بسم الله الرحمن الرحيم

الدكتور كامل النجار بين نقد الإسلام والإساءة إليه

نبيـل الكرخي

لا يمكن أن يدخل ما يكتبه الدكتور كامل النجار من مقالات وكتب ضمن إطار نقد الإسلام ، ولا يمكن إخراجه من إطار الإساءة إلى الإسلام ، وبين الإساءة والنقد فارق كبير ، فالإساءة تعني أن يكون هناك إتجاه واحد فقط فيما يتم تناوله وهو الجانب السيئ فقط وفق منظور الكاتب ، أما النقد فيعني ان يتم تناول الموضوع بما له وما عليه من حسنات وسيئات من وجهة نظر الكاتب طبعاً ، وعلى الإطلاق لم نلحظ في كتابات الدكتور كامل النجار أي مديح أو إشادة بأي شيء في الإسلام كبيراًً كان ذلك الشيء أو ضئيلاً ، فلا يجد الدكتور كامل النجار سوى الصفات السيئة في الإسلام ولا يجد فيه إلا كلّ سوء ، بل وقد بلغ به المقام أن ينتقد كل من يحاول أن يمدح بعض جوانب الإسلام مهما كان ذلك المدح ، ولعل ما كتبه في مقاله المنشور في كتابات بتاريخ 2 آيار 2005م حين اتهم الدكتور شاكر النابلسي بأنه خضع لضغوط حملته على الدفاع عن الإسلام على حد تعبير الدكتور كامل النجار ! هكذا هو الأمر في فكر الدكتور كامل النجار ، الإساءة هي الأمر الوحيد الذي يستحق الذكر بحق الإسلام من منظوره !! وليته أتى بشيء جديد إنما هي أفكاره المكررة في كل مقال ، نفس الأفكار ونفس النَفَسْ المعادي للإسلام ، هذا الدين العظيم لم يجد الدكتور كامل النجار فيه أي امر مهما كان صغيراً يستحق به المديح أو الذكر الحسن !!

 وفي مقاله المذكور نطالع نفس الأفكار المفتقرة للدليل والتي ناقشناها كثيراً في تعقيباتنا المتبادلة معه في معرض نقضنا لجزء من كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) والمنشورة في موقع كتابات جميعها ، نفس الإساءات التي يريد الدكتور كامل النجار أن يقنع الناس بها أو يحملهم على الإقتناع بها ـ وفق نظرية غوبلز الإعلامية على أقل تقدير ! ـ ومن يرفضها أو يدافع عن الإسلام فهو أما متخلف او متعصب أو متعرض للضغوط الخارجية أو مدفوع له !!! وكأن الإنسانية لم تنجب أبناءاً بررة أعتنقوا الفكر الإسلامي المتناغم معها ، إعتناق عن يقين ودراية أعتنقوه بعدما فحصوا جميع العقائد الأخرى ووجدوا جدارته لكي يكون السيد عليها.

في المقال المذكور يصر الدكتور كامل النجار وبشكل ملفت للنظر على الترويج لفكرته القائلة أن العرب لم يكونوا يحتاجون للإسلام ليتعرفوا على التوحيد من خلاله لأن اليهودية والمسيحية كانت منتشرة في بلاد العرب وكان يمكن لها أن تكون بديلاً ناجحاً في نشر التوحيد بدلاً من الإسلام ؟! ومن المؤسف أن نعود لمناقشة هذه الفكرة من جديد رغم إننا سبق وفعلنا ذلك مطولاً وبإسهاب شديد حين تبادلنا التعقيبات مع الدكتور كامل النجار كما ذكرنا آنفاً ، غير إننا مضطرين لإعادة النقاش لأن الدكتور النجار يعود ليطرح نفس أفكاره في مقالاته التالية وكأنه يريد أن نعود لمناقشة نفس الأمر من البداية كل مرّة ، أو أن نتخلى عن النقاش لصالح أفكاره المفتقرة للدليل !

فمسألة إنتشار اليهودية والمسيحية في بلاد العرب على نحو واسع هي مسألة فيها نظر والبحث التأريخي يميل لرفضها ، وحتى لو أفترضنا أنَّ هناك إنتشاراً معتدٌ به فلا يعني ذلك بأن التوحيد عند اليهود والمسيحيين فيهما غنى عن التوحيد الإسلامي ، وقائل هذا لا يعرف حقيقة التوحيد أو لا يهمه أمر التوحيد وهو الأرجح من حيث عقيدته الإلحادية التي تمنعه من الإهتمام بمعرفة التوحيد ومعانيه الدقيقة.

فاليهود لديهم إله مختص بهم فضّلهم على جميع الناس وأسم هذا الإله (يهوه) ، والتوحيد الذي فهموه من ديانتهم رسّخ فيهم نظرة التعالي على الآخرين ، فاليهود هم الشعب المختار وإنْ أساؤوا وبقية الأمم هم أقل درجة من اليهود ، فالبشرية مقسّمة عندهم إلى يهود وأمميين ، فهذا التقسيم هو ثمرة من ثمار التوحيد اليهودي الذي يتم الإفتخار به من قبل البعض ! وحتى عبارة التوحيد في الوصايا العشر لا ترقى إلى المستوى الذي يبلور عقيدة التوحيد كما هو الحال في الإسلام حيث جاء في سفر الخروج (20 : 2و3) : ( أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي) ، حيث يأمر الرب بأن يكون هو الإله المعبود الوحيد ولكن النص لا ينفي وجود آلهة أخرى ! بينما نجد النص القرآني يقول بوضوح : (( الله لا إله إلا هو الحي القيّوم )) فنفى وجود أي إله إلا الله عزَّ وجل.

بالإضافة لما سبق فاليهودية لا تهتم لأمر دعوة غير اليهود للتوحيد ، حيث أن إله اليهود وفقاً لمنظور ديانتهم أراد أن يكون التوحيد خاصاً بهم فلم يامرهم بدعوة الأمميين لإعتناق اليهودية ولا يأبه أصلاً لأمر الأمميين ، أما إذا أعتنق الأمميين اليهودية من تلقاء أنفسهم فلا بأس بذلك ، ولكن حالهم لن يتغير كثيراً لأن الأصل هو أن الأفضلية للشعب اليهودي بديانته اليهودية ، أي الأفضلية للقومية اليهودية وليس لتوحيد الأمميين ، كما يفهم هذا من خلال قراءة التوراة وأسفار الأنبياء ! وبالتالي فإنَّ أي عربي يعتنق اليهودية فلن يكون بنظر إله اليهود وفقاً للمنظور اليهودي سوى إنسان من الدرجة الثانية وإنْ إشترك معهم بالتوحيد !!

وأما التوحيد في المسيحية فأمر عدم كماله واضح جداً ، فالمسيح عليه السلام بحسب الأناجيل الأربعة تحدث عن الله سبحانه وعن أبن الله تعالى عمّا يصفون ، فلم يكن هناك توحيد حقيقي ، ولم يكن هناك تركيز على عقيدة التوحيد في المسيحية بل التركيز هو على الإعتراف بأبن الله تعالى عمّا يصفون ، ولا يوجد في التعاليم المسيحية أي حديث عن التوحيد ولا يوجد أي إهتمام به ، ولولا الإسلام الذي أهتم بالتوحيد وجعله شعاره الأول لنشر العقيدة الإسلامية ، لولا هذا لم يكن أي إنسان مسيحي أو يهودي أو أي منتمي لأي عقيدة ليتحدث عن التوحيد أو يهتم به. وهذه الحقيقة يفترض بالمنصفون ذكرها والإشادة بالإسلام من خلالها.

وبالإضافة لما سبق ، نجد أنَّ المسيحيين لم يتفقوا على معنى الروح القدس ، وبقوا في حيرة منه إلى يومنا هذا ، مع انه يشكل جزءاً مهماً من صفات الإله عندهم ،  ومن أجل هذه الحيرة والإختلاف في أمره عقد مجمع القسطنطينية سنة 381م أي في نهاية القرن الرابع المسيحي والذي قرر بأن الروح القدس هو (إله حق منبثق من الآب) ، وإضافة هذه العبارة إلى "قانون الإيمان" وهي (نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب)...إلخ ! مع أن المسيحيين اليوم يقولون أن الروح القدس هو أقنوم مساوي لأقنوم الأب وأقنوم الأبن وهذه الأقانيم الثلاثة هي الإله الواحد ! مخالفين بذلك "قانون الإيمان" الذي يقول بأنبثاق الروح القدس من الآب وليس المساواة له ! حيث إنّ معنى الإنبثاق هو تقدم أحدهما في الوجود على الآخر !

ومسألة إنبثاق الروح القدس من الآب أستندوا فيها إلى نص يتيم في إنجيل يوحنا (26:15) : (ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي) ، وهذه العبارة دار حولها جدل كبير ويختلف المسيحيون في ترجمتها عن اللغات القديمة فبعضهم يستبدل كلمة "المعزي" بـ "المؤيد" لأن المسيحيون في حيرة من أمرهم في تفسير دور المعزي وما يقدمه من عزاء ، ويتسائل المسيحي عن التناقض الذي يجده بين مفهوم العزاء وبين مفهوم الخلاص الذي يناله المسيحي بمجرد إيمانه بالفداء على الصليب ، فلماذا يحتاج المسيحي لعزاء وهو قد نال الخلاص من الإيمان بالصليب !؟ بقي أن نعرف أن هذا الجزء المهم من العقيدة المسيحية المبني على هذا النص اليتيم حول الإنبثاق المذكور هو موجود في إنجيل يوحنا وهو إنجيل لم يثبت إلى اليوم هوية كاتبه ومدى وثاقته وصحة نقله للمعلومات ، بل يكتفي المسيحيون بتقديس هذا الإنجيل لأن المجامع المسيحية الأولى قد أصبغت عليه القدسية لكون ما يحتويه لا يتعارض مع الأناجيل الثلاثة الأخرى (متى ومرقس ولوقا) التي تعرف ثلاثتها عندهم بأسم الأناجيل الإزائية ! فالدكتور كامل النجار يروّج بأنَّ "التوحيد المسيحي" المبني على عبارات مبهمة في أناجيل مجهولة المصدر هو توحيد كافٍ ليغني العرب عن التوحيد الإسلامي العظيم.

أما في الجانب الإقتصادي فنجد الدكتور كامل النجار يحاول التقليل من أهمية التشريعات الإسلامية الإقتصادية فيما يخص الربا بطريقين : الأول هو أن تحريم الربا مذكور في اليهودية وبالتالي فليس هناك خصوصية للإسلام !

والطريق الثاني أن هناك بعض الإنتهاكات للربا من قبل بعض المسلمين وبالتالي فإنّ ذلك معناه أن الإسلام فشل في إقرار تحريم الربا ! وهكذا يتم الإستخفاف بالعقول ، من حيث الآتي :

فأولاً. ذكر الدكتور النجار تحريم الربا عند اليهود ولكنه لم يذكر أنّ المسيحيين يحللون الربا ولا يلتزمون بشريعة العهد القديم لأنها منسوخة بشريعة العهد الجديد التي سطّرها بولس في رسائله ! وبما أن المسيحية هي أكثر الديانات السماوية إنتشاراً وهي أيضاً تجيز الربا فكان من المفترض بالدكتور النجار ان يتطرق لهذا الأمر ويشيد بالإسلام من خلاله إن كان في تحريم الربا أي إشادة من وجهة نظره ! ومن جانب آخر فإنّ نصوص تحريم الربا في الشريعة اليهودية هي مختصة بالتحريم بين اليهود أنفسهم فقط ولا تشمل معاملاتهم مع الأمميين ، بينما الإسلام وهو الدين المنفتح على جميع الأمم والشعوب حين يحرم الربا فإنّ تحريمه ذلك يشمل الإنسانية جميعها دون تمييز.

ثانياً. إنَّ وجود إساءات من قبل بعض المسلمين وحتى من قبل بعض المحسوبين على فقهائهم في التعامل بالربا لا يعني أن المشكلة في الإسلام ، إذ لا ملازمة بينهما ، فالإسلام العظيم يقول في القرآن الكريم : (( إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا )) ، وهناك الكثير من المسلمين يشربون الخمر أيضاً رغم وضوح تحريمها في الإسلام ، فمسألة تجيير أخطاء الإنسان لصالح الطعن في صحة العقيدة هي مسألة بعيدة عن الواقع إذ لا ملازمة حقيقية بينهما.

وكذلك ينسب الدكتور كامل النجار ـ متفقاً بذلك مع الدكتور شاكر النابلسي ـ للإسلام أنه كان يجهل طبيعة العقود التجارية ذات الأجل الطويل Long term contracts وهي فرية بحق الإسلام إذ لم توجد أي مشكلة عند فقهاء المسلمين تجاه المعاملات التجارية وتنوعها ، وكانوا دائما قادرين على تقنين القوانين التجارية بما يتلائم مع الإسلام ولا يخرج عن شريعته ، وأنا هنا أؤكد هذا الأمر بخصوص فقهاء المسلمين الشيعة ، فإذا كان هناك خلل فقهي عند المسلمين من غير الشيعة فهذا لا يطعن في الإسلام بل يؤكد حقيقة أن الفقه الشيعي هو الإمتداد الحقيقي للإسلام المحمدي الأصيل.

وإذا كانت هناك مصارف إسلامية غير ربوية قد خسرت وأعلنت إفلاسها في السودان أو في غيره من البلدان فأيضاً هناك مصارف ربوية في الكثير من بلدان العالم قد أعلنت أفلاسها وهي لا تمت لشريعة الإسلام بصلة ! والحمد لله فإنّ الدكتور كامل النجار قد أعترف بأن سبب فشل تلك المصارف غير الربوية هو الفساد الإداري وليس نظامها الإسلامي.

واما بخصوص الجانب الإجتماعي للإسلام فقد أستند الدكتور كامل النجار للطعن في الإسلام بأن يأتي على الشواذ من القاعدة والنماذج العشوائية ليعتمدها ويجعلها هي مدار الحكم ، فوجود بعض حالات الأرث لنساء عربيات عند بعض القبائل العربية ، بحسب قول الدكتور جواد علي في كتابه تاريخ العرب قبل الإسلام ، يجعل الدكتور كامل النجار يقول بأن العرب في غنى عن تشريع الأرث لجميع نسائهم ! وكذلك الأمر بالنسبة للدفاع عن الضعفاء وأحترام المرأة ، فإن وجد بعض العرب ممن تطوعوا للدفاع عن بعض المظلومين في الجاهلية وهي حالات قليلة وعشوائية فإنَّ ذلك بنظر الدكتور كامل النجار يغني عن إيجاد منظومة إجتماعية متكاملة ودائمية لرفع الظلم عن الضعفاء ومساعدتهم كما حدث في ظل الإسلام ، وكذلك الأمر بالنسبة للنساء وبقية المواضيع الإجتماعية ، فجميع ما يطرحه الدكتور كامل النجار هو في هذا السياق ، ونحن نرى أن الإسلام أوجد منظومات إجتماعية متكاملة ودائمية تخدم الإنسانية وتدافع عن حقوقها بحيث تكون المحافظة على تلك الحقوق جزءاً من الحركة اليومية للمجتمع الإسلامي وهو الأمر الذي أفتقده المجتمع الجاهلي.

وأما بخصوص الجانب السياسي ، فكما هو سياق طرحه ، فقد دمج الدكتور كامل النجار بين ما جاء به الإسلام من نظام سياسي وهو نظام الدولة الإسلامية القائمة على أساس الكتاب والعترة الطاهرة ، وبين التطبيقات الخاطئة لمن تولى السلطة من حكام المسلمين سواء في العصر الراشدي أو الأموي أو العباسي أو العثماني ، وحين يتم الخلط بين هذه الإتجاهات ، أي دمج الإتجاه النظري الذي جاء به الإسلام مع الإتجاه التطبيقي المحرف لنظام الدولة كما حدث فعلاً بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وأعتباره أن الإتجاهين إنما يعبران عن حقيقة الإسلام فلا يمكن حينئذٍ أن نصل لنتيجة صحيحة ومنصفة.

ونجد من الجدير أن نذكّر الدكتور كامل النجار باهمية الأمانة العلمية في نقل الأحاديث المنسوبة للنبي (صلى الله عليه وآله) ، وأن لا يكون هناك بتر في الحديث المنقول مثل الحديث الذي نسبه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ، حيث أن رواية الحديث المذكور مبتورة تخرج به عن سياقه الأصلي وتجعل له سياقاً جديداً يناسب أغراض الدكتور كامل النجار في الإساءة للإسلام حتى وإنْ كان ذلك على حساب الأمانة العلمية التي يبدو أنه لا يهتم لها كثيراً.

ويروّج الدكتور كامل النجار لفكرة أخرى مفادها أن [(كل الذين حاربوا المسلمين حاربوهم دفاعاً عن أرضهم وأنفسهم ولم يبدأ أحدٌ بالهجوم على المسلمين في عقر دارهم ما عدا غزوة الخندق التي قامت بها قريش رداً على هجمات المسلمين المتكررة على قوافل قريش)] ، وهذه فكرة مجانبة للصواب بوضوح حيث أنَّ قريش أصرّت على حرب المسلمين رغم علمها بنجاة قافلتها فكانت معركة بدر الكبرى ، وقريش عابدة الأوثان حاصرت المسلمين إقتصادياً وآذتهم وأضطهدتهم وعذبتهم حين كان المسلمون تحت سلطانها.

وفرية أخرى نجد الدكتور كامل النجار يصرّح بها وهي قوله : [(لم يكن في أيام النبي مجتمعات تقتل الناس من أجل أفكارها غير المجتمع الإسلامي ذاته. فقد كان هناك المجتمع الفارسي والمجتمع المسيحي العربي الرومي، ولم نقرأ أن هذه المجتمعات قتلت الناس من أجل أفكارها إنما الإسلام هو الذي قتل بني قريظة وبقية اليهود من أجل أفكارهم)] ، فلماذا ينكر الدكتور كامل النجار أن مجتمع قريش في الجاهلية كان يضطهد المسلمين ويقتلهم بسبب إيمانهم بالإسلام ، ولماذا ينكر أنّ الدولة الرومانية الكاثوليكية كانت تضطهد المسيحيين الأقباط الآرثوذكس بسبب عقيدتهم غير الخلقيدونية ، وتحاول إجبارهم على التخلي عنها حتى أنقذهم الإسلام من إضطهاد الرومان بعد الفتح الإسلامي لمصر ، ولماذا يتم إنكار العديد من الأمثلة الأخرى على هذا النوع من الإضطهاد ، وهل قتل الإسلام بني قريظة من أجل افكارهم أم من أجل خيانتهم للعهود والمواثيق ؟ ولماذا هذا التحريف للتأريخ ومجرياته ، وهل يعكس هذا التحريف إلا الإفتقار للحجة الصحيحة عند الدكتور كامل النجار.

وكذلك نجد الدكتور كامل النجار وقد أفترض صحة بعض الأفكار التي يتناقلها غير الإسلاميون من قبيل ضرورة وجود مجتمع راشد لكي يكون هناك جهاد راشد إلخ.. من الأفكار التي لا نجد لها أصلاً في الإسلام ، ومناقشة هذه الأفكار لا نجد لها ثمرة إذ إننا غير ملزمين بمناقشة أفكار طارئة ودخيلة على الإسلام أفكار مفروضة على الإسلام ومنسوبة إليه وهو منها براء.

وأما الصورة مشوهة التي نقلها لما حدث مع بني قريظة ، فلم نعثر على مصدر معتبر لقصة الكشف عن عورات الصبيان لمعرفة من منهم قد بلغ ليقتلوه ! وكذلك ما ذكره حول قصة قتل المرأة لأنها رمت بحجر حينما حاصر المسلمون بني قريظة فالظاهر أن هذه المرأة قد قتلت من المسلمين نفراً فكان القصاص بان تقتل بهم ، ويدل على هذا نفس الرواية التي ذكرها مبتورة نقلاً عن تاريخ الطبري وهي : (حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عايشة قالت : لم يقتل من نسائهم إلا أمرأة واحدة ، قالت والله إنها لعندي تحدث معي وتضحك ظهراً وبطناً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف بأسمها أين فلانة قالت أنا والله قالت قلت ويلك مالك قالت أقتل قلت ولم قالت حدث أحدثته قالت فانطلق بها فضربت عنقها) تاريخ الطبري ج2ص250 طبعة مؤسسة الأعلمي ، ونحن ذكرنا تمام الرواية التي أستندوا إليها في رواية القصة ولا يعني هذا إعتبارنا للرواية كلها أصلاً نظراً لموضع عروة بن الزبير منها ! فيكون مقتل هذه المرأة قصاصاً لقتلها واحد من المسلمين على أقل تقدير.

وأما ما نقله عن الطبري حول قصة أم قرفة فقد ذكر إن في سند هذه القصة محمد بن أسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن أم المؤمنين عائشة ، وقد بيّنا في مقالاتنا السابقة حول عصمة الأنبياء أن محمد بن أسحاق وعروة بن الزبير غير موثوقين وغير جديرين بالإعتماد عليهما في الحديث ، حيث القاعدة في علم الرجال تقول بان الجرح مقدم على التعديل ، وقد ناقشنا هذا الموضوع مفصلاً في ردنا على مقالات الدكتور كامل النجار بخصوص إنكاره عصمة الأنبياء !

وأما ما ذكره الدكتور كامل النجار من امر امرأة أسمها أم قرفة من بني فزارة قتلها زيد بن حارثة (رضي الله عنه) بأن ربط رجليها إلى بعيرين حتى شقاها ونسب هذه الرواية إلى تاريخ الطبري ، وحين راجعنا هذا النص في تاريخ الطبري وجدنا ان هناك أموراً قد تم التغاضي عنها من قبل الدكتور كامل النجار ، فالطبري يروي هذه القصة عن الواقدي ، والواقدي ضعيف في علم الرجال حيث قال عنه النووي في كتابه المجموع ج1 ص114 : (الواقدي رحمه الله ضعيف عند أهل الحديث وغيرهم ، لا يحتج برواياته المتصلة فكيف بما يرسله أو يقوله عن نفسه) ، فلا يمكن قبول هذه الرواية أو الإعتماد عليها ، وفي نفس الموضع يروي الطبري رواية أخرى أن السرية التي غزت بني فزارة كانت بقيادة أبي بكر بن أبي قحافة ، مخالفاً بذلك الرواية المذكورة آنفاً التي جعلت الغزوة بقيادة زيد بن حارثة (رضي الله عنه) ، بل أنَّ هناك مصادر أخرى كالبيهقي والدارقطني تذكر أن مقتل أم قرفة إنما كان في عهد خلافة أبي بكر بن أبي قحافة وأنها أرتدت عن الإسلام فأستتابها فلم تتب فقتلها وروايات أخرى تقول انه قتلها في الردة ، وهكذا تجد أن الروايات التأريخية متضاربة حول حقيقة أم قرفة ، بالإضافة إلى كون معظمها روايات أما مرسلة أو ضعيفة وكلاهما لا يحتج به ولا يوثق به.

ومن أكثر الأمورتهافتاً أن يستند الدكتور كامل النجار في بعض الدعاوى الباطلة على مقالات أو مؤلف للدكتور شاكر النابلسي ، وكأن الدكتور شاكر النابلسي أصبح هو الحجة في الدراسات الإسلامية رغم إساءاته العديدة هو أيضاً ، فيقول الدكتور كامل النجار : [(أما عن العلم فقد كان عرب ما قبل الإسلام يعملون عقولهم فيما حولهم وبرعوا في علم الفلك والطب وحتى في الترجمة، ويشهد على ذلك د. النابلسي نفسه في كتابه " لو لم يظهر الإسلام ". فقد قال: " وكان لعرب ما قبل الإسلام حركة ترجمة رغم قلة الأخبار عن حركة الترجمة إلا أن بعض المترجمين وترجماتهم استطاعت أن تنفذ من الحصار الثقافي الإسلامي لفترة ما قبل الإسلام، وكان هذا الحصار يعمل جاهداً لإبراز القطيعة الثقافية بين العرب قبل الإسلام وبين الثقافات الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الزمن كالثقافة اليونانية والثقافة السريانية. فجاءنا ذكر ابن حزيم وابن أبي رومية التميمي والحارث بن كلدة الثقفي والنضر بن الحارث، والأخيران كانا من علماء الطب. وقد ترجما كتباً في هذا المجال. وأهل مكة بالذات كانوا على علم باسماء مشاهير حكماء اليونان ومنهم من كان له اتصال ببلاد الثقافة والعلم  إضافة لذلك فقد تمت ترجمة الإنجيل والتوراة إلى اللغة العربية، وورد أن وهب بن منبه وأخاه كانا يستوردان الكتب القديمة من بلاد الشام. وأن اليهود العرب كانوا يقرأون التوراة باللغة العربية. " (ص91). فالعرب قبل الإسلام كانوا يُعملون عقولهم فيما حولهم ويعرفون أدب وفلسفة الإغريق والرومان)] ، تخيل عزيزي القاريء هذا الإدعاء القريب للهذيان مع إحترامي الشديد ، فالدكتور شاكر النابلسي يدعي وجود حركة ترجمة في الجاهلية بدون أن يأتي بأي كتاب مترجم عند العرب في ذلك العصر ويدعي كذلك بأن العرب كانوا يعرفون أدب وفلسفة الأغريق والرومان وطبعاً هذا الإدعاء كله بلا دليل تأريخي مجرد إفتراضات بلا دليل ثم يأتي الدكتور كامل النجار ليعتبر أقوال الدكتور شاكر النابلسي حقائق مسلّم بها ، يجب ترديدها من قبل كل البشرية في الشرق والغرب دون تمحيص !! إكتشاف جديد أنبثق من عقلية وفكر هذين الدكتورين النابلسي والنجار لم يسبقهما به أحد من المستشرقين الذين يحترمون نتاجهم الفكري حتى وإنْ كانوا معادين للإسلام. فوجود حالات قليلة يندرج وجودها في إطار الشذوذ لا القاعدة هل يغني العرب عن حاجتهم للإسلام ، وهل كانت الحالات الخاصة التي ذكرها الدكتور النابلسي ومن بعده النجار هي حالات بحجمها الحقيقي أم هي حالات تم تزويقها وتضخيمها لتخرج بشكل آخر ، مثلاً ما قاله الدكتور النجار نقلاً عن الدكتور النابلسي حين وصف الحارث بن كلدة الثقفي والنضر بن الحارث بأنهما كانا عالمين في الطب ، مع أن الحارث بن كلدة كان طبيباً بارعاً ولم يشتهر عن النضر بن الحارث صنعة الطب ! ونتسائل أيضاً : لماذا لم يذكر الدكتور النابلسي ومن بعده الدكتور النجار أسماء لأطباء عرب آخرين قبل الإسلام أطباء لم يعاصروا الإسلام ، فالحارث بن كلدة الثقفي قد عاصر الإسلام وأعتنقه وهو الذي أشرف على الحالة الصحية للخليفة عمر بن الخطاب بعد طعنه من قبل أبي لؤلؤة فيروز ، واما ابن حزيم وابن أبي رومية التميمي فلم أعثر لهما على أثر في المصادر التأريخية ولعل هناك من يدلنا على موارد ذكرهما !! واما النضر بن الحارث فقد كان معادياً للإسلام أشد العداء ، وبلغ به العداء انه كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا ، ويقول : إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بأحاديث رستم وأخبار الاكاسرة ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ، فالنضر بن الحارث أراد من جلبه الكتب لمكة أن يقوم بحركة تشويش وإلهاء للناس عن الإستماع للقرآن ، فهو أسلوب جديد في مقاومة المشركين للدعوة الإسلامية ، فهو ليس حركة ثقافية لعرب الجاهلية ، بل هي محاولة تغييب للحقيقة الإسلامية القرآنية الناصعة ، فنجد أن ظهور الإسلام كان الأساس في هذه المحاولة الثقافية المغرضة ، ولو لم يظهر الإسلام لما أحتاج النضر بن الحارث لإلهاء الناس وتشتيت أذهانهم عن القرآن الكريم بجلبه للكتب ونشره لقصص الأكاسرة.

فلا يوجد دليل مقبول على الإدعاءات التي اطلقها الدكتور شاكر النابلسي ومن بعده الدكتور كامل النجار والقائلة بوجود حركة ثقافية عند العرب في الجاهلية تتعلق بالترجمة ومعرفة أهل مكة بأسماء مشاهير حكماء اليونان ومعرفة أدب وفلسفة الأغريق واليونان !!!!!

وبعد هذا كله يظن الدكتور كامل النجار أنه أمتلك الحقائق التي تخوله المطالبة بثورة لكشفها !؟ حقائق وهمية ليس عليها دليل ، فحين نقرأ مقالات الدكتور كامل النجار نجد انفسنا في عالم آخر قريب من قصص وحكايات الخيال العلمي ، حيث يتضح ان هناك حكاياتِ خيالٍ تتعلق بالعرب في الجاهلية محاورها الآتي :

ـ إنتشار لليهودية والمسيحية بين العرب في الجاهلية ولذلك كان العرب في الجاهلية موحدين !!

ـ إنتشار للفلسفة الأغريقية واليونانية بين العرب في الجاهلية !!

ـ إنتشار لحركة الترجمة والنشر بين العرب في الجاهلية !!

ـ معرفة أهل مكة في الجاهلية لأسماء حكماء اليونان مثل أرسطو وأفلاطون !!

نعم إنها مجرد حكايات خيالٍ يتناقلها الدكتور كامل النجار والغرض منها تحويل الأوهام إلى حقائق من أجل تحقيق هدف واحد فقط هو الإساءة للإسلام العظيم.

 

الصفحة الرئيسية