بسم الله الرحمن الرحيم

نقض الفصل الأول

من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق)

لكامل النجار

نبيـل الكرخي

 فيما يلي النص الذي تم نقضه

 

كتاب في حلقات لـ الدكتور كامل النجار

الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق

المقدمة

شبه الجزيرة العربية – التي تمتد من الخليج الفارسى/ العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، ومن الشام والعراق والكويت شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، تميزت بكونها مهد الحضارة الإنسانية، والتي بدأت في منطقة ما بين النهرين ( دجلة والفرات). في هذه المنطقة بدأ الاستقرار البشري عندما اكتشف الإنسان الزراعة وترك حياة الصيد والترحال. ومع الاستقرار وتوفر الغذاء أصبح الزمن متوفراً للإنسان ليفكر فلسفياً فيما حوله بعد أن كان يقضي جل وقته في مطاردة الحيوانات ليصطاد قوته، وبالتالي يترحل مع هذه الحيوانات حيثما ذهبت في طلب العشب، مبدداً جُل وقته في الحركة والترحال. فالزراعة قد وفرت له الاستقرار وفراغ الوقت بين مواسم الزراعة، وبذا سمحت له بالتفكير الفلسفي. وأول ما فكر فيه الإنسان فلسفياً كان معنى الحياة وتفسير الظواهر الطبيعية التي شاهدها حوله، وعليه اتجه تفكيره نحو القوة التي تتحكم في هذا العالم، وولدت لدى الإنسان فكرة الأديان. وكان طبيعياً أن تبدأ فكرة الأديان في منطقة ما بين النهرين التي بدأ فيها استقرار الإنسان الصياد. ومنها هاجر إبراهيم إلى أرض كنعان على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت هذه المنطقة مركزاً لنزول  الديانتين التوحيديتين – اليهودية والنصرانية.

وقد ظلت اليهودية محصورة في منطقة فلسطين، لعدم التبشير بها، ولاعتقاد اليهود أن ديانتهم خاصة بهم فقط وليست لغير بني إسرائيل، وكذلك ظلت  النصرانية التي كانت مضطهدة من قبل اليهودية ثم الرومان الذين كانوا يحكمون تلك المنطقة. ولما اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية التي أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية ومستعمراتها في جميع أنحاء العالم، انتشرت المسيحية في منطقة الهلال الخصيب ( الشام والعراق ) فاجتمعت في جزيرة العرب الديانة اليهودية والنصرانية وعبادة الأوثان حتى العام السادس الميلادي، ثم جاء محمد بن عبد الله في مكة يدعو لدين جديد سماه الإسلام، ملة إبراهيم حنيفاً. وأهم قاعدة في هذا الدين الجديد كانت قاعدة التوحيد بالله، للتخلص من الأصنام العديدة التي كان يعبدها عرب الحجاز في ذلك الوقت.

وبعد مقاومة شديدة من قريش في مكة، هاجر محمد إلى المدينة حيث آمن به الأنصار ( الأوس والخزرج) وساندوه في نشر دينه الجديد. وفي ظرف عشرة سنوات انتشر الإسلام، بحد السيف، ليعم كل الجزيرة العربية وبسرعةٍ خاطفة انتشر الإسلام في بقية البلاد المعروفة آنذاك.

فهل أتى الإسلام بشئ جديد لم تسبقه عليه اليهودية والمسيحية؟ و كون العرب اعتنقوا الإسلام، هل أغنى ذلك حياتهم الاجتماعية والدينية؟ هل كان ممكناً لعرب الجزيرة أن يصلوا لنفس القناعة بوحدانية الله وعبادته دون الأصنام لو لم يظهر الإسلام وسطهم؟ وهل عبادة الأصنام تختلف عن عبادة الله كما يراه الإسلام؟

كل هذه أسئلة وغيرها سوف أحاول الرد عليها في متن الكتاب، وسوف أبدأ بالتوحيد. هل التوحيد في الإسلام يختلف عن التوحيد في المسيحية أو اليهودية؟

 

الفصل الأول

التوحيد بالله

 

فلو بدأنا بفكرة التوحيد، وهي الأساس في الدين، نجد الإسلام يقول إن الله واحدٌ  وهو لن يغفر لمن يشرك به أحداً. فهل قالت اليهودية أو المسيحية بغير ذلك؟ القرآن يخبرنا " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون" [1]. وكذلك يقول القرآن:  " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" [2].

فهل قال اليهود إن عزير ابن الله؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرس كتاب " العهد القديم" الذي يتكون من تسعة وثلاثين سفراً، منها " التوراة" التي تشمل خمسة أسفار، وهي:

التكوين، الخروج، اللاويون، العدد، التثنية.

وهناك أسفار الأنبياء وتشمل:

يشوع، القضاة، صموئيل الأول، صموئيل الثاني، الملوك الأول، الملوك الثاني، أشعيا، أرميا، حزقيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونس ( يونان)، ميخا، ناحوم، حبقوق، حجي، زكريا، ملاخي

وهناك الكتب العظيمة، وهي:

مزامير داود، الأمثال، تاريخ أيوب

وهناك المجلات الخمسة وهي:

نشيد الأناشيد، راعوث، مراثي أرميا، الجامعة، أستير

وهناك الكتب الخمسة: أخبار الأيام الأول، أخبار الأيام الثاني، نحميا، عزرا، دانيال

وجميع هذه الأسفار تؤكد أن الإله واحد لا شريك له، وتحذر من الوثنية وعبادة الأصنام، فمثلاً نجد في سفر الخروج، الإصحاح الثالث والعشرين: " لا تسجد لآلهتهم ولا تعبدها ولا تعمل كأعمالهم بل تبيدهم وتكسر أنصابهم، وتعبدون الرب إلهكم" [3].

وفي سفر " اللاويون " يحذر الرب كذلك من عبادة الأصنام ويؤكد أنه إله واحد: " لا تلتفتوا إلى الأوثان، وآلهةً مسبوكةً لا تصنعوا لأنفسكم، أنا الرب إلهكم" [4]. ونجد في سفر التثنية: " لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم، بنتك لا تعط لابنه، وبنته لا تأخذ لابنك لأنه يرّد ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى، فيزداد غضب الرب عليكم، اهدموا مذابحهم واكسروا أنصابهم واقطعوا سواريهم واحرقوا تماثيلهم بالنار"[5]. وهذا تحذير واضح لليهود من الاختلاط بالكنعانيين الذين كانوا يعبدون الأصنام.

ويؤكد الرب في سفر أشعيا أنه هو الرب الوحيد، لا إله معه: " أنا الرب وليس آخر لا إله سواي"[6]. وقد أكد إله موسى وحدانيته منذ اللحظة الأولى عندما كلم موسى على جبل الطور، فقال له: " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، ولا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك، إله غيور" [7].

وفي كل أسفار العهد القديم لا نجد غير الحث على توحيد الله والابتعاد عن عبادة الأصنام. والقرآن نفسه يقول عن التوراة: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" [8]. ويتكرر وصف التوراة هذا في عدة آيات في القرآن. وليست هناك أي آية بالتوراة تقول إن عزير ابن الله أو إن لله شريكاً أو ابناً. ويدّعي المسلمون أن الآية غير موجودة بالتوراة المعروفة لدينا الآن لأن اليهود قد حرفوا التوراة.

ولكن ليس في التوراة الموجودة بين ظهرانينا الآن ما يدل على أنها محرفة، وليست لدينا نسخة أصلية قديمة لنقارن بها التوراة الحالية لنعرف إن كانت محرفة أم لا. كل ما لدينا هو ما يقول علماء المسلمين والمفسرون من أن التوراة قد حُرفت. ولو كانت التوراة قد حُرفت، فهل يجوز لله أن يقول للرسول محمد: " وكيف يُحَكّموك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ؟ "[9]  فهذا دليل على أن التوراة لم تكن قد حُرفت حتى ظهور الرسول محمد بن عبد الله. فلو كانت التوراة قد حُرفت لقال الله لرسوله:  " كيف يحكموك وعندهم التوراة قبل أن تُحرف "، أو " إنهم يحكموك لأن توراتهم محرفة" أو كلمات بهذا المعنى.

وكذلك يقول القرآن:   " قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم " [10]. فليس من المعقول أن يقول محمد لليهود إنهم ليسوا على شئ حتى يقيموا التوراة، وهو يعلم أن التوراة صارت محرفة. وعندما جاء عيسى بن مريم برسالته قال لبني إسرائيل إنه جاء: " مصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحّل لكم بعض الذي حُرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون "[11]. فعيسى قد جاء مصدقاً لما في التوراة، ولم يقل لهم جئت لأصحح التوراة التي قد حُرفت، وقد كانت الفرصة سانحة هنا أن يصحح الله التوراة عندما أرسل عيسى بالإنجيل، ولكن الإنجيل لا يختلف عن التوراة كثيراً، فهذا دليل أن التوراة لم تُحرف.

وكذلك نجد مرة أخرى أن الله قد أرسل عيسى مصدقاً لما بين يديه من التوراة: " وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدىً" [12]. فليس هناك أي ذكر بأن التوراة قد أصابها تحريف، ولكن القرآن يقول في سورة النساء: " من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غيرَ مُسمعٍ وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو انهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم "[13]. وهذه الآية لا تدل على أي تحريف في التوراة لأن القرآن يقول " من الذين هادوا "، يعني أن بعض اليهود يحرفون الكلام عن مواضعه، وليس كل اليهود. وتحريفهم للكلام عن مواضعه هو قولهم: " سمعنا وعصينا " بدل أن يقولوا: " سمعنا وأطعنا "، وقولهم " راعنا"، من المراعاة ولكنهم كانوا يقصدون " راعناً " من الرعونة، وكأنهم يصفون الرسول بالرعونة. وهذا هو المقصود ب " يحرفون الكلم عن مواضعه ". وحتى لو افترضنا أن المقصود ب " يحرفون الكلم عن مواضعه " هو تحريف التوراة، فإنه تحريف في معنى الكلمات، وليس تحريفاً في النص.

ويقول القرآن في سورة البقرة، الآية 75: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ". مرة أخرى يخبرنا القرآن أن فريقاً منهم، وليس كلهم، كانوا يسمعون كلام الله ويعونه ثم يحرفون معناه، وليس نصه في التوراة.

وفي سورة المائدة، الآية 13: " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذُكّروا به ". ويقول ابن كثير: " يحرفون الكلم عن مواضعه" أي فسدت فهومهم وساء تصرفهم في آيات الله وتأولوا كتابه على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده وقالوا ما لم يقل". وواضح هنا أن تحريفهم لكتاب الله كان في تأويلهم لمعناه، وليس في النص.

ولو فرضنا، كذلك، أن جزءا  من اليهود قد حرّفوا نص التوراة، فهذا يعني أن بقية اليهود لم يحرفوها، وبالتالي لا بد من وجود نُسخ من التوراة غير محرفة، ومن اليسير على اليهود المتدينين، والذين يحفظون التوراة، التعرف على المحرف منها وتصحيحها، ففي اليهود كما في المسلمين أناس قضوا كل أعمارهم في حفظ وتدريس كتاب الله.

وفي الحديث النبوي أن الله كتب التوراة قبل أن يخلق آدم بأربعين سنة[14] . فإذا كان الله قد أهتم بالتوراة وكتبها حتى قبل أن يخلق آدم، فليس من المعقول أن يسمح لليهود بتحريفها، وهو قد قال: " إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون "[15]. والذكر هنا لا يعني القرآن فقط كما يدعي بعض المفسرين، فالتوراة ذكر من الله، خاصة أن الله لم يعهد بها إلى جبريل ليبلغها موسى، إنما كلم بها موسى وأنزلها عليه مكتوبة في ألواح، فلا بد له، إذاً أن يحفظها من الضياع والتحريف.

ويقول الدكتور محمد أحمد الحاج، في كتابه عن النصرانية " ومع كل هذه التحريفات فلقد بقيت التوراة دعوة صريحة في كثير من نصوصها إلى التوحيد، والمتتبع لأسفارها يجد آيات كثيرة، تصرح بتوحيد الله  وتنفي عنه الشرك، كما أنها جاءت بتفاصيل العبادة التي لا تنبغي إلا لله، وفيها تحذير واضح من الشرك والوثنية، وكذلك بقية أسفار العهد القديم"[16]. فالدكتور هنا قد قدم لنا الأدلة على أن التوراة التي بين أيدينا تحتوي على آيات عديدة تثبت وحدانية الله، لكنه لم يقدم لنا أي دليل أنها قد حُرفت، ليدعم قوله " ومع كل هذه التحريفات".

وفكرة التوحيد أصلاً كانت موجودة في القبائل البدائية في أفريقيا وأستراليا وأمريكا. فقد كانت هذه القبائل تعبد " الطوطم "، الذي هو عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعاراً لوحدتها وقوتها، وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة هذا الطوطم، وقد يكون هذا الطوطم نباتاً أو جماداً أو حيواناً. ولكل قبيلة طوطم واحد فقط. وقد اكتشف ( جلين) و ( سبنسر) خلال أبحاثهما في وسط أستراليا بين قبائل " الأبوروجنيز" أي السكان الأصليين، وهم قبائل بدائية حتى الآن، اكتشف هذان الباحثان أن عدداً من هذه القبائل يدينون بالطوطمية[17]. فإذا صح هذا القول، تكون فكرة التوحيد معروفة للإنسان منذ زمن طويل قبل نزول الأديان السماوية التوحيدية.

ولكن هناك من يشكك في هذه النظرية من أمثال ( لانج) و( تايلور) اللذين قالا بأن الطوطم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أمماً بدائية كانت تعبد مع الطوطم آلهة أخرى وربما لم تعبد الطوطم إطلاقاً، وإن كان رمزاً لها[18].

أما عباس محمود العقاد فيعتقد أن البشرية مرت بثلاثة مراحل تطورية، هي: التعدد، والتمييز والترجيح، والوحدانية. ويقول إن التوحيد هو نهاية تلك الأطوار كافة في جميع الحضارات الكبرى[19].

وسواء ابتدأ الإنسان بفطرته بالتوحيد كما في عبادة الطوطم أم تدرج إليه عن طريق التعددية، فأهل الجزيرة العربية، الذين نعرفهم ب " عرب الجاهلية"، قد كانوا يعتقدون بالتوحيد قبل ظهور الإسلام.  ونجد هذا مذكوراً في القرآن في سورة الزمر الآية 38: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله". وكذلك لما هلك أبو طالب خرج رسول الله ( ص) إلي الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة وعمد إلي نفر من ثقيف وهم أخوة ثلاثة، قال لهم: " أنا رسول الله إليكم". فقال له أحدهم: والله لا أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك "[20]. فهذا، ولا شك, كلام رجلٍ يعرف الله ويُعظمه.

وإنما عبدوا الأصنام كوسيلة تقرّبهم إلى الله الذي هو بعيدٌ في السماء، لا يستطيعون التحدث إليه مباشرةً. ورغم أن الكعبة كانت تحتوي على ما يزيد عن ثلاثمائة صنم، إلا أنهم كانوا يحلفون بالله، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله و عبيد الله وما شابه ذلك. حتى اسم الجلالة نفسه كان معروفاً لديهم قبل ظهور الإسلام. وكانوا يحلفون بالله، فيقول الرجل منهم: " تالله" أو " والله".

وإذا نظرنا للمسيحية وكتابها المقدس – الإنجيل- الذي يحتوي على العهد القديم والعهد الجديد، لوجدنا أن العهد الجديد يحتوي على أربعة أناجيل هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. وكذلك يحتوي على أربع عشرة رسالة بعث بها المسيح إلى بلاد عديدة، ثم رسائل يعقوب وبطرس ويوحنا ورؤيا يوحنا.

والعهد الجديد، كالعهد القديم من قبله، ملئ بالآيات التي تدعو لوحدانية الله، فلو نظرنا في إنجيل متى ، مثلاً، لوجدنا أن الشيطان أخذ المسيح إلى قمة جبل وأراه كل الممالك وقال له: سأعطيك كل هذه الممالك إذا سجدت لي. فقال له المسيح: " اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد " [21].

وفي رسالة الرسول بولس لأهل رومية نجده يسألهم: هل الإله هو رب اليهود فقط؟ أم هو كذلك رب غيرهم؟ ويجيب عليهم بأنه رب الجميع " لأن الله واحد"[22]. والأناجيل الثلاثة الأولى تتحدث عن وحدانية الله، والإنجيل الوحيد الذي تحدث عن ألوهية المسيح هو إنجيل يوحنا. وقد ظهرت عبارة الثالوث بعد مجمع " نيقيا" الذي دعا له الإمبراطور قسطنطين عام 325 ميلادية، بعد أن اعتنق المسيحية وجعلها الديانة الرسمية للإمبراطورية [23]. وقد كان آريوس، القس المصري يقول إن المسيح مخلوق ولا يمكن أن يكون إلهاً كالخالق، بينما قال آخرون بأن المسيح والروح القدس والرب هم بمثابة الإله. وقد فضّل الإمبراطور قسطنطين الرأي الثاني، وبذا أصبح هذا الرأي هو الرأي الرسمي للمسيحية، ولو أخذ الإمبراطور برأي آريوس، لما ظهرت هذه المشكلة.

والتثليث عند المسيحيين لا يعني أن هناك ثلاثة آلهة في السماء، وإنما يعني هناك إله واحد ذو ثلاثة أقانيم. والأقانيم كلمة سريانية الأصل، مفردها أقنوم وهي تعني الشخص أو الكائن المستقل بذاته. ويعني هذا أن الله له ثلاثة شخصيات مستقلة، لكنه واحد. ويقول البيضاوي في شرح الآية: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحنك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " [24]  "إن صح أنهم يقولون : الله ثلاثة أقانيم الآب والابن وروح القدس ويريدون بالأب الذات، وبالابن العلم وبروح القدس الحياة، فذلك لا يدل علي تعدد الذات الإلهية، لأن العلم والحياة في الله هما ذات الله بعينها ".

ولكن كانت هناك طائفة في الجزيرة العربية يُعرفون باسم " المريميون " كانت منتشرة في الحجاز، وكانوا قبل اعتناقهم المسيحية يعبدون كوكب " الزهرة " ويقولون أنه نتيجة تزاوج الشمس و القمر، وقدّسوا هذا الثلاثي، وبعد اعتناقهم للمسيحية أتوا ببدعة تقول بألوهية المسيح وأمه مريم، وأن المسيح هو نتيجة الزواج بين الله ومريم العذراء. فحلّ بذلك هذا الثالوث: الله المسيح مريم، مكان الشمس والقمر والزهرة. ولم ينتشر هذا المذهب إلا في نطاق محصور في شبه الجزيرة العربية. وكانت هناك طائفة نصرانية تُعرف ب " الآريون " Arians جعلوا للمسيح ألوهية من درجة أقل من ألوهية الله. وكانت هناك كذلك فرقة النساطرة التي قالت إنه من المستحيل أن يجتمع في شخص واحد صفة الألوهية وصفة الإنسانية. وقبل مجمع نيقة لم يكن أحد يتكلم بالثالوث.

وفكرة التثليث هذه كانت معروفة لقدماء المصريين، فقد كانوا يعبدون إلهاً مثلث الأقانيم  مصوراً في أقدم هياكلهم [25]. ونفس الفكرة موجودة عند الهنود، فالبراهمة تعتقد بوجود إلهي مكون من ثلاثة أقانيم. وهذا الثالوث المقدس غير منقسم في الجوهر والفعل والامتزاج، مثل الشمس التي تتكون من قرص، وأشعة، وحرارة، والثلاث مكونات تعني الشمس في مفهومنا. وفكرة الثالوث كذلك كانت معروفة لقدماء اليونان والرومان والفرس والمكسيك.[26]

والتثليث في المسيحية لا يعني أن الإنجيل قد حُرف، فالمسيحيون يعتقدون أن الله واحد، وعندما يقولون أن المسيح ابن الله، لا يعنى هذا أن المسيح إله في حد ذاته، فكل المسيحيين أبناء الله، إذ يقول لهم الإنجيل " ادعوا أباكم الذي في السماء"،  فهذا لا يعنى أن كل شخص مسيحي إله بذاته، أو أنهم هم الأبناء الفعليين لله. وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع.

فلو لم يظهر الإسلام،  لاتبع عرب الجزيرة اليهودية أو المسيحية أو خليطاً منهما كما فعل الأبيونيون  ( Ebionites) وهم اليهود المتنصرون، وكانوا يسكنون منطقة الحيرة،  ويعني اسمهم بالعبرانية الفقراء، وكيفية نشأتهم غير معروفة وكانت عقيدتهم خليطاً  من اليهودية والمسيحية فقد اعتقدوا بوجود إله واحد خالق الكون، وعظموا السبت وقالوا أن المسيح إنسان امتاز عن غيره بالنبوة، رسول أرسله الله للناس أجمعين، وأنكروا الصلب فذهبوا إلى أن الذي صُلب شخص آخر غير المسيح وقد شُبه لهم فاعتقدوا  أنه المسيح. فلو اتبع عرب الجزيرة أيً من هذه الديانات  لوصلوا إلى نفس النتيجة- توحيد الله وعبادته وفعل الخير والامتناع عن فعل الشر.

يتضح من هذا العـرض أن الجزيرة العربية قبل الإسلام كانـت موطناً لثلاث عقائـد: اليهودية والمسيحية والتعددية ( عبادة الأصنام)، ولكن الثلاث عقائد كانت تعرف التوحيد وتؤمن به، ولم يزد الإسلام في هذا المضمار شيئاً.


[1]   سورة التوبة، الآية 30

[2]  سورة المائدة، الآية 72

[3]  سفر الخروج: 23/ 24-25

[4]  سفر " اللاويون": 19/4

[5]  سفر التثنية: 7/ 2-5

[6]  سفر أشعيا: 45/5

[7]  سفر الخروج: 20/ 1-5

[8]  سورة المائدة: الآية 44

[9]  سورة المائدة: الآية 43

[10]  سورة المائدة: الآية 68

[11]  سورة آل عمرآن: الآية 50

[12]  سورة المائدة: الآية 46

[13]  سورة النساء: الآية 46

[14]  صحيح مسلم: ( القدر: 15): 4/ 2043

[15]  سورة الحجر: الآية 9

 محمد أحمد الحاج: النصرانية من التوحيد إلى التثليث، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية ص 70 [16]

[17]  نشأة الدين، علي سامي النشار، دار نشر الثقافة، الإسكندرية 1949م، ص 92

[18]  الدين: الدكتور محمد عبد الله دراز، ص 159؟ نقلاً عن النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ص 25، مصدر سابق

[19]  الله: عباس محمود العقاد، دار المعارف بمصر، الطبعة الخامسة، 1976، ص 13

[20]  تاريخ الطبري، المجلد الاول ص 554

[21]  إنجيل متى: 4/10

[22]  رومية: 3/30

[23]  النصرانية والإسلام، محمد عزت الطهطاوي، ص 293، دار الأنصار، القاهرة 1977، نقلاً عن النصرانية من التوحيد إلى التثليث، ص 89/ مصدر سابق

[24]  المائدة، الآية 116

[25]  العقائد الوثنية في النصرانية، محمد طاهر تنير،  بيروت 1330 هجرية/ ص 24

[26]  العقائد الوثنية في النصرانية،  ص0 2

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقض الفصل الأول
 
والمنشور تحت عنوان

من أوهام كامل النجار

في كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق)

 نبيـل الكرخي

نشر موقع "كتابات" جزء من كتاب أسمه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) لمؤلف يدعى كامل النجار ، وقد أحتوى ذلك الكتاب على الكثير جداً من المغالطات والأخطاء وقلب الحقائق والتمويه ، سوف نستعرض بعضاً منها لغرض تنبيه القرّاء على تهافت ذلك الكتاب وتهافت فكر المدعو كامل النجار.

قصـة العُزَير :

يحاول المدعو كامل النجار تكذيب القرآن الذي ذكر إتخاذ اليهود إبناً لله تعالى عما يصفون هو عزير فقال تعالى : ((وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون )) ، يقول المدعو كامل النجار : [(فهل قال اليهود إن عزير ابن الله؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرس كتاب " العهد القديم" الذي يتكون من تسعة وثلاثين سفراً، منها " التوراة" التي تشمل خمسة أسفار)] ، ثم يسرد أسماء أسفار العهد القديم ليقول بعدها : [(وفي كل أسفار العهد القديم لا نجد غير الحث على توحيد الله والابتعاد عن عبادة الأصنام. والقرآن نفسه يقول عن التوراة: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور" ، ويتكرر وصف التوراة هذا في عدة آيات في القرآن. وليست هناك أي آية بالتوراة تقول إن عزير ابن الله أو إن لله شريكاً أو ابناً)] ، وبغض النظر عن أن العهد القديم هو كتاب المسيحيين وليس اليهود وإنْ أحتوى على التوراة ، فيبدو أن المدعو كامل النجار يريد خلط المسألة ، فالقرآن الكريم لم ينص على وجود دعوى (عزير أبن الله ) في التوراة حتى يستطيع المدعو كامل أن ينفي ذلك مستشهداً بنصوص من التوراة ، بل إنَّ القرآن الكريم كان واضحاً جداً حيث قال بهذا الخصوص : (( ذلك قولهم بأفواههم )) فهي دعوى كانت منتشرة بين اليهود مشافهةً ولم يقل أحد أنها موجودة في التوراة أو مكتوبة في غيرها من أسفار اليهود.

 

 تحريف التوراة :

يحاول المدعو كامل النجار إنكار تحريف التوراة ، فيقول : [(ولكن ليس في التوراة الموجودة بين ظهرانينا الآن ما يدل على أنها محرفة، وليست لدينا نسخة أصلية قديمة لنقارن بها التوراة الحالية لنعرف إن كانت محرفة أم لا)] ، فإذا لم تكن التوراة محرفة فلماذا لا يؤمن بها المدعو كامل النجار بإعتبارها كتاب سماوي غير محرّف ويعتنق اليهودية أم أن الإلحاد قد ختم على قلبه ؟!

فالكل يعلم أن التوراة السماوية قد آتاها الله عزَّ وجل للنبي موسى عليه السلام ، في حين نجد التوراة الحالية تحوي تحوي على قصة وفاة النبي موسى عليه السلام(1) ، فكيف كتب النبي موسى عليه السلام قصة وفاته لولا أنها قصة مضافة إلى النص الأصلي ، وهل التحريف غير ذلك ؟

والتوراة نفسها فيها عبارات تدل على وجود أسفار ضائعة غير موجودة اليهود اليوم ، وهي :

سفر حروب الرب : ورد ذكره في سفر العدد (14:21).

سفر سنن الملك : ورد ذكره في سفر صموئيل الأول (25:10) .

سفر ياشر : ورد ذكره في سفر يشوع ( 13:10) وسفر صموئيل الثاني (17:1) .

سفر أخبار أيام ملوك إسرائيل : ورد ذكره في سفر الملوك الأول (19:14) و (5:16) و (14:16) .

سفر تاريخ إسرائيل ويهوذا : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (7:27) .

سفر تاريخ ملوك إسرائيل ويهوذا : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (8:36) .

سفر أخبار أيام ملوك يهوذا : ورد ذكره في سفر الملوك الثاني (5:24) و (25:21) .

سفر أخبار جاد النبي : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الأول (29:29) .

سفر رؤيا النبي يعدو : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (29:9) .

سفر نبؤة اخيا الشيلوني : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (29:9) .

سفر تاريخ عدو النبي : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (15:12) و (22:13) .

سفر تاريخ شمعيا النبي : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (15:12) .

سفر تاريخ ناثان النبي : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (29:9) .

سفر كتاب إشعياء النبي عن الملك عزّيا : ورد ذكره في أخبار الأيام الثاني (26: 22).

سفر مرثية النبي أرميا على يوشيا : ورد ذكره في أخبار الأيام الثاني (25:35).

سفر تاريخ ياهو بن حناني : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ( 34:20) .

سفر تاريخ الملوك : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني (27:24) .

سفر أخبار الأنبياء : ورد ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني ( 19:33) .

سفر أخبار سليمان : ورد ذكره في سفر الملوك الأول (41:11) .

سفر الرب : ورد ذكره في سفر اشعياء (16:34) .

سفر أخبار الأيام : ورد ذكره في سفر نحميا (23:12).

 

هذه الأسفار مفقودة من التوراة ، أما المسيحيين فيوجد أيضاً عندهم أربعة أسفار مفقودة من العهد الجديد ، وهي أربعة من رسائل بولس ، ليس الآن مورد ذكرها.

وفي معرض طمس هذه الحقيقة يقول القس منيس عبد النور في كتابه (شبهات وهمية في الكتاب المقدس) ما نصه وهو يتحدث عن بعض الأسفار المفقودة المذكورة آنفاً : (ولم تُكْتَب بوحي إلهي) وفي موضع آخر يقول : (فيكون أنه لم يُكتَب بوحي إلهي ، بل دوّنه أحد المؤرخين الذي كان يدوّن حوادث عصره).

وفي قول القس المذكور إعتذار اسوأ من حقيقة فقدان الأسفار ، لأن التوراة وأسفار الأنبياء حين يشيرون إلى تلك الأسفار فإنما لغرض إحالة اليهود إليها لقرائتها وإتخاذها منهجاً دينياً كما هو حال بقية أسفار التوراة والأنبياء ، فكيف يقوم كتاب يفترض أنه ملهم ومكتوب بوحي إلهي بإرجاع المؤمنين به إلى كتاب غير ملهم وغير مكتوب بوحي إلهي ، إذن ما فائدة الإلهام والوحي إذا تساوى الملهم مع غير الملهم !! 

بل اليهود أنفسهم يعترفون أنهم ضيّعوا التوراة لعشرات بل مئات من السنين ثم وجدوها بصورة غامضة( 2 ) ، وعلماء المسيحية يصرحون بأنهم يجهلون هوية بعض الذين كتبوا بعض أسفار اليهود ومنها التوراة ، ففي نسخة الكتاب المقدس التي أذن بطبعها مطران بيروت إغناطيوس زيادة نقرأ في صفحة (4) ما نصه وهو يتحدث عن التوراة (أسفار موسى الخمسة) ما نصه : ( فما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى قد كتب كل البانتاتيك ـ أي الأسفار الخمسة وهي كلمة يونانية ـ منذ قصة الخلق إلى قصة موته ، كما انه لا يكفي أن يقال أن موسى أشرف على وضع النص الملهم الذي دونه كتبة عديدون فس غضون أربعين سنة ، بل يجب القول مع لجنة الكتاب المقدس البابوية (1948) أنه يوجد إزدياد تدريجي في الشرائع الموسوية ـ نسبة إلى النبي موسى أي اليهودية ـ سببته مناسبات العصور التالية الإجتماعية والدينية ، تقدّم يظهر أيضاً في الروايات التاريخية ). إذن هناك إزدياد تدريجي فهل معنى التحريف غير ذلك !

وفي المدخل إلى سفـر يشـوع ما نصه : ( لكـن المؤلف المقدس ! الذي نجهل اسمه وعصره )( 3 ).

وفي المدخل إلى سفر الجامعة ما نصه : ( يبتدئ الغموض بشخص المؤلف نفسه )( 4 )! .

وفي المدخل إلى سفر الحكمة ما نصه : ( إن هوية المؤلف مجهولة إنما الدلائل المتراكمة تشير إلى أن وطنه كان مصر ومن المحتمل أن يكون الإسكندرية )( 5 ) ! .

وفي المدخل إلى سفر دانيال ما نصه : ( إن مؤلفا ملهما( 6 ) لم يترك لنا اسمه قد ضم إلى هذه الصورة الشهيرة عن الماضي عدة رؤى ذات أتشاء روائي )( 7 ).

فدعوى تحريف التوراة ليست دعوى إسلامية وقرآنية فحسب بل هي دعوى من علماء المسيحية أيضاً رغم التقديس الذي يضفوه على التوراة ويسمونها "العهد القديم" وهو الجزء الأول من الكتاب المقدس عندهم مع ذلك يعترفون بوجود معاني التحريف فيها.

فكيف يمكن ان ينكر أحد حدوث التحريف في التوراة إذا كان سوي التفكير !

أما مزاعمه على نفي التحريف عن التوراة بالإستدلال ببعض الآيات القرآنية المطهرة حيث يقول : [(ولو كانت التوراة قد حُرفت ، فهل يجوز لله أن يقول للرسول محمد: " وكيف يُحَكّموك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ؟ "  فهذا دليل على أن التوراة لم تكن قد حُرفت حتى ظهور الرسول محمد بن عبد الله. فلو كانت التوراة قد حُرفت لقال الله لرسوله:  " كيف يحكموك وعندهم التوراة قبل أن تُحرف "، أو " إنهم يحكموك لأن توراتهم محرفة" أو كلمات بهذا المعنى) وكذلك يقول القرآن:   " قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم ". فليس من المعقول أن يقول محمد لليهود إنهم ليسوا على شئ حتى يقيموا التوراة، وهو يعلم أن التوراة صارت محرفة. وعندما جاء عيسى بن مريم برسالته قال لبني إسرائيل إنه جاء: " مصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحّل لكم بعض الذي حُرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ". فعيسى قد جاء مصدقاً لما في التوراة، ولم يقل لهم جئت لأصحح التوراة التي قد حُرفت، وقد كانت الفرصة سانحة هنا أن يصحح الله التوراة عندما أرسل عيسى بالإنجيل، ولكن الإنجيل لا يختلف عن التوراة كثيراً، فهذا دليل أن التوراة لم تُحرف)] ، فقد تكلم بهذا الكلام لجهله ، فحين يقول المسلمون أن هناك تحريفاً بالتوراة فمعنى ذلك أنَّ هناك توراة أصلية قد لحقها بعض التغيير من قبيل طمس أسم نبي آخر الزمان وطمس ما يتعلق به من صفات أو تحريفها ، فإذن هناك توراة أصلية موجودة ضمن التوراة المحرفة ولكن لا يمكننا تمييزها بسبب التحريف ، ولذلك فقد تنبه علماء المسلمون لهذا الأمر فنجد السيد الطباطبائي في تفسير الميزان يقول ما نصه (غير أن القرآن يصدق أن التوراة الموجود بأيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مخالفة للتوراة الاصل بالكلية وإن لعبت بها يد التحريف ودلالة آيات القرآن على ذلك واضحة )( 8 ) ، ويقول في موضع آخر : (والقرآن مع ذلك لا يخلو من إشعار بأن بعضا من التوراة الحقة موجود فيما عند اليهود وكذا بعض من الانجيل الحق موجود في أيدي النصارى قال تعالى " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله : المائدة - 43 وقال تعالى " ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به : المائدة –  14)( 9 ).

 

يزعم أنَّ الطوطمية عبادة توحيدية !

قال قولاً يدل على جهل عميق وهو : [(وفكرة التوحيد أصلاً كانت موجودة في القبائل البدائية في أفريقيا وأستراليا وأمريكا. فقد كانت هذه القبائل تعبد " الطوطم " الذي هو عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعاراً لوحدتها وقوتها، وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت ، فتقدس العشيرة هذا الطوطم ، وقد يكون هذا الطوطم نباتاً أو جماداً أو حيواناً. ولكل قبيلة طوطم واحد فقط. وقد اكتشف ( جلين) و ( سبنسر) خلال أبحاثهما في وسط أستراليا بين قبائل " الأبوروجنيز" أي السكان الأصليين، وهم قبائل بدائية حتى الآن، اكتشف هذان الباحثان أن عدداً من هذه القبائل يدينون بالطوطمية. فإذا صح هذا القول ، تكون فكرة التوحيد معروفة للإنسان منذ زمن طويل قبل نزول الأديان السماوية التوحيدية)].

فمعنى هذا أنَّ كل من عبد إلهاً واحداً سواء كان ذلك الإله جماداً أو حيواناً أو نباتاً فعبادته توحيدية فمن كان يعبد فرعون فهو موحد ومن يعبد الشمس فهو موحد ومن يعبد البقرة فهو موحد وهكذا ! فما حاجة البشرية إذن إلى نزول الأديان ما دام التوحيد موجود ... ‍، فهل قرأتم يوماً أسخف من هذه الأفكار.

ألا يجد المدعو كمال النجار فرقاً بين عبادة الإله الحق وعبادة الآلهة الباطلة ! وهل التوحيد هو عبادة إله باطل لمجرد أنه يُعبد لوحده !!!

مزاعم وجود التوحيد بين عرب الجاهلية :

قال المدعو كامل النجار : [(فأهل الجزيرة العربية، الذين نعرفهم بـ " عرب الجاهلية"، قد كانوا يعتقدون بالتوحيد قبل ظهور الإسلام.  ونجد هذا مذكوراً في القرآن في سورة الزمر الآية 38: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله". وكذلك لما هلك أبو طالب خرج رسول الله ( ص) إلي الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة وعمد إلي نفر من ثقيف وهم أخوة ثلاثة، قال لهم: " أنا رسول الله إليكم". فقال له أحدهم: والله لا أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك "[20]. فهذا، ولا شك, كلام رجلٍ يعرف الله ويُعظمه.

وإنما عبدوا الأصنام كوسيلة تقرّبهم إلى الله الذي هو بعيدٌ في السماء، لا يستطيعون التحدث إليه مباشرةً. ورغم أن الكعبة كانت تحتوي على ما يزيد عن ثلاثمائة صنم، إلا أنهم كانوا يحلفون بالله، وكانوا يسمون أولادهم عبد الله و عبيد الله وما شابه ذلك. حتى اسم الجلالة نفسه كان معروفاً لديهم قبل ظهور الإسلام. وكانوا يحلفون بالله، فيقول الرجل منهم: " تالله" أو " والله")].

هذا كله طمس للحقائق فمعرفة عرب الجاهلية لله عزَّ وجل لا يمنع من وجود الشرك عندهم بل إنَّ معنى الشرك عند عرب الجاهلية هو أن تعبد آلهة أخرى إلى جانب عبادة الله تعالى ، فالمشكلة ليست في إدعاء إنكار وجود الله جلَّ وعلا كما توهم المدعو كمال النجار بل المشكلة تكمن في إتخاذ عرب الجاهلية لآلهةٍ أخرة مع الله يعبدونها ويعتقدون لها التأثير على الله تبارك وتعالى على نحو الإستقلالية.

 

التوحيد في التوراة :

صحيح أنَّ التوراة تدعو للإيمان بإله واحد هو إله موسى عليه السلام ، ولكن تعالوا لنقرأ بعض مما كذبوه على إله موسى عليه السلام الذي يسمونه يهوه( 10 ) ونسميه الله جلَّ شأنه.

جاء في سفر خروج ( 24: 9-11 ) ان هارون كان احد الذين رأوا اله اسرائيل يهوه ، وفي موضع آخر من السفر المذكور ( 4:32-6 ) ان هارون هو الذي صنع العجل لبني أسرائيل ليعبدوه ، اذاً هارون رأى إله بني أسرائيل ثم صنع تمثاله بهيئة العجل مما يعني ان إله بني اسرائيل على هيئة العجل.

فهل لمن يؤمن بالكتاب المقدس تفسيرغير هذا ؟

وهل هذا هو التوحيد الذي يفتخر به اليهود وكذلك المدعو كمال النجار !!!

على أن المشكلة الحقيقية بين المسلمين واليهود ليست مشكلة التوحيد حيث إنهما يؤمنون بإله واحد ـ بغض النظر عن تفاصيل صفات الإله عند اليهود ـ ولكن المشكلة هي عدم إيمان اليهود بنبي آخر الزمان الذي يجدون صفاته في التوراة عندهم وهو النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ، فرغم إشتراك المسلمين واليهود في مفهوم التوحيد إلا إنَّ ذلك لم يمنع أن يكون اليهود هم أشد الناس عداوة للمسلمين ! فالمسألة إذن ليست مسألة توحيد فحسب بل هي مسألة دين متكامل بكافة تفاصيله العقائدية والإنسانية جاء لينسخ ديناً آخر لم يعد يصلح للتطبيق على الأرض.

 

التوحيد في العهد الجديد :

قال المدعو كمال النجار : [(والعهد الجديد، كالعهد القديم من قبله، ملئ بالآيات التي تدعو لوحدانية الله)] ، ثم يسرد بعض الجمل من العهد الجديد التي تدل على التوحيد.

ونورد الآن جملاً أخرى من العهد الجديد تبين دعوى البنوة الشركية والربوبية التي يدعيها المسيحيون للمسيح عليه السلام :

ـ في إنجيل متى (16 : 16و17) : ( فأجـاب سمعان بطرس قائلاً : أنت هو المسيح إبن الله الحي ، فقال له يسوع : طوبى لك يا سمعان بن يونا فما أعلن لك هذا لحم ودم بل أبي الذي في السموات ).

وفي (19:28) : ( فاذهبوا إذن وتلمذوا جميع الأمم ، وعمّدوهم بأسم الأب والإبن والروح القدس).

ـ في إنجيل مرقس (1:1) : ( هذه بداية إنجيل يسوع المسيح أبن الله ).

ـ في إنجيل لوقا (70:22) : ( فقالوا كلهم : أأنت إذن إبن الله ، قال لهم : أنتم قلتم إني انا هو ).

ـ في إنجيل يوحنا (31:20) : ( وأما هذه الآيات فقد دوّنت لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح إبن الله ، ولكي تكون لكم حياة بأسمه إذ تؤمنون ).

ـ في أعمال الرسل (21:20) : ( فكنت أحث اليهود واليونانيين على أن يتوبوا إلى الله ويؤمنوا بربنا يسوع ).

ـ في رسالة بولس إلى أهل روما (24:16) : ( لتكن نعمة ربنا يسوع المسيح معكم ).

ـ في رسالة بولس الأولى إلى اهل كورنثوس (32:16) : ( لتكن معكم نعمة الرب يسوع المسيح ).

ـ في رسالة بولس الثانية إل أهل كورنثوس (3:1) : ( تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح ).

ـ رسالة بولس إلى أهل غلاطية (14:6) : ( أما انا فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح ).

ـ في رسالة بولس إلى أهل أفسس (15:1) : ( وقد سمعت بما فيكم من الإيمان بالرب يسوع والمحبة لجميع القديسين).

ـ في رسالة بولس إلى أهل فيلبي (11:2) : ( ولكي يعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو الرب ).

ـ في رسالة بولي إلى أهل كولسي (3:1) : ( إننا دائماً نرفع الشكر لله أبي ربنا يسوع المسيح فيما نصلي لأجلكم )

ـ في رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي (19:2) : ( فما هو رجاؤنا أو فرحنا او إكليل إفتخارنا أمام ربنا يسوع المسيح ).

ـ في رسالة بولس الثانية إلى اهل تسالونيكي (8:1) : ( من غير العارفين لله وغير المطيعين لإنجيل ربنا يسوع المسيح ).

ـ في رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس (14:6) : ( أن تحفظ الوصية خالية من العيب واللوم إلى يوم ظهور ربنا يسوع المسيح علناً ).

ـ في رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس (2:1) : ( لتكن لك النعمة والرحمة والسلام من الله الأب والمسيح يسوع ربنا ).

ـ في رسالة بولس إلى تيطس (13:2) : ( فيما ننتظر تحقيق رجائنا السعيد ، ثم الظهور العلني لمجد إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح ).

ـ رسالة بولس إلى فيلمون (25) : ( ولتكن نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم ).

ـ في الرسالة إلى العبرانيين (3:2) : ( فإن الرب يسوع نفسه قد أعلنه أولاً ).

ـ في رسالة يعقوب (1:1) : ( من يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح إلى الأسباط الأثني عشر ).

ـ في رسالة بطرس الأولى (3:1) : ( تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح ).

ـ في رسالة بطرس الثانية (1:1) : ( الذي نتساوى جميعاً في الحصول عليه ببر إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ).

ـ في رسالة يوحنا الأولى (20:5) : ( وإننا متأكدون أن إبن الله قد جاء إلى الأرض وأثار أذهاننا لنعرف الإله الحق ، ونحن الآن نحيا فيه ، لأننا في إبنه يسوع المسيح ، هذا هو الإله الحق ، والحياة الأبدية ).

ـ في رسالة يوحنا الثانية (3:1) : ( فإن النعمة والرحمة والسلام ستكون معنا من عند الله الأب والرب يسوع المسيح أبن الأب ، بالحق والمحبة ).

ـ في رسالة يهوذا (4:1) : ( وينكرون سيدنا وربنا الوحيد يسوع المسيح ).

ـ في رؤيا يوحنا (20:22) : ( تعال أيها الرب يسوع ).

وهكذا تجد أنه لا يخلوا سفر من أسفار العهد الجديد من ذكر عبارة شركية مخالفة للتوحيد ، فهل هذا هو التوحيد الذي يفتخر به المدعو كمال النجار !!؟

أما قول المدعو كامل النجار : [(والتثليث في المسيحية لا يعني أن الإنجيل قد حُرف، فالمسيحيون يعتقدون أن الله واحد، وعندما يقولون أن المسيح ابن الله، لا يعنى هذا أن المسيح إله في حد ذاته، فكل المسيحيين أبناء الله، إذ يقول لهم الإنجيل " ادعوا أباكم الذي في السماء"،  فهذا لا يعنى أن كل شخص مسيحي إله بذاته، أو أنهم هم الأبناء الفعليين لله. وكل آيات الإنجيل تدعو للخضوع لله الذي أرسل يسوع)] ، فهو مردود من خلال النصوص المذكورة آنفاً ، حيث أن البنوة في العهد الجديد تأتي بمعنيين الأول حين تكون موجهة لعامة الناس فيُخاطَبون بأنهم أبناء الله فالمراد النسبة التشريفية لهم ، والمعنى الثاني يراد منه البنوة الحقيقية وهو المقصود حين يوصف المسيح عليه السلام بها ، ولا يصح إعتبار المسيح مخاطب بالبنوة وفق المعنى الأول لوجود الشواهد على خلافه حيث لم يقتصر وصف المسيح بأنه أبن الله بل تعداه إلى كونه الرب والإله ، فالمسيحييون يعتبرون المسيح عليه السلام إلها حقيقياً لهم.

 

الإسلام والتوحيد الحقيقي :

أما الإسلام فقد جاء بالتوحيد الحقيقي ، ورفض وجود أي إستقلالية لأي شخص أو مخلوق أو جماد أو حيوان أو أي ذرة في الكون عن الله عزَّ وجل. "فالله أحد" وليس كما يدعي المسيحيون أنه ثلاثة أقانيم وحاشاه ، "لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" ، فلا يوجد شخص أو أقنوم مكافيء لله سبحانه ، فهو الإله الحق ولا إله سواه.

أما المدعو كامل النجار فيستمر بدعاواه الباطلة قائلاً : [(فلو لم يظهر الإسلام،  لاتبع عرب الجزيرة اليهودية أو المسيحية أو خليطاً منهما كما فعل الأبيونيون Ebionites وهم اليهود المتنصرون، وكانوا يسكنون منطقة الحيرة،  ويعني اسمهم بالعبرانية الفقراء، وكيفية نشأتهم غير معروفة وكانت عقيدتهم خليطاً من اليهودية والمسيحية فقد اعتقدوا بوجود إله واحد خالق الكون، وعظموا السبت وقالوا أن المسيح إنسان امتاز عن غيره بالنبوة، رسول أرسله الله للناس أجمعين، وأنكروا الصلب فذهبوا إلى أن الذي صُلب شخص آخر غير المسيح وقد شُبه لهم فاعتقدوا  أنه المسيح. فلو اتبع عرب الجزيرة أيً من هذه الديانات  لوصلوا إلى نفس النتيجة- توحيد الله وعبادته وفعل الخير والامتناع عن فعل الشر.

يتضح من هـذا العرض أن الجزيرة العربية قبل الإسلام كانـت موطناً لثلاث عقائد: اليهودية والمسيحية والتعددية ( عبادة الأصنام)، ولكن الثلاث عقائد كانت تعرف التوحيد وتؤمن به، ولم يزد الإسلام في هذا المضمار شيئاً)].

وهو قول يدل على جهل بمعاني التوحيد أو يدل على عدم إكتراث لمعنى التوحيد لا سيما وهو يصدر من رجلٍ ملحد لا يؤمن بالأديان أصلاً ولا بالتوحيد ولا غيره ، بل يهمه تسخيف فكرة التوحيد ليسهل عليه أمر دعوة الناس للإلحاد الذي يعتنقه. فهو لم يشرح لنا كيف أنه سيدخل عرب الجزيرة اليهودية أو المسيحية ولم يبين لنا طريقة ذلـك ، فالمسيحية كانت موجودة لأكثر من 600 سنة قبل ظهور الإسلام ولم يعتنقها من العرب سوى القليل منهم وأما اليهودية فهي موجودة قبل ظهور الإسلام بأكثر من1600 سنة ولم يعتنقها سوى أفراد قلائل من العرب ، بل إنَّ سيرة العرب كانت قائمة على أنهم كلما تقدم بهم الزمن كلما أبتعدوا اكثر عن إعتناق الأديان السماوية نحو عبادة الأصنام. ثم إنَّ عرب الجزيرة كانت لديهم عقيدة وثنية يؤمنون بها وأصنام يتخذونها آلهة يؤمنون بها ومن رسوخ عقيدتهم بها أنهم ضحّوا بأنفسهم وأموالهم ومكانتهم من أجلها ـ كما عرفناه في معاركهم مع المسلمين ـ في بدء ظهور الإسلام ـ فكيف سيتم إنتقال هؤلاء من عقيدتهم الشركية المتأصلة في نفوسهم إلى اليهودية أو المسيحية كما يدعي المدعو كمال النجار !؟ هل يتم ذلك عبر اليهودية المنغلقة على نفسها والتي تمتنع عن نشر دينها للأقوام الأخرى وتعتبر اليهود الشعب المختار وتنظر بإزدراء للأقوام الأخرى وتعتبرهم أقل مرتبة إنسانية منهم ، أم يتم ذلك عبر سياسة التبشير المسيحية لكي يحولوا العرب من الشرك بالأصنام إلى الشرك بالأقانيم الثلاثـة ، فأين هـو التوحيد الخالص من كلِّ ذلك ؟!

فمزاعم تحول العرب من الشرك إلى المسيحية لا يمنع حاجتهـم الفعلية للتوحيد الخالص ولو إفترضنا إعتنـاق العرب جميعهم للمسيحية فإن حاجتهم إلى الإسلام ستبقى مستمـرة لأن التوحيد الخالص مفقود في المسيحية ، والإسلام دين لا يقتصر على العرب بل هو لجميع الناس المسيحيين واليهود وغيرهم ، بل إنَّ العالم كله يشهد أن الإسلام لم يأت بالتوحيد فقط وإنَّ كان هو من أهم ما اتى به ، بل الإسلام دين شامل لجميع نواحي الحياة الروحية والنفسية والمادية ، وهي الأمور التي كان يفتقدها عرب الجاهلية وغيرهم من المجتمعات المسيحية واليهودية والمجوسية والبوذية ...إلخ ، فلا يصح إطلاقاً أن يقول قائل أنَّ العرب كان يمكن أن يصبحوا مسيحيين أو يهود فليس هناك حاجة للإسلام لأن هذا قول ساذج يدل على الجهل بالإسلام وما أحدثه من تغييرات نفسية ومادية وحضارية عند العرب وغيرهم من الأقوام الذين أعتنقوه.

 

الدولـة الإسلاميـة :

من جديد يتناول المدعو كامل النجار المسائل تناولاً تفريطياً ، بعيداً عن الأسس السليمة لتناول الموضوعات ، فهو يحاول تشويه الإسلام من خلال الإستعانة بالسيرة السقيمة لبعض حكام المسلمين ثم يقول إنَّ هذا هو الإسلام وقوانينه الإلهية ، فما ذنب الإسلام إذا كان تطبيقه من بعض المسلمين تطبيقٌ خاطيء ؟!

يقول المدعو كامل النجار : [(فلننظر الآن كيف تكونت الدولة الإسلامية وما آلت إليه اليوم ، بسبب قانونها الإلهي)] ، إذن يجب علينا أولاً أن نعرف ماهو القانون الألهي الذي جاء به الإسلام بخصوص الدولة الإسلامية ثم ننظر هل قام المسلمون بتطبيقه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم لا ، وبذلك يتضح الحق في المسألة ونعلم هل الخلل في القانون الإلهي الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) أم الخلل في تطبيق المسلمين له ، لا كما أدعى المدعو كامل النجار حين جزم بنسبة الخطأ للقانون الإلهي جهلاً منه بحقائق الأمور.

من المعلوم إنَّ أي دولة تتكون من عناصر هي : الشعب والأرض والحكومة ، فالدولة الإسلامية التي أنشأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت لديها هذه العناصر الثلاث فالأرض تتمثل بالمدينة المنورة ثم شملت شبه الجزيرة العربية ، والشعب هم المسلمون ، والحكومة هي حكومته الإلهية ، هكذا ببساطة نجد أن مقومات الدولة الإسلامية كانت متكاملة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم إنَّ لكل حكومة لا بد لها أن توفر لها عناصر ديموميتها وإستمرارها ، فالحكومة لا تسقط بوفاة الأشخاص القائمين عليها ، ولذلك نجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان حريصاً على إيجاد تلك العناصر ، فمنذ بداية الدعوة الإسلامية حين لم يكن عنصري الشعب والأرض متوفران ، نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حريصاً على إيجاد مقومات إستمرار رسالته من أجل إستمرار العمل على إيجاد الدولة الإسلامية أولاً ثم إستمرارية تلك الدولة في الوجود ثانياً ، فأعلن إبن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام خليفةً له في وقت مبكر من عمر الدعوة الإسلامية قبل ظهور الإسلام بمكة ، حين أنزل الله تعالى على النبي (صلىالله عليه وآله) قوله : (( وأنذر عشيرتك الأقربين )) فدعاهم إلى دار عمّه أبي طالب وهم يومئذٍ ما يقارب الأربعين رجلاً وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، وتستمر الرواية لتنقل لنا إعلان رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً خليفةً له بقوله : ( إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا )( 11 ). ثم بعد جهاد عظيم في مكة والمدينة تم تأسيس الدولة الإسلامية وأتسعت لتشمل شبه الجزيرة العربية كلها عاد نبي الله (صلى الله عليه وآله) ليؤكد تنصيبـه لعلي عليه السلام خليفةً له بأمرٍ من الله سبحانه ، من أجل ضمان العمل بالقوانين الإلهية بعده من قبل المسلمين ، فأعلن في غدير خم ، قبل وفاته بأشهر قليلة ، في طريـق عودته من حجة الوداع ، أنَّ علي بن أبي طالب هو خليفته في ولاية أمور المسلمين بعده ، فقال مخاطباً حشود المسلمين المتجمهرين : ( ألستم تعلمون ؟ أولستم تشهدون إنّي أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ ) ، قالوا : بلى ، قال : ( فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه )( 12 ).

هذا هو القانون الإلهي الذي جاء به الإسلام لضمان إستمرار الدولة الإسلامية وفق النهج الذي يريده الخالق جلَّ وعلا ، فهل إلتزم المسلمون به بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ الجواب بالنفي ، إذ رفض بعض المسلمين خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام المنصوصة من قبل الله تعالى واختاروا أبا بكر خليفة لهم بدلاً عنه ، وكان ما كان من إستيلاء بني أمية ثم بني العباس على الحكم والمآسي التي حاقت بالأمة ، إذن فالخلل لم يكن في الإسلام ولا في القوانين الإلهية التي جاء بها ، بل الخلل يكمن في عدم إلتزام بعض المسلمين بالعمل بالقوانين الإلهية واستعاضوا بدلاً عنها بقوانين وضعية صبغوها بصبغة إسلامية مزيفة. فماحدث في سقيفة بني ساعدة ولا شورى الستة التي وضعها عمر بن الخطاب ولا قانون وراثية الحكم الذي أبتدعه معاوية بن أبي سفيان لا يمت إلى الإسلام ولا لقوانينه الإلهية بصلة.

 

الصفحة الرئيسية

 

الهوامش :

( 1 ) سفر التثنية (34 : 1-12).

( 2 ) سفر الملوك الثاني (22: 8-13).

( 3 ) نسخة الكتاب المقدس التي صادق على إعادة طبعها مطران بيروت إغناطيوس زيادة والصادرة عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ، 1992 ـ المجلد الأول ص360.

( 4 ) المصدر السابق ـ المجلد الثاني ص208.

( 5 ) المصدر السابق ـ المجلد الثاني ص237.

( 6 ) يصفونه بأنه ملهم رغم أنهم لا يعرفونه ويجهلون هويته !!

( 7 ) المصدر السابق ـ المجلد الثاني ص649.

( 8 ) تفسير الميزان للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (قده) ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة ـ ج3 ص198.

( 9 ) المصدر السابق ـ ج3 ص308.

( 10 ) سفر الخروج (3:6).

( 11 ) المراجعات للعلامـة السيـد عبد الحسين شرف الدين الموسوي ، صادر عن الجمعية الإسلامية ـ المراجعة "20" ص188.

( 12 ) الطرائف للسيد أبن طاووس الحسني ، مطبعة الخيام ، قم المشرّفة ، الطبعة الأولى 1371 ـ ص150. وكذلك مسند أحمد بن حنبل ، دار صادر ، بيروت ـ ج4 ص372.

 

الصفحة الرئيسية