بسم الله الرحمن الرحيم

كامل النجار وصكوك الغفران

نبيـل الكرخي

   من المستحيل أن ينسب للإسلام وجود صكوك للغفران فيه كما هو الحال في المسيحية. ولأن الأمر مستحيل فقد لجأ الدكتور كامل النجار إلى إقحام فكرة صكوك الغفران في الإسلام إقحاماً رغم كل المباديء الإسلامية السامية التي تبطل الأدعاء بإمكانية وجود صكوك للغفران في الإسلام.

   ففي مقال له بعنوان (صكوك الغفران قديماً وحديثاً) والمنشور في موقع العراق الجديد بتاريخ 10 آب 2005م ، يحاول فيه أن يقارن بين ما كانت تفعله الكنيسة الكاثوليكية من توزيع لصكوك الغفران وبين وعد الله عزَّ وجل للمؤمنين بدخول الجنة وحيازة نعيمها الدائم في الإسلام ، ومن الواضح تهافت هذه الفكرة إذ لا مقارنة بين ما كانت عليه الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى وبين الوعد بالنعيم الأبدي في الإسلام.

 فمن الواضح أن فكرة صكوك الغفران تعتمد على شراء الشخص لورقة تسمى صكاً مكتوب فيها أن حاملها ينال المغفرة في الحياة الأبدية مقابل مبلغ من المال ، ولا يتطلب هذا الأمر من الشخص الذي اشترى الصك أي شيء ليقدمه سوى المال مقابل الحصول على الحياة الأبدية والملكوت ، فلا دخل للإيمان أو العمل الصالح في الموضوع.

ومن الواضح أن الإسلام بعيد عن هذا الأمر فليس فيه ضمان لدخول الجنة والحصول على نعيمها مقابل المال ، ولا يمكن إدعاء هذا الأمر ونسبته للإسلام زوراً وبهتانا. بل إن هناك تحديد لضوابط دخول الجنة ذكرها الله عزَّ وجل بقوله : (( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون )) ، فالإيمان والعمل الصالح هما شرطا دخول الجنة , ولا يوجد ضمان في الحياة الدنيا على الحصول على الجنة . ويستمر عدم الضمان هذا إلى آخر لحظة من عمر الإنسان . نعم هناك أعمال صالحة وعد الإسلام على فعلها الأجر العظيم والثواب الجزيل ولكن هذه الأعمال يشترط معها الإيمان والمداومة على العمل الصالح إلى آخر لحظة من حياة الإنسان. فقد يبذل المسلم مالاً في سبيل الله ولكن هذا البذل يشترط معه الإيمان والمداومة على العمل الصالح. ولذلك فالمسلمون حريصون على حسن عاقبتهم ، أي أن يتوفون وهم مداومون على الإيمان والعمل الصالح.

ففي مبدأ صكوك الغفران في المسيحية هناك شراء لضمان الراحة في الحياة الأبدية ، أي شراء للضمان ، وفي الإسلام لا يوجد أي شراء للضمان ، بل هناك إيمان ثم بذل للنفس والمال ، ويكون الحساب يوم القيامة حيث تتضح حقيقة العمل الذي فعله الإنسان وهل هو خالص لوجه الله عزَّ وجل أم لغرض دنيوي. فلا يوجد في الإسلام شراء لضمان دخول الجنة.

يضاف لذلك أن فكرة صكوك الغفران تحتوي على عنصر آخر وهو وجود شخص يدعي أنه مخول ببيع تلك الصكوك وضمان الحياة الأبدية نتيجة قربه من الخالق ورضا المعبود سبحانه عنه ، أما في الإسلام فلا يوجد شخص يمكن أن يدعي مثل هذه المنزلة عدا النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومع ذلك فهم لم يلجأوا لمثل هذا الأمر بل أرشدوا الناس للإلتزام بالإسلام وأحكامه وأن نتائج أعمالهم سوف تتضح يوم القيامة.

ومما يساعد في نفي وجود صكوك للغفران في الإسلام أن فكرة صكوك الغفران تتنافى مع مبدأ الشفاعة لأنه يفرز أشخاصاً غير محتاجين للشفاعة وهذا الأمر مخالف للإسلام ولا يوجد ضمن منظومته الفكرية. فكل الأمة الإسلامية تحتاج لشفاعة نبيها (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة ولا يوجد من يمكنه أن يدعي أنه ضامن للجنة نتيجة قيامه بعمل ما فضلاً عن شراءه لصك بكمية من المال.

 وكذلك فإنَّ مبدأ إحباط الأعمال ينفي وجود أي صكوك للغفران في الإسلام ، وهو المبدأ المذكور في قوله تعالى في سورة الحجرات : (( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون )) ، وقوله تعالى في سورة المائدة : (( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين )) ، وقوله تعالى في سورة محمد (صلى الله عليه وآله) : (( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم )) ، فمبدأ إحباط الأعمال ينسف القول بوجود صكوك للغفران في الإسلام نسفاً.

وهناك أدلة عديدة تشير إلى هذا المضمون ، منها :

ـ إنَّ حسان بن ثابت ذلك الصحابي من الأنصار الذين قال الله عزَّ وجل فيهم في سورة الأنفال : ((والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم )) وقال سبحانه عنهم في سورة التوبة : (( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم )) ، حسان بن ثابت هذا الذي قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما في الرواية : ( أهجهم وجبريل معك) ، حسان بن ثابت نجده في مرحلة أخرى من حياته وقد تهدد بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة حين أصبح من أصحاب الأفك ـ كما في صحيح البخاري باب حديث الأفك ـ هو وعبد الله بن أبي سلول ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وآخرين ، فنزل فيهم قوله تعالى في سورة النور : (( ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة )) ، فعلمنا من ذلك أن الأصل في الإسلام هو المداومة على الإيمان والعمل الصالح ، فلا يوجد في الإسلام مفهوم لصك غفران أو ضمان للنجاة من النار والعذاب أو دخول الجنة.

ـ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك هم : هلال بن أمية وهو بدري من الأنصار ومرارة بن الربيع العامري وهو من أهل بدر وكعب بن مالك ، هؤلاء الثلاثة حازوا على غضب الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله) نتيجة تخلفهم المذكور ، فلم تنفعهم كونهم من الأنصار ولا كونهم من أهل بدر لأنهم لم يداوموا على الإلتزام بأحكام الإسلام ، فلم يقل أحد منهم بأنهم بدريون وقد ضمنوا الجنة بدعوى الحديث المنسوب للنبي (صلى الله عليه وآله) : (لعل الله أطلع على أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) أبداً لم يكن هذا الأمر في ذهنهم لأنه لا وجود له في الإسلام ، ففي الإسلام لا ضمان دنيوي لدخول الجنة ولا شراء للجنة بدون المداومة على الإيمان والعمل الصالح.

ـ في صحيح البخاري باب غزوة الحديبية ، عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال لقيت البراء بن عازب فقلت طوبى لك صحبت النبي (صلى الله عليه وآله) وبايعته تحت الشجرة فقال : (يا ابن أخي أنك لا تدري ما أحثنا بعده) ، فهذا الصحالبي الجليل يؤيد نفي وجود فكرة صكوك للغفران في الإسلام يؤيد نفي وجود ضمان للجنة لأي أحد من المسلمين ، فإذا كان المسلم الصحابي الأنصاري والمهاجر من أهل بيعة الشجرة التي تسمى بيعة الرضوان التي قال الله عزَّ وجل عمن بايعها في سورة التوبة : (( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً )) ، ومع ذلك فلم يضمن البراء بن عازب دخول الجنة بسبب ما احدثوا بعد ذلك من تغيير في الإسلام ، أي انه يشير إلى مبدأ إحباط الأعمال الذي ذكرناه.

فمن ذلك نجد أن كل الروايات التي وردت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي تشير إلى ضمان للجنة مقابل أداء عمل معين إنما يشترط فيها دوام الإيمان والعمل الصالح ، والمسلمون كانوا يفهمون هذا الشرط ويعملون به ، ويدل على ذلك ما قدمناه من أدلة.

وأما الرواية التي ذكرها الدكتور النجار بقوله : [(ولم يكن الوعد بالجنة وقفاً على النبي وحده، فبعد موته قام بالمهمة غيره، فمثلاً لما سئل الإمام عليّ بن أبي طالب بعد معركة صفين عن قتلى الجمل، فقال: "والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء وقلبه نقي إلا دخل الجنة" (تاريخ ابن خلدون، ج1، ص 268)]

فهذه الرواية في تاريخ أبن خلدون مرسلة فهي ضعيفة من حيث السند ، وأما من حيث المتن والدلالة فموضوعها بعيد عن مفهوم صك الغفران ، فالإمام علي (عليه السلام) يذكر أن من شروط دخول الجنة هو نقاء القلب ، فالموضوع بعيد عن مفهوم صكوك الغفران ، حيث أن الإمام علي (عليه السلام) لم يخبرهم أنهم في الجنة حتما حينما كانوا على قيد الحياة وهم بدورهم لم يدفعوا مالاً مقابل الوعد بالجنة.

وأما ما أستدل الدكتور النجار به من فعل أبن أبي حاتم الذي كتب رقعه فيها ضمان للجنة وأعطاها لرجل قد أنفق مالاً في بناء سور طوس ، فإن صحّت ففيها جرأة على الله سبحانه من قبل أبن أبي حاتم ، وقد أشتبه الأمر عليه فزلّ زللاً عظيماً وتجرّأ وحتّم على الله سبحانه أنه سيدخل من يبني السور الجنة !؟ ثم ما هي قيمة فعل أبن أبي حاتم أو أي شخص آخر مهما كانت منزلته إذا كان فعله مخالفاً للإسلام.

وأما لجوء الدكتور كامل النجار لقولٍ منسوبٍ للحجاج بن يوسف الثقفي ليجعل من هذا القول دليلاً على تشويه الإسلام وشريعته ، فهو من تهافت حججه وأدلته ، فمتى أصبح الطغاة والسفاحون ممثلين للإسلام وشريعته ، فكم من طاغٍ قد تجرّأ على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ، وكم من طاغ قد سعى في تغيير الشريعة الإسلامية لتسير في ركابه وحسب هواه.

فمهما إزدادت محاولات تشويه الإسلام من قبل الدكتور كامل النجار في مقالاته المتعددة فهي في تقديرنا محاولات غير ناجحة لأنها تستند على أدلة وحجج واهية ليس لها مستند علمي من بحث او دليل منطقي ، ولأن الإسلام هو الدين الحق والإتجاه الصحيح الصدور عن الخالق جلَّ وعلا. نسأل الله سبحانه الهداية للجميع.

 

الصفحة الرئيسية