بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام واليهودية ، المرأة والرجل

نبيـل الكرخي

إذا كانت الفرضية خاطئة فما يبنى عليها هو خاطيء أيضاً ، ولا أعتقد أن هناك من يمكن أن يختلف معنا حول هذا الأمر ، ففي مقال الدكتور كامل النجار الموسوم (التشابه والإختلاف بين اليهودية والإسلام) أفترض الدكتور النجار أن الإتفاق على رواية قصة معينة في القرآن الكريم والكتاب المقدس (التوراة والأناجيل) مع الإختلاف في تفاصيلها يعني أمرين :

الأول : هو أن أحد المصادر قد نقل عن الآخر بسبب تشابه القصص وما تدور حوله من أحداث.

والثاني : أنه لا يمكن أن يكون المصدرين قد نقلا عن مصدر ثالث بسبب الإختلاف في التفاصيل الموجودة بينهما ! فقال الدكتور كامل النجار ما نصه :

[(فهل حقاً اقتبس محمد من اليهودية والمسيحية عندما بدأ دعوته للإسلام ؟ للجواب على هذا السؤال لا بد لنا من الاطلاع على العهد القديم الذي يحتوي على التوراة، والاطلاع على الإنجيل كذلك. والمطلع على هذين الكتابين يجد تشابهاً كبيراُ لا يمكن أن تكون الصدفة هي العامل الرئيسي فيه. وقد يقول قائل إن التشابه نتج من كون أن المصدر واحد في الكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن. ولكن رغم أن التشابه موجود في القصص وفي التشريع إلا أن هناك اختلافاً في التفاصيل. ولو كان المصدر واحداً لما اختلفت التفاصيل. فلو أخذنا قصص القرآن مثلاُ وقارناها بقصص التوراة نجد اختلافاً في تفاصيل كل القصص)]

فهذه الفرضية في تقديرنا هي فرضية خاطئة لعدة أسباب :

أولاً. إنَّ الدقة التي تمت فيها رواية القصة في المصدرين هي دقة متفاوتة ، فأسفار التوراة كتبت من قبل مؤلفين مجهولين وأضيف لها إضافات من قبل مؤلفين مجهولين أيضاً وبإعتراف علماء المسيحية وبعض أبرز الباحثين ، بالإضافة إلى الظروف القاسية التي مرت على المجتمع الإسرائيلي واليهودي وفقدان التوراة وإعادة كتابتها والإضافات التي حدثت من الموروث الشعبي الذي يمتلكه اليهود والذي يتم إدخاله من قبل مؤلفين مجهولين لا نعلم مدى دقتهم ولا دقة المصادر التي ينقلون عنها ثم الإضافات التي تحدث من قبل نساخ مجهولين أيضاً لا نعلم مدى وثاقتهم وأمانتهم في النسخ فضلاً عن مجهولية مقدرتهم الفنية على ضبط عملية النسخ ، فلا يمكن الجزم بمطابقة قصص التوراة لما حدث فعلاً في أحداث القصة الواقعية التي تمتد عبر أكثر من ألفين سنة قبل الميلاد على أقل تقدير ـ وهو عصر النبي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ـ بينما نجد أن القرآن وهو كلام الله المحفوظ ، فبلا شك فإنَّ ما ورد فيه من التفاصيل هو أكثر دقة وأصدق من غيره من المصادر بإعتبار أنه لم يطرأ عليه تغيير.

ثانياً. لو تنزلنا وناقشنا فرضية الدكتور النجار بغض النظر عن قدسية القرآن الكريم وصحة جميع ما فيه من كلام الله عزَّ وجل وحفظه من قبل الباري جلَّ ثناؤه ، فنجد أنه لو أفترضنا وجود قصة وردت في مصدرين وحدث إختلاف في رواية كل مصدر فلا يعني هذا أن أحد المصدرين قد نقل عن الآخر فربما يكون هناك مصدر ثالث أخذوا منه ـ وهو الحق ـ لا سيما وأن أياً من المصدرين لم يذكر أنه قد أخذ قصته من المصدر الآخر ، وأيضاً فمن الممكن أن يكون أحد المصدرين غير دقيق في نقله ، وهذا أمر شائع في الروايات التاريخية ، فلماذا لا يتم العمل بهذا المنظار حين يتعلق الأمر بالقرآن ؟ هل هو بحث موزون أم بحث فيه تطرف بإتجاه النقيصة من عقيدةٍ ما ، بحث يراد المنه الخروج بنتيجة واحدة وهي الإساءة للإسلام مهما كانت طريقة البحث ونتائجه ؟!

الثالث. ما ذكره الدكتور النجار من حديث يقتصر على قصص مذكورة في القرآن من جهة والتوراة والأناجيل من جهة أخرى ، فما هو قوله بالقصص التي وردت في القرآن الكريم فقط ولم يتم ذكرها في الكتاب المقدس (التوراة والأناجيل) أو القصص التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس فقط (التوراة والأناجيل) ولم يتم ذكرها في القرآن الكريم ، فلماذا لم يتم الذكر المشترك لها إذا كان الأمر مجرد نقل لأحد المصادر عن الآخر ؟!

الرابع. أن الدكتور النجار أفترض أن التشابه بين القرآن الكريم وبين الكتاب المقدس (التوراة والأناجيل) لا يعود إلى الصدفة ، ونحن نقول له أنه بالتأكيد لا يعود إلى الصدفة ، بل يعود إلى أن الخالق سبحانه وتعالى هو مصدرها وليس الصدفة التي يفترضها الدكتور كامل النجار.

 

وبمناسبة الحديث عن "الصدفة العمياء التي خلقت العالم !" وفقاً لنظرية دارون التي يؤمن بها الدكتور كامل النجار ، فقد تطرق الدكتور النجار في مقالٍ سابقٍ له بعنوان (نكبة المرأة المسلمة) إلى إضطهاد المراة المسلمة بسبب تمسك النساء المسلمات في مصر والمملكة السعودية بدينهن وعدم قبولهن بالأفكار المخالفة للإسلام ، وعدم قبولهن بإمامة المرأة للرجل في الصلاة ـ فضلاً عن عدم قبولهن بالصلاة الجماعية المختلطة ـ وإصرارهن على عدم قبول أي مقررات لحقوق الإنسان ما لم تكن متوافقة مع روح الإسلام الحنيف ، هذا الأمر أثار إنزعاج الدكتور النجار ، ولكننا نقول ببساطة للدكتور النجار أنه يمكنه لوم "الصدفة العمياء" التي يؤمن بأنها خلقت جنسين ذكر وأنثى وأعطت لكل منهما ميزاته الخاصة به من طبيعة جسدية ونفسية تميز كل جنس عن الآخر ، بحيث توازن المجتمع الذي نعيشه بسبب قيام كل جنس بالدور الذي يناسب طبيعته التي خلق وفقاً لها ، كان يمكن للدكتور كامل النجار في مقاله المذكور أن يلوم "الطبيعة العمياء" التي يؤمن بأنها خلقت العالم ! لأنها لم تخلق جنساً بشرياً واحداً يتكاثر مثل البرامسيوم بالإنشطار ، أو جنس "خنثى" ! فلا يحدث تفاوت في الطبيعة الجسدية والنفسية ، ونتخلص من كل هذه المناقشات ، ويتوقف الحديث عن حقوق المرأة وإضطهادها المزعوم حتى لو كان ثمن ذلك فقدان المجتمع لتوازنه وإنضباطه ، أليس جديراً بالدكتور النجار أن يلوم "صدفته" التي يؤمن بها !

 

الصفحة الرئيسية