بسم الله الرحمن الرحيم

تعقيبات متبادلة مع الدكتور كامل النجار حول نقض الفصل الأول

تعقيبه الأول وردنا عليه

نبيـل الكرخي

التعقيب الأول للدكتور كامل النجار رداً على نبيـل الكرخي

 

قال الدكتور كامل النجار معقباً على ردي السابق :

الحلقة الأولى

لم يكن في نيتي التعقيب على المقالين الذين نشرهما السيد نبيل الكرخي بموقع " كتابات " في الأسبوع الأول من أكتوبر 2004 لتدني أسلوب الكاتب وعدم التزامه أدب الحوار، ولكنني راجعت نفسي وقررت أن أرد عليه حتى لا يعتقد –خاطئاً- أنه قد أحرز نقاطاً في المنازلة. وسوف أبدأ بالحلقة الأولى من تعقيبه على قولي إن التوراة ليس فيها ذكر أو قصة تقول إن عزيز ابن الله، فقال السيد الكرخي: " فيبدو أن المدعو كامل النجار يريد خلط المسألة ، فالقرآن الكريم لم ينص على وجود دعوى (عزير أبن الله ) في التوراة حتى يستطيع المدعو كامل أن ينفي ذلك مستشهداً بنصوص من التوراة ، بل إنَّ القرآن الكريم كان واضحاً جداً حيث قال بهذا الخصوص : (( ذلك قولهم بأفواههم )) فهي دعوى كانت منتشرة بين اليهود مشافهةً ولم يقل أحد أنها موجودة في التوراة أو مكتوبة في غيرها من أسفار اليهود. " ونحن نعرف أن التوراة لم تُكتب إلى بعد حوالي ستمائة عام من وفاة موسى، وطوال هذه الفترة كانت تعاليم التوراة تتناقل شفهياً. فكون القرآن قد قال " ذلك قولهم بأفواههم " لا يعني أن الجملة ليست في التوراة. وكل قول يقوله الإنسان يخرج من الأفواه، اللهم إلا إذا أراد السيد الكرخي أن يقول إن بعض الناس يتكلمون من مؤخراتهم، كما يقول الإنكليز Talking out of his bum . ونحن نعرف أن الله لم يقل " عزيز ابن الله " فلو قالت اليهود إن عزيز بن الله فلا بد أن يضيفوها للتوراة لتصبح أكثر إقناعاً للناس. ثم أن اليهود ليس لديهم أي رسول أو نبي اسمه عزيز، حتى يقولون إنه ابن الله. فقد كان لديهم " عزرا " ولو كان هذا قولهم بأفواههم كان لا بد أن يقولوا " عزرا ابن الله ".
ويستمر السيد الكرخي في تهكمه فيقول: " يحاول المدعو كامل النجار إنكار تحريف التوراة ، فيقول : ( ولكن ليس في التوراة الموجودة بين ظهرانينا الآن ما يدل على أنها محرفة، وليست لدينا نسخة أصلية قديمة لنقارن بها التوراة الحالية لنعرف إن كانت محرفة أم لا ) ، فإذا لم تكن التوراة محرفة فلماذا لا يؤمن بها المدعو كامل النجار بإعتبارها كتاب سماوي غير محرّف ويعتنق اليهودية أم أن الإلحاد قد ختم على قلبه ؟! " فيجب أولاً أن نُعرّف ما هو التحريف؟ المنجد العربي يقول: " حرّف الشئ عن وجهه: صرفه وأماله، وحرّف القول: غيرّه من موضعه ". والقرآن يقول : " والقرآن يقول: " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم " فالقرآن هنا يخبرنا أن التحريف هو أن يلوي الإنسان لسانه ويقول " راعنا " التي يُفهم منها أنهم يقولون للرسول: راعينا وأعطينا اهتماماً خاصاً، بينما يقصدون أن النبي كان راعناً، أي أرعن. فهذا نوع من التحريف بصرف الكلمة عن معناها. والنوع الآخر من التحريف هو تغيير الكلمة عن موضعها، فبدل أن يقول اليهود: سمعنا وأطعنا، كما هو متعرف في اللغة، قالوا: سمعنا وعصينا. فإذا أخذنا هذا المعنى القرآني للتحريف، فليس في التوراة أي شئ محرف عن موضعه أو معناه. أما إذا قصدنا " التزييف " بدل التحريف، وهو أن نحذف شيئاً أو نضيف شيئاً لوثيقة ما، فنستطيع أن نقول أن التوراة مزيفة لأنها لم تُكتب إلا بعد مرور ستمائة عام بعد نزولها، ولا بد أن الذاكرة ضعفت، فزادوا أشياء وحذفوا أشياء قبل أن يكتبوها. ولكن نفس القول ينطبق على الإنجيل وعلى القرآن، الذي لم يُجمع إلا في خلافة عثمان بن عفان، أي بعد مرور أكثر من خمس وثلاثين سنةً منذ بدء نزوله. ولذلك حدثت الاختلافات بين المصاحف، وحُذفت آيات وسور بكاملها، وأُضيفت أخرى. وبما أن السيد الكرخي شيعي، يستحسن أن نذكر له ما قال الشيخ النوري الطبرسي عن تحريف القرآن بحذف سورة " الولاية " في كتابه ( فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ): " وبعضهم يقولون إن عثمان أحرق المصاحف، وأتلف السور التي كانت في فضل علي وأهل بيته عليهم السلام منها هذه السورة " ويذكر سورة " الولاية " كاملة.
ويذكر السيد الكرخي أن التوراة محرفة لأنها ذكرت قصة موت موسى، وسأل كيف يكتب موسى قصة موته؟ ثم ذكر عدة آيات في التوراة ترمز إلى كُتب تاريخية غير معروفة لدينا الآن، ويتخذ هذا حجةً على تحريف التوراة. وما كان السيد الكرخي في حاجة لأن يجهد نفسه ويذكر كل هذه الآيات، إذ أننا نتفق معه على أن العهد القديم قد كُتب بعد موت موسى بمئات السنين، وبعضه يحكي قصص الحروب وتاريخ اليهود الذي حدث بهد موسى. ويصعب تحديد ما هي التوراة، هل هي الألواح التي أنزلها الله على موسى بطور سيناء، أم هي كل كُتب اليهود؟ وفي اعتقادنا أن التوراة هي الوصايا العشرة التي أنزلها الله على موسى في الألواح الحجرية، فأصبحت هي أصل كل الأديان السماوية وغير السماوية. فكل الأديان تحتوي على نفس الوصايا العشرة، وما غير ذلك فهو سبب الاختلافات في الديانات وسبب الحروب. فإذا كانت التوراة هي الوصايا العشرة، فهل حرفها اليهود؟ والجواب قطعاُ " لا ". وإذا كانت التوراة هي كل الكتب الخمسة وما يليها، هل حرفها اليهود عن قصد، وما استفادوا من تحريفها؟ فكما قلنا سابقاً ليس هناك أي دليل في التوراة عن تحريف الكلام عن موضعه، فإذا ليس هناك تحريف، أما إذا أراد اليهود حذف اسم النبي العربي من التوراة، فهذا يصبح " تزييف " للتوراة، وقد يكون لهم مصلحة في التزييف إذا اقتنعنا أن التوراة الأصلية كانت بها عبارة " سيأتي من بعدي نبي اسمه أحمد ". فلننظر الآن في المنطق وراء هذه الآية المزعومة. أرسل الله موسى لبني إسرائيل الذين لم يكونوا يعرفون الإله " يهوى "، ليقنعهم بوجوده ويدعوهم للإيمان به. ومنذ الوهلة الأولى يتبين لموسى أن بني إسرائيل لم يصدقوه رغم أنه شق لهم البحر، فصنعوا لأنفسهم عجلاً وعبدوه، فهل يُعقل أن يأتي موسى ويقول لهم: إني رسول مؤقت وسوف يرسل الله نبي من بعدي اسمه أحمد، ولذلك أدعوكم لتؤمني بي وبالإله يهوى ؟ وحتى لو قال لهم موسى ذلك، ماذا حدث للنبي عيسى الذي أرسله الله لبني إسرائيل ليكمل رسالة موسى؟ أما كان الأجدر أن يقول موسى لقومه: سيأتي من بعدي نبي اسمه عيسى مرسل لكم ليكمل رسالتي؟

ثم يستمر السيد الكرخي فيقول " ففي نسخة الكتاب المقدس التي أذن بطبعها مطران بيروت إغناطيوس زيادة نقرأ في صفحة (4) ما نصه وهو يتحدث عن التوراة (أسفار موسى الخمسة) ما نصه : ( فما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى قد كتب كل البانتاتيك ـ أي الأسفار الخمسة وهي كلمة يونانية ـ منذ قصة الخلق إلى قصة موته " والمدعو كامل النجار لم يقل إن موسى قد كتب التوراة، وفي الحقيقة يقول بغير ذلك. فموسى، كما يخبرنا القرآن، قد تربي في قصر فرعون إلى أن استوى عوده، فلا بد أنه تربي في البلاط الملكي على اللغة الهيروغروفية وكان يخاطب السحرة المصريين بلغتهم، فلو تعلم القراءة والكتابة، وهو شئ مستبعد، فلا بد أنه كتب بالهروغروفية، ولكن التوراة مكتوبة بالغة السريانية التي هي أصل اللغة العبرية. فموسى لم يكتب أي شئ.
واستمر السيد الكرخي في تأكيده أن التوراة محرفة فقال: " فقد تكلم بهذا الكلام لجهله ، فحين يقول المسلمون أن هناك تحريفاً بالتوراة فمعنى ذلك أنَّ هناك توراة أصلية قد لحقها بعض التغيير من قبيل طمس أسم نبي آخر الزمان وطمس ما يتعلق به من صفات أو تحريفها ، فإذن هناك توراة أصلية موجودة ضمن التوراة المحرفة ولكن لا يمكننا تمييزها بسبب التحريف ، ولذلك فقد تنبه علماء المسلمون لهذا الأمر فنجد السيد الطباطبائي في تفسير الميزان يقول ما نصه ( غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مخالفة للتوراة الاصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة ) ". فما دام تحريف التوراة قد انحصر في طمس اسم نبي آخر الزمان، فيمكن أن نقول إن التوراة ناقصة لأن اسم النبي قد حُذف منها، ولا ينعني هذا أنها محرفة، حسب تعريف التحريف السابق الذكر. فإذا كان الأمر كذلك فكل ما جاء في التوراة حقيقة غير حذف الاسم. والسيد الطباطبائي يقول إن التوراة التي كانت موجودة زمن الرسول محمد كانت مطابقة للأصل، وإن لعبت بها يد التحريف. ونستنتج من هذا أن التحريف كان بسيطاً لم يغير من الأصل كثيراً. والتوراة الموجودة بين أيدينا اليوم هي نفس التوراة التي كانت في زمن الرسول محمد بدليل أن المتاحف ومكتبات الجامعات العريقة تحتوي على نُشخ من التوراة منذ القرن الأول قبل الميلاد. فأين إذا كل التحريف الذي يتحدث عنه الإسلاميون؟

ثم انتقل بعد ذلك السيد الكرخي إلى مسألة التوحيد وهاجم قولى أن اطوطمية عبادة توحيد، فقال: " فمعنى هذا أنَّ كل من عبد إلهاً واحداً سواء كان ذلك الإله جماداً أو حيواناً أو نباتاً فعبادته توحيدية فمن كان يعبد فرعون فهو موحد ومن يعبد الشمس فهو موحد ومن يعبد البقرة فهو موحد وهكذا ! فما حاجة البشرية إذن إلى نزول الأديان ما دام التوحيد موجود ... ، فهل قرأتم يوماً أسخف من هذه الأفكار. " ولا سخافة إطلاقاً في هذا القول لأن كلمة " التوحيد " مشتقة من واحد. وفي البدء كان الإنسان البدائي يعبد أرواح أسلافه الذين ربما زاد عددهم على العشرين أو الثلاثين، ثم عبدوا الأصنام بعد ذلك وكان لكل مجموعة أكثر من صنم، ثم بدأت فكرة إله السماء عند البابليين والفرس والإغريق الذين خلقوا لأنفسهم عدة آلهة تسكن السماء أو الأكربولس، وتتشاجر فيما بينها. وبظهور عقيدة الطوطمية التي تخلت عن الأسلاف والأصنام المتعددة، دخلت فكرة التوحيد، أي المعبود الواحد، حيز الوجود. وفكرة الأديان طبعاً دخلت عقلية الإنسان البدائي قبل أن يبعث الله أي رسول للناس، وكانت حاجتهم للدين وقتها قوية لأنهم احتاجوا إلى قوة تفسر لهم الظواهر الطبيعية. هل البشرية ما زالت تحتاج إلى الرسائل السماوية؟ والجواب طبعاً " لا ".
ثم يقول السيد الكرخي: " هذا كله طمس للحقائق فمعرفة عرب الجاهلية لله عزَّ وجل لا يمنع من وجود الشرك عندهم بل إنَّ معنى الشرك عند عرب الجاهلية هو أن تعبد آلهة أخرى إلى جانب عبادة الله تعالى ، فالمشكلة ليست في إدعاء إنكار وجود الله جلَّ وعلا كما توهم المدعو كمال النجار بل المشكلة تكمن في إتخاذ عرب الجاهلية لآلهةٍ أخرة مع الله يعبدونها ويعتقدون لها التأثير على الله تبارك وتعالى على نحو الإستقلالية. " والمدعو كامل النجار مصرٌ على رأيه أن عرب الجاهلية كانوا يؤمنون بالله كخالق الكون ومسيّر أموره، غير أنهم توسلوا إليه بالأصنام، وهذا لا يختلف عن وضعنا الآن بعد مرور ألف وأربعمائة عام علة ظهور الإسلام، فما زلنا نتوسل لله بزيارة قبر الحسن والتبرك به، وما زلنا نتوسل لله بزيارة قبور الأولياء الآخرين ونسألهم الشفاء ونقدم لهم الهدايا. وما زلنا نتقي شر الشياطين بأن نطلب من رجل الدين أن يكتب لنا " حجاباً " نلبسه أو دعاءً قد يستجيبه الله، بدل أن نسأل الله مباشرة. وما زلنا نحمي أطفالنا من " العين " بتعليق الحجارة الزرقاء عليهم. فهل اختلفنا عن عرب الجاهلية في شئ؟

 الحلقة الثانية

يقول السيد الكرخي في مقاله الثاني: " قال المدعو كمال النجار : ( والعهد الجديد، كالعهد القديم من قبله، ملئ بالآيات التي تدعو لوحدانية الله ) ، ثم يسرد بعض الجمل من العهد الجديد التي تدل على التوحيد. ونورد الآن جملاً أخرى من العهد الجديد تبين دعوى البنوة الشركية والربوبية التي يدعيها المسيحيون للمسيح عليه السلام ". والعهد الجديد، مثله مثل العهد القديم ومثل القرآن، ملئ بالآيات التي يعارض بعضها البعض. فكل هذه الكتب كُتبت بعد زمن، يطول أو يقصر، بعد موت رسلها، وأدخلت بها يد الكاتب بعض الزيادات وبعض النقصان. وقد أورد السيد الكرخي أكثر من عشرين آية تقول إن المسيح ابن الله، وقد شرحت في كتابي نشوء فكرة التثليث في المسيحية بعد مؤتمر نيقا عام 324 ميلادية، وأثر الإمبراطور قسطنطين في ترجيح كفة المنادين بهذا الطرح علي المنادين بالرأي المعاكس الذي يقول إن المسيح ماهو إلا رسول. وقد تحدثنا عن الأقانيم الثلاثة، ولا داعي لتكرار القول. المهم أن المسيحيين يقولون المسيح ابن الله ولا يعنون أن الله هو الأب البيولوجي للمسيح ولا يعنون أن المسيح هو الله. وعلى العموم الفكرة جاءت من أن الله قال عن مريم بنت عمران التي أحصنت فرجها " فنفخنا فيه من روحنا ". فإذا كان الله قد نفخ في فرجها من روحه لتحمل بعيسى، فليس مستبعداً أن يعتقد بعض الناس أن عيسى جزء من الله لأنه جزء من روح الله. ولكنهم في النهاية يعبدون الله ولا يعبدون عيسى.
ويقول السيد الكرخي: " وهكذا تجد أنه لا يخلوا سفر من أسفار العهد الجديد من ذكر عبارة شركية مخالفة للتوحيد ، فهل هذا هو التوحيد الذي يفتخر به المدعو كمال النجار !!؟" ولمعلومية السيد الكرخي فإن المدعو النجار لا يفتخر بأي توحيد إنما يقدم للقارئ ما يراه صواباً.
ثم استمر السيد الكرخي في هجومه فقال: " أما المدعو كامل النجار فيستمر بدعاواه الباطلة قائلاً : فلو لم يظهر الإسلام، لاتبع عرب الجزيرة اليهودية أو المسيحية أو خليطاً منهما كما فعل الأبيونيون Ebionites وهم اليهود المتنصرون، وكانوا يسكنون منطقة الحيرة، ويعني اسمهم بالعبرانية الفقراء، وكيفية نشأتهم غير معروفة وكانت عقيدتهم خليطاً من اليهودية والمسيحية فقد اعتقدوا بوجود إله واحد خالق الكون، وعظموا السبت وقالوا أن المسيح إنسان امتاز عن غيره بالنبوة، رسول أرسله الله للناس أجمعين، وأنكروا الصلب فذهبوا إلى أن الذي صُلب شخص آخر غير المسيح وقد شُبه لهم فاعتقدوا أنه المسيح. فلو اتبع عرب الجزيرة أيً من هذه الديانات لوصلوا إلى نفس النتيجة- توحيد الله وعبادته وفعل الخير والامتناع عن فعل الشر . يتضح من هـذا العرض أن الجزيرة العربية قبل الإسلام كانـت موطناً لثلاث عقائد: اليهودية والمسيحية والتعددية ( عبادة الأصنام)، ولكن الثلاث عقائد كانت تعرف التوحيد وتؤمن به، ولم يزد الإسلام في هذا المضمار شيئاً). وهو قول يدل على جهل بمعاني التوحيد أو يدل على عدم إكتراث لمعنى التوحيد لا سيما وهو يصدر من رجلٍ ملحد لا يؤمن بالأديان أصلاً ولا بالتوحيد ولا غيره ، بل يهمه تسخيف فكرة التوحيد ليسهل عليه أمر دعوة الناس للإلحاد الذي يعتنقه. فهو لم يشرح لنا كيف أنه سيدخل عرب الجزيرة اليهودية أو المسيحية ولم يبين لنا طريقة ذلـك ، فالمسيحية كانت موجودة لأكثر من 600 سنة قبل ظهور الإسلام ولم يعتنقها من العرب سوى القليل منهم وأما اليهودية فهي موجودة قبل ظهور الإسلام بأكثر من1600 سنة ولم يعتنقها سوى أفراد قلائل من العرب "
فيبدو أن السيد الكرخي لم يقرأ تاريخ العرب قبل الإسلام. قالمسيحية واليهودية كانتا قد انتشرتا في شبه جزيرة العرب من جنوبها إلى شمالها ومن غربها إلى شرقها. يقول الدكتور جواد علي في كتابه " تاريخ العرب قبل الإسلام " عن الملك زرعة ذي نواس، صاحب الأخدود المذكور في القرآن: " ولما بلغه انتشار النصرانية بنجران، سار إليهم بجند من حمير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية فخيرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود وقتل منهم ما يقارب عشرين ألفاً ". ويقول كذلك إن المؤرخ الإغريقي " بروكوبيوس" (ذكر أن النجاشى، وكان نصرانياً مدافعا عن نصرانيته، بلغه أن الحميريين كانوا يضطهدون النصارى ويعذبونهم ولذلك أرسل أسطولا استولى على أرض حمير وأقام عليها ملكا نصرانياً. وذكر أن كثيرا من الحميريين كانوا على دين " يهود" ) ويقول كذلك: (يحدثنا كتبة التواريخ الكنسية أن القيصر " قسطنطين" الثانى أرسل فى عام 354 للميلاد " ثيوفيلس اندس" "Theophilus Indus " أي ثيوفولس الهندى من جزيرة سرنديب أى " سيلان" إلى العربية الجنوبية للتبشبر بالدين بين الناس. وقد تمكن من إنشاء كنيسة فى عدن وأخرى فى ظفار وثالثة في " هرمز" وعين للمتنصرين رئيساً ثم رحل. وصارت ظفار فى سنة 356م مقراً لرئيس أساقفة يشرف على شؤون نصارى نجران وهرمز وسقطرى ) وقد انتشرت النصرانية إلى عُمان والبحرين.
أما في شمال الجزيرة فقد كان الغساسنة نصارى، كما يقول الدكتور جواد علي: (يدّعى ابن العبرى ( Bar Hebracus, vol. 1, pp82 ) ان موريقيوس " Mauricius " طلب من النعمان بن المنذر أن يدخل فى المذهب الخلقيدونى، فأجابه أن جميع القبائل العربية هي على المذهب الأرثودوسكى "Orthodox " وانه إذا بدل مذهبه لا يأمن علي نفسه من القتل. ) وقد اعتنق العرب في تيماء اليهودية ( " تيماء" من المواضع التى عثر على اسمها فى الكتابات التي تعود إلى ما قبل الميلاد. وقد ورد اسمها في العهد القديم كذلك (Isaiah اشعياء21 ، الآية 14،Jeremaiah أرمياء 25، الآية 23، أيوب 6، الآية 19 ). وكانت محطة مهمة لنزول القوافل فيها، وقد سكنها يهود وقوم من العرب دخلوا في دين يهود، وذكرت في شعر امرئ القيس وفيها كان حصن السموأل بن عادياء المذكور في قصص امرئ القيس ) وقد سكن اليهود في عدة مناطق أخرى بالجزيرة منها مكة والمدينة وخيبر ووادي القرى . أما المسيحية فقد اعتنقتها قبائل عربية كثيرة منها قبيلة تغلب وطئ ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولُخم ( جواد علي ج6، ص 590) وكانت منطقة الهلال الخصيب ( سوريا ولبنان وفاسطين) كلها مسيحية لأنها كانت تحت الاستعمار البيزنطي. ولا ننسى كذلك العراق وخاصة منطقة الحيرة. ويظهر من هذا السرد أن المسيحية كانت قد انتشرت في جميع أرجاء الجزيرة العربية. أما كيف انتشرت؟ فهي حتماً لم تنتشر بحد السيف، إنما بالتبشير السلمي.
ويسأل السيد الكرخي سؤالاً فيه بعض السذاجة، فيقول: " بل إنَّ سيرة العرب كانت قائمة على أنهم كلما تقدم بهم الزمن كلما أبتعدوا اكثر عن إعتناق الأديان السماوية نحو عبادة الأصنام. ثم إنَّ عرب الجزيرة كانت لديهم عقيدة وثنية يؤمنون بها وأصنام يتخذونها آلهة يؤمنون بها ومن رسوخ عقيدتهم بها أنهم ضحّوا بأنفسهم وأموالهم ومكانتهم من أجلها ـ كما عرفناه في معاركهم مع المسلمين ـ في بدء ظهور الإسلام ـ فكيف سيتم إنتقال هؤلاء من عقيدتهم الشركية المتأصلة في نفوسهم إلى اليهودية أو المسيحية كما يدعي المدعو كمال النجار؟ " ونقول له كان انتقالهم سوف يتم بنفس الطريقة التي تم بها تحولهم من عبادة الأصنام إلى الإسلام، إذا كان الإسلام قد انتشر بغير السيف. أما إذا كان تحويلهم للإسلام بالسيف، فإن المسيحية كانت سوف تفشل لأنها لم تستعمل السيف.
وبدون أي دليل، سوى زعم المسلمين أنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة، يقول السيد الكرخي: " ولو إفترضنا إعتنـاق العرب جميعهم للمسيحية فإن حاجتهم إلى الإسلام ستبقى مستمـرة لأن التوحيد الخالص مفقود في المسيحية ، والإسلام دين لا يقتصر على العرب بل هو لجميع الناس المسيحيين واليهود وغيرهم ، بل إنَّ العالم كله يشهد أن الإسلام لم يأت بالتوحيد فقط وإنَّ كان هو من أهم ما اتى به ، بل الإسلام دين شامل لجميع نواحي الحياة الروحية والنفسية والمادية " فلو كانت حاجة العرب للإسلام مستمرة، كما يقول السيد الكرخي، لماذا ظل عدد المسيحيين في العالم أكثر من عدد المسلمين بعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام على ظهور الإسلام؟ ولا أعلم من أين أتى السيد الكرخي بمعلوماته ليقول لنا إن جميع العالم يشهد للإسلام بأنه الدين الذي شمل على كل نواحي الحياة الروحية والنفسية والمادية؟ فإذا كان الأمر كذلك لماذا امتنع كل هؤلاء الناس عن إتباع الإسلام بعد شهادتهم له فظل عد المسلمين في العالم لا يتعدى 15 بالمائة؟ ويستمر السيد الكرخي فيقول: " فلا يصح إطلاقاً أن يقول قائل أنَّ العرب كان يمكن أن يصبحوا مسيحيين أو يهود فليس هناك حاجة للإسلام لأن هذا قول ساذج يدل على الجهل بالإسلام وما أحدثه من تغييرات نفسية ومادية وحضارية عند العرب وغيرهم من الأقوام الذين أعتنقوه. " وسوف أترك الحكم للقارئ ليحكم من هو الجاهل.
ثم يقول السيد الكرخي عن الدولة الإسلامية " من جديد يتناول المدعو كامل النجار المسائل تناولاً تفريطياً ، بعيداً عن الأسس السليمة لتناول الموضوعات ، فهو يحاول تشويه الإسلام من خلال الإستعانة بالسيرة السقيمة لبعض حكام المسلمين ثم يقول إنَّ هذا هو الإسلام وقوانينه الإلهية ، فما ذنب الإسلام إذا كان تطبيقه من بعض المسلمين تطبيقٌ خاطيء ؟! " والجواب البسيط على هذا السؤال هو: إذا لم ينجح أي حاكم مسلم ولا أي دولة مسلمة في تطبيق النظام الإسلامي الصحيح على مدى ألف وأربعمائة سنة، فلا بد أن الخلل في النظام ذاته، لأنه لا يمكن أن يفشل كل هؤلاء الناس على مدى كل هذه السنين في تطبيق نظام صحيح. ثم يقول السيد الكرخي بكل بساطة: " من المعلوم إنَّ أي دولة تتكون من عناصر هي : الشعب والأرض والحكومة ، فالدولة الإسلامية التي أنشأها رسول الله) صلى الله عليه وآله) كانت لديها هذه العناصر الثلاث فالأرض تتمثل بالمدينة المنورة ثم شملت شبه الجزيرة العربية ، والشعب هم المسلمون ، والحكومة هي حكومته الإلهية ، هكذا ببساطة نجد أن مقومات الدولة الإسلامية كانت متكاملة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ونرد عليه بالقول إن قبائل الماساي في كينيا لهم أرضهم وشعبهم وحكومتهم العشائرية لكنهم ليسوا دولة، لأن الدولة تحتاج إلى سلطة تشريعية تقوم بتشريع الدستور والقوانين التي تحكم الدولة، وسلطة تنفيذية تتولى تنفيذ التشريع وتكفل للمواطنين حقوقهم في العلاج والتعليم والأمن، كما تطالبهم بواجباتهم، وكذلك لا بد للدولة من وسيلة لمحاكمة الحاكم واستبداله إن فسد أو مات، وكل هذه الأشياء غائبة عن قبيلة الماساي كما غابت عن حكومة النبي.. أما كون الرسول لحرصه على استمرار دولته قد أعلن ابن عمه علي بن أبي طالب خليفةً له، فقول تنفيه الغالبية العظمى من المسلمين. ورغم جزم الشيعة بهذا القول، فهم أقلية، والنظم الديمقراطية تقول باتباع الغالبية.
وأخيراً أود أن أنبه السيد الكرخي إلى أنه قد استعمل كلمة الجهل بحق المدعو كامل النجار أكثر من خمس مرات في مقاله، وبما أنه مسلم قوي الإيمان أحب أن أذكره أن القرآن يقول " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " (النحل 125)

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعقيب نبيـل الكرخي رداً على التعقيب الأول للدكتور النجار

الجزء الأول / ق1

بسم الله الرحمن الرحيم
 

جناب الدكتور كامل النجار :

 

"قل كلٌ يعمل على شاكلته" :
ذكر جنابكم في بداية تعقيبكم على مقالي السابق ما نصه : [(وقررت أن أرد عليه حتى لا يعتقد –خاطئاً- أنه قد أحرز نقاطاً في المنازلة)] ، فالحمد لله أني لا أرى الأمور بنفس طريقتك ، فأنا لا أعتبرها منازلة وهدفي ليس إحراز النقاط ، أنا أعمل للآخرة وأنت تعمل للدنيا ، فإن كان عندك ما يفيدني في آخرتي أسعفني به ، وأنا لن ابخل عليك بما يفيدك في آخرتك ودنياك ، وقد شاءت الحكمة الإلهية أن تكون التقوى هي مفتاح كل خير في الدنيا بالإضافة إلى الآخرة ، قال تعالى : ((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )) ، وقال تعالى : (( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا )) .

 

تاريخ كتابة التوراة :
قال جنابكم : [(ونحن نعرف أن التوراة لم تُكتب إلى بعد حوالي ستمائة عام من وفاة موسى ، وطوال هذه الفترة كانت تعاليم التوراة تتناقل شفهياً)] ، ولكن يبدو أن هذه المعلومة غير صحيحة ، فالتوراة وبضمنها الوصايا العشر كانت مكتوبة منذ عهد موسى عليه السلام ولكن ما حصل أنها فقدت نتيجة ظروف مرت على اليهود ثم أعادوا كتابتها بالإعتماد على ما استنقذوه من مخطوطات ، مع إضافات كثيرة وذلك بعد ستمائة أو سبعمائة سنة من عهد موسى عليه السلام ، وفي هذا الصدد يقول الدكتور أحمد سوسة : ( وقد ورد في التوراة أيضاً أن موسى تلقى الوصايا وأحكام الشريعة التي أوصى بها الرب في عربات موآب فكتبها وسلّمها للكهنة ـ التثنية (9:31) ـ ونستخلص من ذلك أن أحكام هذه الشريعة كتبت بيد النبي موسى نفسه ، وهي غير الشريعة التي كتبت بيد الله على الحجر على قول التوراة ، ولعلها كتبت على رق من رقوق البردي التي كان يستعملها المصريون في كتاباتهم ) إلى ان يقول : ( ففي بابل مارس اليهود شعائرهم الدينية وواصل كهنتهم أعمالهم الدينية بتحرير أهم فصول التوراة … فجلس هؤلاء الكهنة وأمامهم الأكداس من الرقم الطينية في شتى المواضيع في مختلف اللغات والخطوط وفي مقدمتها المواضيع الدينية التي كانت تشغل حيّزاً كبيراً من تفكير أقوام تلك العصور … ويتضح مما تقدم أن التوراة قد كتبت بعد إبراهيم الخليل بألف وثلاثمائة عام وبعد عهد موسى بأكثر من سبعة قرون ، وهي بالطبع غير التوراة التي نزلت على موسى في عصر موسى ) ، فاليهود تداولوا توراة مكتوبة سواء منذ عصر موسى عليه السلام أو من السبي البابلي ، غير أن ما حدث هو إضافة بعض النصوص للتوراة الأصلية مع بعض التغيير للأصلي منها بعد السبي البابلي.
إذن اليهود كانوا يتناقلون تعاليم مكتوبة هي تعاليم التوراة.
وبذلك يتضح خطأ ما ذكره جنابكم بقولكم : [(فكون القرآن قد قال " ذلك قولهم بأفواههم " لا يعني أن الجملة ليست في التوراة. وكل قول يقوله الإنسان يخرج من الأفواه)] ، حيث أنه عزَّ وجل نسب القول لهم فقال (قولهم) ولم ينسبه للتوراة أي لم يقل (قول التوراة) ، فعلمنا أن قول (عزير أبن الله) غير منسوب للتوراة لا الأصلية ولا المحرفة ، وأما قول جنابكم : [(وكل قول يقوله الإنسان يخرج من الأفواه)] صحيح ولكن التوراة هي ليست قول الإنسان بل هي قول الله جلَّ شأنه ـ بفرض عدم التحريف ـ فعلمنا أن نسبة القول للأفواه مفاده أن التوراة بريئة من دعوى (عزير أبن الله) وأنها لا تحتويها ، بل وحتى بعد حدوث التحريف فإن التوراة بعد التحريف لم تحتو على قولهم (عزير أبن الله) مما يعني أن تلك الدعوى هي دعوى شفهية لم يتم تثبيتها في التوراة المحرفة ، فليست كل الدعاوى الباطلة لليهود تم تثبيتها في التوراة المحرفة ، وفي هذا الصدد يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان : (وقد ذكر بعض المفسرين : ان هذا القول منهم : ( عزير ابن الله ) كلمة تكلم بها بعض اليهود ممن في عصره صلى الله عليه وآله وسلم لا جميع اليهود فنسب إلى الجميع كما ان قولهم : ( إن الله فقير ونحن اغنياء ) وكذا قولهم : ( يد الله مغلولة ) مما قاله بعض يهود المدينة ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسب في كلامه تعالى إلى جميعهم لان البعض منهم راضون بما عمله البعض الاخر ، والجميع ذو رأى متوافق الاجزاء وروية متشابهة التأثير) ، وبذلك يتضح عدم صحة قولكم : (فلو قالت اليهود إن عزيز بن الله فلا بد أن يضيفوها للتوراة لتصبح أكثر إقناعاً للناس) ، حيث كما أسلفنا لم يكن اليهود يهتمون أو يتمكنون بتثبيت كل دعاواهم الباطلة في التوراة أو أسفار الأنبياء.

عزير وعزرا :
قال جنابكم : [(ثم أن اليهود ليس لديهم أي رسول أو نبي اسمه عزيز، حتى يقولون إنه ابن الله. فقد كان لديهم " عزرا " ولو كان هذا قولهم بأفواههم كان لا بد أن يقولـوا " عزرا ابن الله ")] ، وجنابكم يعلم أن الأسماء تختلف بإختلاف اللغات فعيسى ويسوع وجيزز إسماء لشخص واحد وكذلك ميكائيل وميخائيل ومايكل وميشيل وميخيل هي أسماء لمعنى واحد ، وأيضاً بطرس وبيتر ، وكذلك متى وماثيو ، وأيضاً يحيى ويوحنا ، ومثله يوسف وجوزيف وكذلك مريم وماري ، وأخيراً عزير وعزرا ، فلا وجه للإعتراض على ذلك حيث انهم قد قالوا فعلاً (عزرا أبن الله) ولكن بلغتهم والتي يقابلها في العربية (عزير أبن الله) وهي لغة القرآن الكريم ، فلاحظ.

التحريف والتزييف :
قال جنابكم : [(فيجب أولاً أن نُعرّف ما هو التحريف؟ المنجد العربي يقول: " حرّف الشئ عن وجهه: صرفه وأماله، وحرّف القول: غيرّه من موضعه ". والقرآن يقول : " والقرآن يقول: " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم " فالقرآن هنا يخبرنا أن التحريف هو أن يلوي الإنسان لسانه ويقول " راعنا " التي يُفهم منها أنهم يقولون للرسول: راعينا وأعطينا اهتماماً خاصاً، بينما يقصدون أن النبي كان راعناً، أي أرعن. فهذا نوع من التحريف بصرف الكلمة عن معناها. والنوع الآخر من التحريف هو تغيير الكلمة عن موضعها، فبدل أن يقول اليهود: سمعنا وأطعنا، كما هو متعرف في اللغة، قالوا: سمعنا وعصينا. فإذا أخذنا هذا المعنى القرآني للتحريف، فليس في التوراة أي شئ محرف عن موضعه أو معناه. أما إذا قصدنا " التزييف " بدل التحريف، وهو أن نحذف شيئاً أو نضيف شيئاً لوثيقة ما، فنستطيع أن نقول أن التوراة مزيفة لأنها لم تُكتب إلا بعد مرور ستمائة عام بعد نزولها، ولا بد أن الذاكرة ضعفت، فزادوا أشياء وحذفوا أشياء قبل أن يكتبوها)] ، فقد لجأ جنابكم إلى المعنى اللغوي للتحريف ولذلك اخذتموه من المنجد العربي بينما كان عليكم أن تلجأوا للمعنى الإصطلاحي له ، فهو مصطلح إسلامي ظهر في وصف الكتب السماوية التي سبقت القرآن الكريم في النزول.
فأراد جنابكم حصر الدلالة القرآنية على التحريف في معنى واحد حين قلتم : [(فالقرآن هنا يخبرنا أن التحريف هو أن يلوي الإنسان لسانه ويقول " راعنا " التي يُفهم منها أنهم يقولون للرسول: راعينا وأعطينا اهتماماً خاصاً، بينما يقصدون )].. إلخ ، في حين أن القرآن الكريم يتحدث عن التحريف في عدة اطر ، في آيات عديدة منها :
ـ قال تعالى في الآية (79) من سورة البقرة : (( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون )).
ـ وقال تعالى في الآية (13) من سورة المائدة : (( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم فاعف عنهم واصفح إنَّ الله يحب المحسنين )).
ـ وقال تعالى في الآية (41) من سورة المائدة : (( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم )).
ـ وقال تعالى في الآية (46) من سورة النساء : (( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا وانظر لكان خيراً لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا )).
ـ وقال تعالى في الآية (38) من سورة ق : (( ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب )) ، في ردٍ قرآني مباشر على ما ورد في التوراة في سفر التكوين (2:2) ونصه : (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل) فكان رداً قرآنياً مباشراً على التوراة المحرفة بنفي التعب عن الله جلَّ وعلا فهو جلَّ شأنه لا يحتاج للإستراحة ولا لغيرها ، إذ أنَّه هو الغني الحميد.

فالتحريف ـ كما فصّله السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ـ أصبح إصطلاح على ما يأتي :
الأول. تغيير مواضع الالفاظ بالتقديم والتأخير والاسقاط والزيادة كما ينسب إلى التوراة الموجودة.
الثاني. تفسير ما ورد عن موسى عليه السلام في التوراة وعن سائر الانبياء بغير ما قصد منه من المعنى الحق كما أولوا ما ورد في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بشارات التوراة ومن قبل اولوا ما ورد في المسيح عليه السلام من البشارة وقالوا إن الموعود لم يجئ بعد وهم ينتظرون قدومه إلى اليوم.
الثالث. أن يكون المراد بتحريف الكلم عن مواضعه ما سيذكره تعالى بقوله ويقولون سمعنا وعصينا فتكون هذه الجمل معطوفة على قوله يحرفون ويكون المراد حينئذ من تحريف الكلم عن مواضعه استعمال القول بوضعه في غير المحل الذي ينبغي أن يوضع فيه فقول القائل سمعنا من حقه أن يوضع في موضع الطاعة فيقال سمعنا وأطعنا لا أن يقال سمعنا وعصينا أو يوضع سمعنا موضع التهكم والاستهزاء وكذا قول القائل اسمع ينبغي أن يقال فيه اسمع أسمعك الله لا أن يقال اسمع غير مسمع أي لا أسمعك الله وراعنا وهو يفيد في لغة اليهود معنى اسمع غير مسمع.

وبذلك نجد أن المعنى القرآني للتحريف يدل على حدوث النوعين الأوليين في التوراة ، إذن التحريف بمعناه الإصطلاحي قد حدث في التوراة.
أما ما أقترحه جنابكم بقولكم : [(أما إذا قصدنا " التزييف " بدل التحريف، وهو أن نحذف شيئاً أو نضيف شيئاً لوثيقة ما، فنستطيع أن نقول أن التوراة مزيفة لأنها لم تُكتب إلا بعد مرور ستمائة عام بعد نزولها)] ، ولست أدري ما هي مشكلتك مع لفظ التحريف حتى تريد الإستعاضة عنه بالتزييف ، مع إنَّ لفظ التوراة إنْ صح إطلاق لفظ التزييف عليها فلأنها محرّفة ـ ولا بد لكل تزييف من سبب ـ ولا يوجد هناك أي سبب آخر لإطلاق لفظ التزييف عليها ، أما الإدعاء بأن [(التوراة مزيفة لأنها لم تُكتب إلا بعد مرور ستمائة عام بعد نزولها)] فقد بيّنا في بداية هذا المقال عدم صحته لأنَّ التوراة كانت مكتوبة دائماً منذ عهد موسى عليه السلام وإلى اليوم الأصلية منها والمحرفة ، وينبغي أن أوضح لك المعنى اللغوي للتزييف حتى نستطيع إستعمال هذه الكلمة في مكانها الصحيح.
قال أبن منظور في لسان العرب (ج9ص142) : ( زيف : الزيف : من وصف الدراهم ، يقال : زافت عليه دراهمه أي صارت مردودة لغش فيها ، وقد زيفت إذا ردت . ابن سيده : زاف الدرهم يزيف زيوفا وزيوفة : ردؤ ، فهو زائف ، والجمع زيف ، وكذلك زيف ، والجمع زيوف).
     

الجزء الأول / ق2

الإنسان البدائي !
قال جنابكم : [(وفي البدء كان الإنسان البدائي يعبد أرواح أسلافه الذين ربما زاد عددهم على العشرين أو الثلاثين)] فما يمنع ذلك الإنسان البدائي من أنه قد إنحرف من عبادة التوحيد إلى عبادة أرواح الأسلاف ، بقرينة أن آدم أبو البشر كان نبياً فالتوحيد قد ظهر على الأرض قبل ظهور الوثنية ، فإذا ظهرت جماعة تعبد أرواح الأجداد فلأنها أنحرفت إليه من التوحيد ، مثلما انحرف بنو أسرائيل إلى عبادة العجل وقد كانوا موحدين.

خطأ آخر حول الطوطمية :
أخطأ جنابكم حين قال : [(وبظهور عقيدة الطوطمية التي تخلت عن الأسلاف والأصنام المتعددة)] ، وهذا خطأ فالطوطمية لم تتخلى عن عبادة الأسلاف بل أن بعض الذين أتخذوا طوطماً كان أحد أسلافهم هو ذلك الطوطم.

فكرة الملحدين :
قال جنابكم : [(وفكرة الأديان طبعاً دخلت عقلية الإنسان البدائي قبل أن يبعث الله أي رسول للناس، وكانت حاجتهم للدين وقتها قوية لأنهم احتاجوا إلى قوة تفسر لهم الظواهر لطبيعية. هل البشرية ما زالت تحتاج إلى الرسائل السماوية؟ والجواب طبعاً " لا ")].
مرة اخرى نكرر أن التوحيد قد سبق الوثنية في الظهور ، فالدين أرتبط بالإنسان منذ زمن آدم عليه السلام وتوارثت الأجيال معتقداتها التوحيدية من المصدر الأول وهو آدم عليه السلام.
لقد ذهب فريق من الباحثين إلى أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر ، وأن الوثنيات ما هي إلا أعراض طارئة بجانب هذه العقيدة الخالدة ، وهذا ما أثبته لانج عند القبائل الهمجية في أستراليا وأفريقيا وأمريكا ، وما أثبته بروكلمان عند الساميين قبل الإسلام وكارتر فاج عند أقوام أواسط أفريقيا .
فالدين ميل روحاني من النفس للخلاص من أسر المادة الأرضية والعروج إلى سماء الكمال الأقدس وهذا الميل الروحاني فطر الله تعالى عليه كل نفس إنسانية تزيدها العلوم قوة وظهوراً ، يقول رينان : من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه وكل شيء نعده من ملاذ الحياة ونعيمها ، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين ويتلاشى بل سيبقى أبد الآباد حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي .

التوحيد الصحيح وعرب الجاهلية :
قال جنابكم وأنت تتحدث عن العرب في الجاهلية : [(غير أنهم توسلوا إليه بالأصنام، وهذا لا يختلف عن وضعنا الآن بعد مرور ألف وأربعمائة عام علة ظهور الإسلام، فما زلنا نتوسل لله بزيارة قبر الحسن والتبرك به، وما زلنا نتوسل لله بزيارة قبور الأولياء الآخرين ونسألهم الشفاء ونقدم لهم الهدايا. وما زلنا نتقي شر الشياطين بأن نطلب من رجل الدين أن يكتب لنا " حجاباً " نلبسه أو دعاءً قد يستجيبه الله، بدل أن نسأل الله مباشرة. وما زلنا نحمي أطفالنا من " العين " بتعليق الحجارة الزرقاء عليهم. فهل اختلفنا عن عرب الجاهلية في شئ ؟)] ، فهم توسلوا إلى الله تعالى بالأصنام على نحو الإستقلال أي أن الأصنام مستقلة في شؤونها وتأثيرها في الكون ، وتأثيرها على الله تعالى ، وهذا هو الشرك أن تعتقد ان لشيءٍ ما تأثير على نحو الإستقلالية عن الله تعالى ، أما ما ذكرته من زيارة قبور الأولياء فالمسلمون لا يعتقدون أن للولي تأثيراً على نحو الإستقلالية بل هو مخلوق ورجل صالح وولي من الأولياء وصل إلى المرتبة التي هو فيها عبر التقوى والورع والتضحية في سبيل الله عزَّ وجل. أما موضوع تعليق الحجارة الزرقاء على الأطفال فهي تصب في هذا الإتجاه ، فإن كنت تعتقد أن للحجارة تأثير في حماية الطفل مستقل عن الله تعالى فهذا شرك ، ولا يفعل ذلك أحد من المسلمين بل جميعهم يفعلون ذلك بظنهم أن لتلك الحجارة خواص وضعها الله تعالى فيها مثلما أعطى الله سبحانه للدواء خاصية الشفاء وللنار خاصية الإحراق ، وهكذا.

وقال الفيروزآبادي في القاموس المحيط (ج3ص150) : (زاف يزيف زيفا وزيفانا : تبختر في مشيته ، والحمام : جر الذنابى ، ودفع مقدمه بمؤخره ، واستدار عليها ، والدراهم زيوفا صارت مردودة لغش ، درهم زيف وزائف ، أو الأولى رديئة ، ج : زياف وأزياف ، وفلان الدراهم جعلها زيوفا ، كزيفها ).
وقال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين (ج2ص310) : ( ز ى ف جاء في الحديث " درهم زيف " أي ردئ . وقيل دون البهرج في الردائة . قال في المصباح : لان الزيف ما يرده بيت المال . والزيف ما يرده التجار ، كذا نقلا عن المغرب . يقال زافت الدراهم تزيف زيفا من باب سار : ردأت ثم وصف بالمصدر فقيل درهم زيف ، وجمع معنى علي الاسمية فقيل زيوف مثل فلس وفلوس . ودرهم زائف مثله ).
فإذاكانت التوراة مزيفة فلأنها محرّفة ، أي أن المسلمين قد ردوها ولم يعترفوا بصحة كل ما فيها فأصبحت مزيفة ، أما المسيحيين فرغم أنهم يعترفون بوجود نفس الخلل ونفس معاني التحريف فيها لكنهم يؤولوه ويتقبلوه فلم يردوها أي أنها لم تصبح زائفة عندهم رغم وجود معاني التحريف فيها. وأرجو الإنتباه لدقة اللغة العربية في إستخدام مفردة (زاف) و (زيف) و (زائف) ، حيث أننا نتكلم اللغة العربية وما نستعمله من كلمات يجب أن يخضع لقواعدها ومعانيها.
فلا يمكن قبول ما اقترحته من وصف التوراة بالزائفة دون المحرفة لأن التزييف سببه التحريف.

 

"لا تقولوا على الله ما لا تعلمون" :
قال جنابكم : [(فنستطيع أن نقول أن التوراة مزيفة لأنها لم تُكتب إلا بعد مرور ستمائة عام بعد نزولها، ولا بد أن الذاكرة ضعفت، فزادوا أشياء وحذفوا أشياء قبل أن يكتبوها. ولكن نفس القول ينطبق على الإنجيل وعلى القرآن، الذي لم يُجمع إلا في خلافة عثمان بن عفان، أي بعد مرور أكثر من خمس وثلاثين سنةً منذ بدء نزوله. ولذلك حدثت الاختلافات بين المصاحف، وحُذفت آيات وسور بكاملها، وأُضيفت أخرى. وبما أن السيد الكرخي شيعي، يستحسن أن نذكر له ما قال الشيخ النوري الطبرسي عن تحريف القرآن بحذف سورة " الولاية " في كتابه ( فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ): " وبعضهم يقولون إن عثمان أحرق المصاحف، وأتلف السور التي كانت في فضل علي وأهل بيته عليهم السلام منها هذه السورة " ويذكر سورة " الولاية " كاملة)].
فقد بينّا في الفقرة السابقة عدم صلاحية وصف التوراة بالمزيفة مالم نصفها أولا بالمحرّفة ، أما دعواكم بوصف القرآن أيضاً بهذا الوصف وأنه لم يجمع إلا في زمن عثمان ، فهو بعيد جداً عن الواقع التأريخي ، فقد كان القرآن الكريم مجموعاً منذ حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ومن أبرز المسلمين الذين جمعوا القرآن الكريم في مصحف على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) هم : عبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت واُبيّ بن كعب وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري وأبو زيد (قيس بن السكن) وزيد بن ثابت وسعد بن عبيد وسالم مولى أبي حذيفة وعقبة بن عامر الجهني ومجمع بن جارية وعطاء بن مركبود وبشير بن أبي زيد الأنصاري وسعد بن شهيد الأوسي الأنصاري .
فالقرآن كان مجموع في كتاب كامل وذلك الجمع منتشر عند المسلمين ، يقول السيد الخوئي (قده) في كتابه (البيان في تفسير القرآن) : ( إنَّ المتصفح لأحوال الصحابة وأحوال النبي (صلى الله عليه وآله) يحصل له العلم اليقين بأن القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن عدد الجامعين له لا يستهان به ) ، ومن الروايات التأريخية التي تدعم هذا الأمر :
ـ روى البخاري في صحيحه أن إبن عباس رضي الله عنه سُئِلَ : أترك النبي (صلى الله عليه وآله) من شيء ؟ قال أبن عباس : ما ترك إلا ما بين الدفتين .
ـ وروى البخاري أيضاً عن محمد بن الحنفية أنه سُئِلَ نفس السؤال السابق فأجاب نفس الجواب : ما ترك إلا ما بين الدفتين .
أي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ترك القرآن مكتوباً.
ـ حديث الثقلين المتواتر ، وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) ، وفي هذا الصدد يقول السيد الخوئي (قده) : ( وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوباً مجموعاً ، لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط ) .
وأما عثمان بن عفان فقد نشر المصاحف في الأمصار وقد تقبلها الناس بقبول حسن ، فالحق أن الناس عاملوا المصحف الذي نشره عثمان بالقبول لأنه مطابق للمصاحف الموجودة عندهم ، فلم يعترض أحد من الناس وهم مئات الآلاف عدداً ، غاية ما في الأمر أن عثمان منع أن يكتب التفسير مع القرآن داخل المصحف حتى لا يشتبه الأمر على المسلمين ، ومنع الناس من القراءة بقراءات دخيلة حيث كان بعض الناس يقرأون القرآن بإبدال كلمات القرآن الكريم بكلمات ذات معنى قريب مثل قرائتهم الآية (إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأ وأقوم قيلا ) يقرأونها (وأصوب قيلا) وقرائتهم الآية ( إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم ) يقرأونها : (طعام الفاجر) وهكذا لا سيما بعد الفتوحات الإسلامية ودخول أقوام متعددون في الإسلام في ذلك الزمن ، وكذلك منع عثمان من يكتب قرآناً بترتيب آيات وسور يختلف من مصحف لآخر وفقاً لرغبات الناس وأهوائهم ، فمنع عثمان مثل هذا التبديل ونشر المصحف الذي يحتوي على القرآن الكريم كما نزل وتقبله المسلمون لأن غالبيتهم يمتلكون نسخاً مطابقة لنسخة المصحف الذي نشره عثمان . أي بمعنى آخر أن عثمان عمد إلى المصحف المقبول والمنتشر بين المسلمين فأعلنه مصحفاً لا يجوز الإضافة إليه أو الحذف منه أو تبديل كلماته. وبذلك لم يحدث في القرآن الكريم ما يسميه المسيحيون أخطاء النساخ كما حدث في الكتاب المقدس ، وهم يعترفون بحدوث أخطاء للنساخ فيه ، ففي نسخة العهد الجديد التي صادق على إعادة طبعها النائب الرسولي للاتين في بيروت بولس باسيم والمطبوع في المطبعة الكاثوليكية والمأخوذة عن الترجمة الفرنسية المسكونية للكتاب المقدس نقرأ ما نصه : (فان نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ، وما من أحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أية نسخة كانت مهما بذل فيها من جهد بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه ، يضاف إلى ذلك إن بعض النساخ حاولوا أحيانا ، عن حسن نية أن يصوبوا ما جاء في مثالهم وبدا لهم انه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة في التعبير اللاهوتي ، وهكذا ادخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ)….(ومن الواضح إن ما ادخله النساخ من التبديل على مر القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مثقلا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات).

والآن نطرح السؤال الآتي : لو لم يحفظ الله عزَّ وجل القرآن الكريم من الضياع والتبديل والتحريف كما وعد بقوله تعالى : (( إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون )) ، فلماذا لم يحدث تغيير وتبديل في الآلاف من المصاحف التي نسخت عن النسخ التي نسخها عثمان ووزعها في الأمصار مع أن نسخها عن تلك النسخ كان بصورة عفوية وبيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ، ومع ذلك بقي القرآن الكريم محفوظاً كما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) سواء بتدخل عثمان أو بدون تدخله ، بخلاف الكتاب المقدس الذي مرّت عليه نفس الظروف التي مرت على القرآن الكريم من حيث النسخ وصلاحية النُسّاخ للعمل ولكنه تعرض للتغيير ولم يصمد ، فالأساس هو حفظ الله عزَّ وجل للقرآن الكريم سواء كان ذلك الحفظ بسبب مادي أو غيبي.
وأما ما ذكره جنابكم حول النوري الطبرسي ، فأتمنى أن تكون أكثر إنصافاً ، وأن لا تدفعك رغبة إحراز النقاط في المنازلة التي ذكرتها في بداية تعقيبك على أن تتعمد إخفاء الحقائق ، فالنوري الطبرسي حين كتب كتابه الذي ذكرته فإنَّ أول من تصدى له هم علماء الشيعة وبينّو فساد مقالته تلك ، وأول من ردَّ عليه هو معاصره الشيخ محمود الطهراني في رسالة في الرد عليه سماها كشف الارتياب عن تحريف الكتاب ، وكذلك ردَّ عليه كلٌ من السيد محمد حسين الشهرستاني والشيخ محمود العراقي والشيخ محمد جواد البلاغي في مقدمة تفسيره " آلاء الرحمن " و هو معاصر للشيخ النوري الطبرسي وتبعهم الكثير من العلماء وإلى يومنا هذا.

  الجزء الأول / ق3

ثم أن رأي النوري الطبرسي هو رأي شخصي له وليس رأي طائفة الشيعة فإن أساطين هذه الطائفة في القرون المختلفة يذهبون إلى صيانة القرآن عن كل أشكال التلاعب ، ويؤكد ما ذكرناه ـ من أنه رأي شخصي للنوري الطبرسي ـ أن علماء الشيعة المعاصرين له والمتأخرين عنه تناولوا كتابه بالرد والنقد كما ذكرنا آنفاً.

ومن غريب قولك أنك تسمي الحذف من وثيقةٍ ما تزييفاً حيث قلت : [(أما إذا قصدنا " التزييف " بدل التحريف، وهو أن نحذف شيئاً أو نضيف شيئاً لوثيقة ما، فنستطيع أن نقول أن التوراة مزيفة)] ، ثم تسمي حذف ما تسمى بسورة الولاية من القرآن ـ على فرض ذلك ولو أنه غير حقيقي ـ تسميه تحريفاً حيث قلت : [(نذكر له ما قال الشيخ النوري الطبرسي عن تحريف القرآن بحذف سورة " الولاية ")] ، وحتى لو أنَّ الشيخ النوري قد أطلق عليه مصطلح التحريف فكان عليك أن تنبه إلى أنه تزييف وليس تحريف ، بحسب فكرتك ومبناك.
فلماذا هذه الإزدواجية في التعامل ؟!

الإجهاد والتقاعس :
أما قولكم : [(وما كان السيد الكرخي في حاجة لأن يجهد نفسه ويذكر كل هذه الآيات)] ، فلا أتفق معه لأن القاريء الكريم بحاجة لطرح كل الحقائق دون أي تدليس أو مخادعة ، لتكون عنده الصورة واضحة فيبني قناعاته على أسس صحيحة وله أن يقرر ما يشاء بعد ذلك. فنعتقد أنَّ معرفة الحق والصواب بحاجة لجهد ليس من قبل كاتب المقال أو المتكلم فحسب بل من القاريء الكريم أيضاً إنْ كان يبحث عن الحقيقة بصورة جدية ، والقاريء الكريم يستحق أن نبذل أقصى جهدنا من أجل بيان الحقائق كاملةً أمامه.

نفي كلام نسبته لي :
قال جنابكم وقد نسبتم لي كلاماً لم أقله : [(وما كان السيد الكرخي في حاجة لأن يجهد نفسه ويذكر كل هذه الآيات، إذ أننا نتفق معه على أن العهد القديم قد كُتب بعد موت موسى بمئات السنين)] ، فمن الطبيعي أن يكون العهد القديم ـ أسفار يشوع والقضاة والتواريخ والأنبياء ـ قد كتب بعد موسى عليه السلام بصورة قاطعة لأنه يحكي قصص بني إسرائيل في عهد يشوع والقضاة والأنبياء وتأريخهم أي قصصهم بعد وفاة موسى عليه السلام ، فهل لعاقل أن يفترض أن أسفار العهد القديم عدا التوراة قد كتبت في عهد موسى عليه السلام !!! فما معنى كلامك إذن !!
ولعلك كنت تقصد أنَّ التوراة قد كتبت بعد موت موسى عليه السلام بمئات السنين ! ، فإن كان هذا هو مقصدك حقاً فأنا لم أقل هذا الكلام حتى تدعي الإتفاق معي ، وما قلته هو : (فكيف كتب النبي موسى عليه السلام قصة وفاته لولا أنها قصة مضافة إلى النص الأصلي ، وهل التحريف غير ذلك ؟) فقد كنتُ أتحدث حول الإضافة إلى النص الأصلي ثم تحدثتُ عن الأسفار المفقودة من التوراة وعدّدتها ، وليس عن تأريخ كتابة التوراة.
أرجو الدقة في تناول المواضيع.

 

اللامنطق في تناول المنطق :
قال جنابكم : [(أما إذا أراد اليهود حذف اسم النبي العربي من التوراة، فهذا يصبح " تزييف " للتوراة، وقد يكون لهم مصلحة في التزييف إذا اقتنعنا أن التوراة الأصلية كانت بها عبارة " سيأتي من بعدي نبي اسمه أحمد ". فلننظر الآن في المنطق وراء هذه الآية المزعومة. أرسل الله موسى لبني إسرائيل الذين لم يكونوا يعرفون الإله " يهوى "، ليقنعهم بوجوده ويدعوهم للإيمان به. ومنذ الوهلة الأولى يتبين لموسى أن بني إسرائيل لم يصدقوه رغم أنه شق لهم البحر، فصنعوا لأنفسهم عجلاً وعبدوه، فهل يُعقل أن يأتي موسى ويقول لهم: إني رسول مؤقت وسوف يرسل الله نبي من بعدي اسمه أحمد، ولذلك أدعوكم لتؤمني بي وبالإله يهوى ؟ وحتى لو قال لهم موسى ذلك، ماذا حدث للنبي عيسى الذي أرسله الله لبني إسرائيل ليكمل رسالة موسى؟ أما كان الأجدر أن يقول موسى لقومه: سيأتي من بعدي نبي اسمه عيسى مرسل لكم ليكمل رسالتي ؟)].
عجيب قولك هذا فإذا كانت الوظيفة النبوية لموسى عليه السلام وظيفة مؤقتة تنتهي بظهور نبي آخر الزمان فهل تريد لموسى عليه السلام أن يدّعي خلاف هذا ـ وحاشاه ـ ثم ألا تدري ان بني إسرائيل كانوا قد ورثوا الوحدانية من يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم الخليل عليهم السلام ، فقولك أنهم لم يكونوا يعرفون الإله يهوى مردود عليك ولا صحة له ، وأما إنحرافهم عن الوحدانية مؤقتاً بعبادة العجل فلا تمنع أنهم كانت لهم ثقافة توحيدية بل ديانة توحيدية ، مثلما كان للعرب ولقريش ثقافة توحيدية وبقايا ديانة توحيدية مستمدة من إبراهيم الخليل عليه السلام ثم أنحرفوا بعبادة الأصنام ، ثم كيف تمنع أن يخبر موسى عليه السلام قومه بنبي من بعده أسمه أحمد وتقترح أن يكون ذلك النبي هو عيسى عليه السلام فأين ذهب منطقك ، ولماذا يسمح منطقك أن يخبر موسى عليه السلام قومه بنبي من بعده أسمه عيسى ولا يسمح منطقك نفسه بأن يكون ذلك النبي أسمه أحمد !!!
ثم لماذا أقترحت أن يكون عيسى عليه السلام هو المرشح لكي يبشر موسى عليه السلام به ـ (( ولو أتبع الحق أهوائهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن )) ـ مع أن عيسى عليه السلام ليس آخر الأنبياء ولا شريعته هي خاتمة الشرائع ولا هو أبن الله تعالى.
ثم ما ادراك أن موسى عليه السلام لم يخبرهم بظهور عيسى عليه السلام أيضاً قبل ظهور أحمد (صلى الله عليه وآله) وهل على موسى عليه السلام أن يخبر بظهور نبي واحد فقط أمّا عيسى أو أحمد !! ومن الذي حدد هذا الإدعاء الذي لم ينزل الله به من سلطان ، بل من الذي يمنعه من الإخبار بظهورهما إذا امره الله عزَّ وجل بفعل ذلك ؟ وهل على القرآن الكريم أن يذكر كل ما أخبر به موسى عليه السلام !

مع كتابة التوراة من جديد :
يصر جنابكم على أن موسى عليه السلام لم يكتب التوراة وليتكم جئتمونا بدليل مقنع على هذا ، لكننا لم نجد عندكم شيء مقبول فبالإضافة لما سبق بيانه في هذا الموضوع فقد قال جنابكم : [(والمدعو كامل النجار لم يقل إن موسى قد كتب التوراة، وفي الحقيقة يقول بغير ذلك. فموسى، كما يخبرنا القرآن، قد تربي في قصر فرعون إلى أن استوى عوده، فلا بد أنه تربي في البلاط الملكي على اللغة الهيروغروفية وكان يخاطب السحرة المصريين بلغتهم، فلو تعلم القراءة والكتابة، وهو شئ مستبعد، فلا بد أنه كتب بالهروغروفية، ولكن التوراة مكتوبة بالغة السريانية التي هي أصل اللغة العبرية. فموسى لم يكتب أي شئ.)] ، نعم لقد تربى موسى عليه السلام في قصر فرعون ولكنه لم ينسى أن أصله من بني إسرائيل ، وأن أمه هي التي ربّته في ذلك البلاط ، وتعلمه اللغة الهيروغليفية لا يمنع تعلمه لغة ثانية هي لغته الأصلية.
فلا معنى لإتخاذ كتابة التوراة بالسريانية ذريعةً على أن موسى عليه السلام لم يكن هو الذي كتبها.
ثم ان كتابة التوراة بالهيروغليفية ـ على فرض ذلك ـ لا يمنع من ترجمتها إلى السريانية أو أي لغة أخرى لا سيما وقد ظهر في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام العشرات من الأنبياء الذين كان يمكنهم أن يقوموا بهذه المهمة. بل وحتى غير الأنبياء من ذوي الإختصاص كان يمكنهن فعل ذلك ، فإنَّ التوراة إذا ترجمت فلا يعني هذا أن موسى عليه السلام لم يكتبها ، وأي منطق في هذا !! ، ألا ترى أن شكسبير قد كتب رواياته بالإنجليزية ثم ترجمت إلى الفرنسية والألمانية والعربية ولم يقل أحد أن رواياته باللغة الفرنسية أو الألمانية على سبيل المثال ، ليس هو الذي كتبها !


نفي كلامٍ ثانٍ نسبته لي :
أدعيتَ أني حصرت تحريف التوراة بإسقاطها أسم نبي آخر الزمان ، وأنا لم أحصر التحريف في ذلك بل ضربته مثلاً على التحريف ، حسناً فلنذكر نص كلامك لنتأكد من عدم صحة ما نسبته لي : [(واستمر السيد الكرخي في تأكيده أن التوراة محرفة فقال: " فقد تكلم بهذا الكلام لجهله ، فحين يقول المسلمون أن هناك تحريفاً بالتوراة فمعنى ذلك أنَّ هناك توراة أصلية قد لحقها بعض التغيير من قبيل طمس أسم نبي آخر الزمان وطمس ما يتعلق به من صفات أو تحريفها ، فإذن هناك توراة أصلية موجودة ضمن التوراة المحرفة ولكن لا يمكننا تمييزها بسبب التحريف ، ولذلك فقد تنبه علماء المسلمون لهذا الأمر فنجد السيد الطباطبائي في تفسير الميزان يقول ما نصه ( غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مخالفة للتوراة الاصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة ) ". فما دام تحريف التوراة قد انحصر في طمس اسم نبي آخر الزمان، فيمكن أن نقول إن التوراة ناقصة لأن اسم النبي قد حُذف منها، ولا ينعني هذا أنها محرفة، حسب تعريف التحريف السابق الذكر. فإذا كان الأمر كذلك فكل ما جاء في التوراة حقيقة غير حذف الاسم. والسيد الطباطبائي يقول إن التوراة التي كانت موجودة زمن الرسول محمد كانت مطابقة للأصل، وإن لعبت بها يد التحريف. ونستنتج من هذا أن التحريف كان بسيطاً لم يغير من الأصل كثيراً. والتوراة الموجودة بين أيدينا اليوم هي نفس التوراة التي كانت في زمن الرسول محمد بدليل أن المتاحف ومكتبات الجامعات العريقة تحتوي على نُشخ من التوراة منذ القرن الأول قبل الميلاد. فأين إذا كل التحريف الذي يتحدث عنه الإسلاميون ؟)]
هذا هو نص كلامك تعقيباً على كلامي ، وكما ترى فقد قلتُ (من قبيل طمس أسم نبي آخر الزمان) فذكرتُه مثالاً ولم أحصره في هذا الأمر مع أني قد ذكرت في مقالي أمثله كثيرة على التحريف منها كتابة خبر موت موسى عليه السلام في التوراة ومنها وجود أسماء الأسفار الضائعة فيها ، فلماذا تحرِّف كلامي في غير معناه ؟
ثم عدت لأستنتاجاتك التي لم يدل عليها دليل ، فقلتَ : [(ونستنتج من هذا أن التحريف كان بسيطاً لم يغير من الأصل كثيراً)] مع أنه لا شيء يدعوك لهذا الإستنتاج ، فقد ذكرنا أن التوراة الأصلية موجودة مع التحريف ، فهل عندك التوراة الأصلية بدون تحريف حتى نستطيع معرفة مقدار التحريف فيها ، وإلا فكيف حكمت على أنه تحريف بسيط !!!
بل المعروف أن التوراة ثلاثة إصدارات ـ إنْ صح التعبير ـ هي التوراة العبرانية والتوراة اليونانية (تسمى أيضاً السبعينية) والتوراة السامرية وتوجد بينها إختلافات ، كما ان اليهود قد لجأوا في نفس الفترة الزمنية التي بُعِثَ بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى إتلاف نسخ من التوراة ، يقول الدكتور كني : كانت نسخ العهد القديم التي هي موجودة قد كتبت ما بين (1000-1400) ، وقال أيضاً : أن جميع النسخ التي كانت كتبت في المائة السابعة أو الثامنة اعدمت بأمر (محفل الشورى) اليهودي لأنها كانت تخالف مخالفة كثيرة للنسخ التي كانت معتمدة عندهم. وقال والتن أن النسخ التي مضى على كتابتها (600) عام قلما توجد أما التي مضى على كتابتها (700) أو (800) عام ففي غاية الندرة. وعلى هذا فلا يمكنك الجزم بأن التوراة الموجودة اليوم هي نفسها التي كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أما النسخ الموجودة في المتاحف والمكتبات والتي ذكرت أنها تعود للقرن الأول قبل الميلاد فلا يوجد أي دليل على أنها نسخ كاملة وكذلك لا يوجد أي دليل على مطابقتها للنسخ المطبوعة من التوراة عند اليهود أو نسخ التوراة الموجودة ضمن العهد القديم عند المسيحيين ، لا سيما وأن تلك النسخ المذكورة مكتوبة بلغات قديمة لا يتيسر لكل أحد معرفتها ودراستها ، وهي لغات مقتصرة في أغلب الأحيان على كبار الأحبار والأساقفة الذين يحتفضون بأسرار تلك النسخ ، فلا يمكن بأي حال الجزم في صحة ومطابقة تلك النسخ الموجودة في المتاحف والمكتبات.

  الجزء الثاني / ق1

فهم القرآن :
قال جنابكم متهجماً على القرآن الكريم بدون دليل : [(والعهد الجديد، مثله مثل العهد القديم ومثل القرآن، ملئ بالآيات التي يعارض بعضها البعض)] ، فأية آيات في القرآن الكريم يعارض بعضها بعضاً !! ولماذا هذا التلبيس على القاريء الكريم ، فالفكرة البروتستانتية بجعل كل شخص يفهم الكتاب المقدس حسب رأيه وذوقه لا تنطبق على القرآن الكريم ، فلا تستعير ثقافة أقوام آخرين وتحاول تطبيقها على الإسلام والمسلمين.

حقيقة التثليث :
قال جنابكم : [(وقد شرحت في كتابي نشوء فكرة التثليث في المسيحية بعد مؤتمر نيقا عام 324 ميلادية، وأثر الإمبراطور قسطنطين في ترجيح كفة المنادين بهذا الطرح علي المنادين بالرأي المعاكس الذي يقول إن المسيح ماهو إلا رسول. وقد تحدثنا عن الأقانيم الثلاثة، ولا داعي لتكرار القول. المهم أن المسيحيين يقولون المسيح ابن الله ولا يعنون أن الله هو الأب البيولوجي للمسيح ولا يعنون أن المسيح هو الله. وعلى العموم الفكرة جاءت من أن الله قال عن مريم بنت عمران التي أحصنت فرجها " فنفخنا فيه من روحنا ". فإذا كان الله قد نفخ في فرجها من روحه لتحمل بعيسى، فليس مستبعداً أن يعتقد بعض الناس أن عيسى جزء من الله لأنه جزء من روح الله. ولكنهم في النهاية يعبدون الله ولا يعبدون عيسى)].
وأرغب أولا بمناقشة قولك : [(المهم أن المسيحيين يقولون المسيح ابن الله ولا يعنون أن الله هو الأب البيولوجي للمسيح ولا يعنون أن المسيح هو الله)] ، وقلت في كتابك المذكور أيضاً : [(فالمسيحيون يعتقدون أن الله واحد، وعندما يقولون أن المسيح ابن الله، لا يعنى هذا أن المسيح إله في حد ذاته، فكل المسيحيين أبناء الله، إذ يقول لهم الإنجيل " ادعوا أباكم الذي في السماء"، فهذا لا يعنى أن كل شخص مسيحي إله بذاته، أو أنهم هم الأبناء الفعليين لله. وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع)].
فيبدو أن هذا القول هو مجرد أمنيـة تتمناها وجدت صداها في كتاباتك وإلا فإنَّ المسيحيين واضحيـن وصريحيـن في هذا الأمر مخالفين أمنيتـك ، مصرحين بأن إلاههم يتكـون من ثلاثة أقانيم ، وفي إنجيل يوحنا (18:1) نقرأ ما نصه : ( ما من أحدٍ رأى الله قط ولكن الأبن الوحيد الذي في حضن الآب ، هو الذي كشف عنه ) ، أنظر لإطلاق لفظ الأبن الوحيد على يسوع وكيف أنه في حضن الآب ! وفي الرسالة إلى العبرانيين (3:1) نقرأ النص الآتي عن يسوع المسيح : ( هو بهاء مجده وصورة جوهره ) ، وفي رسالة يهوذا (4) ما نصه : ( وينكرون سيدنا وربنا الواحد يسوع المسيح ) ، أما إذا أردنا نقل كلام علماء المسيحية فسيطول بنا المقام ، فهل يصح بعد هذا قولك بأن المسيحيين لا يعنون أن المسيح هو الله !!

واما قولك : [(فإذا كان الله قد نفخ في فرجها من روحه لتحمل بعيسى، فليس مستبعداً أن يعتقد بعض الناس أن عيسى جزء من الله لأنه جزء من روح الله)] ، فهذا الإفتراض باطـل لأنه لا ملازمة بين النفخ المذكور وبين إدعـاء الربوبية للمسيح عليه السلام ، فقد نفخ الله تعالى في آدم من روحه أيضاً ـ قال تعالى في الآية (29) من سورة الحجر : (( ونفختُ فيه من روحي )) ـ ولم يدّعِ أحد أنَّ آدم أبن الله ، أو أن آدم هو الأقنوم الثاني أو أنَّ آدم هو ربنا !!
وأما قولك : [(وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع)] فقد أستخدمت كلمة الإنجيل وأنت تعلم إنها أربعة أناجيل فلماذا لم تستعمل الكلمة الصحيحة (الأناجيل) ، ثم إنَّ قولك هذا ليس بآخر آراءك العجيبة ففي إنجيل متى (28 : 19-20) يأمرهم المسيح أن يعمدوا بأسم الآب والأبن والروح القدس فيقول : ( فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس ، وعلموهم أن يعملوا بكل ما أوصيتكم به ) ، وفي إنجيل يوحنا (10 :7-9) ما نصه : ( أنا باب الخراف. جميع من جاؤوا قبلي سارقون ولصوص فما أصغت إليهم الخراف. أنا هو الباب فمن دخل مني يَخلصُ ) ، وفي إنجيل يوحنا (5 : 22و23) ما نصه : ( والاب جعل الدينونة كلها للأبن حتى يمجد جميع الناس الأبن كما يمجدون الاب. من لا يمجد الأبن لا يمجد الاب الذي أرسله ) ، فأي خضـوع تطلب أكثر من هذا !!

النجار لا يفتخر بأي توحيد :
قال جنابكم : [(ويقول السيد الكرخي: " وهكذا تجد أنه لا يخلوا سفر من أسفار العهد الجديد من ذكر عبارة شركية مخالفة للتوحيد ، فهل هذا هو التوحيد الذي يفتخر به المدعو كمال النجار !!؟" ولمعلومية السيد الكرخي فإن المدعو النجار لا يفتخر بأي توحيد إنما يقدم للقارئ ما يراه صواباً)] ، فعجيب أمرك ألم تذكر أن التوحيد كان منتشراً في الجزيرة العربية ولم تكن هناك حاجة لظهور الإسلام فقلت ما نصه : [(يتضح من هذا العرض أن الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت موطناً لثلاث عقائد: اليهودية والمسيحية والتعددية ( عبادة الأصنام)، ولكن الثلاث عقائد كانت تعرف التوحيد وتؤمن به، ولم يزد الإسلام في هذا المضمار شيئاً)] ، أليس هذا كلامك ! فأنت تروج لفكرة أن توحيد اليهود والمسيحيين والمشركين عبدة الأصنام خير من توحيد المسلمين أو فيه كفاية فلا حاجة لتوحيد المسلمين ! الإسلام الذي يدعو لعبادة إله واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، فهل وجدت مثل هذه الصفات في توحيد الأقوام الذين أكتفيتَ بتوحيدهم ! ألم يجعل المسيحيون الخالق جلَّ شأنه أقنوماً إلى جانب أقنومين آخرين فهل هذا هو التوحيد الذي تراه صواباً !!
فإن لم يكن في كلامك إفتخار بالتوحيد ففيه إذن تسخيف لفكرة التوحيد ثم تشويه الإسلام بإعتباره أهم دين توحيدي على وجه الأرض ، حيث أنه لا يهمك إن كان للخالق تعالى شريكين هما الأبن والروح القدس ، او كان للخالق سبحانه أنداد وأصنام تعبد معه أو من دونه ، كل هذا لا يهمك ، فأنت لا تؤمن بوجود الخالق أصلاً ، فتقول كان هناك توحيد عند العرب فما حاجتنا لظهور الإسلام ، ، لكنك لم تطرح نفس التساؤل حول المسيحية ، فتوحيد اليهود كان موجوداً بين العرب وكذلك توحيد عبدة الأصنام بحسب قولك ! فما حاجة العرب لتوحيد المسيحية ! هذا هو نفس منطقك الذي يدينك حيث أنَّك لم تتناوله.

أديان العرب قبل الإسلام :
كانت أبرز الإتجاهات الدينية عند العرب قبل الإسلام هي :
1. كان منهم من آمن بالله وآمن بالتوحيد وهم الأحناف على دين إبراهيم الخليل عليه السلام.
2. كان منهم من آمن بالله ويعبد الأصنام.
3. كان منهم من يعبد الأصنام.
4. كان منهم من دان باليهودية ، منهم أقوام من أهل اليمن وقوم من الأوس والخزرج وقوم من بني الحارث بن كعب وقوم من بني غسان وقوم من جذام.
5. كان منهم من دان بالمسيحية (النصرانية) ، منهم عثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل وهما من قريش من بني أسد بن عبد العزى وأبو عامر الراهب في يثرب وقوم من بني تميم هم بنو أمريء القيس بن زيد مناة وقوم من بني تغلب وقوم من طيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم ، فكان أكثرهم في بلاد الشام.
6. كان منهم من دان بالمجوسية.
7. كان منهم من توقف ولم يعتقد بشيء.
8. كان منهم من تزندق أي كان ملحداً دهرياً ، منهم حجر بن عمرو الكندي المعروف بحجر آكل المرارة ، وهو ملك كندة.

فمن القبائل التي كانت تعبد الأصنام وقد أنتقلت إليها من التوحيد (الحنيفية دين إبراهيم الخليل عليه السلام) هي : قريش وكلب بن وبرة وقضاعة وحمير وهمدان وكنانة وغطفان وهند وبجيلة وخثعم وطيء وربيعة وإياد وثقيف والأوس والخزرج ودوس وبنو بكر بن كنانة وعذرة والأزد ، وغيرهم كثير.
ومع ذلك قال جنابكم : [(فيبدو أن السيد الكرخي لم يقرأ تاريخ العرب قبل الإسلام. قالمسيحية واليهودية كانتا قد انتشرتا في شبه جزيرة العرب من جنوبها إلى شمالها ومن غربها إلى شرقها)] ، فتناسيت بقية الإتجاهات الدينية الموجودة ، وصوّرتَ الأمر على أنه إنتشار للمسيحية واليهودية فقط وهو أمر بعيد عن الصواب جداً ، فقريش على كثرة عددها وتعدد بطونها لم يكن فيها من المسيحيين سوى إثنين ذكرناهما آنفاً ، ويثرب وفيها الأوس والخزرج لم يكن فيها من المسيحيين سوى واحد أو أفراد فلائل في أحسن الإحتمالات ، فهل تسمي هذا إنتشاراً !! نعم كان هناك مسيحيون في نجران بتأثير دولة الحبشة القريبة منها ولكن لم يكن هناك سوى عدد قليل من الكنائس لا تزيد على ثلاثة ـ كما ذكرت أنت نفسك ـ وهن في عدن وظفار وهرمز بحسب قولك ، وهذا العدد القليل جداً من الكنائس يدحض ما قلته من إنتشار المسيحية في جنوب شبه الجزيرة العربية. وأما القليس وهي الكنيسة التي بناها أبرهة فمعروفة قصتها والغرض السياسي من ورائها فلا يمكن إعتبارها وحتى لو تم ذلك فسيبقى عدد الكنائس في تلك المنطقة قليل جداً.
وأما الغساسنة في بلاد الشام فقد أعتنقوا المسيحية لأسباب سياسية نتيجة هيمنة إمبراطورية الروم على المنطقة وكذلك كان إعتناق بهراء وسليح وتنوخ لمسيحية وهم في بلاد الشام. ، قال اليعقوبي : (كانت قضاعة أول من قدم الشام من العرب ، فصارت الى ملوك الروم ودخلوا في النصرانية فملكوهم فكان أولهم : تنوخ ابن مالك بن فهم بن تيم الله بن الأسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة . ثم ورد بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الى الشام فغلبوا على تنوخ من بني قضاعة ، ودخلوا في ذمة الروم وتنصروا وأقاموا على ذلك . فلما تفرقت الأزد بسيل العرم وصار من صار منهم الى تهامة ، ومن صار الى يثرب ، ومن صار الى عمان ، صارت غسان الى الشام فقدموا أرض البلقاء) ، وقال اليعقوبي : (فسأل بنو غسان بني سليح أن يدخلوا معهم فيما دخلوا فيه من طاعة ملك الروم ، وأن يقيموا في بلادهم لهم مالهم وعليهم ما عليهم . فكتب رئيس سليح وهو يومئذ دهمان بن العملق الى ملك الروم ، وهو يومئذ نوشر وكان منزله بانطاكية ، فأجابهم الى ذلك بشروط ( منها دفع أتاوة يقبضها ملك الروم ) فأقاموا بذلك أزمانا حتى وقعت بين رجل من غسان يقال له جذع ورجل من أصحاب ملك الروم مشاجرة على الأتاوة حتى ضرب الغساني الرومي بسيفه فقتله . فحمل عليهم صاحب الروم من قبل ملك الروم بجماعة من العرب من قضاعة ، فأقاموا مليا يحاربونه ببصرى من أرض دمشق ، ثم صاروا الى المخفق فلما رأى ملك الروم صبرهم على الحرب ومقاومتهم جيوشه كره ان تكون ثلمة عليهم ، وطلب القوم الصلح على ان لا يكون عليهم ملك من غيرهم ، فأجابهم ملك الروم الى ذلك ، وكان رئيس غسان يومئذ جفنة بن علية بن عمرو بن عامر ، فملك عليهم ، وتنصرت غسان ، واستقام الذي بينهم وبين الروم وصارت امورهم واحدة ، فأقاموا بالشام مملكة من قبل صاحب الروم). فهكذا كان دخول العرب المقيمين في بلاد الشام للمسيحية لأسباب سياسية وليس بسبب قناعتهم بصلاحية المسيحية كدين للإعتناق.
وأما المناذرة اللخميين في الحيرة ، فلم يكونوا مسيحيين وأول من أعتنق المسيحية منهم هو النعمان بن المنذر آخر ملوكهم ، يقول أبن خلدون في تأريخه (ق1 ج2 ص271) ما نصه وهو يتحدث عن النعمان المذكور : (وحمله عدى بن زيد على أن تنصر وترك دين آبائه) وكان آبائه وثنيون يعبدون الأصنام ، وكان النعمان المذكور من المعاصرين لظهور الإسلام ، وكان هناك في العراق بعض القبائل العربية التي أعتنقت المسيحية.

  الجزء الثاني / ق2

فهناك عوامل عديدة ساهمت في فشل المسيحية في الإنتشار في بلاد العرب منها :
ـ العقلية العربية التي لا تمتلك أرث فكري حول تجسد الآلهة ، كما هو حال الرومان ، بل أرثها الفكري هو ارث توحيدي ، هذا الأمر ساهم في جعل إنتشار المسيحية بين العرب على نطاق ضيق ، بل أن بولس نفسه مؤسس المسيحية الذي بدأ تبشيره بالمسيحية في بلاد العرب ودمشق ، وبعد ان قضى هناك حوالي ثلاث سنوات ـ كما في رسالته إلى أهل غلاطية (1 :17و18) ـ فشل فشلاً ذريعاً في نشر عقيدته الجديدة بين العرب ، ولذلك لا يحتوي العهد الجديد على أي رسالة من بولس إلى أي مدينة عربية أو إلى أي شخص عربي ، ولم يكن من بين تلاميذه أي عربي ، بل لم يكن من بينهم أي إنسان ينتمي لدين توحيدي عدا ثلاثة أشخاص ، تصوروا فقد رفض اليهود بولس ـ ونقصد بهم اليهود من أتباع المسيح عليه السلام واليهود الذين رفضوه ـ ورفضوا الإيمان بعقيدته المسيحية الجديدة ، ورفضهم له لا يقارن مع رفضهم للمسيح عليه السلام لأن المسيح عليه السلام كان لديه مؤمنين به كثيرين تلاميذ وأتباع من بين اليهود خاصة حتى أن بولس نفسه يعترف بأن المسيح قد ظهر لحوالي خمسمائة شخص قبل صعوده إلى السماء ـ في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (6:15) ـ ولكن لم يكن من بين هؤلاء الخمسمائة أتباع المسيح عليه السلام أي شخص آمن ببولس وعقيدته المسيحية ، فقد بقوا متمسكين بتعاليم المسيح عليه السلام.
ـ البيئة الصحراوية القاسية التي منعت المبشرين من إقتحام ديار العرب وصحرائهم القاسية.
ـ إنَّ القلّة الذين أعتنقوا المسيحية من بين العرب إنما اعتنقوها لأسباب سياسية لذلك لم يكونوا مهيئين عقائدياً ليكونوا نواة لنشر العقيدة المسيحية بين العرب ، فكانت الوسيلة الوحيدة لنشر المسيحية بين العرب هو إيجاد مصلحة سياسية تعمل على التأثير على الذهن العربي من أجل دفعه لإعتناق تلك العقيدة ، ولم تكن تلك المصالح السياسية تتجاوز حدود بلاد الشام وأرض السواد واليمن بسبب التأثير السياسي للدولتين البيزنطية والحبشية.
ـ دخول اليمن تحت نفوذ الحكم الفارسي بعد إندحار أبرهة الحبشي المسيحي وجيشه حين أراد تهديم الكعبة ، مما أوقف أنتشار المسيحية التي كانت تنتشر في اليمن بفعل العامل السياسي في عهد أبرهة المسيحي ، كما أسلفنا آنفاً.
ـ الضربة العنيفة التي تلقتها المسيحية في شبه الجزيرة العربية كلها حين فشل جيش أبرهة الحبشي المسيحي في تهديم الكعبة وما لا قاه من هزيمة بسبب الطير الأبابيل التي أرسلها الله عز َّوجل لهزيمته ، فكان إنتصار الكعبة رمز الحنيفية دين إبراهيم الخليل عليه السلام على الجيش المسيحي الذي قاده أبرهة ، مما شكل هزّة في عمق الإيمان المسيحي الذي يعتبر إبراهيم الخليل عليه السلام أبا لجميع المؤمنين المسيحيين ـ كما في رسالة بولس إلى أهل روما (11:4) ـ مما أوقف إنتشار المسيحية بين العرب عموماً وفي اليمن خصوصاً.
أما اليهودية فقد واجهت إشكالية كبرى منعت من إنتشارها بين العرب ، تلك الإشكالية جعلت من العرب المعتنقين لليهودية لا يعرفون من يهوديتهم سوى الأسم فقط ، تتلخص هذه الإشكالية إنَّ اليهودية دين قائم على تمجيد بني إسرائيل وأعتبارهم شعب الله المختار وأن الأممين (الأقوام غير اليهودية) هم أدنى منزلة ومكانة إنسانية منهم ، بينما نجد العربي يعتز بنفسه وعروبته ولديه عصبية قبلية عارمة وفخر بالنفس والقبيلة لا يدانيه شيء ، فلم يكن بالإمكان للعربي الجمع بين إعتناق دين يرفع اليهود لمرتبة أعلى من بقية البشر وبين الإعتزاز بالنفس والفخر بالقبيلة وإعتبارهم أفضل من الآخرين أيضاً ، هذه الإشكالية جعلت إعتناق من تهود من عرب أهل اليمن لليهودية إعتناقاً سطحياً ، فهم ليس لهم منها إلا الأسم ، وبهذا لم يكن لهم من خلال هذا الإعتناق السطحي للدين اليهودي أن يكونوا أداة لنشره بين العرب فضلاً عن أنه دين مغلق على نفسه ليس فيه نزعة تبشيرية.
فمن أعتنق اليهودية من العرب في اليمن إنما كان إعتناقه هذا إنسياقاً وراء دين ملكهم يوسف ذي نؤاس وهو أول من أعتنقه من أهل اليمن ، فكان للعامل السياسي دور مهم في أعتناق من أعتنق اليهودية من العرب في اليمن ، وكان لطبيعة الديانة اليهودية المتعالية والمغلقة دور في إيقاف إنتشارها بين من لا يخضعون للعامل السياسي المذكور خارج اليمن.
فيتضح من خلال هذه العوامل أن اليهودية والمسيحية لم تكن لتتمكن من أن تغزو بلاد العرب بالشكل الذي يجعلها بديلاً عن الإسلام ، فضلاً عن إنحراف عقيدة التوحيد عند المسيحية نحو التثليث.

الحاجة للإسلام :
قال جنابكم : [(وبدون أي دليل، سوى زعم المسلمين أنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة، يقول السيد الكرخي: " ولو إفترضنا إعتنـاق العرب جميعهم للمسيحية فإن حاجتهم إلى الإسلام ستبقى مستمـرة لأن التوحيد الخالص مفقود في المسيحية ، والإسلام دين لا يقتصر على العرب بل هو لجميع الناس المسيحيين واليهود وغيرهم ، ب1ل إنَّ العالم كله يشهد أن الإسلام لم يأت بالتوحيد فقط وإنَّ كان هو من أهم ما اتى به ، بل الإسلام دين شامل لجميع نواحي الحياة الروحية والنفسية والمادية ")] ثم تقول : [(ولا أعلم من أين أتى السيد الكرخي بمعلوماته ليقول لنا إن جميع العالم يشهد للإسلام بأنه الدين الذي شمل على كل نواحي الحياة الروحية والنفسية والمادية ؟)] ، حسناً فهل درست الإسلام بموضوعية ولم تجد فيه نواحي روحية ومادية متكاملة ، ألم ينظم الإسلام العلاقة بين الإنسان وربه ، ألم ينظم الإسلام العلاقات الإجتماعية ، ألم ينظم الإسلام العلاقة بين القوميات والمجتمعات المختلفة ، ألم ينظم الإسلام العلاقة بين الأديان المختلفة ، فهل تجد بين الأديان المختلفة السماوية وغيرها ديناً يرتقي إلى النظم الإسلامية في جميع المجالات الروحية والمادية ، تنظيم العلاقة بين الإنسان وخالقه والعلاقة بين الإنسان والإنسان والعلاقة بين الإنسان والطبيعة. فماذا تريد بعد ذلك دليلاً على شمول الإسلام لكل نواحي الحياة. وإنَّ أي إنسان يقوم بدراسة الإسلام سيصل لنفس النتيجة التي ذكرتُها آنفاً. وربما تجد أديان أخرى فيها جوانب روحية وجوانب مادية لكنها لا ترتقي للمستوى الذي يقدمه الإسلام منها بالإضافة إلى إفتقارها إلى التوحيد الصحيح ، لن تجد التكامل إلا في الإسلام.

العرب والعالم :
قال جنابكم : [(فلو كانت حاجة العرب للإسلام مستمرة، كما يقول السيد الكرخي، لماذا ظل عدد المسيحيين في العالم أكثر من عدد المسلمين بعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام على ظهور الإسلام ؟)].
فهل يمكنك ان تخبرني عن العلاقة بين حاجة العرب للإسلام وبين عدد المسيحيين في العالم ؟! فهل ترى أنه إذا كانت حاجة العرب للإسلام مستمرة فإنه يجب أن يقل عدد المسيحيين في العالم ؟! هذا منطق لا أعرفه.

أعداد ونسب :
قال جنابكم :[(لماذا ظل عدد المسيحيين في العالم أكثر من عدد المسلمين بعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام على ظهور الإسلام؟ ) ثم قلتَ : ( فإذا كان الأمر كذلك لماذا امتنع كل هؤلاء الناس عن إتباع الإسلام بعد شهادتهم له فظل عد المسلمين في العالم لا يتعدى 15 بالمائة ؟)].
أولاً. كان المسيحيون بالملايين ولم يكن هناك سوى مسلم واحد هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم أنتشر الإسلام بدعوته المباركة ، وأصبح هناك مليار مسلم على وجه الأرض ، فهل تجد أن المقارنة بين هذين الدينين من حيث العدد هي مقارنة منصفة ؟
ثانياً. هل تعلم أن أكبر نسبة في العالم للأديان هي للأديان الوثنية ، فسؤالك يمكن أن يوجه للمسيحيين أيضاً عن سبب تدني نسبتهم أمام الأديان الوثنية.
ثالثاً. كون كثرة العدد المتبع لعقيدةٍ ما هو دليل على صحة تلك العقيدة هو مفهوم خاطيء ، وأبرز مثال على ذلك هو النبي نوح عليه السلام الذي لبث في قومه يدعوهم للتوحيد (950) سنة ولم يؤمن به سوى عدد قليل جداً ، فكان أكثرية أهل زمانه حين الطوفان من الوثنيين ، فهل يكون الوثنيين هم أهل الحق لكثرتهم ونوح عليه السلام ومن آمن معه هم أهل الباطل لقلة عددهم ! فهل يرتضي عاقل مثل هذا القول !؟
رابعاً. ما هو مصدر النسبة التي ذكرتها (15%) وإلا فهي غير صحيحة.
خامساً. كان يمكن أن يعتنق الناس جميعهم الإسلام بعد أن عرفوا صلاحيته ليكون منهجاً للحياة دون بقية الأديان الأخرى ، ولكن هناك من يقاوم هذا الدين العظيم من أعداءه الذين أقتضت مصلحتهم الدنيوية أن يعادوه ، وهناك مثال واضح على هذا الأمر ، هذا المثال هو أكثر المشركين عداءاً للإسلام وهو أبوجهل ، فأبو جهل كان يعلم صدق النبي (صلى الله عليه وآله) ولكنه كان يعاديه لنزعة قبلية وتعصب أعمى ، فقد ذكر أبن كثير في تفسيره أن أبا جهل قال : والله إني لأعلم إنه نبي ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا ؟ ، فأبي جهل كان يوقن في نفسه صدق النبي (صلى الله عليه وآله) وصلاح الإسلام لحياته ولكنه كان يعاديه لأسباب إجتماعية جاهلية ، وكم هناك من بشر قد أنتهجوا منهج أبي جهل في معرفة صلاح الإسلام وإتخاذ موقف معادي له ، فنجدهم يعملون على إضلال الناس ليلاً ونهاراً بتشويه صورة الإسلام ليصطفوا إلى جانب أبليس والشياطين في أغواء البشر ومنعهم من الحصول على النعيم في الحياة الأبدية ، هؤلاء المذكورين هم الذين يعملون على مقاومة إنجذاب الناس للإسلام وإعتناقهم له ، بإثارة الشبهات تارةً وبوسائل الأغراء والأغواء المعروفة تارةً أخرى لمنع الناس من أعتناق ما وجدوه صالحاً ، ووسائلهم في هذا الإتجاه متنوعة والمقام يطول بذكرها.

لماذا المكابرة !
قال جنابكم : [(ونرد عليه بالقول إن قبائل الماساي في كينيا لهم أرضهم وشعبهم وحكومتهم العشائرية لكنهم ليسوا دولة، لأن الدولة تحتاج إلى سلطة تشريعية تقوم بتشريع الدستور والقوانين التي تحكم الدولة، وسلطة تنفيذية تتولى تنفيذ التشريع وتكفل للمواطنين حقوقهم في العلاج والتعليم والأمن، كما تطالبهم بواجباتهم، وكذلك لا بد للدولة من وسيلة لمحاكمة الحاكم واستبداله إن فسد أو مات، وكل هذه الأشياء غائبة عن قبيلة الماساي كما غابت عن حكومة النبي.. )].
فأنت تعرف جيداً إني لم أتحدث عن حكومة عشائرية بل عن حكومة الدولة فلماذا هذه المغالطة ! ولماذا تنكر وجود السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في الإسلام وفي حكومة النبي (صلى الله عليه وآله) بالذات ، كل ماهناك أن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية كانت محصورة في شخص النبي (صلى الله عليه وآله) لمقتضى منصب النبوة ، فلا يصح مقارنة الدولة الإسلامية النبوية مع أية دولة أسلامية أخرى ، وأما النظام الإسلامي للدولة في عصرنا الحاضر فهو بلا شك يتكون من مفهوم السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ومن أراد المزيد عن شكل الحكم الإسلامي في العصر الحاضر فليراجع كتاب (الإسلام يقود الحياة) للسيد الشهيد محمد باقر الصدر.
فلماذا تنكر وجود دستور وقوانين إسلامية ، ولمصلحة من هذا الإنكار!!
وهل تريد أن تفرض على النبي (صلى الله عليه وآله) شكل حكومته !؟ وهل تدرك أنك بهذا تريد أن تفرض على الله عزَّ وجل ما يجب أن يشرِّعه !؟
إنَّ لكلامك هذا أبعاداً خطيرة ، ولكنك قد لا تدرك هذا !

أعجب ما قرأته في كتاباتك :
هو قولكم : [(أما كون الرسول لحرصه على استمرار دولته قد أعلن ابن عمه علي بن أبي طالب خليفةً له، فقول تنفيه الغالبية العظمى من المسلمين. ورغم جزم الشيعة بهذا القول، فهم أقلية، والنظم الديمقراطية تقول باتباع الغالبية)].
أنت تعلم جيداً أن النظم الديمقراطية إنما يحتاج إليها في تنظيم شؤون الحياة ، وأما الحقائق التأريخية فهي مبنية على الدليل التأريخي ، فما هي العلاقة بين الحقائق التأريخية والديمقراطية ، وهل وصل بي الحد معك إلى إحتياجي لتوضيح الواضحات !
فبناءاً على مبناك هذا حول الأكثرية والأقلية فإنّ الملحدين هم أقلية في العالم فهل تعترف بانهم على ضلال !


 

الصفحة الرئيسية