بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام بين الناقدين والمسيئين

نبيـل الكرخي

لا شك بان هناك حداً فاصلاً بين النقد والإساءة ، وحين تطرقنا إلى هذه المسألة في مقال سابق منتقدين أسلوب الدكتور كامل النجار في تناول المواضيع الإسلامية والإساءة للإسلام ، نجد أن الدكتور النجار قد أعترض على مقالنا ودافع عن كتاباته بانها لا تمت للإساءة بصلة إنما هو مجرد نقد لرؤية يراها للإسلام ! والملفت للنظر أن الدكتور النجار يتبع أسلوبين متناقضين في كتاباته ، الأسلوب الأول هو الأسلوب البحثي المستند للمصادر لا سيما حين يريد تعريف أمرٍ ما ، فنجده يستخدم القواميس والمصادر المعتبرة لتعريف امر ما كما فعل في مقاله الأخير حين أستخدم قاموس المنجد لتعريف "النقد" ، وهذا الأسلوب هو إنتقائي التطبيق أي ان الدكتور كامل النجار يلجأ إليه حين تكون هناك مصلحة عنده لإستخدامه. أما الأسلوب الثاني المناقض لأسلوبه الأول فهو تجاهله كلياً لأسلوب البحث العلمي لاسيما أهمية تدقيق الروايات التأريخية من حيث السند على أقل تقدير ، ومعارضة الروايات بعضها مع البعض الآخر من أجل الوصول إلى أعلى نسبة من الحقيقة التي تتضمنها الروايات المتفقة والمختلفة ، وهو أسلوب البحث العلمي المتبع عند الباحثين ، ولكن الدكتور النجار يبتعد كثيراً عن هذا الأسلوب ويتجاهله لأنه لا يخدم هدفه ، وكما شاهد القاريء الكريم من خلال المقالات العديدة التي كتبناها تعقيباً على العديد من مقالات الدكتور كامل النجار ، فإنَّ الدكتور النجار غالباً ما يستخدم روايات ضعيفة وغير معتبرة ويبني عليها أفكاره ولذلك يصل إلى نتائج غير مرضية للحقيقة وبعيدة عنها ، بل والدكتور النجار يشير في مقاله الأخير لرفضه تدقيق أسانيد الروايات التأريخية فيقول : [(ثم انتقل السيد الكرخي  إلى المقولة المشهورة في كل ما لا يوافق مقولة الإسلام: تضعيف الراوي وبأنه لا يُوثق به)] ، فما ذنب الإسلام إذا كانت الروايات التي تشوه صورته هي روايات ضعيفة ، وهل علينا أن نقبل بالروايات الضعيفة من أجل عيون الملحدين وأعداء الإسلام لكي نكون "أكثر إنفتاحاً على الآخر" و"أكثر ديمقراطية" !! فإذا لم يكن لدى الملحدين وأعداء الإسلام سوى الإستناد إلى روايات ضعيفة ليطعنوا الإسلام من خلالها ويحاولون تشويه صورته ، فهذا يدل على أن هناك خللاً في منهجهم لأنهم بدلاً من أن يلتفتوا لكون الإسلام مستند لأدلة معتبرة وحقيقية وأن أدلة الطعن فيه وتشويهه هي ادلة ضعيفة فإنهم يلجأون لأنكار الخضوع لمناهج البحث العلمي وتجاهله لكيلا يعترفوا بتقصيرهم وإبتعادهم عن الدين الحق.

 وأضاف الدكتور كامل النجار فكرة مدهشة فقال : [(ومحمد بن اسحق لم يكن قد روى حديثاً هنا إنما روى قصة. وابن إسحق هذا كان أول من كتب السيرة النبوية ونقل عنه ابن هشام وابن كثير وغيرهم. وإذا كانت روايته غير موثوق بها فليس هناك أي سيرة نبوية موثوق بها)] ، ولا نعلم ماذا يقصد الدكتور النجار بان محمد بن إسحاق قد روى قصةً وليس حديثاً ، فهل هذا يعني أن رواية القصص تكون مقبولة بلا سند صحيح !! وهل يريد الدكتور كامل النجار من المسلمين ان يتخلو عن دينهم من أجل "قصص" ليس لها مصداقية ؟!

وأما ما نقلناه عن الدكتور كامل النجار من قوله أنه إذا كانت رواية محمد بن إسحاق غير موثوق بها فهذا يعني أن المسلمين لن يكون لديهم سيرة نبوية فهو كلام بعيد عن الصحة ، لأن كتب المسلمين المعتبرة لديهم مليئة بالأحاديث عن السيرة النبوية بتفاصيلها المختلفة وليس في أسانيدها محمد بن إسحاق ، وإذا كان محمد بن إسحاق قد تفرد بكونه أول من كتب كتاباً عن السيرة النبوية ـ على فرض صحة هذا الأمر ـ فإنَّ هذا لا يعني عدم وجود سيرة نبوية عند غيره من الرواة في الصحاح والسنن المعتبرة عند المسلمين.

وتحدث الدكتور كامل النجار عن التوحيد وطرح فكرته القائلة بأن الإنسانية لم تستفد شيئاً من التوحيد فقال ما نصه : [(وهناك من يقول إن فكرة التوحيد نفسها لم تفد البشرية بشئ، إذ أن الإغريق الذين عبدوا آلهة متعددة في معبد " ديلفي " على جبل الأكربول أو الأولمب، كانوا قد تعرفوا على كل الفضائل والرذائل التي حثت عليها أو حذرت منها الديانات السماوية فيما بعد. وعرب ما قبل الإسلام الذين كانت لهم عدة أصنام في الكعبة قد كانت لهم قيم جميلة ذكرها الشعراء أمثال حاتم الطائي وعنترة بن شدا في أشعارهم، واحتفظ الإسلام بأكثرها. وهؤلاء العرب لم يتقاتلوا يوماً باسم أصنامهم كما تقاتل الناس باسم الله منذ ظهور الأديان السماوية. وكذلك لم نسمع أن البوذيين والهندوس وغيرهم قد تقاتلوا باسم معبوداتهم. ففكرة التوحيد المجردة لم تفد البشرية بشئ وليس هناك ما يفيد من محاولة مناقشة أي فكر توحيدي أعلى من الآخر)] ، من الضروري أن نبين أنَّ التوحيد هو عقيدة يعتقدها الإنسان ، وهي ليست عقيدة منفردة بل هي عقيدة مرتبطة بمجموعة عقائد أخرى تعاضدها هي عدل الخالق جلّ وعلا والنبوة والإمامة والمعاد ، فهذه منظومة متكاملة لعقيدة المسلم والتي يشكل التوحيد جزءاً مهماً منها.  أما ربطه بعدم الفائدة من التوحيد بمعرفة الاغريق الوثنيين كل الفضائل والرذائل ، فهي دعوى بحاجة للمناقشة من عدة جهات :

الأولى : الحاجة إلى إثبات دعوى معرفة الوثنيين الأغريق "كل" الفضائل والرذائل على حد تعبيره ، نعم هم قد يعرفون بعض الفضائل والرذائل.

الثانية : إنَّ معرفة الأغريق للفضائل والرذائل لا يعني عدم جدوى التوحيد  ، إذ لا رابط بينها ، فمعرفة الفضائل والرذائل هي أمور مصدرها العقل ، فضلاً عن كون الرسائل السماوية مصدراً مهماً وأساسياً لمعرفتها ، فالعقل يحكم بحسن الصدق وقبح الكذب ، بحسن الزواج وبناء الأسرة وقبح الزنى ، بحسن العمل وقبح السرقة ، ولذلك نجد بعض الوثنيين وغيرهم يحكمون بذلك بدون أن يكونوا موحدين ، وهذا هو منهج الشيعة الأمامية في القول بالحسن والقبح العقليين.

ولكن هل يكفي عقل بعض الحكماء لتمييز الحسن والقبيح ، ونحن نعلم أنَّ المجتمعات الوثنية تشيع فيها الفاحشة من شربٍ للخمر والزنى والدعارة والغيبة ومجالس اللهو والفسق ..إلخ ، فهذه المعاصي تحجب عقل الإنسان وضميره عن تمييز الحسن والقبيح ، فكان من الضروري إرسال الأنبياء منذرين ومبشرين ، ليقوموا بتقويم تلك المجتمعات وإعادتها إلى فطرتها وضميرها الإنساني.

ومن جانب آخر فإنَّ معظم المجتمعات الوثنية وغيرها تكون خاضعة للحكام الظالمين الذين لا يهمهم أمر سوى حفظ سلطانهم ، ولذلك تجدهم لا يتورعون عن ضرب الفضائل ومنعها وإشاعة الرذائل والحث على نشرها طلباً لبقاء سلطانهم وديمومة حكمهم ، فكانت الرسالات السماوية والإسلامية منها خاصة حريصة على نشر القيم والأخلاق الفاضلة في المجتمع بالإستناد إلى التوحيد الذي يكسر كل خضوع سوى الخضوع لله عزَّ وجل ، فلا سلطان إلا سلطان الإسلام ، وبذلك يكون التوحيد صمام أمان للشعوب المستضعفة لرفض كل الحكومات الظالمة ومن ثم نشر الفضائل وترك الرذائل. 

 والتوحيد أيضاً يربط المخلوق بالخالق جلَّ وعلا ، ومن خلال هذا الإرتباط يلتزم المخلوق بالعمل بالأحكام الشرعية التي وضعها الخالق جلَّ شأنه له ، وهي الأحكام الشرعية المبنية على علل قد تكون معلومة للإنسان في أحيان قليلة جداً وتكون مجهولة له في أحيان كثيرة ، أحكام شرعية فيها سعادة الإنسان من خلال إلتزامه بها وإنْ جهل علَّتها وعلة صدورها ، لأنها مبنية على حكمة الخالق التي لا تعلو عليها حكمة ، فهذه الأحكام الشرعية توفر للإنسان نظام إجتماعي متكامل يضمن له كفرد وللمجموع كمجتمع العيش في إنتظام وسعادة ، هذا النظام الإجتماعي هو الذي يوجه المجتمع نحو الفضائل ويحث على التمسك بها ويحذر من الرذائل ويعاقب المرتكب لها ، فأي خرق للنظام الإجتماعي سيواجه بمنظومة من الأحكام الشرعية التي تحافظ على المجتمع وسلامته ، وهذه الأحكام الشرعية هي ثمرة من ثمار التوحيد والإيمان به. فالوثنيون الذين قد يعرفون حسن الحفاظ على الأمانة وقبح السرقة ، ولكنهم لا يمتلكون منظومة قوانين تصلح أن تحافظ على المجتمع أو علاجه من الأمراض التي قد تصيبه ، نعم هم قد يضعون أحكاماً من تلقاء انفسهم ، أحكاماً يظنون صلاحها ، ولكن أحكامهم هذه تلحظ بعض المصالح وتخفى عليها الكثير من المصالح والمفاسد الأخرى المرتبطة بها ، وبذلك يكون جهلهم بها سبباً لأمراض أخرى من حيث لا يعلمون ، بخلاف الأحكام الإسلامية التي تتميز بشمولها لعلاج الأمراض الإجتماعية والحفاظ على المجتمع بدون أي مساويء لأن مصدرها هو الخالق الحكيم جلَّ ثنائه الذي يعلم جميع المصالح والمفاسد ما ظهر منها وما خفي. ولنأخذ مثلاً ، حيث نجد أن المجتمعات التي لا تطبق شريعة الإسلام تقوم بسجن المجرمين كافة في سجون معدة لهم ، فالمجرم المرتكب لجريمة السرقة سوف يتعرف في ذلك السجن على غيره من المجرمين من قتلة ونصابين ومحتالين وتجار مخدرات ، وسوف يتعرف منهم على فنون جرائمهم وأساليبها ، وتصبح السجون مدارس مجانية للجريمة ، فيتخرج المجرم منها بعد قضائه بضع سنين وقد تعلم فنوناً من الإجرام أكثر مما كان يرتكبه في الماضي ، فضلاً عن العلاقات الإجتماعية التي تنشأ مع أقرانه المجرمين ، وبذلك يخشى من السجون أن تكون مدارس حقيقية لتدريس الجريمة وإشاعتها ، بينما في الإسلام هناك حدود فيها العقاب للمجرم والعبرة للمجتمع دون أن يخشى من تلك الحدود أي نتائج ثانوية اخرى ، فقطع يد السارق هي نموذج صحي لعقاب السارق وتحذير كل من تسول له نفسه إرتكاب السرقة ، وبدون المحاذير التي ذكرناها آنفاً بخصوص مدارس الإجرام المجانية في قوانين وأساليب الأنظمة العلمانية.

الثالثة : إنّ فرضية كون بعض المجتمعات الوثنية كالأغريق قد تعرفت على الفضائل والرذائل بدون التوحيد هي فرضية غير تامة لأنها مبنية على الفكرة التي طرحها الدكتور كامل النجار في مقالات سابقة والتي تقول أن الإنسان قد تدرج في ديانته فكان ملحداً ثم آمن بتعدد الآلهة ثم بالتوحيد عبر فترات طويلة من الزمن تمتد لآلاف السنين ! والذي نقوله هو أن الإنسانية أبتدأت بالتوحيد من خلال نبوة آدم عليه السلام ، ثم أنحرفت بعض المجتمعات الإنسانية نحو الشرك وعبادة الأوثان وغيرها ، وبقيت في تلك المجتمعات بقايا موروث ديني تغلغل في تفكيرها ومعتقدها ـ من خلال الأنبياء المبعوثين لها ـ وإنْ شابه بعض الإنحراف الفكري في الأجيال اللاحقة. وتلك البقايا الدينية الفكرية كانت مصدراً مهماً مضافاً لما سبق في معرفة الفضائل والرذائل للمجتمعات الوثنية.

الرابعة : إنَّ التوحيد بالإضافة إلى فوائده الدنيوية فإنَّ له إرتباط بفائدة النجاة في الحياة الآخرة ، وله إرتباط بالحصول على نعيم الآخرة والنجاة من النار ، ففوائد التوحيد عامة في الدنيا والآخرة ، ولا تقتصر على الجوانب الدنيوية فقط.

خامساً : إنَّ التوحيد الذي جاء به الإسلام قد بنى الحضارة الإسلامية التي قدمت خدمات علمية وحضارية جليلة للأمم الأخرى ، فكيف يدعي أحد ما أن التوحيد لم يفد البشرية إلا إذا كان ينكر وجود الحضارة الإسلامية وينكر نتاجها العلمي والفلسفي ، ينكر علوم أبن الهيثم والرازي والطوسي وأبن رشد وأبن سينا والفارابي وجابر بن حيان ، وأبن خلدون والعشرات غيرهم من العلماء المسلمين الذين قدموا للإنسانية خدمات جليلة.

وأما الفكرة التي طرحها الدكتور كامل النجار بقوله أن [(العرب لم يتقاتلوا يوماً باسم أصنامهم كما تقاتل الناس باسم الله منذ ظهور الأديان السماوية)] ، فنحن نريد منه أن يجيبنا هو عن سبب هذا وفقاً لعقيدته الإلحادية ، فهو يؤمن بأن الناس اخترعوا الأديان السماوية وتطوروا لعبادة التوحيد بعد عقيدة الشرك وتعدد الآلهة ، فلماذا كان تطور الإنسان متزامناً مع سعيه للقتال في زمن التطور الفكري والعمراني والحضاري ، في الوقت الذي كان فيه الإنسان عازفاً عن الحرب الدينية حين كان يعبد آلهة متعددة وهي مرتبة أقل تطوراً من مرحلة عبادة التوحيد كما يفهم من مقالات الدكتور كامل النجار ! أي أن الإنسان وهو في مرحلة متطورة يتقهقر لإستخدام العنف بدلاً من الحوار الذي كان يستخدمه وهو في مرحلة متخلفة ! أليس في ذلك تناقضاً مع دعوى تطور الإنسان بإختراعه للأديان السماويـة التي تدعو للقتـال ؟!! ألا يجعل منطق الدكتور كامل النجار من التخلف تقدماً ومن التقدم تخلفاً ؟!!

أما نحن فنقول ، أن القتال ودفع العدوان هو أمر حسن ، فالدفاع عن النفس والمال والعرض هو أمر مشروع وصحيح يحكم به العقلاء ، ومحاربة القوى الطاغية المتغطرسة التي تريد منع الإنسانية من التطور والتقدم ، وتفرض على الإنسانية قوانينها الظالمة التي لا تجلب للإنسان سوى البؤس والشقاء هو أيضاً أمر مشروع وحسن ، فالقتال دفاعاً عن الإنسانية وعن حق الإنسان في العيش بكرامة وحرية هو أمر صحيح وحسن ، وحيث توصلنا إلى أن القتال في بعض جوانبه هو أمر حسن ومشروع فلذلك نجد الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام قد أجازت القتال في نفس تلك الجوانب التي ذكرناها آنفاً. فالعيب والنقص هو في العقائد غير السماوية التي لم تضع حلولاً شاملة لمشاكل الإنسان ، والتي تمنع الإنسان من الدفاع عن نفسه وماله وعرضه ومعتقده ، والتي تمنع الإنسان من دفع الظلم الإجتماعي الذي يلحق بعموم المجتمع. ونذكّر الدكتور النجار بأنّ العرب في الجاهلية الذين يفخر الدكتور النجار بأنهم لم يكونوا يتقاتلون دفاعاً عن عقيدتهم فهم في نفس الوقت كانوا يتقاتلون سنوات طويلة وتسفك دمائهم وترمل نسائهم وييتم أطفالهم من أجل أمور وقضايا سخيفة من قبيل الخسارة في سباق خيل وماشابه.

وتختلط الأوراق على الدكتور النجار حين يناقش موضوع الروح القدس بين الإسلام والمسيحية ، فيقول أن عدم وضوح فكرة الروح القدس هو أمر ليس مقتصر على المسيحية بل هو كذلك في الإسلام أيضاً ، ونحن نذكّر الدكتور النجار بأن الروح القدس يأخذ اهميته القصوى عند المسيحيين من حيث كونه أقنوماً ثالثاً يشكل إلى جانب أقنومين آخرين ذات الإله الذي يعبدوه ، فالمسألة عندهم تتعلق بالتوحيد فهي مسالة مهمة وخطيرة وجهل حقيقة الروح القدس عندهم هو أمر أكثر أهمية وخطورة. أما عند المسلمين فلا يشكل الأمر نفس الأهمية أبداً لأن الأمر لا يتعلق بالتوحيد بل بفهم بعض المعارف القرآنية والتي سعى المفسرون الإسلاميون حثيثاً لتوضيحها وتفسيرها وإنْ أختلفوا في ذلك التفسير ، فلا يصح الخلط بين النظرتين المختلفتين بين الإسلام والمسيحية بخصوص الروح القدس.

وتحدث الدكتور النجار عن موضوع الربا فقال : [(ونقول للسيد الكرخي إن عدم تطبيق النظام اللاربوي في الدول الإسلامية لا يُعد إساءات من قِبل بعض المسلمين، إنما يُعد فشلاً في النظام نفسه. فإذا لم يطبق المسلمون النظام على مدى أربعة عشر قرناً، فهذا يعني أنهم لم يروا فيه مصلحة لهم وراؤوا مصلحتهم في النظام الربوي)] ، فهذا النص فيه مخالفات من جهات عدة ، فمن جهة نجد ان هناك دعوى عدم تطبيق النظام اللاربوي في الإسلام طيلة أربعة عشر قرناً وهو أدعاء واضح الخطأ ، لأن المسلمين في غالبيتهم هم ملتزمون في معاملاتهم التجارية بمنع الربا ، وهذا هو ديدنهم طيلة أربعة عشر قرناً ، وإذا حدثت بعض الخروقات لهذا الأمر من قبل نفر قليل غيرمعتد بعدده وعديده فهذا لا يعني سوى أن أولئك المرتكبين لرذيلة الربا هم عاصون وخارجون عن القانون كما هو حال أي شخص آخر في عصرنا يرتكب مخالفات قانونية.

ومن جهة اخرى فإنَّ هذا النص الذي ذكره الدكتور النجار فيه خروج كامل عن حقيقة الأديان ، لأن الدكتور النجار يريد أن يجعل الناس هم مصدر التشريع ، فما يراه الناس صحيحاً يجب أن يكون هو التشريع حتى وإنْ كانت رؤيتهم مستندة لعوامل الجشع والطمع والإبتعاد عن الفضائل والخضوع للحكام الظالمين الذين تتركز مصالحهم في إنشاء الأنظمة الإقتصادية الربوية طمعاً في تكثير ثروتهم ، فهذا المنطق الذي ينادي به الدكتور النجار نجده بعيد عن الصواب ولا يمكن تقبله.

وحين تحدثنا عن إنّ وجود حالات قليلة ومتفرقة وعشوائية للدفاع عن المظلومين والأرث للنساء ـ على فرض صحة هذه المعلومة ـ لا يغني عن ظهور منظومة إجتماعية متكاملة تعنى بهذاه الأمور وتقننها بحيث تكون جزءاً من حركة المجتمع اليومية ، فرد الدكتور النجار بقوله : [(إذا كانت في الجاهلية بعض حالات إرث النساء، فهذا يعني بداية طيبة كانت لا شك سوف تنتشر بمر الزمن إلى قبائل أخرى حتى تُعم جميع الجزيرة. فكل شئ يبتدئ بشخص واحد ثم ينتشر، كما بدأ الإسلام بمحمد ثم خديجة ثم انتشر، وكما بدأت المسيحية بعيسى ثم انضم إله الحواريون وبالتدريج انتشرت المسيحية. وهكذا يتعلم الناس من بعضهم وينقلون إلى مجتمعاتهم ما يرونه صالحاً)] ، وهنا يبرز خلل آخر في مقولة الدكتور النجار ، فإنتشار أي فكرة صالحة أو طالحة لا يتم إلا بوجود ناشر لها ، فإذا تركنا الأمر على الحركة الطبيعية للمجتمع فسنجد ان هناك من يقومون بالدفاع عن المظلومين وتطبيق قيم الفضيلة وبالمقابل فهناك من يسيئون إلى المظلومين ويصرون على إضطهادهم ، بل وفي الواقع فإنّ المسيئون يلجأون في كثير من الأحيان إلى وسائل غير أخلاقية لتدعيم موقفهم ونشر شرّهم بآلية يانف عنها الخيّرون أصحاب قيم الفضيلة ، وكذلك فإنَّ هناك من يمكن أن يورّث المرأة وفي المقابل فهناك رجال يستبدون بالميراث دون النساء ، لا سيما وهو العنصر الأقوى جسدياً وإجتماعياً ، وبذلك لن تتهيأ الظروف مطلقاً لإنتشار فكرة صالحة بصورة عفوية كما يتمنى الدكتور النجار ، ولعل إنتشار الرذائل من عري وسفور وزنى في المجتمعات الغربية وإنتقالها كالنار في الهشيم إلى بقية المجتمعات هو مثال جيد على الحركة العكسية لإنتشار الرذيلة بدلاً من الفضيلة ، فلا بد من قائد يقود المسيرة الإنسانية للإنتصار للفضيلة. وهكذا فإن ما ذكره الدكتور النجار حول الإنتشار التلقائي للفضيلة هو أمر غير قابل للتحقق نظرياً ولم يتحقق في الواقع بصورة عملية بأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية.

وقال الدكتور النجار : [(إذا كان الإسلام قد جاء بمنظومة اجتماعية متكاملة تخدم الإنسانية وتدافع عن حقوقها، لماذا ظل المسلمون حتى يومنا هذا من أكثر المجتمعات التي ليس بها حقوق للمواطن وتنتشر بها الأمية والفقر أكثر من أي مجنمع آخر. لا شك سوف يقول السيد الكرخي إن الحكام المسلمين لم يطبقوا الإسلام، وهذا يُرجعنا إلى النقطة الأولى: وهي أن الإسلام نظام طوبائي غير قابل للتطبيق في أرض الواقع)] ، فالدكتور النجار قد يعلم أو لا يعلم الهوة الكبيرة التي تفصل المسلمين اليوم عن إسلامهم بسبب المؤامرات التي فرضت عليهم ، وكانت إحدى حلقاتها تآمر أمير مكة الحسين بن علي وتمرده ضد الخلافة العثمانية سنة 1916م وإدخاله القوى الإستعمارية إلى بلاد المسلمين ومروراً بإنقلاب أتاتورك وما جلبه من ويلات على الدولة العثمانية وتركيا التي كانت تمثل قلب العالم الإسلامي ، وحين يقول إنّ الإسلام دين غير قابل للتطبيق فعلينا أن نتوقف ونرى التعاليم التي جاء بها الإسلام وهل أنها طبقت في فترة ما وهل أن نفس تلك التعاليم قد تم تطبيقها من قبل الآخرين ، فإذا تم ذلك فعلاً فلا يبقى إلا أن نسقط مقولة الدكتور النجار ونعتبرها مقولة غير صحيحة بل وعلى جانب كبير من الخطأ والتجني !

فهل يجد الدكتور النجار في الإسلام من دعوة للفضائل كبر الوالدين وصلة الأرحام ورعاية حقوق الجيران وطلب العلم والحث على العمل بل وكافة حقوق الإنسان هي امور غير قابلة للتطبيق ، حسناً ألا نعلم جيداً أن حقوق الإنسان ونشر العلم والحث على التعلم والعمل والنهوض بالواقع الإجتماعي للإنسان هي من المشتركات الإنسانية التي سعت بعض العقائد والإتجاهات الفكرية لتطبيقها ، فإذا كان هناك من طبٌّق هذه القيم فعلاً فمعنى ذلك أن ما جاء به الإسلام هو أمر قابل للتطبيق غاية ما في الأمر أنه لم يتصد في العصور المتأخرة من حكام المسلمين من يعمل على تطبيق الإسلام وقيمه النبيلة الفاضلة ، نتيجة ظروف مرّت على الأمة الإسلامية لا مجال للخوض فيها هنا ، ثم لو رجعنا إلى الفترة التي كانت فيها الدولة الإسلامية تمارس سلطانها في عهد الإمام علي عليه السلام وحتى في العهود التي تلته سنجد الدولة الإسلامية وقد تصدت لرعاية الإنسان إجتماعياً وإقتصادياً ، وحثت على طلب العلم وتوفير فرص العمل ، ونشر الثقافة الإسلامية والإحتكاك بثقافات الأمم المجاورة وإستيراد الكتب منها وترجمتها من أجل الإستفادة من تجارب الأمم الأخرى وتطويعها بقالب إسلامي وظهور العشرات من العلماء المسلمين في مختلف الإتجاهات العلمية والفلسفية والمعرفية والذين قدّموا للإنسانية خدمات جليلة ، فهذه الحركة التي تنبع من الإسلام وقيمه السامية والتي وجدت لها تطبيقاً فعلياً في أرض الواقع هي دليل حقيقي على إمكانية تطبيق الإسلام ، وإسقاط مقولة الدكتور النجار التي وصف بها الإسلام بأنه دين طوبائي.

وحين قلنا في مقالنا السابق : (وأما بخصوص الجانب السياسي ، فكما هو سياق طرحه ، فقد دمج الدكتور كامل النجار بين ما جاء به الإسلام من نظام سياسي وهو نظام الدولة الإسلامية القائمة على أساس الكتاب والعترة الطاهرة ، وبين التطبيقات الخاطئة لمن تولى السلطة من حكام المسلمين سواء في العصر الراشدي أو الأموي أو العباسي أو العثماني ، وحين يتم الخلط بين هذه الإتجاهات ، أي دمج الإتجاه النظري الذي جاء به الإسلام مع الإتجاه التطبيقي المحرف لنظام الدولة كما حدث فعلاً بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وأعتباره أن الإتجاهين إنما يعبران عن حقيقة الإسلام فلا يمكن حينئذٍ أن نصل لنتيجة صحيحة ومنصفة) فرد الدكتور النجار بقوله : [(ففي القوانين الوضعية يحاول الشارع جهده أن يزيل الإبهام من مواد القوانين حتى لا يفتح ثغرات للذين يحاولون تطبيق هذه القوانين بطريقة خطأ. ألا يحق لنا إذاً أن نتوقع من مشرّع في السماء أن يأتي بقوانين ونظم صالحة للتطبيق ويصعب التلاعب بها أو تطبيقها خطأً ؟)] ، فالدكتور النجار من خلال هذا النص الذي ذكره يخلط بين أمرين بين الدستور وبين القوانين التي تكتب بالإستناد إلى مواد الدستور ، فنحن تحدثنا عن دستور إسلامي أنزله الله سبحانه من خلال نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) هذا الدستور أنقلب عليه بعض المتمردين وأعلنوا دستوراً بديلاً عنه وضعوه من تلقاء أنفسهم ، رفضاً من قبلهم للدستور الإسلامي ، وكما هو الحال في الإنقلابات التي تحدث في الكثير من الدول في العصر الحديث ، فهذا الإنقلاب الذي تحدثنا عنه قد حصل في سقيفة بني ساعدة والأحداث التي تلتها بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أما ما تحدث عنه الدكتور النجار حول وجود قوانين يصعب التلاعب بها أو تطبيقها خطأً فهذا الأمر يحدث حين تكون القيادة الشرعية في السلطة والدستور الشرعي نافذ فحينذاك يمكن العمل بالقوانين الإسلامية بصورة لا تقبل الخطأ واللبس ، ولكن حين تأتي قيادات متمردة وتستولي على السلطة وهي لا تفقه شيئاً من أمر القوانين الإسلامية وكيفية تطبيقها ، بل وتأتي بقوانين بديلة من عندها ، قوانين وضعية "بلغة عصرنا" وتلبسها إطاراً إسلامياً مكذوباً ، فلا نتوقع أن يستقيم أمر تطبيق التعاليم الإسلامية ، ولا يصح أن يطالب أحد بتطبيق القوانين الإسلامية من قبل أشخاص لا يفقهون أصلاً تلك القوانين ولا يعلمون بوجودها.

ويقول الدكتور النجار : [(أما قوله إن قريش عبدة الأوثان حاصرت المسلمين اقتصادياً، قول غير صحيح إذ أن قريش قاطعت بني هاشم تجارياً، وهذا من حقهم. فكل شخص له الحق أن يمتنع عن البيع أو الشراء من مكان معين. ولكن لا يملك أي شخص الحق في قطع الطريق ونهب القوافل)] ، فسبحان الله ، فالدكتور النجار يتحدث تارةً عن حقوق الإنسان وتارة أخرى يسلب الإنسان أبسط حقوقه في الحصول على الطعام والملبس من خلال تأييد الدكتور النجار لمقاطعة قريش للمسلمين حتى حوصروا في شعب إبي طالب خارج مكة دون طعام ودون أبسط مقومات الحياة !

وأما العبارة المبهمة التي ذكرها الدكتور النجار من إنكاره الحصار الإقتصادي للمسلمين من قبل قريش وإعترافه بالمقاطعة التجارية فهي عبارة لا نجد فيها سوى التهرب من فعل عدواني مرفوض قامت به قريش ضد المسلمين إبتداءاً مع أن المسلمين لم يكونوا قد جاهروا قريش العداء في تلك الفترة ، وإلا فما هو الفرق في رأي الدكتور النجار بين التعبيرين "الحصار الإقتصادي" و"المقاطعة التجارية" لكي يرفض الأول ويقبل بالثاني !

وأما موضوع قطع الطريق ونهب القوافل فالمسلمون إنما لجأوا إليه لكي يكسروا شوكة الكفر ولكي يصبح الطريق لهم سالكاً لنشر الإسلام بصورة سلمية ، فقتال المسلمين للمشركين إنما يصب في مصلحة تحطيم القوة الإقتصادية والعسكرية لقريش والمتحالفين معها من المشركين والذين يقفون عائقاً امام الدعوة الإسلامية ، ولذلك نجد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد عفا عن كل قريش برغم شركها حين فتح مكة وذلك لأن حربه لها لم تكن حرباً إنتقامية أو من أجل مصالح دنيوية أو نتيجة ثأرات قديمة أو حديثة أو من أجل فرض الدين عليها ، إنما هي حرب من أجل التمكن من نشر الإسلام ، وحين تحطمت قوتهم العسكرية عفى عنهم.

وحين ذكرنا أن المرأة اليهودية التي قتلت في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إنما كان قتلها قصاصاً لأنها كانت قد قتلت رجلاً من المسلمين ، فإذا بالدكتور النجار ينفي هذا الأمر بلا حجة سوى رأيه الشخصي فقال : [(أما قوله إن النبي قتل المرأة اليهودية لأنها قتلت من المسلمين نفراً فقول لا سند له. ولو كانت هذه المرأة قد قتلت من المسلمين نفراً فكان يجب أن ينصبوا لها نصباً تذكارياً إذ أنها كانت أول امرأة تقتل من المسلمين نفراً)] ، فهذا التسرع في إطلاق الأحكام من قبل الدكتور النجار لا يخدم البحث العلمي ، ولا أدري لماذا يرى الدكتور النجار أن قتل المسلم يحتاج لنصب تذكاري !؟ ولماذا أنكر كون المرأة اليهودية قتلت مسلماً مع أني ذكرت له الرواية التي تعترف فيها بفعلتها وقالت فيها : (قالت حدث أحدثته) ، وهي عبارة عربية تدل على وقوع فعل القتل منها ، وإذا كان الدكتور النجار لم يقتنع بأن معنى قولها (حدث أحدثته) هو إقترافها للقتل فنذكر له رواية أخرى تذكر فيها تلك المرأة بنص أكثر وضوحاً حول إقترافها للقتل ، حيث ذكر الصالحي الشامي في كتابه سبل الهدى والرشاد ما نصه : (ولم يقتل من نسائهم الا امرأة واحدة من بني النظير يقال لها نباتة تحت رجل من بني قريظة يقال له الحكم وكان يحبها وتحبه فلما اشتد عليهم الحصار بكت إليه وقالت إنك لمفارقي يقال له الحكم وكان يحبها وتحبه فلما اشتد عليهم الحصار بكت إليه وقالت انك لمفارقي فقال هو التوراة ما ترين فأنت امرأة فدلي عليهم هذه الرحى فإنا لم نقتل منهم أحدا بعد وأنت إمراة وان يظهر محمد علينا فإنه لا يققتل النساء وإنما كره ان تسبى فأحب أن تقتل وكانت في حصن الزبير بن باطا فدلت رحى من فوق الحصن وكان المسلمون ربما جلسوا تحت الحصن يستظلون في بيئته فأطلعت الرحى فلما رآها الفوم آنفضوا وتدرك خلاد بن سويد فتشدح رأسه فحذر المسلمون أهل الحصن فلما كان يوم الذى امر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ان يقتلوا فيه دخلت عائشة - رضي الله عنها - فجعلت تضحك ظهرا لبطن وهي تقول سراة بني قريظة يقتلون إذ سمعت صوت قائل يا نباته قالت انا والله التي أدعى قالت عائشة ولم قالت قتلني زوجي وكانت جارية حلوة الكلام فقالت عائشة وكيف قتلك زوجك قالت في حصن الزبير بن باطا فأمرني فدليت رحى على اصحاب محمد فشدخت رأس رجل منهم فمات وأنا اقتل به فانطلق بها فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتلت بخلاد بن سويد) ، والآن بعد أن ثبت قيام تلك اليهودية بقتل مسلم فما على الدكتور كامل النجار إلا أن يدعو الجهات والمنظمات المعادية للإسلام لينصبوا تمثالاً لها كما ذكر في النص السابق !!!

وفي الختام أذكر النص الذي ختم به الدكتور كامل النجار مقاله المذكور ، حيث قال : [(أن ما كتبته أنا عن د. النابلسي كان لنوضح أن د. النابلسي كان قد ناقض نفسه في مقاله الأخير، ولم نقتبس منه لنثبت أن عرب الجاهلية كانوا يعرفون فلسفة الإغريق)] ، وأمام هذه العبارة أضع أكثر من علامة إستفهام ، إذ أن الدكتور النجار قد ذكر في مقالته المعنونة ( ) ما نصه : [(وأما عن العلم فقد كان عرب ما قبل الإسلام يعملون عقولهم فيما حولهم وبرعوا في علم الفلك والطب وحتى في الترجمة، ويشهد على ذلك د. النابلسي نفسه في كتابه " لو لم يظهر الإسلام ". فقد قال: " وكان لعرب ما قبل الإسلام حركة ترجمة رغم قلة الأخبار عن حركة الترجمة إلا أن بعض المترجمين وترجماتهم استطاعت أن تنفذ من الحصار الثقافي الإسلامي لفترة ما قبل الإسلام، وكان هذا الحصار يعمل جاهداً لإبراز القطيعة الثقافية بين العرب قبل الإسلام وبين الثقافات الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الزمن كالثقافة اليونانية والثقافة السريانية. فجاءنا ذكر ابن حزيم وابن أبي رومية التميمي والحارث بن كلدة الثقفي والنضر بن الحارث، والأخيران كانا من علماء الطب. وقد ترجما كتباً في هذا المجال. وأهل مكة بالذات كانوا على علم باسماء مشاهير حكماء اليونان ومنهم من كان له اتصال ببلاد الثقافة والعلم  إضافة لذلك فقد تمت ترجمة الإنجيل والتوراة إلى اللغة العربية، وورد أن وهب بن منبه وأخاه كانا يستوردان الكتب القديمة من بلاد الشام. وأن اليهود العرب كانوا يقرأون التوراة باللغة العربية. " (ص91). فالعرب قبل الإسلام كانوا يُعملون عقولهم فيما حولهم ويعرفون أدب وفلسفة الإغريق والرومان)] ، فكلامه صريح حين ذكر براعة العرب في الجاهلية في الفلك والطب والترجمة على حد قوله ، ثم أسشهد بنص من كتاب للدكتور شاكر النابلسي تأييداً لفكرته هذه ونقضاً لفكرة أخرى ذكرها الدكتور النابلسي في مقال آخر له ، وحين عقّبنا على نصه هذا بقولنا : (فلا يوجد دليل مقبول على الإدعاءات التي اطلقها الدكتور شاكر النابلسي ومن بعده الدكتور كامل النجار والقائلة بوجود حركة ثقافية عند العرب في الجاهلية تتعلق بالترجمة ومعرفة أهل مكة بأسماء مشاهير حكماء اليونان ومعرفة أدب وفلسفة الأغريق واليونان !!!!!

وبعد هذا كله يظن الدكتور كامل النجار أنه أمتلك الحقائق التي تخوله المطالبة بثورة لكشفها !؟ حقائق وهمية ليس عليها دليل ، فحين نقرأ مقالات الدكتور كامل النجار نجد انفسنا في عالم آخر قريب من قصص وحكايات الخيال العلمي ، حيث يتضح ان هناك حكاياتِ خيالٍ تتعلق بالعرب في الجاهلية محاورها الآتي :

ـ إنتشار لليهودية والمسيحية بين العرب في الجاهلية ولذلك كان العرب في الجاهلية موحدين !!

ـ إنتشار للفلسفة الأغريقية واليونانية بين العرب في الجاهلية !!

ـ إنتشار لحركة الترجمة والنشر بين العرب في الجاهلية !!

ـ معرفة أهل مكة في الجاهلية لأسماء حكماء اليونان مثل أرسطو وأفلاطون !!

نعم إنها مجرد حكايات خيالٍ يتناقلها الدكتور كامل النجار والغرض منها تحويل الأوهام إلى حقائق من أجل تحقيق هدف واحد فقط هو الإساءة للإسلام العظيم) ، فعاد الدكتور النجار في مقاله الأخير ليقول بأنه لم يكن يقصد إثبات أن العرب يعرفون فلسفة الأغريق ، فقال ما نصه : [(أن ما كتبته أنا عن د. النابلسي كان لنوضح أن د. النابلسي كان قد ناقض نفسه في مقاله الأخير، ولم نقتبس منه لنثبت أن عرب الجاهلية كانوا يعرفون فلسفة الإغريق)] ! فلماذا إذن أقتبس الدكتور النجار النص الذي يحوي هذا الإدعاء في معرض تأييده لكلامه !؟

حسناً يكفينا من كلامه تراجعه عن الإدعاء بأن العرب في الجاهلية كانوا يعرفون فلسفة الأغريق !

وأخيراً فإن من ينقد الإسلام إنما يعمد إلى مسائل من صميم الإسلام لينتقدها بحسب رأيه ويبين مظاهر الضعف فيها بحسب نظره ، وأما من يسيء للإسلام فيعمد إلى روايات ضعيفة أو موضوعة لا يعترف بصحتها المسلمون ولا يبنون عليها أي أمر بل يهملونها ، ثم يحاول ذلك المسيء أن يصبغ الإسلام بصبغتها ليشوهه ثم يقول للناس هذا هو الإسلام وهو في حقيقة الأمر يقدم لهم نموذجاً مشوهاً لا يمت إلى الإسلام الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصلة ، فهذا الفعل هو فعل إساءة للإسلام ، ومن خلال المقالات المتعددة التي كتبها الدكتور كامل النجار ضد الإسلام وجدناه يبتعد عن منهج النقد المذكور ويلتزم بمنهج الإساءة إلتزاماً كلياً فينسب للإسلام ما ليس منه ثم يقول هذا هو الإسلام الذي يفتخر به المسلمون ، والإسلام بريء مما ينسبه الدكتور النجار إليه. فلذلك نحن نصنّف الدكتور كامل النجار من ضمن المسيئين للإسلام وليس من الناقدين.

والحمد لله رب العالمين.

 

مقالات ذات صلة :

·        حقاً ما أحوجنا إلى ثورة التغيير كما قال د. شاكر النابلسي ـ الدكتور كامل النجار.

http://kitabat.com/i4592.htm

·        الدكتور كامل النجار بين نقد الإسلام والإساءة إليه ـ نبيـل الكرخي.

http://kitabat.com/alkarki_24.htm

     ·        هل نقد الإسلام يعني الإساءة إليه ؟ ـ الدكتور كامل النجار.

http://kitabat.com/i4755.htm

 

الصفحة الرئيسية