بسم الله الرحمن الرحيم

ما أبعد الدكتور النجار عن البحث العلمي

نبيـل الكرخي

 يمكن أعتبار بحوث ومقالات الدكتور كامل النجار نموذجاً للبحوث والمقالات التي يصدرها الكتّاب من ذوي النظر القاصر والنفس القصير ومن الذين يخطئون بتحميل النصوص على الفكرة بدلاً من الأستدلال من النصوص على الفكرة ، ونستعرض في هذا المقال أبرز الأخطاء في بحوث ومقالات الدكتور كامل النجار من خلال تحليل آخر مقال منشور له في موقع كتابات وعنوانه [(ما أبعد الكرخي والإسلام عن التسامح)] ، وأرجو أن لا يصطبغ هذا الموضوع بصبغة ذاتية ، إذ إنَّ الهدف ليس الدفاع عن شخصٍ ما أو مهاجمة شخصٍ ما ، بل الهدف هو التنبيه على الأخطاء وتجنيب الآخرين التأثر بفكر خاطيء.

يحاول الدكتور النجار إعطاء مفهوم مشوه عن التسامح الديني ، فيقول في مقاله المذكور [(إن عدد المسلمين في أوربا يقدر بحوالي عشرين مليون مسلم. وإذا أخذنا مدينة واحدة مثل لندن، نجد أن عدد المسلمين بها 607083 من مجموع سبعة مليون نسمة يسكنون لندن. ويوجد في لندن كذلك 800 مسجد وعدد من المدارس الإسلامية والعربية. وحتى المدارس الحكومية تهيئ لطلبتها المسلمين غرفة أو مساحة خاصة للصلاة.  وفي روما يوجد مسجد الملك خالد، وهو أكبر مسجد ومجمع علمي إسلامي في أوربا)] ويضيف أيضاً : [(لكن الأوربيين قومٌ متسامحون، ودينهم يدعو للتسامح الذي لا يعرفه السيد الكرخي ولا الإسلام إلا في سياق الخطابات الإنشائية التي تتحدث كذباً عن سماحة الإسلام وتسامحه. وما أبعد الإسلام عن التسامح، وما أبعد السيد الكرخي عنه)] ، فيجب أن نعرف في البدء أن لكل عقيدة ومبدأ لا بد من نظام ولا يمكن أن نفهم التسامح لأي عقيدة أو مبدأ بدون ذلك النظام لأن المسألة ستصبح حينئذٍ فوضى ، والتسامح الإسلامي فيه ذلك النظام الذي يضمن حقوق وواجبات جميع الأطراف ، فالإسلام يضمن حرية المعتقد وأحترام دور العبادة للأديان السماوية وفق عقد الذمة الذي يحتوي على مجموعة من الحقوق والواجبات للطرفين ، والإسلام يمتنع كلياً عن أجبار الآخرين على إعتناقه (( لا إكراه في الدين )) ، فهل هناك تسامح أكثر ظهوراً من بقاء عشرات الكنائس المسيحية شاخصة إلى اليوم في العراق وبلاد الشام ، كنائس تم بناءها منذ العصور المسيحية الأولى قبل الإسلام ، وهذا الشخوص لتلك الكنائس يقطع كل الأقاويل المزعومة حول التهديم العشوائي للكنائس في الفتح الإسلامي والذي يدعيه البعض ، ويدل على أن بقاءها كان مرهوناً بأنظمة وضوابط خضعت له ، ووجود تلك الأنظمة والتعليمات هو أمر لصالح الإسلام ، لأن عدم وجود الأنظمة والتعليمات في أي نظام يدل على عدم تماميته وشموله ، والإسلام بخلاف ذلك.

فأما قول الدكتور النجار [(لكن الأوربيين قومٌ متسامحون، ودينهم يدعو للتسامح)] ففيه جانبين خاطئين ، الجانب الأول أن المسيحية ليست ديانة متسامحة ، وبعض النصوص في أناجيل المسيحيين التي تدعو للتسامح ظاهراً مثل (أحبوا أعدائكم وأحسنوا إلى مبغضيكم) نجد ان المسيحيين أنفسهم بل الكنيسة المسيحية نفسها لم تفهمها بهذا الشكل ولذلك نجدها قد قادت حروباً دينية صليبية العنوان ضد المسلمين ، وحاولوا تغيير التركيبة السكانية لمناطق الساحل الشرقي للبحر المتوسط (لبنان وفلسطين) عن طريق تهجير آلاف المسيحيين من أوربا وجلبهم للأستيطان في تلك المناطق في فترة تلك الحروب ، وما زال تأثير تلك الهجرات واضحاً إلى اليوم في تلك المناطق ، بنفس الأسلوب الذي يقوم به الصهاينة اليوم من تهجير آلاف اليهود من أوربا وأفريقيا وغيرها للأستيطان في فلسطين ، وقاموا أيضاً بإبادة المسلمين في الأندلس / أسبانيا تحت شعارات دينية ، وقاموا أيضاً بإبادة آلاف المسلمين في البوسنة في العصر الحاضر تحت نفس المفهوم ، فما ادعاه الدكتور النجار عن التسامح الديني للأوربيين غير صحيح ، والجانب الثاني أن ما ذكره حول وجود المسلمين في أوربا في العصر الحاضر ووجود المدارس الإسلامية فيها والمساجد إنما تم بعد تخلص الدول الأوربية من السيطرة الدينية للكنيسة وأعتناقها للعلمانية ، وبناء مسجد الملك خالد في روما إنما تم قمعاً لسلطان الكنيسة وتحت راية العلمانية ، فلا فضل للتسامح الديني للأوربيين في الموضوع.

فأوربا العلمانية سمحت بنشاط إسلامي فيها رغم مسيحية أغلب سكنها وكذلك الدول الإسلامية ذات النظام العلماني سمحت بنشاطات مخالفة للشريعة الإسلامية رغم غالبية سكانها المسلمين ، فإنتشار محال بيع الخمور والحانات والملاهي في البلاد الإسلامية إنما تم تحت راية العلمانية ورعاية القومية العربية وغيرها من النزعات القومية ، وما بناء الكنائس في الكويت إلا نموذج لذلك التوجه العلماني المخالف للإسلام. ولكن لا يعني هذا أن العلمانية هي أكثر تسامحاً من الأديان كما قد يتوهم البعض ، فالعلمانية الفرنسية أصطدمت مع حرية الفرد كما هو معلوم في تشريعها قانون منع الرموز الدينية ، وتسامح العلمانية الأوربية تجاه الإسلام يوازيه تسامحها نحو الإلحاد ونحو الشذوذ الجنسي ونحو العلاقات الجنسية غير الشرعية ونحو عدم إحترام الوالدين على سبيل المثال ، ولننظر إلى تسامح العلمانية في أوربا الذي قاد مجتمعاتها إلى الفساد الأخلاقي وادمان الكحول والمخدرات وتجارة الرقيق الأبيض وغيرها من منجزات العلمانية الأوربية ، فالتسامح العلماني قاد المجتمعات لكوارث أخلاقية كما هو معلوم الحصول في أوربا ، و"التسامح المسيحي" المزعوم قاد المسيحيين لخوض حروب إبادة ضد المسلمين وتغيير للتركيبة السكانية.

وأما التسامح الإسلامي فلا يقوم وفق [(سياق الخطابات الإنشائية التي تتحدث كذباً عن سماحة الإسلام وتسامحه)] كما أدعى الدكتور النجار ، بل هو تسامح حقيقي اعترف به غير المسلمين قبل أن يدعيه المسلمين أنفسهم ، فعلى سبيل المثال نجد القمص زكريا بطرس وهو المعروف بنشاطه التبشيري ، نجده في كتابـه (تاريخ إنشقاق الكنائس) يقول ما نصه : (وكان الأقباط يرسمون بطريركهم سراً وكان لا يسمح لهم بدخول الأسكندرية ، وظل الحال على هذا الوضع حتى دخول العرب مصر ، وتخلص الأقباط من سلطة الرومان وبطاركة الروم {الملكيين} ) ، فالأقباط لم ينالوا حريتهم إلا بعد الفتح الإسلامي لمصر ودخولهم تحت سلطة المسلمين ، فهل هناك تسامح أوضح من هذا. 

فلماذا يقبل مفهوم وجود ضوابط للتسامح في ظل العلمانية ولا يقبل مفهوم وجود ضوابط للتسامح في ظل الإسلام ، فلماذا تقبل تلك الضوابط العلمانية ويتم التشنيع على الضوابط الإسلامية ؟! 

واما تفريط الدكتور النجار في إستكمال لوازم البحث العلمي فواضحة ، فعلى سبيل المثال نقرأ قوله : [(وهذا الحديث قد ورد بصيغة أخرى تقول: " لو أمد الله في عمري، لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ". وبما أن الله كان عالماً بما قال رسوله، واختار رغم ذلك أن يقبضه إليه قبل أن يجلي كل اليهود والنصارى عن جزيرة العرب، يجوز لنا أن نقول إن الله لم يرد لرسوله أن يجلي اليهود والنصارى عن جزيرة العرب، وإلا لمد له في عمره)] ، وأهم الأخطاء التي وردت في هذا النص هي :

ـ الحديث ليس بهذا اللفظ بل هو (لئن عشت ان شاء الله لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) ، وكما هو معلوم فإن دقة النقل لها علاقة مؤكدة بصحة نتائج البحث.

ـ قول الدكتور النجار [(يجوز لنا أن نقول إن الله لم يرد لرسوله أن يجلي اليهود والنصارى عن جزيرة العرب، وإلا لمد له في عمره)] واضح التهافت ، فلو أراد الله عزَّ وجل منع إجلاء اليهود والنصارى عن جزيرة العرب لأخبر رسوله (صلى الله عليه وآله) بذلك من خلال الوحي ، ولما أحتاج إلى عدم مد عمره الشريف لتحقيق ذلك !

ـ على فرض صحة نسبة الحديث المذكور للنبي (صلى الله عليه وآله) ، فإن فحواه هو مباشرة الرسول (صلى الله عليه وآله) لذلك الإخراج بنفسه الشريفة بعد أن كان هناك أمر إلهي بذلك ، وإن لم يتمكن النبي (صلى الله عليه وآله) من مباشرته بنفسه بسبب الوفاة فإنَّ أصل وجوب إخراجهم يبقى نافذاً ، حيث أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أكّد على ضرورة إخراجهم ووصى بذلك ، ففي وسائل الشيعة للحر العاملي ج51 ص132 : (عن ام سلمة ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) اوصى عند وفاته ان تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وقال : الله في القبط فانكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله) ، وفي مسند أحمد ج1 ص196 : (عن ابى عبيدة بن الجراح قال ان آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قال اخرجوا يهود اهل الحجاز واهل نجران من جزيرة العرب).

 

وكذلك نجد الدكتور النجار يطرح فكرته في ان ديار اليهود هي ملك أبدي لهم ، وهي فكرة مشابهة للفكر الصهيوني ، فيقول ما نصه : [(وكيف يسمح له أن يجليهم ويخرجهم من ديارهم وهو الذي حرّم على اليهود إخراج بعضهم عن ديارهم، حينما قال في سورة البقرة الآية 85: " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرّم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ". فإذا كان الله قد حرّم على اليهود إخراج بعضهم عن ديارهم، هل يسمح لرسوله بإخراجهم عن ديارهم؟)] ، مع أنه لا يوجد أي دليل منطقي أو لغوي أو أي دليل آخر في الآية الكريمة على أنَّ شريعة اليهود يجب أن تكون سارية المفعول على المسلمين ! وأنَّ ديار اليهود هي ملك أبدي لهم !! فلا نجد هذا إلا في الفكر الصهيوني وفي فكر الدكتور كامل النجار.

واما الدور التآمري اليهودي ضد المسلمين في عصر النبوة من قبل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ويهود خيبر ، فيبدو أن الدكتور النجار لم يطلع عليه ، حيث أنه قد أختزله في شخص رجل يهودي واحد هو كعب بن الأشرف حيث يقول : [(فاليهود لم يظهروا أي عداء للرسول بقول أو فعل، حتى موقعة بدر، وحتى بعد بدر كان الشخص الوحيد الذي شجع قريش على حرب الرسول، هو كعب بن الأشرف)] ، بينما نجد أنَّ حجم مؤامراتهم أكبر من هذا بكثير والموضوع أشهر من أن أخوض فيه في هذا المقال. فأي بحث علمي هذا الذي يسير الدكتور النجار وفقه وهو يجهل مهمات المسائل التأريخية.

واما قول الدكتور النجار : [(فماذا يحدث اليوم لو عامل الغربيون المسلمين بالمثل ودعوا إلى إخراج كل المسلمين من أوربا ودمروا كل المساجد والمدارس الإسلامية ؟)] ، فيبدو أنه إلى الآن لا يعلم أنهم قد فعلوا ذلك فعلاً في الأندلس وبكل التفاصيل التي ذكرها ، وفعلوا ذلك في البوسنة أيضاً ، فلا يستبعد أن يحدث ذلك من جديد ، ويبدو أن الدكتور النجار لا يعلم ماذا يجري حالياً في هولندا من موجة أعتداء ومعاداة ضد المسلمين هناك. أما المسلمون فلم يطردوا أحداً من أرضهم الإسلامية ، والإسلام أمر بإخراجهم من بلاد إلى أخرى تقع جميعها ضمن السيادة الإسلامية ، غاية ما في الأمر أن هناك خصوصية إسلامية يجب أن تحترم ، وبقية بلادهم مفتوحة لجميع الديانات وفقاً لعقد الذمة.

والدكتور في مقاله المذكور يناقـض نفسه كما هو حاله في معظم مقالاته وبحوثه ، فهو يقول في المقال المذكور آنفاً : [(لكن الأوربيين قومٌ متسامحون، ودينهم يدعو للتسامح)] بينما يقول في كتابه (قراءة نقدية للإسلام) ما نصه : [(وفي القرن السادس عشر بعد الميلاد عمّت اوربا المسيحية موجةٌ من التعصب الكنيسي لم يسبق لها مثيل. وتبارت المدن في إنشاء محاكم التفتيش التي كانت قد ابتدأت في إسبانيا)] ، فكيف أمكن للدكتور النجار الجمع بين الشيء ونقيضه ، بين وصف الدين المسيحي بالتعصب تارة وبالتسامح تارة أخرى !!!

فيظهر من كل هذا أن قول الدكتور النجار [(لكن الأوربيين قومٌ متسامحون، ودينهم يدعو للتسامح)] فيه كم هائل من السذاجة المتعمدة ، والبعد عن البحث العلمي الرصين. 

 

الصفحة الرئيسية