتى نفس الكلمات، فهناك كلمات كثيرة اختلفت فيها المصاحف، وما قصة ابن شنبوذ الذي كان يقرأ القرآن بعدة قراءات تختلف عن مصحف عثمان، فدعاه الوالي إلى اجتماع مع القضاة ليفصلوا في قراءاته، وأفحم الرجل كل الحاضرين، ولكن رغم ذلك ضربوه وهددوه بالرجم ما لم يتبع مصحف عثمان، ففعل، إلا دليل على اختلاف وجهات النظر وقتها في مصحف عثمان. وحتى الخليفة عمر بن الخطاب قال: " كيف يقول الرجل منكم إنه حفظ القرآن كما نزل، وما يدريه كيف نزل، وإنما الصواب أن يقول حفظته كما علمته ")] ، فاما إتخاذ قصة أبن شنبوذ لتكون دليلاً على إختلاف وجهات النظر فهو دليل على تهافت أدلة من يطعن بسلامة القرآن الكريم ، وأنا أقصد بقولي هذا القصة الحقيقية لأبن شنبوذ وليس القصة المفبركة التي ذكرها الدكتور كامل النجار هنا ، فليس في قصة أبن شنبوذ قراءة بقراءات تختلف عن مصحف عثمان بل كان أبن شنبوذ يجمع القراءات الشاذة التي لم تثبت بطريق معتبر فيقرأ بها وأصر على فعله ، وعندما أستدعاه الوزير أبن مقلة ـ وليس الوالي ! ـ أصر أبن شنبوذ على فعله الشاذ ذلك ولم يكن هناك إفحام للحاضرين من قبل أبن شنبوذ ولا شيء من هذا القبيل فهذا كله أفتراء ، وأظن أن الدكتور قد نقل حكايته المشوهه تلك عن بعض المصادر التي لم تكن أمينة في عرض تلك القصة فوقع الدكتور النجار في سوء عملها ، ولنقرأ نص القصة كما ذكرها أبن عساكر في تاريخ دمشق ج1 ص259-260 :
(محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت أبو الحسن المقرئ المعروف بابن شنبوذ) ... (وكان قد تخير لنفسه حروفا من شواذ القراءات تخالف الاجماع فقرأ بها فصنف أبو بكر بن الانباري وغيره كتبا في الرد عليه )... إلى أن يروي عن إسماعيل بن علي الخطبي في كتاب التاريخ قوله : (واشتهر ببغداد أمر رجل يعرف بابن شنبوذ يقرئ الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف مما يروى عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما مما كان يقرأ به قبل جمع المصحف الذي جمعه عثمان بن عفان ويتبع الشواذ فيقرأ بها ويجادل حتى عظم أمره وفحش وأنكره الناس فوجه السلطان فقبض عليه يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وحمل إلى دار الوزير محمد بن علي يعني بن مقلة وأحضر القضاة والفقهاء والقراء وناظره يعني الوزير بحضرتهم فأقام على ما ذكر عنه ونصره وأستنزله الوزير عن ذلك فأبى أن ينزل عنه أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف وتخالفه فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس وأشاروا بعقوبته ومعاملته مما يضطره إلى الرجوع فأمر بتجريده وإقامته بين الهنبازين وضربه بالدرة على قفاه فضرب نحو العشرة ضربا شديدا فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة فخلى عنه وأعيدت إليه ثيابه واستتيب وكتب عليه كتاب بتوبته وأخذ فيه خطه بالتوبة حدثني القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي قال قال لي أبو الفرج الشنبوذي وغيره مات بن شنبوذ في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة).
أراد أبن شنبوذ وهو من القرآء المعروفين في ذلك الزمان ، أراد أن يشيع بين الناس قراءات شاذة ، قراءات من نفس النمط الذي ذكرناه في التعقيب الثاني وبينا أن بعض الناس كانوا يقرأون به ، وقد زاد الطين بلة أن أبن شنبوذ كان إمام جماعة كما يظهر مما رواه أبن عساكر ، ومعروف بان إمام الجماعة إنْ بطلت صلاته بطلت صلاة المصلين خلفه ، فأثار أبن شنبوذ بفعله ذاك بلبلة بين الناس دفعت أبو بكر بن الأنباري للرد عليه بكتاب ، وبيان عدم صحة فعله بأنتخابه القراءات الشاذة ليقرأ بها على ملأ من المسلمين وفي فريضتهم اليومية ، ولا نعلم سبباً واضحاً دفع أبن شنبوذ لهذا الفعل سوى حب الظهور بين الناس ، وكما يقال في المثل : خالف تعرف ، علماً أن قصة أبن شنبوذ قد حدثت في القرن الرابع الهجري ، أي بعد أكثر من ثلاثة قرون من قضاء عثمان على بدعة القراءات الدخيلة ـ إنْ صح التعبير ـ فأراد أبن شنبوذ أن يحيي تلك البدعة عبر سلوكه لنفس الأساليب ، فيروي أبن النديم في الفهرست أن أبن شنبوذ كان يقرأ : (إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله) بدلاً من ((فاسعوا إلى ذكر الله) ، وكان يقرأ : (تبت يدا ابى لهب وقد تب) بدلاً من ((تبت يدا ابي لهب وتب)) ، وكان يقرأ : (كالصوف المنفوش) بدلاً من ((كالعهن المنفوش)) ، وقرأ : (الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد عريض) بدلاً من ((الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير)) ، فهذا النوع من القراءات الدخيلة والشاذة قد ذكرناه في التعقيب الثاني حول عثمان بأنه (منع الناس من القراءة بقراءات دخيلة حيث كان بعض الناس يقرأون القرآن بإبدال كلمات القرآن الكريم بكلمات ذات معنى قريب مثل قرائتهم الآية ((إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأ وأقوم قيلا)) يقرأونها (وأصوب قيلا) وقرائتهم الآية ((إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم)) يقرأونها : (طعام الفاجر) ، وهكذا لا سيما بعد الفتوحات الإسلامية ودخول أقوام متعددون في الإسلام في ذلك الزمن).

إنَّ من يحاولون التشكيك بسلامة القرآن الكريم وتوجيه الطعون إليه يلجأون دائماً إلى الأقوال الشاذة أو يلجأون إلى آراء رجال شذوا بأفكارهم عن مجموع الأمة ، حيث لا يجدون شبهات حقيقية فيلجأون إلى هذا الأسلوب الواضح البطلان ، وسنلتقي في الحلقة الثالثة من هذا التعقيب بمشيئة الله بنموذج آخر يذكره الدكتور كامل النجار عن بعض الشاذين عن مجموع الأمة حين ينقل بعض الآراء المتطرفة عن إحسان إلهي ظهير بخصوص الشيعة وبخصوص صيانة القرآن الكريم عن التحريف.

 الحلقة الثالثة

نبتدأ هذه الحلقة ببيان أستمرار الدكتور كامل النجار الإعتماد على الأقوال الشاذة ، فبعد أعتماده على القول الشاذ لأبن شنبوذ ، نجده يحاكي إحسان إلهي ظهير في نقله الأقوال الشاذة عن علماء الشيعة ومحاولة إظهارها كأنها الأقوال المعتمدة في المذهب ، مع ان أساطين علماء الشيعة واضحين كل الوضوح في القول بسلامة القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل والضياع ، ونستميح الدكتور كامل النجار في نقل نص طويل قليلاً كتبه الشيخ علي كوراني في كتابه (تدوين القرآن) يتبين لنا من خلاله أن مذهب الشيعة يقول بسلامة القرآن الموجود اليوم من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان ، ويتبين لنا من خلاله أن الباحث المنصف يجب أن يعتمد على الأقوال المعتمدة في المذهب وليس على الأقوال الشاذة ، والقول الشاذ يعبر عن وجهة نظر صاحبه مهما علت منزلته ، فلا أحد أعلى من الحق أو فوق القانون كما في تعبيرنا المعاصر ـ إنْ صح التعبير ـ وأقوال المذهب تحدده مجموع أقوال أساطين علماءه ، ولنعد إلى ما كتبه الشيخ علي كوراني ليتضح لنا حقيقة موقف الشيعة من القرآن الكريم.
قال الشيخ علي كوراني : (خلاصة ردود علماء الشيعة : صدرت عن علماء الشيعة ردود عديدة على تهمة القول بتحريف القرآن ، نذكر خلاصة أفكارها بما يلي :
1 - أن واقع الشيعة في العالم يكذب التهمة فالشيعة ليسوا طائفة قليلة تعيش في قرية نائية أو مجتمع مقفل ، حتى يخفى قرآنهم الذي يعتقدون به ويقرؤونه . بل هم ملايين الناس وعشرات الملايين ، يعيشون في أكثر بلاد العالم الإسلامي ، وهذه بلادهم وبيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم ومدارسهم وحوزاتهم العملية ، لا تجد فيها إلا نسخة هذا القرآن . . ولو كانوا لا يعتقدون به ويعتقدون بغيره دونه أو معه ، فلماذا يقرؤونه في بيوتهم ومراكزهم ومناسباتهم ولا يقرؤون غيره ؟ ولماذا يدرسونه ولا يدرسون غيره ؟ !
2 - ومذهب التشيع مبني على التمسك بالقرآن والعترة قام مذهب التشيع لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله على الإعتقاد بأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يوصي أمته بالتمسك بعده بالقرآن وعترة النبي ، لأنه اختارهم للإمامة وقيادة الأمة بعد نبيه صلى الله عليه وآله . وحديث الثقلين حديث ثابت عند الشيعة والسنة ، فقد رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 17 ( عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أوشك أن ادعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي . كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض ، وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروني بم تخلفوني فيهما ؟ ! ) . وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدد الطرق عند الطرفين بحيث أن أحد علماء الهند ألف في أسانيده وطرقه كتاب ( عبقات الأنوار ) من عدة مجلدات . وعندما يقوم مذهب طائفة على التمسك بوصية النبي بالثقلين ، الثقل الأكبر القرآن والثقل الأصغر أهل بيت نبيهم . . فكيف يصح اتهامهم بأنهم لا يؤمنون بأحد ركني مذهبهم ؟ ! إن مثل القرآن والعترة - الذين هم المفسرون للقرآن والمبلغون للسنة - في مذهبنا ، كمثل الأوكسجين والهيدر وجين ، فبدون أحدهما لا يتحقق وجود مذهب التشيع . . ولم تقتصر تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله على التمسك بعترته على حديث الثقلين ، بل كانت متكررة وممتدة طوال حياته الشريفة ، وكان أولها مبكرا في مرحلة دعوة عشيرته الأقربين - التي يقفز عنها كتاب السيرة في عصرنا ويسمونها مرحلة دار الأرقم - يوم نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين فجمع بني عبد المطلب ودعاهم الى الإسلام ، وأعلن لهم أن عليا وزيره وخليفته من بعده ! قال السيد شرف الدين في المراجعات ص 187 ( . . . فدعاهم الى دار عمه أبي طالب وهم يومئذ أربعـون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، وفيهـم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، والحديـث في ذلك من صحاح السنن المأثورة ، وفي آخره قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها غير علي - وكان أصغرهم - إذ قام فقال : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه . فأخذ رسول الله برقبته وقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمـرك أن تسمع لابنك وتطيع ! ) انتهى . وتواصلت تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله بعد حديث الدار في مناسبات عديدة ، كان منها حديث الثقلين ، وكان منها تحديد من هم أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس . . ثم كان أوجها أن أخذ البيعة من المسلمين لعلي في حجة الوداع في مكان يدعى غدير خم . . وقد روت ذلك مصادر الفريقين أيضا ، وألف أحد علماء الشيعة كتاب ( الغدير ) من عدة مجلدات في جمع أسانيده وما يتعلق به .
3 - والشيعة عندهم قاعدة عرض الأحاديث على القرآن من مباحث أصول الفقه عند الشيعة والسنة : مسألة تعارض الأحاديث مع القرآن ، وتعارض الأحاديث فيما بينها . . وفي كلتا المسألتين يتشدد الشيعة في ترجيح القرآن أكثر من إخوانهم السنة ، فعلماء السنة مثلا يجوزون نسخ آيات القرآن بالحديث حتى لو رواه صحابي واحد . . ولذلك صححوا موقف الخليفة أبي بكر السلبي من فاطمة الزهراء عليها السلام ، حيث صادر منها ( فدك ) التي نحلها إياها النبي صلى الله عليه وآله وكانت بيدها في حياة أبيها ، ثم منعها إرثها من أبيها صلى الله عليه وآله بدعوى أنه سمع النبي يقول ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) يقصد أن ما تركه النبي يكون صدقة بيد الدولة . . واحتجت عليه فاطمة الزهراء عليها السلام بالقرآن وقالت له كما روى النعماني المغربي في شرح الأخبار ج 3 ص 36 : يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي . . ؟ ! لقد جئت شيئا فريا ، فقال علماء السنة إن عمل أبي بكر صحيح ، وآيات الإرث في القرآن منسوخة بالرواية التي رواها أبو بكر وحده ، ولم يروها غيره ! أما إذا تعارض الحديثان فقد وضع علماء الأصول والحديث لذلك موازين لترجيح أحدهما على الآخر ، ومن أولها عند الفريقين الأخذ بالحديث الموافق لكتاب الله تعالى وترك ما خالفه . . إلخ . وزاد علماء الشيعة على ذلك أنه بقطع النظر عن وجود التعارض بين الأحاديث أو عدم وجوده ، فإنه يجب عرض كل حديث على كتاب الله تعالى ، والأخذ بما وافقه إن استكمل بقية شروط القبول الأخرى ، ورد ما خالفه وإن استجمع شروط القبول الأخرى ، ورووا في ذلك روايات صحيحة عن النبي وآله صلى الله عليه وآله . . ففي الكافي ج 1 ص 69 ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه . . . . عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال : أيها الناس ما جاء كم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وما جاء كم يخالف كتاب الله فلم أقله . . . . عن عبد الله بن أبي يعفور ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لانثق به ؟ قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإلا فالذي جاء كم به أولى به . . . . عن أيوب بن الحر قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : كل شئ مردود الى الكتاب والسنة ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف ) . وفي تهذيب الأحكام للطوسي ج 7 ص 275 ( . . . فهذان الخبران قد وردا شاذين مخالفين لظاهر كتاب الله ، وكل حديث ورد هذا المورد فإنه لا يجوز العمل عليه ، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا إذا جاءكم منا حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا . وهذان الخبران مخالفان على ما ترى . . ) انتهى . فكيف يتهم الشيعة بعدم الإعتقاد بالقرآن ، والقرآن هو المقياس الأول في مذهبهم ، وهم يخوضون معركة فكرية مع إخوانهم السنة ويكافحون من أجل تحكيم نصوص القرآن ، وقد اشتهرت عنهم إشكالاتهم على اجتهادات الخلفاء في مقابل نص القرآن والسنة ، ومازال علماء السنة الى عصرنا يسعون للإجابة على هذه الإشكالات !
4 - وتاريخ الشيعة وثقافتهم مبنيان على القرآن والشيعة ليسوا طائفة مستحدثة ، بل جذورهم ضاربة الى زمن النبي صلى الله عليه وآله ، حيث كان عدد من الصحابة يلتفون حول علي عليه السلام ، فشجعهم النبي على ذلك ، ومدحهم وأبلغهم مدح الله تعالى لهم ، كما ترويه مصادر السنة والشيعة . . فقد روى السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 379 في تفسير قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية فقال : ( وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل على فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة . ونزلت : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية . فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل على قالوا : جاء خير البرية . وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا : على خير البرية . وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال لما نزلت : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين . وأخرج ابن مردويه عن علي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم تسمع قول الله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ، أنت وشيعتك . وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب ، تدعون غرا محجلين ) انتهى . فعلى وشيعته كانوا وجودا مميزا في زمن النبي صلى الله عليه وآله ، وهم الذين كانوا مشغولين مع علي بجنازة النبي ، عندما بادر الآخرون الى السقيفة ورتبوا بيعة أبي بكر ، فأدان علي وفاطمة وشيعتهم هذا التصرف ، واتخذوا موقف المعارضة . . وعندما بويع علي بالخلافة كانوا معه في مواجهة الإنحراف وتنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقتال على تأويل القرآن . . ثم كانوا مع أبنائه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام . . وعبر القرون كان الشيعة قطاعا كبيرا حيويا واسع الإمتداد في الأمة تمثل في مجتمعات ودول ، وتاريخ معروف مدون . . وثقافتهم ومؤلفاتهم كثيرة وغزيرة ، وقد كانت وما زالت في متناول الجميع ، ومحورها كلها القرآن والسنة ، ولا أثر فيها لوجود قرآن آخر ! !
5 - وتفاسيرهم ومؤلفاتهم حول القرآن يمكن القول بأن عدد الشيعة عبر العصور المختلفة كان خمس عدد الأمة الإسلامية ، وبقية المذاهب السنية أربعة أخماس . . فالوضع الطبيعي أن تكون نسبة مؤلفاتهم في تفسير القرآن ومواضيعه الأخرى خمس مجموع مؤلفات إخوانهم السنة . . وإذا لاحظنا ظروف الإضطهاد التي عاشها الشيعة عبر القرون ، نكون منصفين إذا توقعنا من علمائهم عشر ما ألفه إخوانهم السنة حول القرآن بل نصف العشر . . بينما نجد أن مؤلفات الشيعة حول القرآن قد تزيد على الثلث ! وقد أحصت دار القرآن الكريم في قم التي أسسها مرجع الشيعة الراحل السيد الكلبايكاني رحمه الله ، مؤلفات الشيعة في التفسير فقط في القرون المختلفة ، فزادت على خمسة آلاف مؤلف . . فكيف يصح أن نعمد الى طائفة أسهموا على مدى التاريخ الإسلامي أكثر من غيرهم في التأليف في تفسير القرآن وعلومه . . ونتهمهم بعدم الإيمان بالقرآن ، أو بأن عندهم قرآنا آخر ! !
6 - وفقه الشيعة في احترام القرآن أكثر تشددا توجد مجموعة أحكام شرعية عند الشيعة تتعلق بوجوب احترام نسخة القرآن الكريم وحرمة إهانتها . . فلا يجوز عندنا مس خط القرآن لغير المتطهر ، ولايجوز القيام بأي عمل يعتبر عرفا إهانة للقرآن ولو لم يقصد صاحبه الإهانة ، كأن يضع نسخة القرآن في مكان غير مناسب ، أو يرميها رميا غير لائق ، أو ينام ونسخة المصحف في مكان مواجه لقدميه ، أو يضعها في متناول طفل يسئ الى قداستها . . الى آخر هذه الأحكام التي تشاهدها في كتب الفقه العملي الذي يعلم الناس الصلاة والوضوء والأحكام التي يحتاجها الشيعي في حياته اليومية . . فأي قرآن تقصد هذه الأحكام التي تعلمها نساء الشيعة لأطفالهن . . ؟ هل تقصد قرآن الشيعة المزعوم الذي لا يعرفه الشيعة ولا رأوه ؟ !
7 - وفتاوى علماء الشيعة بعدم تحريف القرآن الذين يمثلون الشيعة في كل عصر هم علماؤهم ، فهم الخبراء بمذهب التشيع لأهل البيت عليهم السلام ، الذين يميزون ما هو جزء منه وما هو خارج عنه . . وعندما نقول علماء الشيعة نعني بالدرجة الأولى مراجع التقليد الذين يرجع إليهم ملايين الشيعة ويقلدونهم ، ويأخذون منهم أحكام دينهم في كيفية صلاتهم وصومهم وحجهم ، وأحكام زواجهم وطلاقهم وإرثهم ، معاملاتهم . . فهؤلاء الفقهاء ، الذين هم كبار المجتهدين في كل عصر ، يعتبر قولهم رأي الشيعة ، وعقيدتهم عقيدة الشيعة . ويليهم في الإعتبار بقية العلماء ، فهم يعبرون عن رأي الشيعة نسبيا . . وتبقى الكلمة الفصل في تصويب آرائهم وأفكارهم لمراجع التقليد . وقد صدرت فتاوى مراجع الشيعة في عصرنا جوابا على تهمة الخصوم فأجمع مراجعهم على أن اتهام الشيعة بعدم الاعتقاد بالقرآن افتراء عليهم وبهتان عظيم ، وأن الشيعة يعتقدون بسلامة هذا القرآن وأنه القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله دون زيادة أو نقيصة . . وهـذه نماذج من فتـاوى عدد من فقهـاء الشيعة الماضين والحاضرين ننقلها ملخصة من كتاب ( البرهان على صيانة القرآن ) للسيد مرتضى الرضوي ص 239 فما بعدها :

رأي الشيخ الصدوق : ( إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة ( يعني في الصلاة ) ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب ) .

رأي الشيخ المفيد : ( وأما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان ، وما أشبه ذلك مما لا يبلغ حد الإعجاز ، ويكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن ، غير أنه لابد متى وقع ذلك من أن يدل الله عليه ، ويوضح لعباده عن الحق فيه . ولست أقطع على كون ذلك ، بل أميل الى عدمه وسلامة القرآن عنه ) .

رأي الشريف المرتضى : ( المحكي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن ، فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان ، حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه وآله ويتلى عليه ، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله عدة ختمات . وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منثور ، ولا مبثوث ) .

رأي الشيخ الطوسى : ( وأما الكلام في زيادته ونقصانه ، فمما لا يليق به أيضا ، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله وهو الظاهر في الروايات . . ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته ، والتمسك بما فيه ، ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال إني مخلف فيكم الثقلين ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر . لأنه لا يجوز أن يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به . كما أن أهل البيت عليهم السلام ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت . وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته ، فينبغي أن نتشاغل بتفسيره ، وبيان معانيه ، ونترك ما سواه ) . رأي الشيخ الطبرسي : ( فإن العناية اشتدت ، والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت الى حد لم يبلغه فيما ذكرناه ، لأن القرآن معجزة النبوة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيرا ، أو منقوصا مع العناية الصادقة ، والضبط الشديد ) .

رأي الفيض الكاشاني : ( قال الله عزوجل وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ؟ ! وأيضا قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له ، وفساده بمخالفته ، فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض ، مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله ، مكذب له ، فيجب رده ، والحكم بفساده ) .

رأي الشيخ جعفر الجناجي ( بجيمين ، كاشف الغطاء ) : ( لا زيادة فيه من سورة ، ولا آية من بسملة وغيرها ، لا كلمة ولا حرف . وجميع ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب بل الدين ، وإجماع المسلمين ، وأخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام ، وإن خالف بعض من لا يعتد به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن . . . لا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن ، وإجماع العلماء في جميع الأزمان ، ولا عبرة بالنادر ) .

رأي السيد محسن الأمين العاملي : ( ونقول : لا يقول أحد من الإمامية لا قديما ولا حديثا إن القرآن مزيد فيه ، قليل أو كثير ، فضلا عن كلهم ، بل كلهم متفقون على عدم الزيادة ، ومن يعتد بقوله من محققيهم متفقون على أنه لم ينقص منه ) .

رأي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء : ( وإن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز والتحدي ، وتمييز الحلال من الحرام ، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة ، وعلى هذا إجماعهم ) .

رأي السيد شرف الدين العاملي : ( والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إنما هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف ، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواترا قطعيا الى عهد الوحي والنبوة ، وكان مجموعا على ذلك العهد الأقدس مؤلفا على ما هو عليه الآن ، وكان جبرائيل عليه السلام يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن في كل عام مرة ، وقد عارضه به عام وفاته مرتين . والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي صلى الله عليه وآله حتى ختموه عليه صلى الله عليه وآله مرارا عديدة ، وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الإمامية . . . نسب الى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات إلخ . فأقول : نعوذ بالله من هذا القول ، ونبرأ الى الله تعالى من هذا الجهل ، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا ، أو مفتر علينا ، فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته ، تواترا قطعيا عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام ، لا يرتاب في ذلك إلا معتوه ، وأئمة أهل البيت كلهم أجمعون رفعوه الى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى ، وهذا
أيضا مما لا ريب فيه ، وظواهر القرآن الحكيم - فضلا عن نصوصه - أبلغ حجج الله تعالى ، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية ، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة ، وبذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار ، ولا يأبهون بها ، عملا بأوامر أئمتهم عليهم السلام ) .

رأي السيد البروجردي الطباطبائي : قال الشيخ لطف الله الصافي عن أستاذه آية الله السيد حسين البروجردي ( فإنه أفاد في بعض أبحاثه في الأصول كما كتبنا عنه ، بطلان القول بالتحريف ، وقداسة القرآن عن وقوع الزيادة فيه ، وأن الضرورة قائمة على خلافه ، وضعف أخبار النقيصة غاية الضعف سندا ودلالة . وقال : وإن بعض هذه الروايات تشتمل على ما يخالف القطع والضرورة ، وما يخالف مصلحة النبوة . وقال في آخر كلامه الشريف : ثم العجب كل العجب من قوم يزعمون أن الأخبار محفوظة في الألسن والكتب في مدة تزيد على ألف وثلاثمائة سنة ، وأنه لو حدث فيها نقص لظهر ، ومع ذلك يحتملون تطرق النقيصة الى القرآن المجيد ) .

رأي السيد محسن الحكيم الطباطبائي : ( وبعد ، فإن رأي كبار المحققين ، وعقيدة علماء الفريقين ، ونوع المسلمين من صدر الإسلام الى اليوم على أن القرآن بترتيب الآيات والسور والجمع كما هو المتداول بالأيدي ، لم يقل الكبار بتحريفه من قبل ، ولا من بعد ) .

رأي السيد محمد هادي الميلاني : ( الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . أقول بضرس قاطع إن القرآن الكريم لم يقع فيه أي تحريف لا بزيادة ولا بنقصان ، ولا بتغيير بعض الألفاظ ، وإن وردت بعض الروايات في التحريف المقصود منها تغيير المعنى بآراء وتوجيهات وتأويلات باطلة ، لا تغيير الألفاظ والعبارات . وإذا اطلع أحد على رواية وظن بصدقها وقع في اشتباه وخطأ ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) .

رأي السيد محمد رضا الكلبايكاني : ( وقال الشيخ لطف الله الصافي دام ظله : ولنعم ما أفاده العلامة الفقيه والمرجع الديني السيد محمد رضا الكلبايكاني بعد التصريح بأن ما في الدفتين هو القرآن المجيد ، ذلك الكتاب لا ريب فيه ، والمجموع المرتب في عصر الرسالة بأمر الرسول صلى الله عليه وآله ، بلا تحريف ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان ، وإقامة البرهان عليه : أن احتمال التغيير زيادة ونقيصة في القرآن كاحتمال تغيير المرسل به ، واحتمال كون القبلة غير الكعبة في غاية السقوط لا يقبله العقل ، وهو مستقل بامتناعه عادة ) .

رأي السيد محمد حسين الطباطبائي : ( فقد تبين مما فصلناه أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله ووصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل ، مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير كما وعد الله نبيه فيه . وخلاصة الحجة أن القرآن أنزله الله على نبيه ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصة لو كان تغيير في شئ من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر ، فقد آثار تلك الصفة قطعا ، لكنا نجد القرآن الذي بأيدينا واجدا لآثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن وأحسن ما يكون ، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئا من صفاته ، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله بعينه ، فلو فرض سقوط شئ منه أو إعراب أو حرف أو ترتيب ، وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شئ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الإختلاف ، والهداية ، والنورية ، والذكرية ، والهيمنة على سائر الكتب السماوية ، الى غير ذلك ، وذلك كآية مكررة ساقطة ، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها ) .

رأي السيد أبو القاسم الخوئي : ( . . . إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال ، لا يقول به إلا من ضعف عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل ، أو من ألجأه إليه حب القول به ، والحب يعمي ويصم . وأما العقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته ) .

رأي الشيخ لطف الله الصافي : ( القرآن معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قد عجز الفصحاء عن الإتيان بمثله ، وبمثل سورة أو آية منه ، وحير عقول البلغاء ، وفطاحل الأدباء . . . وقد مر عليه أربعة عشر قرنا ، ولم يقدر في طول هذه القرون أحد من البلغاء أن يأتي بمثله ، ولن يقدر على ذلك أحد في القرون الآتية والأعصار المستقبلة ، ويظهر كل يوم صدق ما أخبر الله تعالى به فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . . هذا هو القرآن ، وهو روح الأمة الإسلامية وحياتها ووجودها وقوامها ، ولولا القرآن لما كان لنا كيان . هذا القرآن هو كل ما بين الدفتين ليس فيه شئ من كلام البشر وكل سورة من سوره وكل آية من آياته ، متواتر مقطوع به ولا ريب فيه . دلت عليه الضرورة والعقل والنقل القطعي المتواتر . هذا هو القرآن عند الشيعة الإمامية ، ليس الى القول فيه بالنقيصة فضلا عن الزيادة سبيل ، ولا يرتاب في ذلك إلا الجاهل ، أو المبتلى بالشذوذ الفكري ) ).

وأضيف لما سبق :
رأي الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في كتابه (مجمع البيان في تفسير القرآن) ، قال : (ومن ذلك : الكلام في زيادة القرآن ونقصانه فإنه لا يليق بالتفسير . فأما الزيادة فيه : فمجمع على بطلانه . وأما النقصان منه : فقد روى جماعة من أصحابنا ، وقوم من حشوية العامة ، أن في القرآن تغييرا أو نقصانا ، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه ، وهو الذي نصره المرتضى ، قدس الله روحه ، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات ، وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن ، كالعلم بالبلدان . والحوادث الكبار ، والوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، واشعار العرب المسطورة ، فإن العناية اشتدت ، والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه ، لأن القرآن معجزة النبوة ، ومأخذ العلوم الشرعية ، والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه ، وقراءته ، وحروفه ، وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا ، مع العناية الصادقة ، والضبط الشديد . وقال أيضا ، قدس الله روحه : إن العلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحة نقله ، كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني ، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما ، حتى لو أن مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا في النحو ليس من الكتاب ، لعرف وميز وعلم أنه ملحق ، وليس من أصل الكتاب ، وكذلك القول في كتاب المزني . ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه ، أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء . وذكر أيضا ( رض ) أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن ، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وإن كان يعرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتلى عليه ، وإن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، وغيرهما ، ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة ختمات ، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث . وذكر أن من خالف في ذلك من الامامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث ، نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) .

وتلاحظ عزيزي القاريء أن الشيخ علي كوراني ـ في النص المطول الذي نقلناه عنه ـ قد ذكر الفيض الكاشاني من ضمن الذين قالوا بصيانة القرآن وسلامته ، فيما نجد الدكتور كامل النجار ينقل عن إحسان إلهي ظهير أن الفيض الكاشاني (وأسمه محسن وأخطأ أحدهم فكتب لقب الكاشي بدلاً من الكاشاني) في تفسيره الصافي يقول بتحريف القرآن ، وبعد مراجعة التفسير المذكور وجدنا النصين مذكورين فيه وهما النص الأول المنقول عن إحسان إلهي ظهير والنص الثاني المنقول عن الشيخ علي الكوراني ، ولكن وجدنا الحقيقة أيضاً ، حيث ان الفيض الكاشاني كان قد طرح شبهات ثم أجاب عنها ، وهو أسلوب متبع عند العلماء ومتعارف عليه بينهم ، فعمد إحسان إلهي ظهير فنسب الشبهة المذكورة إلى الفيض الكاشاني بعد أن أقتطعها من النص الذي كتبه الفيض الكاشاني وأخذ منه ما يفيده في التشنيع على الشيعة كذباً ، وعمد الشيخ الكوراني إلى ذكر جواب الفيض الكاشاني عن شبهة في سياق نفس الكلام ، فأرجو من الدكتور كامل النجار وهو يبدو هنا حسن النية في نقله عن إحسان إلهي ظهير ولا يعرف مبلغ حقده على الشيعة إلى الحد أن ينسب لهم من كتبهم ما لم يعتقدوه مستخدماً التدليس والخداع ، أرجو منه أن لا نقل آراء الشيعة إلا من كتبهم ومصادرهم المعتبرة المعبرة عن رأي أساطينهم وأكابر المرجعيات الدينية عندهم.

الإستفاضة بالبحث والتناقض في القول :
نَصَحَنا الدكتور كامل النجار بأن نختصر في الرد فقال : [(والسيد الكرخي أورد إحدى وعشرين آية من التوراة ليثبت أنها محرفة، وفي هذا إجهاد لنفسه وللقارئ كذلك، وكان يكفي أن يورد آيتين أو ثلاثة، لأن الذي يُحرّف آيتين أو ثلاثة كالذي حرف جميع ما في الكتاب)].
لكن رأي الدكتور كامل النجار في قوله [(لأن الذي يحرف آيتين أو ثلاثة كالذي حرف جميع ما في الكتاب)] لم يكن كذلك في ما سطره في (الحلقة الثانية /ق2) التي كتبها ردأ على التعقيب الثاني لي ، ونصه : [(فأهل التوراة أو الإنجيل إذا عرفوا أن بعض الآيات غير صحيحة، ونبهوا عليها، فلا أرى غضاضة في ذلك)] ، فهو تارة يعتبر أن كون بعض "آيات" التوراة غير صحيحة هو أمر لا غضاضة فيه ثم يخالف قوله فيقول أن من يحرف "آيتين" أو ثلاثة من التوراة فهو كالذي حرّف التوراة كلها ، فنرجو من الدكتور النجار تجاوز هذا التناقض في كتاباته القادمة.
ونحن نرى أن مانكتبه هو الحد الأدنى لعرض الحقيقة كاملاً للقاريء الكريم ، وقول العرب : خير الكلام ما قل ودل ، إنما يحث على إختصار الكلام بشرط تحقق الدلالة على المراد ، فهذا أقل كلام يمكن أن نكتبه مع تحقق شرط الدلالة على المطلوب.


توهم نبهنا عليه سابقاً :
بنى الدكتور كامل النجار أفتراضات وأستنتاجات على كون موسى عليه السلام قد بشر بنبي بعده أسمه احمد ، ونحن وإن نبهنا سابقا ـ لأكثر من مرة في هذا التعقيب الثالث ـ إلى أن موسى عليه السلام لم يفعل ذلك بل القرآن الكريم يذكر أن عيسى عليه السلام هو الذي فعل ذلك كما في الآية (6) من سورة الصف ، فإن كان لديه دليل آخر على قول موسى ذلك فليأتنا به ، ونحن ناقشنا هذه الفكرة فيما سبق بناءاً على فرضيته وإلا فإنَّ القرآن الكريم يخبرنا أن عيسى عليه السلام هو الذي أخبر برسول يأتي من بعده أسمه أحمد ، وقد صدق في ذلك.

النفي بلا دليل :
قال الدكتور كامل النجار : [(أما كون العرب كانت لهم ثقافة توحيدية من النبي إبراهيم فقول ليس لدينا أي دليل تاريخي عليه. فإبراهيم الذي أتى من العراق سكن أرض فلسطين وكان يتكلم العبرية أو الآرامية ولم يُرسل للعرب لأن الله يقول في القرآن: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ". فثقافة العرب التوحيدية تعلموها من اليهود والنصارى الذين اختلطوا بهم)] ، أي دليل تاريخي يطلب الدكتور النجار حول وراثة العرب لثقافتهم التوحيدية من إبراهيم الخليل عليه السلام مع أنه يعرف جيداً أنَّ قسماً كبيراً من العرب هم من أبناء إبراهيم عليه السلام وذريته ، فالعرب العدنانيون هم من ذرية عدنان الذي ينتسب لقبيلة قيدار ، وقيدار هذا هو أبن إسماعيل عليه السلام بن إبراهيم الخليل عليه السلام ، فبالتأكيد أنَّ إبراهيم عليه السلام لم يرسل للعرب فإنَّ قسماً كبيراً منهم هم من ذريته وظهروا إلى الوجود بعده بقرون طويلة ، فلماذا يرتضي الدكتور النجار أن يرث اليهود ثقافتهم التوحيدية من إبراهيم الخليل عليه السلام ولا يرتضي للعرب ذلك ؟! فلماذا هذا التمييز !!
ثم إنَّ كلام الدكتور النجار هذا يناقض ما ذكره هو نفسه في كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) ، فقد قال فيه ما نصه : [(وسواء ابتدأ الإنسان بفطرته بالتوحيد كما في عبادة الطوطم أم تدرج إليه عن طريق التعددية، فأهل الجزيرة العربية، الذين نعرفهم بـ " عرب الجاهلية"، قد كانوا يعتقدون بالتوحيد قبل ظهور الإسلام. ونجد هذا مذكوراً في القرآن في سورة الزمر الآية 38: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله". وكذلك لما هلك أبو طالب خرج رسول الله ( ص) إلي الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة وعمد إلي نفر من ثقيف وهم أخوة ثلاثة، قال لهم: " أنا رسول الله إليكم". فقال له أحدهم: والله لا أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك " فهذا ولا شك كلام رجلٍ يعرف الله ويُعظمه. وإنما عبدوا الأصنام كوسيلة تقرّبهم إلى الله الذي هو بعيدٌ في السماء، لا يستطيعون التحدث إليه مباشرةً. ورغم أن الكعبة كانت تحتوي على ما يزيد عن ثلاثمائة صنم، إلا أنهم كانوا يحلفون بالله، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله و عبيد الله وما شابه ذلك. حتى اسم الجلالة نفسه كان معروفاً لديهم قبل ظهور الإسلام. وكانوا يحلفون بالله، فيقول الرجل منهم: " تالله" أو " والله")] ، فهذا هو نص كلام الدكتور النجار فلماذا يناقضه هنا ويدعي أن العرب أخذوا ثقافة التوحيد من اليهود والنصارى الذين أختلطوا بهم ، فمن أين جاء العرب بلفظ الجلالة (الله) عزَّ وجل أسماً للإله الذي يعبدونه قبل الإسلام مع أن اليهود يعبدون إلهاً أسمه (يهوه) والنصارى يعبدون ثلاثة أقانيم تكون الإله هي الأب والأبن والروح القدس ، فلا تغرنّك أيها الدكتور النجار أستعمال المسيحيون لفظ الجلالة (الله) في الكتاب المقدس باللغة العربية فإنهم يفعلون ذلك تأثراً بالإسلام وإلا فأن إصدارات الكتاب المقدس باللغات الأجنبية غير العربية لا تحوي على هذا اللفظ المقدس.
فمن أين جاء العرب بلفظ الجلالة (الله) لو لم يكن قد ورثوه من الحنيفية دين إبراهيم الخليل عليه السلام.
وايضاً فأن ما قاله الدكتور النجار من أن ثقافة العرب التوحيدية تعلموها من اليهود والنصارى الذين أختلطوا بهم يناقض ما قاله هو نفسه في كتابه (قراءة نقدية للإسلام) ونصه : [(والظاهر من شعر هولاء الشعراء الجاهليين، ان عدداً كبيراً منهم كان على علم بالتوحيد، وبالله والملائكة والحساب والثواب والعقاب. ولم يبلغنا ان هولاء الشعراء كانوا يهوداً او نصارى)] ، فهو في هذا الموضع يعترف بوجود شعراء عرب في الجاهلية لديهم عقيدة توحيدية ولم يكونوا من اليهود ولا المسيحيين ، فلماذا يحاول الدكتور النجار أن يناقض نفسه !

يتحكم فيما يجب ذكره في القرآن :
قال الدكتور النجار : [(ويسأل السيد الكرخي: وهل على القرآن أن يذكر كل ما أُخبر به موسى ؟ ولمَ لا ؟ وأكثر من ثلث القرآن عن بني إسرائيل وموسى ؟ والقرآن نفسه يقول: " إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون " ( النمل 76 ). فلا بد أن يهود يثرب اختلفوا في النبي أحمد وقالوا إن موسى أخبرهم أن سيأتي من بعده نبي اسمه أحمد ولكن قد جاء نبي بعده اسمه عيسى والآن يأتي نبي اسمه محمد. فأين أحمد ؟)] ، فمن الذي يوجب على القرآن ما يجب أن يحويه ؟! فالله عزَّ وجل يصف نفسه في القرآن الكريم بأنه : ((فعال لما يريد)) ، ((وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)) ، وجزء من كلام الدكتور النجار يرتبط بما توهمه من أن موسى عليه السلام هو الذي قال برسول ياتي من بعده أسمه أحمد والصحيح هو أن المسيح هو الذي فعل ذلك بنص القرآن الكريم. وما ذكره من أن أكثرمن ثلث القرآن في بني إسرائيل وموسى عليه السلام ـ على فرض صحته ـ فلا يوجب ذلك أن يخبر بكل ما قاله موسى عليه السلام.

تعلم موسى عليه السلام للعبرانية :
قال الدكتور النجار : [(فلو افترضنا أن موسى قد مكث مع أمه حتى تعلم منها اللغة العبرية قبل أن ترجعه للبلاط الملكي وهو ما زال طفلاً، ( وهذا ما تقوله التوراة، فالتوراة تقول إن بنت فرعون قالت للمرأة العبرية: خذي هذا الطفل وارضعيه لي وسوف أجازيك، ولم تقل إن أم موسى ربته في القصر ) من الذي علمه أن يكتب السريانية أو العبرية في البلاط الملكي الذي كان يكتب بالهيروغلوفية ؟)] ، فلو لم يقتطع الدكتور النجار ما نقله عن التوراة الحالية وقرأ ما سبقه وما لحقه لعلم الكثير مما يغنيه عن تساؤله المذكور ، فقد جاء في سفر الخروج (2 :5-11) ما نصه : (فنزلت أبنة فرعون إلى النهر لتغتسل وكانت جواريها ماشيات على جانب من النهر فرأت السفط بين الحلفاء فأرسلت أمَتَها وأخذته ولما فتحته رأت الولد وإذا هو صبي يبكي قرقت له وقالت هذا من أولاد العبرانيين ، فقالت أخته لأبنة فرعون هل أذهب وأدعو لك أمرأة مرضعة من العبرانيات لترضع لك الولد فقالت لها أبنة فرعون أذهبي فذهبت الفتاة ودعت أم الولد فقالت لها أبنة فرعون أذهبي بهذا الولد وأرضعيه لي وأنا أعطي أجرتك ، فأخذت المرأة الولد وأرضعته ولما كبر الولد جاءت به إلى أبنة فرعون فصار لها أبناً ودعت أسمه موسى وقالت إني إنتشلته من الماء. وحدث في تلك الأيام لما كبر موسى أنه خرج إلى أخوته لينظر في أثقالهم ، فرأى رجلاً مصرياً يضرب رجلاً عبرانياً من أخوته)إلخ ، فهذا النص يدل على أن موسى كان معروفاً بأنه ينتمي إلى بني إسرائيل منذ أول لحظة علاقته بالأسرة الفرعونية ، وهو حين كبر كان يعلم بأنتمائه وأنه من بني إسرائيل ، بل هو كان مرتبطاً بهم عاطفياً يتفقد حالهم ، فمن هذا حاله فليس من المستغرب انه يتعلم لغة قومه ليسهل عليه الإتصال بهم.

بين التوراة وروايات شكسبير :
قال الدكتور النجار : [(وإذا كانت التوراة قد تُرجمت من الهيروغلوفية فلا بد أن يحتفظ المترجم بالأصل لأنه المرجع الذي يرجعون إليه إذا اختلفوا. فعندما ترجم الناس روايات شكسبير من الإنكليزية إلى لغات أخرى، احتفظوا بالأصل حتى يقرأه من يقرأ بالإنكليزية. فأين التوراة الهيروغلوفية التي كتبها موسى ؟)] ، فإذا ضاع الأصل فهل هذا مبرر لإنكار وجوده ، فلو أفترضنا ضياع النسخ الأنكليزية لروايات شكسبير فهل يعني ذلك إنكار أن يكون شكسبير قد كتب رواياته رغم وجودها مترجمة بلغات أخرى ؟!

أدلة التحريف البسيط غير ناهضة :
قال الدكتور كامل النجار : [(وأقول للسيد الكرخي إني حكمت على قلة التحريف بالأدلة التي قدمها هو نفسه عندما قال: " ولذلك فقد تنبه علماء المسلمون لهذا الأمر فنجد السيد الطباطبائي في تفسير الميزان يقول ما نصه ( غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مخالفة للتوراة الاصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة ). فالسيد الطباطبائي حين أورد هذه الجملة في كتابه لم يكن لديه التوراة الأصل ليعرف إن كانت التوراة الموجودة قد أيديهم زمن النبي غير مخالفة للأصل كلياً، وإنما اعتمد على آيات القرآن في ذلك، وأنا كذلك اعتمدت على آيات القرآن)] ، فكما قدمنا في بداية الحلقة الأولى من هذا التعقيب ـ الثالث ـ أن آيات القرآن الكريم ذات دلالة على (أن التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام (( فيها هدى ونور يحكم بها النبيون )) ، إذن التوراة فيها أحكام شرعية ومواعظ (هدى ونور) يحكم بها النبيون) ولذلك ذهب السيد الطباطبائي إلى عدم مخالفة التوراة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) للتوراة الأصلية بصورة عامة ، أي يوجد تطابق لدرجة ما بين النصين للتوراة لا سيما في الأحكام الشرعية ـ قال تعالى في الآية (43) من سورة المائدة : ((وكيف يحكموك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين)) ـ ولكن ذلك لا يمنع من وجود التوراة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ضمن الأسفار الخمسة التي كتبها اليهود والتي أطلقوا عليها أيضاً أسم التوراة.
 

 الحلقة الرابعة

بين التناقض والنسخ :
قال الدكتور كامل النجار : [(الآيات القرآنية التي تعارض بعضها بعضاً أكثر من أن أعددها في هذه العجالة، ويكفي أن نذكر الكمية الهائلة من الكتب التي كُتبت عن الناسخ والمنسوخ. ولولا التعارض لما احتاجوا أن يأتوا بفكرة الناسخ والمنسوخ)].
النسخ هو مفهوم قرآني ورد في الآية (106) من سورة البقرة ، قوله تعالى : ((ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير)) ، فهو ليس مفهوم طاريء ظهر بعد إكتمال القرآن ليعالج مشكلة التناقض كما أدعى الدكتور النجار ، بل هو منهج اصيل في القرآن الكريم ، وما كتب عن الناسخ والمنسوخ ليس بالصورة التي روّج لها الدكتور النجار بأنها كمية هائلة ، ثم أن النسخ موجود في اليهودية والمسيحية وهو ليس أمراً مقتصراً على الإسلام ، ولألقاء نظرة مستوفية على موضوع النسخ ننقل النص الآتي ـ بصورة مطولة قليلاً ونستميح الدكتور النجار المعذرة في ذلك وإنما أردنا من الإطالة تمام الفائدة ـ من كتاب (البيان في تفسير القرآن) للسيد الخوئي :

[ النسخ في الاصطلاح : هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه ، سواء أكان ذلك الامر المرتفع من الاحكام التكليفية أم الوضعية ، وسواء أكان من المناصب الالهية أم من غيرها من الامور التي ترجع إلى الله تعالى بما أنه شارع ، وهذا الاخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط ، وإنما قيدنا الرفع بالامر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجا ، كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان ، وارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها ، وارتفاع مالكية شخص لماله بسبب موته ، فإن هذا النوع من ارتفاع الاحكام لا يسمى نسخا ، ولا إشكال في إمكانه ووقوعه ، ولا خلاف فيه من أحد . ولتوضيح ذلك نقول : إن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له نحوان من الثبوت : أحدهما : ثبوت ذلك الحكم في عالم التشريع والانشاء ، والحكم في هذه المرحلة يكون مجعولا على نحو القضية الحقيقية ، ولا فرق في ثبوتها بين وجود الموضوع في الخارج وعدمه ، وإنما يكون قوام الحكم بفرض وجود الموضوع . فإذا قال الشارع : شرب الخمر حرام - مثلا - فليس معناه أن هنا خمرا في الخارج . وأن هذا الخمر محكوم بالحرمة ، بل معناه أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة في الشريعة سواء أكان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن ، ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة لا يكون إلا بالنسخ . وثانيهما : ثبوت ذلك الحكم في الخارج بمعنى أن الحكم يعود فعليا بسبب فعلية موضوعه خارجا ، كما إذا تحقق وجود الخمر في الخارج ، فإن الحرمة المجعولة في الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل ، وهذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها ، فإذا انقلب خلا فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي ثبتت له في حال خمريته ، ولكن ارتفاع هذا الحكم ليس من النسخ في شئ ، ولا كلام لاحد في جواز ذلك ولا في وقوعه ، وإنما الكلام في القسم الاول ، وهو رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء.

امكان النسخ : المعروف بين العقلاء من المسلمين وغيرهم هو جواز النسخ بالمعنى المتنازع فيه " رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والانشاء " وخالف في ذلك اليهود والنصارى فادعوا استحالة النسخ ، واستندوا في ذلك إلى شبهة هي أوهن من بيت العنكبوت . وملخص هذه الشبهة : إن النسخ يستلزم عدم حكمة الناسخ ، أو جهله بوجه الحكمة ، وكلا هذين اللازمين مستحيل في حقه تعالى ، وذلك لان تشريع الحكم من الحكيم المطلق لا بد وأن يكون على طبق مصلحة تقتضيه ، لان الحكم الجزافي ينافي حكمة جاعله ، وعلى ذلك فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه إما أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من وجه المصلحة وعلم ناسخه بها ، وهذا ينافي حكمة الجاعل مع أنه حكيم مطلق ، وإما أن يكون من جهة البداء ، وكشف الخلاف على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين العرفية ، وهو يستلزم الجهل منه تعالى . وعلى ذلك فيكون وقوع النسخ في الشريعة محالا لانه يستلزم المحال . والجواب : إن الحكم المجعول من قبل الحكيم قد لا يراد منه البعث ، أو الزجر الحقيقيين كالاوامر التي يقصد بها الامتحان ، وهذا النوع من الاحكام يمكن إثباته أولا ثم رفعه ، ولا مانع من ذلك ، فإن كلا من الاثبات والرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة وحكمة ، وهذا النسخ لا يلزم منه خلاف الحكمة ، ولا ينشأ من البداء الذي يستحيل في حقه تعالى ، وقد يكون الحكم المجعول حكما حقيقيا ، ومع ذلك ينسخ بعد زمان ، لا بمعنى أن الحكم بعد ثبوته يرفع في الواقع ونفس الامر ، كي يكون مستحيلا على الحكيم العالم بالواقعيات ، بل هو بمعنى أن يكون الحكم المجعول مقيدا بزمان خاص معلوم عند الله ، مجهول عند الناس ، ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان ، لانتهاء أمده الذي قيد به ، وحلول غايته الواقعية التي أنيط بها . والنسخ بهذا المعنى ممكن قطعا ، بداهة : أن دخل خصوصيات الزمان في مناطات الاحكام مما لا يشك فيه عاقل ، فإن يوم السبت - مثلا - في شريعة موسى عليه السلام قد اشتمل على خصوصية تقتضي جعله عيدا لاهل تلك الشريعة دون بقية الايام ، ومثله يوم الجمعة في الاسلام ، وهكذا الحال في أوقات الصلاة والصيام والحج ، وإذا تصورنا وقوع مثل هذا في الشرايع فلنتصور أن تكون للزمان خصوصية من جهة استمرار الحكم وعدم استمراره ، فيكون الفعل ذا مصلحة في مدة معينة ، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك المدة ، وقد يكون الامر بالعكس . وجملة القول : إذا كان من الممكن أن يكون للساعة المعينة ، أو اليوم المعين أو الاسبوع المعين ، أو الشهر المعين تأثير في مصلحة الفعل أو مفسدته أمكن دخل السنة في ذلك أيضا ، فيكون الفعل مشتملا على مصلحة في سنين معينة ، ثم لا تترتب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين ، وكما يمكن أن يقيد إطلاق الحكم من غير جهة الزمان بدليل منفصل ، فكذلك يمكن أن يقيد إطلاقه من جهة الزمان أيضا بدليل منفصل ، فإن المصلحة قد تقتضي بيان الحكم على جهة العموم أو الاطلاق ، مع أن المراد الواقعي هو الخاص أو المقيد ، ويكون بيان التخصيص أو التقييد بدليل منفصل . فالنسخ في الحقيقة تقييد لاطلاق الحكم من حيث الزمان ولا تلزم منه مخالفة الحكمة ولا البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى ، وهذا كله بناء على أن جعل الاحكام وتشريعها مسبب عن مصالح أو مفاسد تكون في نفس العمل . وأما على مذهب من يرى تبعية الاحكام لمصالح في الاحكام أنفسها فإن الامر أوضح ، لان الحكم الحقيقي على هذا الرأي يكون شأنه شأن الاحكام الامتحانية.

النسخ في التوراة : وما قدمناه يبطل تمسك اليهود والنصارى باستحالة النسخ في الشريعة ، لاثبات استمرار الاحكام الثابتة في شريعة موسى . ومن الغريب جدا أنهم مصرون على إحالة النسخ في الشريعة الالهية ، مع أن النسخ قد وقع في موارد كثيرة من كتب العهدين :
1 - فقد جاء في الاصحاح الرابع من سفر العدد " عدد 2 ، 3 " : " خذ عدد بني قهات من بين بني لاوي حسب عشائرهم ، وبيوت آبائهم من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة ، كل داخل في الجند ليعمل عملا في خيمة الاجتماع " . وقد نسخ هذا الحكم ، وجعل مبدأ زمان قبول الخدمة بلوغ خمس وعشرين سنة بما في الاصحاح الثامن من هذا السفر " عدد 23 ، 24 " : " وكلم الرب موسى قائلا هذا ما للاويين من ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا ، يأتون ليتجندوا أجنادا في خدمة خيمة الاجتماع " . ثم نسخ ثانيا : فجعل مبدأ زمان قبول الخدمة بلوغ عشرين سنة بما جاء في الاصحاح الثالث والعشرين من أخبار الايام الاول " عدد 24 ، 32 " : " هؤلاء بنو لاوي حسب بيوت آبائهم رؤوس الاباء حسب إحصائهم في عدد الاسماء ، حسب رؤوسهم عامل العمل لخدمة بيت الرب من ابن عشرين سنة فما فوق . . . وليحرسوا حراسة خيمة الاجتماع ، وحراسة القدس " .
2 - وجاء في الاصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد " عدد 3 - 7 " : " وقل لهم هذا هو الوقود الذي تقربون للرب ، خروفان حوليان صحيحان ، لكل يوم محرقة دائمة ، الخروف الواحد تعمله صباحا ، والخروف الثاني تعمله بين العشاءين . وعشر الايفة من دقيق ملتوت بربع الهين من زيت الرض تقدمة . . . وسكيبها ربع الهين للخروف الواحد " . وقد نسخ هذا الحكم : وجعلت محرقة كل يوم حمل واحد حولي في كل صباح ، وجعلت تقدمته سدس الايفة من الدقيق ، وثلث الهين من الزيت بما جاء في الاصحاح السادس والاربعين من كتاب حزقيال " عدد 13 - 15 " : " وتعمل كل يوم محرقة للرب حملا حوليا صحيحا صباحا صباحا تعمله . وتعمل عليه تقدمة صباحا صباحا سدس الايفة . وزيتا ثلث الهين لرش الدقيق تقدمة للرب فريضة أبدية دائمة ، ويعملون الحمل والتقدمة والزيت صباحا صباحا محرقة دائمة " .
3 - وجاء في الاصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد أيضا : " عدد 9 ، 10 " : " وفي يوم السبت خروفان حوليان صحيحان ، وعشران من دقيق ملتوت بزيت تقدمة مع سكيبه . محرقة كل سبت فضلا عن المحرقة الدائمة وسكيبها " . وقد نسخ هذا الحكم : وجعلت محرقة السبت ستة حملان وكبش ، وجعلت التقدمة إيفة للكبش ، وعطية يد الرئيس للحملان ، وهين زيت للايفة بما جاء في الاصحاح السادس والاربعين من كتاب حزقيال أيضا " عدد 4 ، 5 " : " والمحرقة التي يقربها الرئيس للرب في يوم السبت ستة حملان صحيحة ، وكبش صحيح . والتقدمة إيفة للكبش ، وللحملان تقدمة عطية يده ، وهين زيت للايفة " .
4 - وجاء في الاصحاح الثلاثين من سفر العدد " عدد 2 " : " إذا نذر رجل نذرا للرب ، أو أقسم أن يلزم نفسه بلازم فلا ينقض كلامه ، حسب كل ما خرج من ؟ ؟ يفعل ". وقد نسخ جواز الحلف الثابت بحكم التوراة بما جاء في الاصحاح الخامس من إنجيل متى " عدد 33 ، 34 " : " أيضا سمعتم انه قيل للقدماء لا تحنث ، بل أوف للرب أقسامك . وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة " .
5 - وجاء في الاصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج " عدد 23 - 25 " : " وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس ، وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل ، وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض " . وقد نسخ هذا الحكم بالنهي عن القصاص في شريعة عيسى بما جاء في الاصحاح الخامس من إنجيل متى " عدد 38 " : " سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن ، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الاخر أيضا " .
6 - وجاء في الاصحاح السابع عشر من سفر التكوين " عدد 10 " في قول الله لابراهيم : " هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك ، يختن منكم كل ذكر " . وقد جاء في شريعة موسى إمضاء ذلك . ففي الاصحاح الثاني عشر من سفر الخروج " عدد 48 - 49 " : " وإذا نزل عندك نزيل ، وصنع فصحا للرب فليختن منه كل ذكر ، ثم يتقدم ليصنعه فيكون كمولود الارض ، وأما كل أغلف فلا يأكل منه ، تكون شريعة واحدة لمولود الارض ، وللنزيل النازل بينكم " . وجاء في الاصحاح الثاني عشر من سفر اللاويين " عدد 2 ، 3 " : " إذا حبلت امرأة وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام كما في أيام طمث علتها تكون نجسة ، وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته " . وقد نسخ هذا الحكم ، ووضع ثقل الختان عن الامة بما جاء في الاصحاح الخامس عشر من أعمال الرسل " عدد 24 - 30 " وفي جملة من رسائل بولس الرسول .
7 - وجاء في الاصحاح الرابع والعشرين من التثنية " عدد 1 - 3 " : " إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه ، لان وجد فيها عيب شئ ، وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها ، وأطلقها من بيته ، ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر ، فإن أبغضها الرجل الاخر وكتب لها كتاب طلاق ، ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الاخير الذي اتخذها له زوجة ، لا يقدر زوجها الاول الذي طلقها أن يعود يأخذها ، لتصير له زوجة " . وقد نسخ الانجيل ذلك وحرم الطلاق بما جاء في الاصحاح الخامس من متى " عدد 31 - 32 " : " وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق ، وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني ، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني . " وقد جاء مثل ذلك في الاصحاح العاشر من مرقس : عدد : 11 ، 12 " والاصحاح السادس عشر من لوقا " عدد 18 " . وفيما ذكرناه كفاية لمن ألقى السمع هو شهيد ، ومن أراد الاطلاع على أكثر من ذلك فليراجع كتابي إظهار الحق والهدى إلى دين المصطفى.

النسخ في الشريعة الاسلامية : لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ ، فإن كثيرا من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الاسلامية ، وإن جملة من أحكام هذه الشريعة قد نسخت بأحكام اخرى من هذه الشريعة نفسها ، فقد صرح القرآن الكريم بنسخ حكم التوجه في الصلاة إلى القبلة الاولى ، وهذا مما لا ريب فيه . وإنما الكلام في أن يكون شئ من أحكام القرآن منسوخا بالقرآن ، أو بالسنة القطعية ، أو بالاجماع ، أو بالعقل . وقبل الخوض في البحث عن هذه الجهة يحسن بنا أن نتكلم على أقسام النسخ ، فقد قسموا النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام :
1 - نسخ التلاوة دون الحكم : وقد مثلوا لذلك بآية الرجم فقالوا : إن هذه الاية كانت من القرآن ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، وقد قدمنا لك في بحث التحريف أن القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف وأوضحنا أن مستند هذا القول أخبار آحاد وأن أخبار الاحاد لا أثر لها في أمثال هذا المقام . فقد أجمع المسلمون على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد كما أن القرآن لا يثبت به ، والوجه في ذلك - مضافا إلى الاجماع - أن الامور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس ، وانتشار الخبر عنها على فرض وجودها لا تثبت بخبر الواحد فإن اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطئه وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أن آية الرجم من القرآن ، وانها قد نسخت تلاوتها ، وبقي حكمها ، نعم قد تقدم أن عمر أتى بآية الرجم وادعى انها من القرآن فلم يقبل قوله المسلمون ، لان نقل هذه الاية كان منحصرا به ، ولم يثبتوها في المصاحف ، فالتزم المتأخرون بأنها آية منسوخة التلاوة باقية الحكم .
2 - نسخ التلاوة والحكم : ومثلوا لنسخ التلاوة والحكم معا بما تقدم نقله عن عائشة في الرواية العاشرة من نسخ التلاوة في بحث التحريف ، والكلام في هذا القسم كالكلام على القسم الاول بعينه .
3 - نسخ الحكم دون التلاوة : وهذا القسم هو المشهور بين العلماء والمفسرين ، وقد ألف فيه جماعة من العلماء كتبا مستقلة ، وذكروا فيها الناسخ والمنسوخ . منهم العالم الشهير أبو جعفر النحاس ، والحافظ المظفر الفارسي ، وخالفهم في ذلك بعض المحققين ، فأنكروا وجود المنسوخ في القرآن . وقد اتفق الجميع على إمكان ذلك ، وعلى وجود آيات من القرآن ناسخة لاحكام ثابتة في الشرائع السابقة ، ولاحكام ثابتة في صدر الاسلام . ولتوضيح ما هو الصحيح في هذا المقام نقول : إن نسخ الحكم الثابت في القرآن يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة :
1 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة ، أو بالاجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم عليه السلام وهذا القسم من النسخ لا إشكال فيه عقلا ونقلا ، فإن ثبت في مورد فهو المتبع ، وإلا فلا يلتزم بالنسخ ، وقد عرفت أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد.
2 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه ناظرة إلى الحكم المنسوخ ، ومبينة لرفعه ، وهذا القسم أيضا لا إشكال فيه ، وقد مثلوا لذلك بآية النجوى " سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى " .
3 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق ، ولا مبينة لرفعه ، وإنما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما فيلتزم بأن الاية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة. والتحقيق : أن هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن ، كيف وقد قال الله عز وجل : " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 4 : 82 " . ولكن كثيرا من المفسرين وغيرهم لم يتأملوا حق التأمل في معاني الايات الكريمة ، فتوهموا وقوع التنافي بين كثير من الايات ، والتزموا لاجله بأن الاية المتأخرة ناسخة لحكم الاية المتقدمة ، وحتى أن جملة منهم جعلوا من التنافي ما إذا كانت إحدى الايتين قرينة عرفية على بيان المراد من الاية الاخرى ، كالخاص بالنسبة إلى العام ، وكالمقيد بالاضافة إلى المطلق ، والتزموا بالنسخ في هذه الموارد وما يشبهها ، ومنشأ هذا قلة التدبر ، أو التسامح في إطلاق لفظ النسخ بمناسبة معناه اللغوي ، واستعماله في ذلك وإن كان شائعا قبل تحقق المعنى المصطلح عليه ، ولكن إطلاقه - بعد ذلك- مبني على التسامح لا محالة ].

مثال متهافت لتناقض مزعوم :
قال الدكتور كامل النجار في معرض أدعاءه وجود تناقض بين آيات القرآن الكريم ما نصه : [(ولكن كمثال للتعارض نذكر آيتين من سورة الأنعام، الآية 107: " ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً " ثم الآية 148 : " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن إن أنتم إلا تخرصون ". وأظن التناقض هنا واضحاً)].
فأين التناقض "الواضح" أو حتى غير الواضح !؟ فالآية الأولى تتحدث عن مشيئة الله عزَّ وجل وأن تلك المشيئة الإلهية تمتنع عن إجبار الناس على الإيمان لأن ذلك ينافي التكليف ، والآية الثانية تتحدث عن تكذيب المشركين للأنبياء حين أدعوا أن الله لو شاء أن يمنعهم من الشرك لمنعهم ولكنه حيث لم يمنعهم فلا بأس بشركهم ، فنزلت الآية لتبين تكذيبهم المذكور ، فمدار الآيتين أن الله عزَّ وجل لا يجبر إنساناً على الشرك لأن ذلك ينافي التكليف.
قد يكون مقصد الدكتور النجار بان عبارة (لو شاء الله ما أشركنا) هي عبارة مكذوبة فكيف يتم نسبتها إلى الله عزَّ وجل في الآية الأولى ؟ وبلا شك فإن هذا المعنى ـ إنْ كان هو المطلوب ـ فهو معنى غير موجود في الآية ، فالآية الثانية لا تقول بأن عبارة (لو شاء الله ما أشركنا) هي عبارة كاذبة بل هي تقول بأن إعتراض هؤلاء المشركين (لو شاء الله ما أشركنا) هو إعتراض مشابه لإعتراض المشركين الذين سبقوهم في الأمم الأخرى وهو إعتراض فيه تكذيب للأنبياء الذين جاؤا لينذروا العباد بأنهم مكلفون وسيحاسبون على أعمالهم في الدار الآخرة ، لأن إعتراض المشركين هذا (لو شاء الله ما أشركنا) معناه إرتفاع التكليف عن العباد وفي ذلك تكذيب للأنبياء الذين يحذرون العباد من الحساب كونهم مكلّفون. فأين هو التناقض !

البروتستانتية وتفسير الكتاب المقدس :
قال الدكتور كامل النجار : [(جعل كل شخص يفهم الكتاب المقدس حسب رأيه، ليست فكرة بروتستانتية إنما هي منطق عقلي)] ، وكثرما وجدت الدكتور النجار يستخدم لفظ (المنطق) أو (منطق عقلي) في غير محلها ، فإشكالية تفسير الكتاب المقدس هل هو متاح لكل احد أم هو مقصور على الكنيسة ليست إشكالية منطقية ، ومهما كان الجواب فالمسألة ن تكون خاضعة لمنطقٍ ما ، وما دخل المنطق ! رغم ان هذه الفكرة في حقيقتها هي فكرة بروتستانتية وأستغرب كيف أن الدكتور النجار ينكر ذلك !

الإنجيل أم الأناجيل :
استعمل الدكتور كامل النجار لفظ (الإنجيل) بدلاً من (الأناجيل) فقال [(وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع)] ، وعندما اعترضت على ذلك لأن المسيحيين لا يعرفون إنجيلاً واحداً بل أربعة أناجيل ، أجاب الدكتور النجار : [(وأما لماذا قلتُ " الإنجيل " ولم أقل " الأناجيل " فلأني تبعت قول القرآن: " وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة " ( المائدة 46). فالإنجيل كتاب واحد يحتوي على أربعة كُتيبات، كما أن التوراة كتاب واحد مكون من خمسة كتيبات)] ، فالتدليس واضح في كلام الدكتور النجار لأنه يعلم جيداً أن القرآن الكريم يتحدث عن (الإنجيل) الكتاب السماوي الذي أنزله على المسيح عليه السلام ، بينما المسيحيون يتحدثون عن أربعة أناجيل ألّفها أربعة أشخاص يظن بعضهم أن أسمائهم هي متى ومرقس ولوقا ويوحنا ، فلم يدّع أحد من علماء المسيحية أن الإنجيل هو كتاب واحد يضم أربعة كتيبات كما أن التوراة هي كتاب واحد يضم خمسة أسفار ـ مع إننا لا نجزم بصحة وصف التوراة بهذا الوصف ـ ولم تطبع الأناجيل المسيحية وحدها بمجلد واحد أبداً بل لا بد أن تطبع أما مجتمعة ضمن أسفار العهد الجديد أو يطبع كل أنجيل وحده.
ثم ألم يذكر الدكتور النجار في موضع آخر حين تطرقنا إلى قصة النبي نوح عليه السلام ما نصه : [(وأما قصة نوح وقومه فقصة لا نملك من تفاصيلها إلا ما أخبرنا به القرآن ولذلك لا نرى جدوى في مناقشتها، لأنها مسألة غيبية)] ، فهو يعتقد أن ما يذكره القرآن هو أمور غيبية لا جدوى في مناقشتها ، فلماذا يخالف هذا القول هنا ويقول بأنه قال كلمة الإنجيل إتباعاً للقرآن ، فهلا أتبع القرآن في قصة النبي نوح عليه السلام أيضاً ! وإلى متى نظل نقرأ مثل هذا المنهج المتناقض عنده ؟!

عليه أن يفهم المسيحية قبل أن يدافع عنها :
قال الدكتور كامل النجار في كتابه ما معناه أن العرب قبل الإسلام كان عندهم توحيد اليهودية وتوحيد المسيحية وتوحيد عبدة الأصنام ! فما هي الحاجة لظهور الإسلام ، وعندما أحتججت عليه بأنه كان عليه أن يوجه نفس السؤال للمسيحية بأعتبار أن العرب كان لديهم توحيد اليهودية وتوحيد عبدة الأصنام ! بحسب تعبيره ، فلماذا لم يدّعِ عدم حاجة الإنسانية للمسيحية كما أدعاها للإسلام ، فرد الدكتور النجار قائلاً : [(أما لماذا لم أقل إن العرب ما كانوا في حاجة للمسيحية هو أن المسيحية لم تنزل للعرب إنما أنزلها الله لبني إسرائيل وبالتحديد للخراف الضالة منهم لتكمل رسالة موسى التوحيدية. ولكن الإسلام نزل خصيصاً للعرب بلسان عربي مبين رغم أنهم كانوا يعرفون التوحيد من اليهودية والمسيحية، ولذلك قلت لم يكن بهم حاجة للإسلام ليعرّفهم بالتوحيد)] ، فهو هنا يدل بلسانه على عدم فهمه للمسيحية ولا للإسلام ، فقول الدكتور النجار بأن المسيحية إنما أنزلها الله لبني إسرائيل يتعارض مع العقيدة المسيحية نفسها ، ففي إنجيل متى (19:28) ما نصه : (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، وعمّدوهم باسم الأب والأبن والروح القدس) ، فهذا القول هو آخر ما ينسبه أنجيل متى للمسيح عليه السلام وبذلك يكون ناسخاً لما ورد في إنجيل متى (10 : 5و6) ونصه : (وأرسل يسوع هؤلاء التلاميذ الأثني عشر وأوصاهم قال : "لا تقصدوا أرضاً وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية بل أذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل") ، وبذلك تكون المسيحية ديانة عامة لكل الأمم وليس لقوم معينين ، هذا بحسب دعواهم.
ثم هب أن المسيحية لم تنزل للعرب فما دام بعض العرب قد اعتنقوها وقد أعتنقوا من قبلها الديانة اليهودية فكان حرياً بالدكتور النجار أن يقول أن العرب وقد أعتنقوا اليهودية التي لم تنزل إليهم كان عليهم أن يكتفوا بها ولا يعتنقوا المسيحية التي لم تنزل هي أيضاً إليهم ، فما حاجتهم إلى إعتناق دين جديد "لم ينزل إليهم" يعلمهم التوحيد وهم لديهم دين آخر "لم ينزل إليهم" فيه توحيد أيضاً !!! هذا هو المنطق الذي كان على الدكتور النجار ان يتكلم به إمضاءاً لأفكاره هو نفسها.
بل وفقاً لكلام الدكتور النجار نفسه فإننا نجده قد وقع في خطأ خطير ، فأيهما أفضل بنظر الدكتور النجار وقد أعترف بأن الإسلام نزل للعرب أن يتمسك العربي بدين قد نزل مخصصاً له وبلسانه أم أن يتمسك بدين غريب عنه تنزيلاً ولغةً ! فكيف يقول بعد ذلك أن العرب لم تكن بحاجة للإسلام !؟

تشويش على الحقائق التأريخية :
حين قلت للدكتور ان العرب في بلاد الشام أعتنقوا المسيحية لأسباب سياسية وليس عن إيمان ، أجابني الدكتور النجار بكلام ومما جاء فيه قوله : [(المهم أنهم اعتنقوا المسيحية ولم يرتدوا عنها إلا بحد السيف. وحتى بعد أن أجبروا على اعتناق الإسلام، ارتدوا عنه بمجرد أن سمعوا بموت رسوله)] ، فهنـاك عدة مخالفـات تأريخية أهمها :
ـ أدعائه أن العرب في بلاد الشام أعتنقوا الإسلام بحد السيف !
ـ إدعائه أرتداد العرب في بلاد الشام عن الإسلام بعد موت رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) !
وكما ترون أن هذه الدعاوى متهافتة جداً ، فمن الواضح أن الإسلام لم يجبر أحداً على الإطلاق على أعتناقه ، ولا يوجد في الشريعة الإسلامية مثل هذا الإجبار ولا المسلمون الأوائل الذين قاموا بالفتوحات الإسلامية فعلوا ذلك ، ونحن نعلم جيداً إحترام الإسلام لكل الأديان وأنَّ ((لا إكراه في الدين)) آية عظيمة كانت منهجاً قويماً لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ونعلم جيداً أن هناك الكثير جداً من الأمثلة على التسامح الديني للإسلام تجاه الديانات الأخرى ، فمن أبسط الأمثلة هو وجود العشرات من الكنائس في بلاد الشام والعراق منذ عصر ما قبل الإسلام وإلى اليوم لم تزل باقية بفضل التسامح الإسلامي ، ونعلم وجود الملايين من الهندوس والسيخ والبوذيين في بلاد الهند وقد عاشوا تحت سلطة دول إسلامية خضعوا لها ولم تجبرهم على تغيير معتقداتهم ، فالفتوحات الإسلامية كانت تهدف لإزالة الدول الظالمة التي تمنع إنتشار الإسلام أو الخضوع لسلطانه السياسي ، فلماذا هذا التشويه لحقائق التأريخ أيها الباحث المنصف ؟!
وأما قوله بأرتداد العرب في بلاد الشام عن الإسلام حال سماعهم بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو قول عجيب لأننا نعلم جيداً أن المسلمين لم يدخلوا بلاد الشام إلا بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكيف أرتدوا عند سماع وفاته !!
حسناً فلنحتمل أن يكون مقصد الدكتور النجار أن العرب في شبه الجزيرة عامة قد دخلوا في الإسلام بحد السيف ثم أرتدوا عنه حال وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهذا أيضاً مخالف للتأريخ ، لأن العرب في شبه الجزيرة قد دخلوا في الإسلام طواعية ولم يتم إجبارهم على إعتناق الإسلام ، وكان يسمى عام دخولهم في الإسلام طواعية عام الوفود وهو سنة 9 هـ ، وأما دعوى ارتدادهم عن الإسلام حال وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهي غير تامة أيضاً لأن أشهر المرتدين عن الإسلام وهو الأسود العنسي قد أرتد في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وليس بعد وفاته ، وقتل أيضاً في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأن قسماً كبيراً ممن أطلق عليهم أسم الإرتداد عن الإسلام إنما كان ذلك لأنهم رفضوا سلطة الخليفة أبي بكر بن أبي قحافة الذي لم يكن يستحق في نظرهم ان يكون خليفة ، فهم لم يرتدوا عن الإسلام في حقيقة الأمر بل اطلقت السلطة عليهم هذا الأسم لتستحل قتلهم لخروجهم عن طاعتها ، كما هو حال الأنظمة الظالمة في عالمنا اليوم التي تطلق ماشائت من التهم والأوصاف على معارضيها لغرض الفتك بهم ، ولعل أقرب مثال على هذا النوع من الظلم هو ما حصل لحسين الحوثي في اليمن. وهناك قوم أرتدوا في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقتلوا بعد وفاته منهم مسيلمة الكذاب ، وبقي قسم قليل ممن أرتد بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، منهم طلحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معديكرب الزبيدي ثم تابوا ورجعوا إلى إلإسلام.

وقفة مع قوله : (المهم أنهم اعتنقوا المسيحية) !
حين تكلمنا عن الأسباب السياسية وراء أعتناق بعض القبائل العربية في بلاد الشام للمسيحية ، قال الدكتور النجار : [(المهم أنهم اعتنقوا المسيحية)] ، ورغم إننا نختلف معه في اهمية هذا الإعتناق ، إلا إننا نريد أن نناقش المسيحية التي أعتنقوها ، وهل كانت تلك المسيحية قادرة على أن تملأ الفراغ العقائدي الموجود بين العرب لا سيما في عقيدة التوحيد !
تكلمنا سابقاً عن إله المسيحيين وأنه يتكون من ثلاثة أقانيم ، فيشركون بالخالق أقنومين أثنين ، ويقولون أن الأقنوم الثاني هو أبن الأقنوم الأول. يضاف لذلك أن المسيحية التي أنتشرت بين العرب لا تعود لمذهب واحد ، وهذا مما كان يساهم في إضعافها وإضعاف محاولة نشرها بين العرب بسبب الصراع الذي كان يكتنفها داخلياً ، فقد كان هناك مذهب الحواريين المؤمنين بنبوة المسيح عليه السلام ، ومذهب أتباع بولس المؤمنين بعقيدة التثليث ثم ظهر ماني ومذهبه والذي يصنف بأنه من الفرق الغنوسية المسيحية ، ثم ظهور آريوس ومذهبه بعد إنشقاقه من أتباع بولس ، ثم أنقسام أتباع بولس إلى طرفين الأول هو كنيسة رومية وكنيسة القسطنطينية بطرف وكنيسة الأسكندرية في طرف آخر وذلك بعد إنعقاد مجمع خلقيدونية سنة 451م ورفض كنيسة الأسكندرية لمقرراته ، وقد كان لكل هؤلاء (المانوية والاريوسية والخلقيدونية وغير الخلقيدونية) أتباع وكنائس في العراق وبلاد الشام ، وهي تتصارع فيما بينها وتحاول جذب أكبر عدد من المسيحيين ، وتكفر بعضها بعضاً ، وكذلك أنتقل هذا الصراع إلى الكنائس المسيحية في جنوب شبه الجزيرة العربية في نجران وغيرها ، وكانت الدولة البيزنطية المسيحية تعمل على إضطهاد من يخالفها في مذهبها الخلقيدوني ، فلم تكن المسيحية قادرة على حل أشكالياتها المتداخلة المعقدة لتكون واجهة مقبولة للتوحيد المزعوم لا سيما وهي تتصارع على مفاهيم عقائدية منها أختلافها الجوهري حول طبيعة المسيح وهل أنه كان له بعد تجسده طبيعتين ومشيئتين (لاهوتية وناسوتية) أم كانت له طبيعة واحدة حيث امتزج اللاهوت بالناسوت !
بل الدكتور النجار يعترف بوجود الصراع الداخلي في المسيحية وتشتت المسيحية إلى فرق متعددة في البلاد العربية حين يقول في كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) ما نصه : [(وكانت للجماعات النصرانية الهاربة من الاضطهاد البيزنطي بسبب تهمة الهرطقة دور كبير في نشر المسيحية في الجزيرة، وقد امتدت في القرنين الرابع والخامس للميلاد إلى اليمن فتنصر الحميريون على الطريقة الآريوسية. واستطاع بعض النساك، ساكني القفار، والرهبان تنصير بعض القبائل العربية البدوية، فأفتيموس استطاع في مطلع القرن الخامس الميلادي تنصير بعض القبائل العربية وقام بتنصيب أساقفة للكنائس)] ، فتهمة الهرطقة المذكورة التي تسببت في إضطهاد المسيحيين البيزنطيين لهم هي تهمة تلحق المسيحيين المخالفين لتعاليم مجمع نيقية سنة 325م والذي تم فيه تكفير آريوس وتلحق كذلك المسيحيين المخالفين لتعاليم مجمع القسطنطينية سنة 381م والذي تم فيه تكفير مكدونيوس وتلحق كذلك المسيحيين المخالفين لتعاليم مجمع أفسس الأول سنة 431م والذي تم فيه تكفير نسطور وتلحق كذلك المسيحيين المخالفين لتعاليم مجمع خلقيدونية سنة 451م المذكور آنفاً والذي أدى إلى إنشقاق المسيحيين من أتباع بولس شقين كما هو مذكور آنفاً وهي الخلقيدونية وغير الخلقيدونية ، وقد كانت كنيسة الأسكندرية من النوع الثاني فتعرضت لإضطهاد البيزنطيين إلى أن تم الفتح الإسلامي لمصر وعاد الأقباط في كنيسة الأسكندرية ليستعيدوا حريتهم المفقودة.
وفي خضم هذا النزاع بين الفرق المسيحية على وصف صفات أقانيمهم ، نجد الدكتور النجار يطرح فكرة إكتفاء العرب بتوحيد المسيحية وغناهم بها عن ظهور الإسلام ! فأي توحيد هذا الذي يتحدث عنه الدكتور النجار وهم يختلفون حد التكفير في طبيعة إلاههم حين تجسد !!؟

تجسد الآلهة لا يعني عبادة الأصنام :
حينما ذكرنا أن أحد أسباب فشل المسيحية هو عدم إيمان العرب بتجسد الآلهة كما هو حال الرومان ، أعترض الدكتور النجار قائلاً : [(أما قوله إن العرب لم يكن لهم إرث فكري حول تجسيد الآلهة يناقض قوله إن قريش عبدوا الأصنام. فأي تجسيد للآلهة أكثر من الأصنام)] ، ولا أعلم كيف فات هذا الأمر على الدكتور النجار ، فعبادة الأصنام لا تعني تجسد الآلهة ، فتجسد الآلهة يعني نزول الآلهة إلى الأرض لتعيش بين الناس بهيئتها البشرية ، والأساطير اليونانية والرومانية مليئة بنماذج على تجسد الآلهة بهذا المعنى ، يضاف لذلك ما جاء في إنجيل برنابا ونصه : (وكانت عادة الرومان أن يدعوا كل من فعل شيئاً جديداً فيه نفع للشعب إلها ويعبدوه فلما كان بعض هؤلاء الجنود في نايين وبخوا واحداً بعد آخر قائلين : " لقد زاركم أحد آلهتكم وانتم لا تكترثون له حقاً لو زارتنا آلهتنا لأعطيناهم كل ما لنا وانتم تنظرون كم نخشى آلهتنا لأننا نعطي تماثيلهم افضل ما عندنا " ، فوسوس الشيطان بهذا الأسلوب من الكلام حتى انه أثار شغبا بين شعب نايين ولكن يسوع لم يمكث في نايين بل تحول ليذهب إلى كفر ناحوم ، وبلغ الشقاق في نايين مبلغاً قال معه قوم : إن الذي زارنا إنما هو إلهنا ، وقال آخرون : إن الله لا يُرى فلم يره أحد حتى ولا موسى عبده فليس هو الله بل هو بالحري ابنه ، وقال آخرون : انه ليس الله ولا ابن الله لان ليس لله جسد فيلد بل هو نبي عظيم من الله ) ، وللتأكيد على صحة ما ورد في إنجيل برنابا حول النص الآنف الذكر من إن الرومان كانوا يدعون كل من فعل شيئاً جديداً اله ، فإنَّ لوقا في أعمال الرسل يروي حادثة أخرى من نفس النمط حين اخذ الناس يطلقون علـى الحاكم هيرودس صفة الإله قال : ( وفي اليوم المعين لبس هيرودس ثيابه الملوكية وجلس على العرش يخطب في الشعب ، فصاحوا : هذا صوت اله لا صوت إنسان) ، وكذلك روى لوقا ما حدث عندما زار برنابا وبولس مدينة لسترة الرومانية حين أخذت جموع الناس تصيح " تشبَّه الآلهة بالبشر ونزلوا إلينا " وأطلقوا على برنابا اسم زيوس(كبير الآلهة عندهم) وعلى بولس أسم هرمس (إله الفصاحة عندهم).

حول البيئة الصحراوية :
قال الدكتور كامل النجار : [(وقال كذلك إن " البيئة الصحراوية القاسية التي منعت المبشرين من إقتحام ديار العرب وصحرائهم القاسية " . وهؤلاء المبشرون لم يكونوا من أوربا حتى تمنعهم حرارة الصحراء من اقتحام الجزيرة، فقد كان المبشرون من الشام والحيرة وجزيرة سيلان، فلم تكن حرارة الصحراء غريبة عليهم، ولم تمنعهم من اقتحام كل أرجاء جزيرة العرب)] ، وقد حدث هنا أيضاً سوء فهم لعله غير مقصود ، فقد تحدثتُ عن "بيئة صحراوية قاسية" ولم أتحدث عن "حرارة الصحراء" ويبدو لي الفرق واضح بين التعبيرين ، فهناك مناطق عديدة في العالم تتميز بإرتفاع درجة حرارتها ولكن بيئتها ليست قاسية بقساوة بيئة شبه الجزيرة العربية ، نعم الحرارة المرتفعة هي أحد أسباب قساوة تلك البيئة ولكنها ليست كل الأسباب ، فالجفاف وقلة المراعي وقلة مصادر المياه ووجود قطاع الطرق وسعة الصحراء الممتدة بين مدنها ، والتخوف من الكثبان الرملية ، والخوف من وحوش الصحراء ، وأمور أخرى نجد ذلك كله يشكل البيئة القاسية التي تميزت بها صحراء العرب في شبه الجزيرة العربية ، وإلا فإذا كان الأمر كما ذكره الدكتور النجار من ان المبشرين كانوا مع البدو يرحلون معهم حيث رحلوا ، فلماذا لم نتعرف على شخصية أي مبشر ممن ذكر ولم تصل إلينا أي أخبار عن أولئك المبشرين القادمين من الحيرة أو من بلاد الشام أو من غيرها ؟!





فشل حملة أبرهة وتأثيرها على إنتشار المسيحية :
قال الدكتور كامل النجار : [(فحملة أبرهة كانت في العام الذي ولد فيه الرسول وقد كانت المسيحية وقتها قد انتشرت في كل الجزيرة ما عدا الحجاز وأجزاء من نجد. ففشل حملة أبره لم يؤثر في انتشار المسيحية إطلاقاً)] ، فهل وجد الدكتور النجار ان المسيحية قد انتشرت في الحجاز أو الأجزاء التي ذكرها من نجد بعد حملة أبرهة حتى يتخذ هذا الإنتشار الجديد دليلاً على عدم تأثر المسيحية بفشل حملة أبرهة ؟! وإلا فما هو الدليل على عدم تأثير فشل حملة أبرهة على إنتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية ؟

الإسلام والقوميات غير العربية :
من جديد يحاول الدكتور كامل النجار أن يخلط الأوراق ، فتارة ينسب للإسلام أخطاء بعض المسلمين ، وتارة ينسب للإسلام ما ليس فيه.
ويتسائل الدكتور النجار : [(فهل نظّم الإسلام العلاقة بين القوميات المختلفة ؟)] ، وكيف لم يفعل ، فأولاً أعلن الإسلام أنه دين للناس كافة ، بمختلف قومياتهم ، فقال الله سبحانه في الآية (28) من سورة سبأ : (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون )).
ثم اعلن الإسلام أنه لا فرق بين عربي على غير العربي ، وأن مقياس المفاضلة هو التقوى وهو المقياس الذي يشترك فيه الناس جميعاً ، فقال الله عزَّ وجل في الآية(13) من سورة الحجرات : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )) ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (يا أيها الناس ألا إنَّ ربكم واحد وان أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) ، رواه أحمد في مسنده.
فكيف يمكن ان يدعي احد أن الإسلام لم ينظم العلاقة بين القوميات المختلفة ؟

عربية القرآن لا تعني تعصبه :
قال الدكتور كامل النجار : [(فالإسلام منذ الوهلة الأولى كان ديناً مبنياً على العصبية للقبيلة أولاً ثم للعرب ثانياً. فالقرآن قد كرر أكثر من خمسة مرات أنه قرآن عربي مبين)].
فلا بد أن يكون القرآن بلغةٍ ما وكونه بالعربية فسببه أنه نزل على نبي عربي وكان الخطاب فيه موجهاً للعرب ومنهم للعالم ، إذ لا بد أن تكون هناك قناة لإيصال الدين إلى الآخرين وقد كان العرب هم تلك القناة ، فلا ميزة لهم أبداً على الآخرين ، قال تعالى في الآية (17) من سورة الحجرات : (( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين )) ، فأين هو التعصب المزعوم في الإسلام ؟!

أحاديث غير معتبرة وتطبيق خاطيء :
قال الدكتور كامل النجار : [(وقريش قد حاربت الإسلام منذ الوهلة الأولى وكادت أن تقضي عليه لولا أن تدخل الأنصار ورحبوا بالرسول في المدينة وآزروه. فماذا فعل الإسلام بالأنصار بعد موت الرسول ؟ فقد جعل الخلافة في قريش التي حاربته، وقال الرسول: " سوف يظل هذا الأمر في قريش حتى إن ظل منهم اثنان ". ومن يومها لم يخرج الحكم من قريش إلى نهاية الدولة العباسية. وما هي معاملة الإسلام للقوميات الأخرى ؟ ألم يمنع عمر بن الخطاب كل السبايا من دخول المدينة ؟ ألم يضطهد الأميون الفرس ويعاملونهم معاملة العبيد، حتى في الجيوش الأموية التي جعلت للموالي خيامهم ومساجدهم التي كانت تفصل عن خيام ومساجد العرب ؟ ألم يمنع الأمويون الموالي من الفئ ؟ وماذا عن معاملة الزنج بنواحي البصرة حتى اضطروا للقيام بثورة الزنج ؟ إلم يبح الإسلام العبودية وجعل العبد والأمة أقل مرتبةً من الأحرار ؟)] ، فأما الحديث الذي نسبه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو غير معتبر لكوننا نجد تعارضه التأريخي مع ما تواتر من أمر الخلافة كونها محصورة في الإمام علي عليه السلام وليست لأحد آخر من قريش أو غيرها ثم في بنيه المنصوص عليهم من بعده ، وأما فعل الخليفة عمر وبنو امية فليس بحجة ولا يمكن تحميله قسراً على الإسلام ، فالحجة هو القرآن والسنة الصحيحة ، وأما دولة الخلافة فقد قامت بخليفة من غير قريش ومن غير العرب أصلاً ، فخلافة بني عثمان هي خلافة إسلامية ولم يضرها شيء كونها تركية وغير عربية ، فأبي حنيفة كان يفتي بجواز أن يكون الخليفة غير عربي ، فأين هي دعوى حصر الخلافة في قريش والتعصب المزعوم للإسلام ؟!


معاملة الإسلام للأديان الأخرى :
قال الدكتور كامل النجار : [(أما معاملة الإسلام للديانات الأخرى فلا أظنني في حاجة للخوض فيها، وقد كتبت عنها الكثير في ما مضى. ويكفي أن نذكر معاهدة عمر مع أهل الشام وتخريب الكنائس وتحويلها إلى مساجد وفرض الجزية عليهم حتى يدفعوها بيد وهم صاغرون)] ، حسناً فلم لا يخبرنا الدكتور النجار عن السبب الذي من أجله خربت الكنائس التي أخبر عن تخريبها مع ذكره السبب في بقاء العشرات من الكنائس والأديرة في العراق وبلاد الشام منذ عصر ما قبل الإسلام وإلى اليوم دون أن يمسها أحد من المسلمين بسوء ، وأرجو أن يخبرنا الدكتور النجار هل بوسعه أن يتذكر ما قد قراه حول رفض عمر الصلاة في كنيسة القيامة من أجل الحفاظ على تبعيتها للمسيحيين. وفي تقديرنا فسواء أحسن عمر أو أساء فهو لا يعبر عما يجب أن تكون عليه شريعة الإسلام ، إنما يعبر عن نفسه فقط ، إنْ أحسن يقال احسن عمر وإنْ أساء فيقال أساء عمر ، ((إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها )) ، وأما الإسلام فنصوصه واضحة وشريعته عادلة.

الفطرة لا توجب الكثرة :
قال الدكتور كامل النجار : [(وفعلاً إن أكبر نسبة من الأديان في العالم هي نسبة الأديان الوثنية (غير السماوية) كالبوذية والهندوس وغيرها، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن الإدعاء بأن التوحيد فطرة فطر الله عليها البشر ليس إلا إدعاءً عارياً عن الحقيقة. ويمكن بالطبع أن نوجه السؤال للمسيحيين)] ، فأولاً لا يجوز إقحام المسيحيين في هذا الأمر حيث انهم لم يدعوه ، فكيف يريد إقحامهم بأمر لم يصدر عنهم !
وثانياً...
فإذا كانت فطرة التوحيد تعصم الإنسان عن الضلال فماذا يصنع الدكتور النجار إذن في موقع كتابات وفي بقية المواقع على شبكة الأنترنيت ، بل وفي مؤلفاته أيضاً ، فإذا كان يفترض أن فطرة التوحيد يجب أن تعصم الإنسان عن الضلال كان عليه أن يمتنع عن الكتابة لعدم جدواها ، لكون كتاباته مضادة لفطرة التوحيد وساعية للتخلص من تلك الفطرة. وهناك العشرات من الذين يشتركون مع الدكتور النجار في هذا المسعى.
ألم يعلم الدكتور النجار ان تربية الإنسان لها دور كبير في تنشئة عقيدته فضلاً عن شخصيته ، وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) ، ولن نتكلم عن دور الشياطين في مشاركتها للدكتور النجار في مسعاه لإضلال الناس وحرفهم عن التوحيد الصحيح ، إذ إنَّ الأمر واضح ولا يحتاج لتفصيل !

تفويض السلطات :
قال الدكتور كامل النجار : [(وكان من الممكن للنبي أن يفوض Delegate بعض سلطاته لغيره، مثل القضاء وبيت المال والشرطة وما إلى ذلك)] ، ومن قال ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يفعل ذلك ، فهل يعلم الدكتور النجار تولية الإمام علي علي السلام القضاء في اليمن من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ، وكان العلاء بن الحضرمي عامل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على البحرين ومن قبله كان المنذر بن ساوي في نفس المنصب وغيرهم من العمال في مناطق اخرى من شبه الجزيرة العربية ، فلماذا تطلق التهم جزافاً. غاية الأمر أن لكل زمان وبيئة نظام يحكمها قد يكون بسيطاً وقد يكون معقداً بحسب الظروف التي ذكرناها.

النظام المشرّف للإسلام :
قال الدكتور كامل النجار : [(ورغم كتاب الشهيد محمد باقر الصدر عن الحكومات الإسلامية، فخير مثال ننظر إليه هو الحكومات الإسلامية الحالية في إيران والسودان وفي حكومة طالبان المنهارة. ولا أظن أننا سوف نجد ما يشرف الإسلام)] ، ونحن نختلف مع الدكتور النجار إذ نجد أن نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هو نظام مشرّف للإسلام سواء كان تحت قيادة السيد الخميني (قده) أو تحت قيادة السيد الخامنئي (رعاه الله) ، وليس من قبيل الصدفة أن يكون كل الذين يعادون نظام الجمهورية الإسلامية في إيران هم أيضاً من الذين يعلنون معاداة الإسلام في نفس الوقت ، سواء كانوا من البعثيين أو الصهاينة أو الملحدين أو العلمانيين أو غيرهم ، وحتى الوهابية فإن عدائهم لها إنما ينبع من عدائهم للإسلام المحمدي الأصيل.
 

الصفحة الرئيسية