بسم الله الرحمن الرحيم

خطأ الربط بين الدين والعنف

نبيـل الكرخي

هل يرتبط العنف بالدين أم هو حالة مصاحبة للبشرية في كافة أطوارها وإتجاهاتها ؟

ذهب الدكتور كامل النجار في مقاله الأخير المنشور في موقع كتابات في 9 / 4 / 2005م والموسوم (ألم نقل إن الدين والعنف صِنوان ؟) إلى الإرتباط بين العنف والدين بإعتبار أن الأديان هي مصدر العنف !؟

ومن الواضح عدم جدية هذه الفكرة ، فالعنف الستاليني في الإتحاد السوفيتي لم يكن منبعه الدين والمذابح النازية وما خلفته من حروب عالمية لم يكن منبعها الدين ، وفي بلدي العراق نجد أن مذابح الموصل وكركوك سنة 1959م قد نبعت من الشيوعية ـ وهي فكر إلحادي ـ ولم تكن لها صلة بالدين ، وكذلك مذابح الحرس القومي سنة 1963م والعنف الثوري الذي مارسه البعث الحاكم بعد إنقلاب 1968م والإعدامات والإعتقالات والتهجير لمختلف أطياف الشعب العراقي وجريمة حلبجة ومذابح الأنفال سنة1988م والمقابر الجماعية سنة 1991م لم يكن منبعها الدين بل كان منبعها الفكر القومي ، وكذلك في مختلف دول العالم نجد نماذج متعددة من عنف ثوري وعنف سياسي تمارسه السلطات الحاكمة تجاه شعوبها بذرائع شتى ، ولم يكن منبع ذلك كله الدين. وحتى العنف المنزلي المنتشر في الغرب والشرق لا ينبع من الدين ولا يقتصر على مجتمع معين ، فليس صحيحاً ما قيل بأن الدين هو منبع العنف ، مطلقاً.

وأما إستشهاد الدكتور النجار باليهود المتطرفين وبعض نصوص التوراة الحالية للدلالة على فكرته فهو أمر غير صحيح نظراً لمقدمة نعرفها جيداً وذكرناها كثيراً في مقالاتنا السابقة وهي أن الدين اليهودي هو دين قد أصابه التحريف وأن التوراة الحالية قد لحقها التحريف فلا يمكن الجزم بصدور الكثير من نصوصها عن الله جلَّ وعلا. والنصوص التي ذكرها الدكتور النجار في مقاله المذكور والتي أستلها من التوراة الحالية ما هي إلا نتاج التحريف وإعادة كتابة التوراة الذي حصل بعد السبي البابلي ، فالمشكلة ليست في دين الله عزَّ وجل بل في الأيادي التي تمتد لتحريفه.

وأما بخصوص الإسلام فقد ربط الدكتور كامل النجار بين العنف وبين الايات القرآنية التي تدعوا للقتال ، فهل أن كل قتال هو عنف مرفوض ! أليس القتال دفاعاً عن النفس أمراً مشروعاً يحكم به العقلاء بغض النظر عن معتقدهم ؟!

ففي الإسلام ، نجد أن الصبغة الأساسية له هي الحوار والنقاش وطرح الحجة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، هذه هي السمة الغالبة على الإسلام ، فقال تعالى (( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) ، وقال تعالى : (( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ))  ، وقال سبحانه : (( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )) ، وقال عزَّ وجل : (( ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين )).

وكذلك نجد الإسلام يحث المسلمين على الصبر في المجتمعات التي يعيشون فيها ، فقال تعالى : (( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد)) ، إلى قوله تعالى : (( لكم دينكم ولي دين ))،  وقال تعالى : (( واصبر على ما يقولون )) ، وقال تعالى : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة )) ، وقال سبحانه وتعالى : (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ان الله على كل شئ قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة )).

ثم نجد في الإسلام أمراً بالقتال ، ولكن قتال منْ ؟ إنَّه قتال ولكنه ليس قتالاً لغرض الإبادة العرقية أو القتل العشوائي أو تعصب أعمى ـ كما هو حال الملحدين والخارجين عن الإسلام ـ بل هو قتال دفاعي عن الإسلام 

فقوله تعالى : (( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله )) ، يمثل قتالاً يدافع به المسلمون عن أنفسهم ، أليس الدفاع عن النفس ودفع العدو من الفطرة الإنسانية ؟

وقوله تعالى : (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما تعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم المولى ونعم النصير )) 

وكذا قوله تعالى : (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ))

وقوله تعالى : (( قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ))

كلها تصب في هذا الإتجاه.

ثم جاء الأمر بالقتال لإعلاء كلمة الله سبحانه ، فقوله تعالى : (( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون )) ، فالمراد منها هو إظهار الإسلام وإعلاء كلمة الحق على ما سواها ، فقتال أهل الكتاب يتوقف عند إعطاء الجزية للدولة الإسلامية ، وفي هذا نوع من الخضوع لدين الله سبحانه. إنه النظام العالمي الإلهي وليس النظام العالمي الأمريكي ، هذا النظام الإلهي يفتح بابه للإنسانية كلها ، نظام ليس فيه تفضيل لقوم على قوم أو لشعب على شعب ، نظام تصبح الإنسانية كلها فيه متساوية في الحقوق والواجبات بمجرد ان تعود لفطرتها وتعتنق دين ربها وخالقها ، ومن يرفض هذا الدين من اهل الكتاب فلا ضير في ذلك من ناحية الحفاظ على هذا النظام الإلهي ما دام ملتزماً بالخضوع لهذا النظام ، ودليل إلتزامه هو دفع ضريبة مالية له.

والإسلام حين جاء بهذا النظام العالمي الفطري العادل فهو لم يدع أمر إنشائه لكل من يرغب في ذلك ، فيصبح الأمر فوضى وينبري المسلمون في اماكن متعددة من العالم للمطالبة بقتال أهل الكتاب في داخل مجتمعاتهم أو خارجها لكي يعطوا الضريبة المالية (الجزية) ، كلا فالأمر ليس هكذا والإسلام لا يدعوا للفوضى ، فهذا النظام الإلهي قد وضع له موجده ومنظمه ـ وهو الله سبحانه وتعالى ـ قائداً ورئيساً يتزعمه وهو الإمام المعصوم عليه السلام ، فهو الوحيد من له الحق في القتال الهجومي وإنشاء النظام العالمي الإلهي ، هذا الإمام المعصوم الذي سُلِبَ حقه في إنشاء ذلك النظام العالمي الإلهي بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما جرى في السقيفة من إتفاق ـ تلك الأحداث المؤلمة التي نعيش هذه الإيام ذكراها ـ فما دام أمر إقامة ذلك النظام الإلهي متوقف على وجود إمام معصوم ، فليس لأحد من عامة المسلمين أن يدعوا لقتال أهل الكتاب وحربهم.

وأما بخصوص الشبهات التي يروجها اعداء الإسلام من أنَّ الإسلام إنما أنتشر بالقتال والسيف ، فليس الأمر كذلك لأن القتال في الفتوحات الإسلامية إنما كان لأجل القضاء على الدول الظالمة التي تقف عائقاً بوجه إنتشار الإسلام والدعوة إليه ، وفي هذا الصدد يقول السيد حسن بحر العلوم في كتابه (مجتمع اللاعنف) : (وبهذا يتضح أن مفهوم العنف بما يشمل عليه من عناصر الإكراه والإعتداء بعيد كل البعد عن الجهاد الذي يعني نزع سيادة الطواغيت في الأرض وإقرار سيادة التوحيد في حياة البشرية ، فليست المسألة مسألة فرض الإسلام على احد وإنما مسألة أن يكون زمام الحضارة بيد الله تعالى لا بأيدي الطواغيت ، ولذا يكتفي الجهاد من أهل الكتاب بإعطاء الجزية ، ومن غير أهل الكتاب بإبراز الشهادتين وإنْ كان إبرازاً لفظياً فقط ، والإكتفاء بهذا المقدار الشكلي يدل على أن الجهاد هو تأمين سيادة التوحيد وليس فرض الإسلام على من لايعتقدون به) ، ونضيف لهذا النص أن غير أهل الكتاب (أي المشركين) إذا لم يعتنقوا ولم يتلفظوا بالشهادتين بل إذا اعتنقوا إحدى الديانات السماوية فكذلك يقبلهم الإسلام ما داموا يدفعون الجزية ، وفي ذلك دلالة على صحة ما ذكرناه من أن مبتغى الإسلام هو أن تكون "زمام الحضارة بيد الله تعالى لا بأيدي الطواغيت".

 إننا إذا أردنا أن نصل لحلول صحيحة لمشكلة العنف فعلينا أن نكون مخلصين في معرفة الأسباب الحقيقية التي تدفع للعنف وتشخيص مصادر العنف والأطر التي يظهر بها للمجتمع.

فعلى سبيل المثال ذكر أحد التقارير أن العنف المنزلي في بريطانيا يكلف الخزينة 23 مليار أسترليني سنوياً ولا نتصور أن لتعاليم الإسلام أو المسيحية علاقة بهذا الأمر بل هناك أسباب إجتماعية ونفسية يجب دراستها من قبل المختصين للخروج بعلاجات ناجعة لهذه المشكلة.

فالدراسة الصحيحة لمنابع العنف هي التي توفر أساليب صحيحة لتجفيفها وليس إتهام الأديان وتشويه رسالتها الإنسانية بدون وجه حق.

 

الصفحة الرئيسية