بسم الله الرحمن الرحيم

ليس للزرقاوي ولا للنجار سند من الكتاب أو السنة

"تعقيب"

نبيـل الكرخي

{ تعقيباً على المقال الذي كتبه الدكتور كامل النجار بعنوان : [(للزرقاوي سندٌ من الكتاب والسنة - تعقيباً على نبيل الكرخي)] والمنشور في موقع كتابات بتاريخ 29 أيلول 2005م }

لم يحسن الدكتور كامل النجار التمييز في إستعمال كلمة البغاة بين معناها اللغوي وبين إستعمالها الإصطلاحي من قبل الفقهاء المسلمين ، فأورد نصاً لأحد الفقهاء وبدلاً من أن يفهم لفظ (البغاة) الوارد فيه وفق الإستعمال الإصطلاحي الذي إعتاد الفقهاء على إستعماله وإذا به يقحم المعنى اللغوي في الموضوع ليغيّر المعنى الذي أراده الفقيه حين ذكره ، وهذا بكل تأكيد مخالف لقواعد الفهم المعرفي ، ومضاد لأسلوب البحث العلمي. فكلمة (البغاة) أصطلح الفقهاء على أستعمالها قاصدين منها المسلمين الذين يخرجون على سلطة الحاكم أو الخليفة ، بينما الدكتور النجار يريد أن يفهم كلمة البغاة بأنها تشمل غير المسلمين أيضاً من الذين يهاجمون الدولة الإسلامية ويحاربونها ، وهذا المعنى غير مقصود مطلقاً من قبل الفقهاء المسلمين الذين أستعملوه ، فقد قال أبن حزم في كتابه المحلى ج11 ص 97 ما نصه : (مسألة قتل أهل البغي قال أبو محمد رحمه الله : قال الله تعالى ( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ) الآية فكان قتال المسلمين فيما بينهم على وجهين قتال البغاة وقتال المحاربين فالبغاة قسمان لا ثالث لهما ، أما قسم خرجوا على تأويل في الدين فاخطئوا فيه كالخوارج وما جرى مجراهم من سائر الاهواء المخالفة للحق . وأما قسم أرادوا لانفسهم دنيا فخرجوا على امام حق أو على من هو في السيرة مثلهم ، فان تعدت هذه الطائفة إلى اخافة الطريق أو إلى ذ مال من لقوا أو سفك الدماء هملا انتقل حكمهم إلى حكم المحاربين وهم ما لم يفعلوا ذلك في حكم البغاة).

وقال عبد الرحمن بن قدامة في كتابه الشرح الكبير ج1 ص53  ما نصه : (الصنف الرابع ، قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الامام ويرومون خلعه لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش فهؤلاء البغاة) ، وقال محيى الدين النووي في كتابه ج7 ص270 ما نصه : (الباب الثاني في قتال البغاة وفيه أطراف : الاول في صفتهم . الباغي في اصطلاح العلماء : هو المخالف لامام العدل ، الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه أو غيره بشرطه الذي سنذكره إن شاء الله تعالى ، قال العلماء : ويجب قتال البغاة ، ولا يكفرون بالبغي ، وإذا رجع الباغي إلى الطاعة قبلت توبته ، وترك قتاله ، وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتال البغاة ، ثم أطلق الاصحاب القول بأن البغي ليس باسم ذم ، وبأن الباغين ليسوا بفسقة ، كما أنهم ليسوا بكفرة ، لكنهم مخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل ، ومنهم من يسميهم عصاة).

وقال محمد بن الشربيني في كتابه مغني المحتاج ، ج4 ص123 ما نصه : (وقد عرف المصنف رضي الله تعالى عنه البغاة بقوله : ( هم ) مسلمون ( مخالفو الامام ) ولو جائرا وهم عادلون كما قاله القفال ، وحكاه ابن القشيري عن معظم الاصحاب وما في الشرح والروضة من التقييد بالامام العادل ، وكذا هو في الام والمختصر مرادهم إمام أهل العدل فلا ينافي ذلك ، ويدل لذلك قول المصنف في شرح مسلم إن الخروج على الائمة وقتالهم حرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، لكن نوزع في الاجماع بخروج الحسين على يزيد بن معاوية وابن الزبير على عبد الملك بن مروان ، ومع كل منهما خلق كثير من السلف).

وقال السيد سابق في كتابه فقه السنة ج2 ص602  ما نصه : (وجملة القول انه لا بد من صفات خاصة يتميز بها الخارجون حتى ينطبق عليهم وصف " البغاة " . وجملة هذه الصفات هي :

1 - الخروج عن طاعة الحاكم العادل التي أوجبها الله على المسلمين لاولياء أمورهم .

2 - أن يكون الخروج من جماعة قوية ، لها شوكة وقوة ، بحيث يحتاج لحاكم في ردهم إلى الطاعة ، إلى إعداد رجال ومال وقتال . فإن لم تكن لهم قوة ، فإن كانوا أفرادا ، أو لم يكن لهم من العتاد ما يدفعون به عن أنفسهم ، فليسوا ببغاة ، لانه يسهل ضبطهم وإعادتهم إلى الطاعة .

3 - أن يكون لهم تأويل سائغ يدعوهم إلى الخروج على حكم الامام ، فإن لم يكن لهم تأويل سائغ كانوا محاربين ، لا بغاة .

4 - أن يكون لهم رئيس مطاع يكون مصدرا لقوتهم ، لانه لا قوة لجماعة لا قيادة لها . هذا هو شأن البغاة وحكم الله فيه .

أما إذا كان القتال لاجل الدنيا ، وللحصول على الرئاسة ومنازعة أولي الامر ، فهذا الخروج يعتبر محاربة ويكون للمحاربين حكم آخر يخالف حكم الباغين).

وحين ذكرنا أن الدكتور النجار نقل نصاً بالمعنى من كتاب المغني لأبن قدامة دون أن يوضح أن نقله بالمعنى لا بالنص ، أجاب الدكتور النجار بقوله : [(وقد يكون السيد نبيل الكرخي محقاً في أني لم أوضح للقارئ أني لم أنقل بالنص عن ابن قدامة إنما ذكرت المعني، ولم أحسب أني محتاج لتبيان ذلك للقاري إذ أني لم أقل: وقال ابن قدامة: " ......" وإذا أراد الكاتب أن ينقل النص فإنه عادة يقول: قال فلان: ثم ينقل النص بين قوسين)] ، حسناً سوف أنقل للقاريء الكريم نص عبارة الدكتور النجار ليحكم هو بنفسه عن درجة الأمانة العلمية المفترضة للدكتور النجار ، فقد قال الدكتور النجار ما نصه :

[(وقد أوجب ابن قدامة " جهاد البغاة المعتدين الذين يريدون تغيير نظام الحكم أو الحكام المسلمين " (المغني لابن قدامة: 12/264). بل أوجب بعض الفقهاء جهاد الذين يتعاونون مع المحتل الكافر حتى وإن أبقى بلاد المسلمين على دينها، فقد قال الجصاص: "ولو أن كافراً مجاهداً غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم إلا إنه هو المالك، المنفرد بنفسه في ضبطها وهو معلن بدين غير الإسلام: لكفر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى أنه مسلم" (أحكام القرآن للجصاص، ج3/216).)]

فلماذا وضع الدكتور النجار عبارة أبن قدامة بين قوسين وكذلك وضع عبارة الجصاص بين قوسين أيضاً ! ألا يدل ذلك على أن العبارتين منسوبتان بالنص لا بالمعنى ، بينما يريد الدكتور النجار أن يخبرنا أن العبارة الأولى منقولة بالمعنى والثانية بالنص !!

وبالمناسبة فإنَّ العبارة السابقة التي ذكر الدكتور كامل النجار أنه نقلها عن كتاب احكام القرآن للجصاص ونسبها إليه هي غير موجودة في هذا الكتاب ، وقد ذكرنا ذلك في مقالنا الأول ولم يعقب الدكتور النجار على هذه المسألة في تعقيبه السابق مما يدل على تأييده لعدم ذكرها فيه ! ومؤكداً الخرق الذي حصل في مقاله الأول !!

وحينما قال الدكتور النجار في مقاله الأول : [(وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (منْ خير مَعَاش الناس لهم رجل ممسكُُ عِنَان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانّه..). (رواه مسلم 1889). فالزرقاوي وغيره يستطيع أن يدعي أنه هو ذلك الرجل الممسك عنان حصانه يطير إلى العراق وأفغانستان وغيرها عندما يسمع بأن المسلمين في خطر)] ، أجبناه بقولنا (فهو يصور المسلم كالرجل التائه الذي ليس له قيادة يرجع إليها ، يصوره وكانه صاحب قرار منفرد ، يركب حصانه ويحمل سيفه ليفتك بالآخرين !) فأجاب الدكتور النجار بقوله [(المسلم كان وما زال صاحب قرار فردي، وكان يركب حصانه ويحمل سيفه ويقتل الآخرين)] ، فهو تحكم منه ، لأن وجود بعض المسلمين غير المنضبطين لا يجعلهم مقياساً لجميع المسلمين.

ويبدو ان هذه المسألة بحاجة لبعض التوضيح ، فهناك فرق بين الواجب الشخصي للمسلم (التكليف الشرعي) وبين العمل العشوائي غير المنضبط ، فالدكتور النجار يحاول أن يصوّر المسلم كراعي البقر (الكاوبوي) الذي يسير في الأرض ويقطع الآفاق بلا هدف وبلا مباديء بل يفعل ذلك من أجل مساعي دنيوية تنحصر قيمتها في معيشته اليومية ، بينما الحقيقة بالنسبة للمسلمين تختلف عن ذلك ، فالمسلم المنضبط الإيمان له منطلقات في تحركاته ومباديء سامية ينطلق منها ، وليس له في تحركاته منافع دنيوية ، فحين نتصور ان المسلم يمسك بزمام فرسه وينطلق بين البلدان يدافع عن قضيته العادلة فهذا يعني انه ينطلق من منطلقات شرعية ، وليس كما يصوره الدكتور النجار بأنه يحمل سيفه ويقتل الآخرين ، وحين ينطلق المسلم من منطلقات شرعية فهذا يعني أن هناك مرجعاً دينياً يرجع إليه ويستلم توجيهاته منه ، فالأمر ليس عشوائياً ولا مزاجياً. وفي المقابل نجد أن هناك نماذج ينطبق عليهم الوصف الذي ذكره الدكتور النجار دون أن يسيء إليهم أو ينتقدهم أحد من المدعين للثورية والنضال والمتنقلين بين البلدان حاملين سلاحهم وسافكين الدماء وناشرين الرعب بأسم مقاومة الإستعمار والرأسمالية ساعين لنشر الفكر الماركسي الإلحادي.

فهل يمكن أن ينطبق الوصف الذي ذكرناه حول المسلم العامل وفق وظيفته الشرعية على المجرم الزرقاوي ؟

الدكتور النجار يرى أن الوصف المذكور ينطبق على الزرقاوي ما دام الزرقاوي ومن شاكله من دعاة الفكر الإجرامي يستندون في دعاواهم على فتاوى يتم إسنادها بآيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة.

ولقد فات الدكتور النجار أن الزرقاوي ليس وحده الذي يستند في عمله الباطل وإجرامه لآيات قرآنية وأحاديث نبوية ، بل الكثير من أهل الأهواء والفرق الضالة تستند لنفس القضية ، فكل جماعة يبررون إنحرافهم بآيات قرآنية يفسرونها حسب اهوائهم وأحاديث نبوية يعملونها في غير موضعها ، وهذه المشكلة قديمة بدأت منذ أول يوم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سقيفة بني ساعدة ، ولهذا السبب ذكرنا في مقالنا السابق حديث الثقلين وحديث السفينة لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يترك الأمة الإسلامية بلا خليفة ترجع إليه بعده ، وكذلك فإنَّه (صلى الله عليه وآله) وضع للأمة الإسلامية منهجاً دقيقاً وواضحاً للخلاص من الوقوع في المهالك وإجتناب السير في طرق الضلالات وتفسير القرآن حسب الأهواء.

فرسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قال ـ وفقاً للحديث المنسوب إليه ـ : (منْ خير مَعَاش الناس لهم رجل ممسكُُ عِنَان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانّه..) فقد قال إلى جانب ذلك : (انى قد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدى الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتى الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) ، وقال أيضاً : (إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له) فالمسلم الذي يمسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه يجب أن يتمسك بالثقلين أيضاً وعليه أن يركب سفينة النجاة أيضاً ، فالإسلام هو منظومة متكاملة يعمل المسلم وفقاً لها ، ولذلك لا يمكن أن يكون للزرقاوي سند من الكتاب والسنة. والسند الموهوم الذي يتوهم المجرم الزرقاوي وأتباعه وكذلك يتوهم الدكتور النجار أنه يتمسك به لا يفرق كثيراً عن السند الموهوم للخوارج والنواصب وغيرهم من أهل الأهواء والمنحرفين عن الإسلام.

واما قوله : [(والنبي وأصحابه قد اعترضوا عير قريش وقتلوا وسبوا.  والمسلمون الآن في العراق يفعلون هذا، يقتلون ويأخذون الأطباء وغيرهم أسرى من أجل الفدية)] فلا وجه للتشابه بين فعل المسلمين في عهد النبوة وبين الإرهاب الذي يحدث في العراق وهو مجرد تحكم من الدكتور النجار ليقحم المسلمين في فكرة الإرهاب ، وهذا الكلام هو أهون من أن ينال من عظمة الإسلام. فهجوم المسلمين على قوافل قريش كان في إطار الصراع بين التوحيد والشرك ، وأما ما يحدث في العراق فهو عمليات إجرامية يقوم بها مجرمون محترفون لحساب جهات شتى ، فلا وجه للقياس.

وقال الدكتور النجار : [(ونسأل السيد الكرخي هنا: كيف عرف أن الزرقاوي لم يسأل فقيهاً مثل القرضاوي أو غيره الذين يبيحون مثل هذه العمليات ؟)] ، فمن هو القرضاوي حتى يصبح مرجعاً للأمة ، وهل المسلمون ساذجون لهذه الدرجة ؟! درجة أن يتم تلميع شخص عبر الفضائيات ليصبح هو مرجعاً للأمة ! وهل أفتقر المسلمون من أهل السنة لوجود الفقهاء لدرجة أن تختار لهم قناة الجزيرة فقيهاً لهم !

وأما القول العجيب للدكتور النجار : [(ما هي الأسباب التي جعلت فتوى ابن تيمية متعلقة بمرحلتها الزمنية وفتاوى الشيعة منذ القرن السابع فتاوى معمول بها ؟)] ، فهو من غريب ما كتبه ومن غريب ماتحكّم به ، فكأن الدكتور كامل النجار لا يعيش في عصرنا ، لا يعرف أن باب الإجتهاد مفتوح عند الشيعة طيلة القرون الماضية ،  ألا يعلم الدكتور كامل النجار أن الغالبية العظمى من الشيعة لا يرجعون في فقههم وأحكامهم الشرعية إلا لفقيه حي ، وهذا من أهم أسباب الحيوية في المذهب الشيعي. فكيف ينسبهم إذن للعمل بفتاوى القرن السابع !؟

وقال الدكتور النجار : [(وحتى من الشيعة فهناك مقتدى الصدر وجماعته الذين يؤمنون بالعمليات الاستشهادية)] ، وهي ليست أول اخطاء الدكتور النجار ، فنحن نرى أنه من غير الممكن للدكتور النجار ان يأتي بنص واحد عن السيد مقتدى الصدر يبيح فيه لجماعته العمليات الإستشهادية ، ومن غير الممكن للدكتور النجار أن يذكر عملية إستشهادية واحدة فقط قامت بها جماعة السيد مقتدى الصدر. فكيف إذن ينسبهم للـ "إيمان" بالعمليات الإستشهادية وهم لم يقترفوها أبداً ولم يصرحوا أبداً في تأييدها.

وعلى فرض أن جماعة السيد مقتدى يؤمنون بالعمليات الإستشهادية فهذا لا يعطي الشرعية لـ "إيمانهم" المذكور ، لأن السيد مقتدى ليس بفقيه ، وهو نفسه لم يدّعٍ في يوم من الأيام أنه فقيه وأن فتاواه ملزمه لأتباعه ! فلماذا نحمل السيد مقتدى أكثر مما يحتمل وأكثر مما يعلن من مسؤولية ؟!

وقال النجار : [(وأنا لم أقدم أي فتاوى، لا من السنة ولا من الشيعة في مقالي، وإنما قدمت الأحاديث والآيات القرآنية لأثبت أن الإسلام يبيح ويشجع على حماية الثغور وعلى الجهاد ونصرة إخوانهم المسلمين في أي مكان كان)] ، أن أدعاءه أنه لم يقدم [(أي فتاوى، لا من السنة ولا من الشيعة في مقالي)] هو أدعاء عجيب لأنه هو نفسه قد ذكر في أثناء مقاله انه يستند لكتاب (الفتاوي الندية في العمليات الاستشهادية) وقبل ذلك ذكر فتاوى مأخوذة من كتاب المغني لأبن قدامة وأحكام القرآن للجصاص وزاد المعاد لأبن قيم الجوزية ، أليست هذه كتب تحوي على فتاوى لفقهاء ينتمون لمذهب أهل السنة فكيف يدّعي الدكتور النجار أنه لم يقدم أي فتاوى لا من السنة ولا من الشيعة !!! فلِمَ الإنكار ؟!

واما قول الدكتور النجار : [(ونقول للسيد الكرخي إن رأيه عن الخوارج هو رأي الفقهاء الذين عاصروهم وقالوا بهذا القول، ولكن هناك من دافع عنهم ووصفهم بالرجال الذين تمسكوا بأصل الإسلام)] ، فلم نجد من يدافع عن الخوارج إلا وهو يريد طعناً في الإسلام ، وإلا فلم نقرأ لمنصف من غير المسلمين من يدافع عن الخوارج وقد حملوا السلاح وقطعوا الطريق وبقروا بطون النساء. وهناك من يدافع حتى عن الشيطان فهل يعني ذلك أن الشيطان أصبح هو صاحب الحق ، ومن الطبيعي ان تكون أي فرقة هي صاحبة الحق من وجهة نظرها ، فلذلك لا يمكن الإستناد إلى رأي الخوارج في تصحيح فعل الخوارج كما فعل الدكتور النجار بقوله : [(فالطريق الحق في نظرهم هو الطريق الذي اتبعوه هم)] ، فقوله هذا هو كمن يقول : (فالطريق الحق في نظر كامل النجار هو الطريق الذي أتبعه كامل النجار) فأي فائدة أو إضافة جديدة في هذا القول ؟!!!

والخوارج الذين يحاول الدكتور كامل النجار الدفاع عنهم قد ورد وصفهم في الحديث الشريف بأنهم كلاب أهل النار ، كما في المغني لأبن قدامة ج10 ص52 ، ومسند احمد بن حنبل ج4 ص355 ، وسنن أبن ماجة ج1 ص61 ، والمستدرك ج3 ص571 ، والمعجم الكبير للطبراني ج8 ص270 ، وغيرها كثير من مصادر الحديث.

وحين قلنا (لقد وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأمة الإسلامية دليلاً لنجاتها من أهل الضلال الذين يضلون الأمة بفتاواهم الخاطئة كأبن لادن والزرقاوي والقرضاوي وغيرهم من أهل السوء ، وذلك بأن أرشد الأمة للتمسك بالثقلين للنجاة من الضلال) ، ثم ذكرنا حديث الثقلين وحديث السفينة وأسندناهما إلى مصادر أهل السنة ، وبيّنا أن أخطاء فقهاء أهل السنة هي اخطاء أصيلة في مذهبهم لعدم تمسكهم بالثقلين وهي التي هيّأت الأرضية لولادة فكر منحرف كفكر القرضاوي وأبن لادن وإجرام كأجرام الزرقاوي ، وإذا بالدكتور النجار يقول : [(وكل هذه الفقرة لا دخل لها بموضوعنا عن حماية الثغور والجهاد، إنما هي توكيد لحديث الغدير الذي يكذبه الغالبية العظمى من السنة وهم غالبة المسلمين)] ، فإذا كان بيان خطأ إتباع فقهاء يضلون الأمة بفتاوى خاطئة عن الجهاد هو أمر غير مهم فما هو المهم إذن هل المهم من وجهة نظر النجار أن يساء للإسلام بأي ذريعة حتى لو كانت وهمية !؟

ثم ان الدكتور النجار قد أدعى أن الغالبية العظمى من المسلمين السنة يكذبون حديث الغدير وهذا غير صحيح ، لأن كتب السنة تحوي على عشرات الروايات من حديث الغدير ، والمشكلة الرئيسية بين الشيعة والسنة هو في تفسير معنى الحديث المذكور ومضمونه لا في أصل وجوده ، وإنْ وُجِدَ من اهل السنة من ينكر وجود حديث الغدير فهو من باب إنكار الواضحات ـ كإنكار الشمس في وضح النهار ـ بعد أن تواتر نقله في مصادر أهل السنة أنفسهم . ثم أننا نقلنا حديث الثقلين وحديث السفينة من كتب اهل السنة ، من مستدرك الحكم ومسند أبن حنبل ، فلم يكن يجدر به أن يغيب عنه هذا الأمر حين أدعى تكذيب اهل السنة لحديث الغدير.

وقال الدكتور النجار: [(وهو يعلم كذلك أن الجهاد نوعان: جهاد الدفع وهو جهاد العدو الذي يحتل أرض المسلمين، وهو فرض عين ولا خلاف لنا عليه، ولكن النوع الثاني، الجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام وحتى يكون الدين عند الله الإسلام، هو الجهاد المعترض عليه، وهو للأسف نوع الجهاد الذي قام عليه الإسلام. وهو الجهاد الذي يعتمد عليه الفقهاء في ملئ أدمغة الشباب الحائر بالتضحية بأنفسهم من أجل الاستمتاع بحوريات الجنة. وهذا هو الجهاد الذي نطالب بإبطاله، كما نطالب بإبطال قطع يد السارق وجعله عالة على المجتمع، بدل تدريبه على حرفة يستطيع أن يعول نفسه بها)] ، لقد أخطأ الدكتور النجار في التشخيص ، وعلامات خطأه ظاهرة في هذا النص ، فالفقهاء الذين أشار إليهم بأنهم يملؤون أدمغة الشباب الحائر ... إلخ إنما هو من نوع الجهاد دفاعاً عن الإسلام من الهجمات الصليبية التي تتكالب عليه. والذين يقومون بتفجير أنفسهم إنما يفعلون ذلك بما يتوهمون بأن الإسلام في خطر وأنه مهدد بالفناء ما لم يلجأوا لهذا الأسلوب الإرهابي ، فالموضوع لا يتعلق بالجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام ، لأن الأمة الإسلامية اليوم قد بلغت من الضعف مبلغاً يمنعها من التفكير في إضعاف الدول التي تقف عائقاً أمام نشر الإسلام.

وأما ما ذكره الدكتور النجار حول مطالبته بإبطال الجهاد في سبيل الله ، وإبطال قطع يد السارق ، حتى يبقى يسرق المجتمع بدلاً من أن يصبح عالة عليه ، فهذا أفضل من وجهة نظر الدكتور النجار !؟

ويظن الدكتور النجار أن السارق حينما يرتكب جريمة السرقة فإنما يفعل ذلك لأنه لا يملك حرفة يستطيع أن يعول بها نفسه ، وهو خطأ آخر ، لأن معظم السرّاق لا يرتدعون عن السرقة ، وعدم وجود فرصة عمل وإنتشار البطالة لا تسوّغ السرقة.

فلو أفترضنا جدلاً ان ما ذكره الدكتور النجار من علاقة بين السرقة والبطالة هي علاقة صحيحة وبناءاً عليها يجب منع تشريع قطع اليد إلى أن يتم توفير فرص مناسبة لكافة الشعب ، فمن نفس هذا المنطلق نقول أنه يجب ان يتم الإمتناع عن عقاب السارق حتى بالسجن أو الحجز ، لأن السبب الذي من أجله تم منع تطبيق عقوبة قطع اليد وهو سبب البطالة فهو نفس السبب الذي يجب من أجله الإمتناع عن عقوبة السجن للسارق !!؟

وقال الدكتور النجار : [(الحكومات يا سيد الكرخي، لها كل السلطة ، بل يجب عليها أن تشرف على مناهج التعليم وتقفل كل المدارس التي لا تلتزم بمناهج التعليم المتفق عليها، وإلا أصبح التعليم في الدولة كلحمة الرأس)] ، غير أن الدكتور النجار لم يبين المصادر التي أستندت عليها الحكومة في الحصول على حق الإشراف على المناهج ، طبعاً نحن نتحدث عن دولة ذات نظام ديمقراطي تكون الحكومـة فيها ممثلة لإرادة الشعب ، ومع ذلك يريدهـا الدكتور النجار أن تضطهده ؟!

فالنموذج الذي يطرحه الدكتور النجار يصلح في الدول ذات الأقلية المسلمة ، حيث يمكن للحكومة الديمقراطية أن تضطهد الأقلية المسلمة إستناداً إلى النظام الديمقراطي ، كما حدث في فرنسا والنرويج وغيرها ، وأما في الدول الإسلامية التي يشكل الشعب المسلم الغالبية فيها فلا يمكن لحكومة ديمقراطية أن تضطهد الشعب الذي أنتخبها فتمنعه حقوقه الدينية ؟! ولذلك لم يبقَ أمام الحكومات الغربية سوى أن تساند الحكومات الدكتاتورية.

إنَّ هذا النص الذي ذكره الدكتور النجار هو نموذج على الدكتاتورية العلمانية الجديدة ، والتي تطرقنا إلى الكلام حولها في مقالٍ سابق.

وقال الدكتور النجار : [(فلو أراد ناظر إحدى المدارس في الكوفة أن يعلم تلاميذه الماركسية، فسوف تفصله المرجعية عن عمله في لحظة.)] ، فهذا النص يحتمل أن تكون الدولة القائمة هي دولة دينية وحينئذٍ فإنَّ فصل الناظر المذكور لن يكون بسبب تدريسه للماركسية بل بسبب خروجه عن المنهج المقرر للطلاب والمعد من قبل السلطات التربوية في وزارة التربية ، فلماذا يريد الدكتور النجار أن يحرض المدرسين على مخالفة القانون وتدريس مواد غير مقررة في المنهج ؟!

 وقال الدكتور النجار : [(أما فصل الدين عن الدولة فلا دخل له بالتعليم. عندما ينفصل الدين عن الدولة، فالدولة سوف تستشير فقهاء الدين في الأمور الدينية التي يستحسن تدريسها، وسوف تجري مناقشات بين الدولة والسلطات الدينية إلى أن يتفقوا على المنهج، وبعد ذلك يعمم المنهج على جميع المدارس ولا تسمح الدولة لأي مدرسة أن تُدرّس غير هذا المنهج. أما تقرير وزارة الخارجية الأمريكية فيتحدث عن النظم التوتاليتارية أي الديكتاتورية التي لا تسمع لا من العلمانيين ولا من رجال الدين، ونحن نتحدث عن نظام ديمقراطي تنفصل فيه الكنيسة أو الجامع عن الدولة)] ، صورة وردية يقدمها الدكتور النجار حول علاقة الدولة بالفقهاء ، فيصورها بأنها علاقة قائمة على الحوار وتبادل الآراء حتى يتفقوا على المنهج الذي يجب ان يدرسوه !!

والملفت للنظر قول الدكتور كامل النجار : [(ولا تسمح الدولة لأي مدرسة أن تُدرّس غير هذا المنهج)] ، فلماذا يعطي الدكتور كامل النجار للدولة العلمانية الحق في عدم تدريس مناهج مخالفة لما تقرره ، ويمنع نفس هذا الحق عن الدولة الدينية كما ذكرنا قبل قليل ؟!

  

مقالات ذات صلة :

·  هل للزرقاوي سندٌ من الكتاب والسنة؟ ـ الدكتور كامل النجار.

http://www.alitijahalakhar.com/archive/236/out_of_theway.htm

 ·  ليس للزرقاوي سندٌ من الكتابِ والسُنّة ـ نبيـل الكرخي.

http://kitabat.com/alkarki_54.htm

 ·  للزرقاوي سندٌ من الكتاب والسنة - تعقيباً على نبيل الكرخي ـ للدكتور كامل النجار.

http://kitabat.com/i8548.htm

 

 ·  الإنتشار السلمي للإسلام في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ـ نبيـل الكرخي.

http://kitabat.com/alkarki_28.htm

 ·  الدكتاتورية العلمانية الجديدة ـ نبيـل الكرخي.

http://kitabat.com/alkarki_36.htm

 

الصفحة الرئيسية