بسم الله الرحمن الرحيم

الملحدون والتجني على الإسلام والمرأة

نبيـل الكرخي

نشر د.عبد الخالق حسين مقالاً في موقع القاسم المشترك بتاريخ 22 آب 2005م بعنوان (موقف الإسلامويين من المرأة) ، ذكر كاتب المقال فيه مجموعة من الأخطاء والمعلومات البعيدة عن الصحة والمعادية للإسلام والمسلمين ، كما هو شانه في الكثير من مقالاته.

 

أتهم الكاتب المسلمين بهضم حقوق المرأة بأسم الدين ، وأتهم المسلمين بأنهم [(حرصوا على إبقائها جاهلة لا تدرك حقوقها لكي يتم إخضاعها لإرادتهم لا تنافسهم على المناصب والإرث)] ، متناسياً أن المسلمين من أول عصرهم كان تقديرهم عالٍ جداً للمرأة ، فهم الذين خالفوا إمامهم وخرجوا عليه وحاربوه تحت قيادة إمرأة في معركة الجمل ، فلو كان المسلمون ينظرون للمرأة نظرة إزدراء لما عمدوا إلى إمرأةٍ وجعلوا منها معلماً يتبعونه ، جعلوا منها قائداً يسمعونه ويطيعونه ، وهذا التصرف لبعض المسلمين في معركة الجمل يعكس جاهلية أرتدوا إليها ، فحاربوا إمامهم الشرعي وخليفتهم متأثرين بالنزعة الجاهلية ، وهو ما يدل على أن الكثير من العرب في الجاهلية كانوا يقدرون المرأة ويحترمونها في جانب من جوانب حياتهم ، نعم كان البعض منهم في الجاهلية في كل القبائل يقوم بوأد البنات خوفاً من عار السبي نتيجة الحروب الداخلية التي كانوا يخوضونها أو يقوم بالوأد خوفاً من الفقر ، ولكنها كانت عادة يتبعها البعض من الرجال في القبائل العربية ، وهي عادة منتشرة ومستشرية في القبائل العربية نجح الإسلام في القضاء عليها.

وأما موضوع الأرث الذي يطالب الكاتب بمساواته بين النساء والرجال بخلاف الإسلام الذي يفرض للذكر مثل حظ الأنثيين ، فنقول لكل من يعارض الإسلام ويعاديه أنه لا يوجد ضمان لحصول المرأة على حقوقها لولا الإسلام ، وكذلك لا ضمان لجميع أقرباء المتوفى بالحصول على حقوقهم لولا الإسلام ، وإلا فلو منعنا قوانين الأحوال الشخصية من أن تستند في تشريعها للإسلام فما هو الضامن لتوزيع عادل للميراث بين الورثة ، ومن هو المسؤول عن تحديد الورثة الذين يستحقون الميراث من بين جميع أقرباء المتوفى ، فهل يقسم المال بين بنات المتوفى فقط أم يعطى لأخواته أيضاً مع البنات وما هو موقف ميراث الأم والأب والأخوة والأعمام ، ألا يطالب عم المتوفى بميراث أبن أخيه ، ومن هو المسؤول عن تحديد أستحقاق العم من عدم أستحقاقه وكذلك عمة المتوفى ، إلى العشرات من التفاصيل الدقيقة في المواريث ، ففي ظل رفض المنظومة الإسلامية في المواريث فمن هو المسؤول عن تحديد منظومة جديدة عادلة ومقنعة للناس ، وكيف يمكن أن ترضي جميع الأطراف بأستحقاق الأرث وتوزيعه بين الأم والأب والزوج والأبناء والبنات والأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات واولاد العم وأولاد الخال وأولاد العمة وأولاد الخالة وذريتهم جميعاً ، فبكل تأكيد لن يوجد شخص يمكن أن يرضي جميع هذه الأطراف بميراثها دون أن يظلم أحداً بعيداً عن أتباع التعاليم الإسلامية في المواريث.

إنَّ عدالة المنظومة الإسلامية مستمدة من عدالة الخالق جلَّ وعلا الذي أوجدها وفق حكمة ومصلحة يعلمها ، كيف لا وهو الذي خلق الإنسان بل والكون كله ويعرف دواخل الإنسان وأحتياجاته ومصلحته بحكمةٍ بالغةٍ ، فليأتنا الذين رفضوا الإسلام بمنظومة تكون أكثر إقناعاً للإنسانية ويكون موجدها اكثر حكمة ومعرفة بالإنسان من خالقه الذي خلقه !

 

ووقف كاتب المقال وهو د. عبد الخالق حسين بالضد من تعدد الزوجات وزواج القاصرات ، وزواج القاصرة هي البنت التي تتزوج ويقل عمرها عن (18) سنة ، فهو يرفض أن تتزوج البنت تحت هذا السن ، وكأن هذا السن هو سن مقدس يجب الإلتزام به وعدم مخالفته ، ولا يملك كاتب المقال ولا بقية الملحدين ولا حتى العلمانيين سبباً مقنعاً لأختيار هذا السن ، فالبنت في سن الـ (17) تملك نفس التكامل الجسمي والذهني الذي تملكه في سن الـ (18) ، فما هو الداعي لأختيار هذا السن وتسمية البنت قبله بالقاصرة ومنع تزويجها ، ثم أن كاتب المقال لم يبين معنى قصورها قبل هذا السن هل هو قصور جسدي عن أداء وظائف الزوجية أم هو قصور ذهني ؟! ولماذا لا يتم أختيار سن الـ (21) سنة أو سن الـ (23) سنة ليكون ما قبله هو سن القصور ؟! فالمسألة كلها مستندة إلى الوهم عندهم وإلى الإختيار العشوائي.

ثم إذا كانوا يمنعون القاصرة على حد تعبيرهم من الزواج قبل هذا السن فلماذا لا يمنعونها من الميراث أيضاً قبل هذا السن !؟ وهل هناك دليل على أستحقاقها الأرث قبل هذا السن وفقاً لمنظومتهم الإلحادية أو حتى العلمانية ؟

 

وتجنى كاتب المقال فانتقى من الأحاديث النبوية أنتقاءاً مغرضاً يخدم هدفه في تشويه الإسلام ، فقال : [(ويلجأ الإسلاميون إلى كتب التراث العربي-الإسلامي لتأكيد وجهة نظرهم من المرأة في الإسلام حيث يضعونها في المرتبة الثالثة في درك الانحطاط بعد الكلب والحمار. إذ ينقل عن النبي محمد (ص) قوله: "الكلب والحمار والمرأة تقطع الصلاة اذا مرت أمام المؤمن فاصلة بينه وبين القبلة" حديث ذكره البخارى جـ1 ص 99)] ، فهذا الحديث غير موجود في البخاري بهذا اللفظ ، نعم هناك مصادر أخرة ذكرت معنى الحديث لا لفظه ، وفي البخاري ما ينقض هذا الحديث ، ففي صحيح البخاري في كتاب الصلاة أبواب سترة المصلي ج1 ص130 طبعة دار الفكر في بيروت : ( عن عائشة ذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة فقالت شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلى وانى على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لى الحاجة فأكره ان اجلس فأوذى النبي صلى الله عليه وسلم فانسل من عند رجليه ).وفي مسند أحمد ج 6 ص42 مثله.

وفي مسند أحمد ج1 ص247 : ( ذكر عند ابن عباس يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة قال بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلبا وحمارا لقد رأيتنى أقبلت على حمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس حتى إذا كنت قريبا منه مستقبله نزلت عنه وخليت عنه ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته فما أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ولانهانى عما صنعت ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس فجاءت وليدة تخلل الصفوف حتى عاذت برسول الله صلى الله عليه وسلم فما أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ولانهاها عما صنعت ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى في مسجد فخرج جدى من بعض حجرات النبي صلى الله عليه وسلم فذهب يجتاز بين يديه فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس أفلا تقولون الجدى يقطع الصلاة ).

وقال النووي في كتابه المجموع ج3 ص250 : ( إذا صلي الي سترة فمر بينه وبينها رجل أو امرأة أو صبى أو كافر أو كلب أسود أو حمار أو غيرها من الدواب لا تبطل صلاته عندنا قال الشيخ أبو حامد والاصحاب وبه قال عامة أهل العلم الا الحسن البصري ) ، فعلماء المسلمين عامة قد أهملوا الأحاديث التي تتحدث عن قطع المرأة للصلاة ولم يأخذوا بها لورود أحاديث أقوى سنداً ومتناً ودلالة على ترجيح عدم صحة تلك الأحاديث ، والمسألة فقهية بحتة أقحم د. عبد الخالق حسين نفسه فيها من دون أن يمتلك مقدمات علمية صحيحة في علم الحديث وقام بإنتقاء بعض الأحاديث المتروكة ليشوه الإسلام بإيرادها وكأنها قانون إسلامي مقدس !!

 

وفي خطوة أخرى بعد أن أعترف د. عبد الخالق حسين بأن الإسلام نجح في القضاء على وأد البنات وإذا به يريد تقليل أهمية هذا الإنجاز فقال [(يجب أن لا ننسى أن عملية الوأد لم تكن شائعة بين جميع القبائل كما يصوره لنا الإسلاميون وإلا لانقطع النسل)] ، وكلامه كله بلا دليل لأنه لا يملك إحصائية لمعرفة القبائل التي كانت تمارس الوأد من تلك التي لا تمارسه ، فضلاً عن أن الوأد لم يكن مختصاً بقومٍ معينين وإلا لأشتهر ذلك عنهم بين العرب ، مما يدل على أن عملية الوأد هي ممارسه عرفية يمكن أن يمارسها أشخاص من طبقات معينة وفي ظروف معينة وقد لا يمارسها أشخاص آخرون يعيشون معهم في نفس المحيط ، فهو ليس بعرفٍ لازم لكل شخص في القبيلة بل هو عرف شائع بين جميع القبائل العربية ، ويجب أن لا ننسى أن نظرة أهل المدن في شبه الجزيرة العربية للمرأة ولعملية الوأد تختلف عن مثيلتها لدى الأعراب من أهل البوادي ، فإحترام المرأة والفقر وتعارف الوأد للبنات فيه تفاوت بين أهل المدن وبين أهل البادية.

وهناك ملاحظة أخرى بخصوص قوله [(أن عملية الوأد لم تكن شائعة بين جميع القبائل… وإلا لانقطع النسل)] فلا يوجد دليل على أن من يأد أبنته يأد جميع بناته لاسيما إذا كان الوأد خوفاً من الفقر ، وكذلك لو كان الأمر خوفاً من السبي ، فالمرء قد يستبقي عدداً قليلاً من بناته ويأد الأخريات خوفاً من سبيهن إذا كثر عددهن ، فلا يوجد ضابط محدد لعملية الوأد ما دامت مرتبطة بعقلية ونفسية من يقوم بفعل الوأد وظروفه الخاصة. ومن جهة أخرى فإن شيوع الوأد بين كل القبائل لا يعني ملازمة أن يقوم كل أفراد القبائل بوأد بناتهم ، ففي كل قبيلة كانت هناك جماعة قد نزعت منها الرحمة أو أطبق الخوف والهلع من ذل سبي البنات على تفكيرها وهو خوف مرضي بلا شك ، فتعمد إلى وأد بناتها ، ونسبتهم قد لا تكون كبيرة جداً في كل قبيلة حتى يتهدد النسل بالأنقراض ولكنها كانت ظاهرة منتشرة في كل القبائل بلاشك ، لأن المؤرخين لم يتهموا قبيلة معينة بوأد البنات دون سواها. وبلا شك فقد نجح الإسلام بالقضاء على هذه الظاهرة نهائياً.

 

ولجأ د. عبد الخالق حسين إلى التوسل بإستنتاج بعيد عن كل القواعد العلمية ذكره الدكتور كامل النجار في كتابه سيء الصيت (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) والذي نقضنا بعض فصوله في مقالات سابقة ، فأعتمد على قول الدكتور النجار بأن الحجاب إنما وجد في الإسلام لتمييز الإماء عن الحرائر ، فتتحجب الحرة وتبقى الأمة بدون حجاب ، واليوم وقد أنقرضت الإماء فلم يبقً مبرر لحجاب المرأة ؟!! ويبدو أن هذا الإستنتاج "العبقري" البعيد عن المنطق والبعيد عن أصول أستنباط الحكم الشرعي لم يبتدعه الدكتور كامل النجار بل سبقه إليه العديدون من أعداء الإسلام ، ثم عمد هؤلاء الكتّاب كالدكتور عبد الخالق والدكتور النجار إلى الترويج لهذه الأفكار في شبكة الأنترنيت ، فقد وجدت أحدهم وهو المصري حسين أحمد أمين قد ألّف كتاباً أسمه دليل المسلم الحزين مطبوع سنة 1983م وقد ملأه بالشبهات ضد الإسلام ، وكانت هذه إحدى الشبهات التي ذكرها ، وجاء هؤلاء وروَّجوا لها على شبكة الأنترنيت !! بل زاد هذان الكاتبان أي عبد الخالق والنجار بأن سلبا الموضوع جانباً من أمانته العلمية ، حيث ذكر د.عبد الخالق حسين النص الآتي في مقاله :  [(ولكن ماذا عن الحقوق الإنسانية الأخرى للمرأة في الإسلام؟ يحاول الإسلاميون تبرير الحجاب مثلاً أنه فرض عبادي جاء به الإسلام لحماية المرأة وسترها والحفاظ على عرضها. ففي المدينة المنورة كان الشباب يتعرضون للإماء ليلاً عند خروجهن لقضاء حاجة. فإن عرفوها حرة تركوها وإن كانت أمَة لمسوها. "فمفهوم الحجاب في الإسلام هو أنه للنساء الحرائر فقط ولا يشمل الإماء. فقد منع الخليفة عمر بن الخطاب الإماء من لبس الحجاب، رغم كونهن مسلمات، وكان يطوف شوارع المدينة بحثاً عن الإماء المحجبات فيضربهن بدرته حتى يسقط عنهن الحجاب، ويقول لهن: " فيم الإماء يتشبهن بالحرائر؟ " ( طبقات ابن سعد، 6/127).)] ، فهذا النص الذي أدعى أنه منقول عن طبقات أبن سعد حول منع عمر بن الخطاب للإماء من أرتداء ملابس الحرائر فيه تغيير متعمد ، حيث أن النص الأصلي يتحدث عن كون الأمة تمنع من أرتداء القناع لأنه ملبس للحرة ، والنص الأصلي في طبقات أبن سعد ج7 ص127 هو : (حدثنا المسيب بن دارم قال رأيت عمر وفي يده درة فضرب رأس أمة حتى سقط القناع عن رأسها قال فيم الامة تشبه بالحرة) ، وهذا النص الذي ذكره الـ د.عبد الخالق حسين قد وجدنا انه نقله دون تمحيص من كتاب (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) للدكتور كامل النجار ، ويبدو أن الدكتور كامل النجار قد غيّر في النص بما يلائم الفكرة السابقة الذكر والتي ليس لها أصل واقعي فرفع كلمة قناع ووضع بدلاً عنها كلمة حجاب ،  فأي أمانة علمية يمتلكها ! وأي ثقة يمكن أن يثق بهما القاريء بعد كل هذا الخداع !!

ونقتصر في نقاش هذا الموضوع على الآتي :

إنَّ الأمر القرآني للحرائر بأن يدنين عليهن من جلابيبهن جاء في قول الله عزَّ وجل : (( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً )) ، وعموم لفظ القرآن لا يخصصه سبب النزول ، كما هي القاعدة الفقهية المعروفة ، فكون سبب نزول الآية الكريمة مختص بإيذاء أهل المعاصي والفساق للإماء وإمتناعهم عن إيذاء الحرائر لا يعني أن يتم قصر الإيذاء على وجود الحرائر مع الإماء كما يدعي أصحاب الشبهة. بل الآية الكريمة تشير بوضوح إلى تجنيب الحرائر للأذى ، ولم تتطرق للإماء أبداً. وسواء كان ذلك الأذى مصدره اللذين يتعرضون للإماء أم مصدره أمر آخر فالأمر القرآني ثابت بأن يكون إدناء الجلابيب فيه منفعة دفع الأذى عن الحرائر. واليوم نجد أن الآية الكريمة تنطبق بنفس المفهوم فهناك من أهل المعاصي والفساق من يتعرضون للنساء المبتذلات أي اللائي لا يرتدين الحجاب الشرعي وكذلك يتعرضون للنساء السافرات ، في حين أنهم يمتنعون عن التعرض للنساء المحجبات حجاباً شرعياً منضبطاً ، وهذا الأمر ملموس في الحياة الاجتماعية داخل المجتمعات الإسلامية ، فنجد أن الأمر القرآني مازال نافذ المفعول كما هو شأن كل آيات القرآن الكريم.

 

·   إنَّ الحكم الشرعي في الشريعة الإسلامية له مصادر معروفة أبرزها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فحكم الحجاب الإسلامي يؤخذ من هذين المصدرين ، بينما يريد أصحاب الشبهة أن يقصروه على القرآن الكريم فقط وبفهم سقيم لآياته الكريمة.

 

·   فعل الخليفة عمر بن الخطاب ليس بحجة لأنه ليس مصدراً تشريعياً للمسلمين كالكتاب الشريف والسنة النبوية . ثم أنه على فرض صحة المنقول عن الخليفة عمر فإننا نجده قد أخطأ بمنعه الإماء من التشبه بالحرائر صوناً لأنفسهن من تطاول المنافقين والفساق عليهن ، وقد قال تعالى : (( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً )) والذي يستفاد منه تشجيع الأمة على صيانة نفسها من عبث العابثين وتجنب الزنى والمحافظة على العفة ، وفعل عمر بإجبار الأمة على كشف نفسها لأهل الفسق والنفاق فيه تشجيع وإغراء مخالف لما هو مطلوب في القرآن الكريم. ثم أن الأمر بارتداء الجلباب موجه للحرائر وهو أيضاً مباح للإماء ، فكيف يقوم الخليفة عمر بمنع المباح وتحريمه وإبقاء الإماء مادة للتحرش الجنسي من قبل المنافقين والفساق !؟ ولماذا لم يقم بمطاردة المنافقين والفساق المتجولين ليلاً ليضربهم بدرَّته الشهيرة على سوء فعلهم بدلاً من أن يضرب الإماء الضعيفات وينزع حجاب وجوههن !؟

 

ولقد وجدنا أن الدكتور عبد الخالق حسين يضع نفسه في موضع المدافع عن المرأة ، وهو في مقاله لا يهتم لأمرها أبداً ولا تشغله همومها ومشاكلها ، فيستغل بعض المواضيع المكررة من أجل خداعها بانه يدافع عن حقوقها ، فلنقرأ عزيزي القاريء هذا النص من مقاله حيث يقول : [(وتاريخ الإسلام حافل باضطهاد المرأة والحط من شأنها وتكريس تخلفها ليسهل عليهم استغلالها لأغراضهم وإشباع نهمهم الجنسي في تعدد الزوجات، وزواج المتعة عند الشيعة، والمسيار عند السنة)] ، فيجعل الزواج وكأنه من أجل أشباع الرغبة الجنسية للرجل وحده ويتجاهل أن المرأة إنسانة لها مشاعرها وأحاسيسها وأنها محتاجة أيضاً للزواج من أجل أشباع رغبتها الجنسية التي لا تقل عن رغبة الرجل بل قد تزيد عليها ، ويتجاهل أن المرأة لها حريتها في الزواج من رجل متزوج من أجل تحقيق مصلحة خاصة بها ، وأنها تملك حريتها في الزواج زواج المتعة من أجل إشباع رغبتها الجنسية أو غيرها من الأسباب ، وكذلك الحال في ما يسمى زواج المسيار ، فلماذا يريد سلبها هذه الحرية ، ولماذا يتجاهل حق المرأة في أشباع رغبتها الجنسية وغريزتها ومعاملتها بإنسانية لتحقيق رغباتها وأستقرارها.

 

وأما لجوئهم لضرب الإسلام من خلال الإستشهاد بأقوال لأبي الثناء الآلوسي وستار البهادلي في البصرة فهو دليل على ضعف حجتهم وهوان فكرهم ، فهل نحن نتعلم الإسلام من هؤلاء المذكورين ، وما هو تأثيرهم في الإسلام أو تأثر المسلمين بهم ، وهل يكاد المسلمين إلا أن يعرفوا أسمائهم في احسن الأحوال ، فمتى وجدوا المسلمين تاركين لكتاب ربهم وسنة نبيهم وآله الأطهار ومتمسكين بقول الآلوسي أو البهادلي أوغيرهما ، بل من هو ستار البهادلي حتى يقحم أسمه في هكذا مواضيع ، وهل هذا إلا لضعف حجتهم وتهافت قولهم في عدائهم للإسلام العظيم.

 

ومن ظلم القول ما قاله د.عبد الخالق حسين في مقاله حين قال : [(فالمرجعية الشيعية أساساً كانت ضد أي نشاط سياسي لأبناء الطائفة وكما يذكر لنا الدكتور رشيد الخيون أن هذا النشاط سمحت به المرجعية ".. تحت غطاء الدفاع عن الإسلام بعد ثورة 14 تموز، تحولت مع الأيام إلى الدفاع عن حقوق الشيعة فحسب، بينما لم يشهد العراق فترة ألغيت فيها الطائفية، وعطل أي تمايز بين العراقيين على أساس المذهب والدين والقومية مثل الفترة التي انتفضت فيها المرجعية الدينية ضد الدولة...)] فإذا كان كل هذا الجهاد السياسي للمرجعية الشيعية الدينية في النجف الأشرف في قيادة ثورة العشرين وعملهم السياسي المركز بعدها الذي أضطر عملاء الأنكليز في السلطة لنفي أكابرهم وهم الشيخ النائيني والسيد الأصفهاني والشيخ الخالصي  سنة 1923م ليتسنى لهم تمرير مخططاتهم ، وكل المواقف السياسية لمراجع الشيعة من القضية الفلسطينية ومن الأوضاع الداخلية وتأسيس الجمعيات الإسلامية في الأربعينيات وحزب الدعوة الإسلامية في الخمسينيات في العهد الملكي ، كل هذا تم تشويهه من قبل الدكتور عبد الخالق حسين لصالح الإنتصار للمد الأحمر الذي سيطر على الشارع أيام نفوذ الشيوعيين في عهد عبد الكريم قاسم الذي يصفه بأنه عهد ألغيت فيه الطائفية والتمييز على أساس المذهب والدين والقومية ، فهل تم ذلك إلا لأن الشيوعيين قد أوجدوا نوع جديد من الإضطهاد هو الإضطهاد السياسي فأضطهدوا القوميين وسحلوهم في الشوارع وعلقوهم على أعمدة الكهرباء ، وحاربوا الإسلاميين وعملوا على تغيير الهوية الثقافية للشعب العراقي المسلم ، نعم لم يكن في ذلك العهد تمييز ديني أو قومي لأن الشيوعيين لا يؤمنون بالدين أو القومية ، وليس لأنه عهد عادل ، فهو عهد لم يسد فيه السلام بل الظلم والعدوان والقتل على الهوية السياسية. هذا هو العصر الذي يفتخر به الدكتور عبد الخالق حسين.

ومما يدل على عدم معرفته بتاريخ الحركة الإسلامية الشيعية وعلاقتها بالمرجعية الدينية ما ذكره في هذا النص حيث يقول : [(كان الدافع الأساس هو إصدار قانونيَّ «الأحوال الشخصية» و«الإصلاح الزراعي». بمعنى آخر أن تأسيس الحزبية الشيعية جاءت ردة فعل لا فعل طبيعي. فلو ألغى عبد الكريم قاسم القانونيَّن المذكورين لما كان هناك تأييد مرجعي للعمل الحزبي الشيعي)] ، مع أن النشاط السياسي الشيعي بدأ منذ سنة 1956م في العهد الملكي بجهود السيد محمد مهدي الحكيم (قده) ورفاقه وفي مقدمتهم السيد محمد باقر الصدر (قده) والسيد محمد باقر الحكيم (قده) والسيد مرتضى العسكري (حفظه الله) والذي تبلور بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية ، وذلك قبل أن يحدث إنقلاب 14 تموز ، فكيف يكون التاسيس المذكور رد فعل على فعل لم يحدث بعد !! ثم أن المرجع الأعلى المرحوم السيد محسن الحكيم (قده) قد وجه المؤسسين للحزب المذكور للإنسحاب منه في فترة كان العمل فيها بالقانونين المذكورين جارٍ وهو مما ينقض كل أدعاءات د. عبد الخالق حسين في النص الذي نقلناه آنفاً.

 

وأما وصف د.عبد الخالق حسين لقانون الأحوال الشخصية الذي سنّه عبد الكريم قاسم والمخالف للإسلام بأنه قانون منصف للمرأة ، فهو وصف بعيد عن المصلحة الحقيقية للمرأة ، فهل الإنصاف للمرأة يكمن في إبطال المهور عند الزواج ، وهو مطلب الملحدين والشيوعيين في الماضي ومازالوا ، وهل الإنصاف للمرأة هو في إخراجها من البيت وإجبارها على العمل لكي يتسنى لها الحصول على لقمة معيشتها وفقا للنظرية الإشتراكية والفكر الماركسي ، وهل الإنصاف للمرأة هو في منع نفقتها الواجبة من قبل الرجل وتركها بلا معيل تحت ذريعة المساواة ! وهل من الإنصاف أن تمنع المرأة من الزواج من رجل متزوج ويسمح لها بأن تزني معه ! فهل هذا هو الإنصاف الذي يزعموه !! إنَّ في إنصافهم المزعوم تضييع لحقوق المرأة وكرامتها وإستقرارها.

 

قال الله سبحانه : (( إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )).

صدق الله العلي العظيم

 

الصفحة الرئيسية