بسم الله الرحمن الرحيم

أخطاء مكررة في كتابات الدكتور كامل النجار

حول عصمة الأنبياء

نبيـل الكرخي

لم يعد مستغرباً تلك الأخطاء المكررة في أسلوب البحث العلمي عند الدكتور كامل النجار في كتاباته المتخصصة في محاربة الإسلام ـ حيث لم أقرأ له يوماً كتابات ضد دين آخر أو عقيدة أخرى ؟! ـ ففضلاً عن تكرار أفكاره في كتاباته كلها ، فأنه يبتعد بها عن أبسط قواعد البحث العلمي ، فحين يتكلم ضد الإسلام ويستشهد بحديث أو قصة تأريخية من التراث الإسلامي عليه أن يلتزم بأسلوب البحث العلمي لتحقيق الروايات وتمحيص الصحيح والمعتبر من غيره ، أما إذا كان لا يعلم قواعد التمحيص تلك فليس من الضروري أن يبحث في موضوع لا يعرف قواعده ولا يجيدها. وحين يتكلم عن قاعدة يرتكز عليها مذهب الشيعة وهي عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة عليهم السلام ، فعليه أن يناقش المسألة أما بدليل عقلي ، أو بدليل من كتب الشيعة المعتبرة التي تعبر عن عقيدتهم وبشروط مذهبهم لا أن يأتي إلى روايات في صحيح البخاري أو غيره من كتب الحديث عند أهل السنة أو كتب التأريخ بدون تمحيص للسند والمتن ، ثم يتخذ ذلك دليلاً على عدم صحة مذهب الشيعة ، فليس فيما يفعله أي سلوك لبحث علمي ، بل هو مجرد تشويش على العقيدة الإسلامية ، وسنتطرق في مقالاتنا حول نقضنا لكتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) في التعقيب الرابع الذي سيصدر قريباً بمشيئة الله عزَّ وجل إلى نماذج كثيرة توضح مخالفات خطيرة للدكتور كامل النجار لأسلوب البحث العلمي.

وفي أحدث مقال قرأته له وهو منشور في موقع كتابات تحت عنوان (هل الأنبياء والرسل معصومون ؟) ، نجده يتناقض مع نفسه كما هو شأنه دائماً في كتاباته ، حيث يقول في هذا المقال ما نصه : (وقد قدس عرب ما قبل الإسلام أصنامهم وحتى بعض الأشجار مثل " ذات أنواط" وكذلك الكعبة التي كانوا يحتفظون فيها بأصنامهم. ثم جاءت الأديان التوحيدية فجعلت التقديس لله وحده) ، فيعتبر عبادة العرب للأصنام هي عبادة غير توحيدية ، حيث يجعلها مرحلة سبقت ظهور الأديان التوحيدية حيث يقول كما هو مذكور آنفاً : (ثم جاءت الأديان التوحيدية فجعلت التقديس لله وحده) ، وهو بذلك يناقض ما ذكره في كتابه (الدولة الإسلامية بين النظرية والتطبيق) حيث يعتبر فيه أن عبادة العرب في الجاهلية للأصنام هو جزء من العبادة التوحيدية إلى جانب إعتناق بعضهم لليهودية والمسيحية ، فليلاحظ القاريء الكريم ، فالدكتور النجار تارةً يعتبر عبادة عرب الجاهلية للأصنام جزءاً من العبادة التوحيدية وتارةً أخرى لا يعتبرها كذلك.

 ومن أخطاءه إعتباره أن الإسلام جاء بتقديس الله عزَّ وجل وحده ، فيقول : (ثم جاءت الأديان التوحيدية فجعلت التقديس لله وحده، ولكن مع مرور الوقت امتد التقديس لأماكن العبادة من أديرة وكنائس ومساجد وحتى قبور الأولياء أصبحت مقدسة) ، وهذا خطأ لأن الإسلام جاء بعبادة الله جلَّ وعلا وحده لا شريك له ، ولكن الإسلام فرض تقديس العديد من الأمور ، منها تقديس المصحف وعدم جواز إهانته ، ومنها تقديس الإنسان نفسه وفكره الإيماني ، فأصبحت إهانة المؤمن حرام ، ومنها تقديس المسجد فلا يجوز للجنب والحائض الدخول فيه ، وحتى قبور عامة  المسلمين أصبحت مقدسة فلا يجوز إهانتها ، فضلاً عن قبور الأولياء ، فالدكتور النجار لا يميز بين معنى التقديس وبين معنى العبادة ، فيظن أن كل تقديس هو عبادة وهو تلازم واضح البطلان ، ومنطقه قريب من منطق الوهابية الذين لا يحسنون تمييز مثل هذه الأمور.

 وطرح الدكتور كامل النجار مناقشته لموضوع عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) وفق الدليلين النقلي والعقلي فقال : (ولكن هل تنسجم هذه العصمة مع تعاليم الإسلام أولاً ومع العقل ثانياً ؟) ولكنه لم يلتزم هو نفسه بما ألزم به نفسه ، أي لم يناقش قضية العصمة وفق هذين الإتجاهين أي النقلي والعقلي ، فناقش الموضوع في إطاره النقلي فقط من خلال بعض الروايات الضعيفة ، وترك الدليل العقلي دون الخوض فيه مطلقاً ، وهذا يشكل خللاً في أسلوب البحث العلمي ، لأنه لو لم يعلن في بداية مقاله عن عزمه على مناقشة الدليل العقلي لكان أجدر به ، ولعذرناه بأنه يناقش الموضوع من خلال الدليل النقلي فقط ، ولكنه حيث أشار إلى الدليل العقلي توجب عليه مناقشته ، وهو ما لم يفعله !!؟

 وذكر الدكتور كامل النجار حول حديث أورده من صحيح مسلم ، فقال : (فقد  روى مسلم في "صحيحه" عن زُهَيْر عن عَفَّان عن حماد عن ثابت عن أنس أن رجلاً كان يُتَّهَمُ بأم ولد النبي (ص) فقال رسول الله لعلي: " اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَه "، فأتاه عليّ فإذا هو في رَكيٍّ يتبرد، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مَجْبُوبٌ ليس له ذَكَر، فكفَّ علي، ثم أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، إنه لمجبوبٌ ماله ذَكَر" .  وفي رواية أخرى أن الرجل عندما رأى السيف المسلول تسلق شجرةً قريبة منه، فنظر عليّ بن أبي طالب إلى أعلى فرأى أنه مجبوب. فالرسول، بما أنه بشر، غضب عندما سمع هذه الإشاعة عن ماريا القبطية فلم يتحقق من صدقها أو عدمه وأرسل علياً ليقتل المتهم. فلو كان الرسول معصوماً عن الخطأ، أو لو كان يعلم الغيب، لعرف أن الإشاعة كاذبة لأن المتهم بماريا لم يكن في مقدوره أن يرتكب معها ما اتهموه به) ، وهذا الحديث ضعيف من جهتين ، فإنَّ أنس بن مالك غير مرضي السيرة وعدالته مجهولة ، حيث أن أهل السنة يقولون بعدالة كل الصحابة دون فحص ، وهذا خطأ لأن هناك عيوب في الراوي توجب عدم قبول الرواية ولا يتعلق الموضوع بعدم تعمد الكذب فحسب ، فمن تلك العيوب : التدليس والخلط وكثرة النسيان ، فحيث أنهم لم يبينوا حال الصحابة في مثل هذه الصفات فهم مجهولون ، كما أن الرواية قد ورد في سندها التابعي (ثابت) الذي يروي عن أنس ، وهو ثابت بن اسلم البناني ، وقد قال أبن حجر عنه في تهذيب التهذيب ج2 ص3 أنه رغم وثاقته لكن يحيى القطان قال عنه أنه (أختلط) ، فلا يمكن قبول روايته لضعفها.

  وأما أكذوبة إتهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه هو المقصود بقوله تعالى : (( عبس وتولى)) ، فهي تستند إلى رواية في سنن الترمذي هي : (حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال حدثنا أبي قال هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : (أنزل عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول : أترى بما أقول بأساً ؟ ففي هذا أنزل" هذا حديث حسن غريب وروى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه قال : أنزل عبس وتولى في ابن أم مكتوم ولم يذكر فيه عن عائشة) ، فهذا الحديث يقول عنه الترمذي أنه غريب أي أنَّ سنده منفرد لم يأت حديث آخر بمثل هذا السند ، وأما تحسين الترمذي لهذا الحديث فهو مبني على قواعده الخاطئة والتي يأتي في مقدمتها قاعدة عدالة جميع الصحابة ، فهو قد صحح هذه الرواية عن أم المؤمنين عائشة لمجرد أنها روتها ، مع أنها لم تحضر تلك الواقعة لصغر سنها ، ونحن لا يمكننا قبول مثل هذا السند لأن الراوي فيه لم يحضر الحادثة ، ثم أن في السند عروة بن الزبير وقد جرحه أبن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة بأنه كان من النواصب ، فلا يمكن قبول روايته مهما كان رأي أهل السنة فيه ، حيث أنهم لا يأبهون لجرح الراوي بالنصب فنجدهم على سبيل المثال يروون عن الخوارج وهم من النواصب أيضاً ، وأحد علماء الجرح والتعديل عند أهل السنة هو من النواصب وهو أبو بكر السجستاني ، وفي ختام كلامه قال الترمذي ما يفيد بأن هناك روايات مرسلة لهذا الحديث (بدون ذكر أسم أم المؤمنين عائشة) ، والحديث المرسل هو حديث ضعيف.

وكذلك فقد أخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة ، وقال بعد إيراده : (أرسله جماعة عن هشام بن عروة) ، فما قلناه عن رواية الترمذي ينطبق هنا أيضاً لا سيما دعوى الإرسال.

نموذج آخر مما ذكره الدكتور كامل النجار وهو قصة تأبير النخل ، فقال ما نصه : (ويحكى أن النبي (ص) مر على قوم يُلّقحون نخيلهم فسأل ماذا يفعلون، فقيل له أنهم يأخذون من الذكر فيضعونه على الأنثى، فقال: " ما أظن ذلك يصلح ". فتركوا النخل دون تلقيح في ذلك العام فلم ينتج لهم نمراً، فقال لهم النبي (ص):  " إنما هُوَ ظََنٌ، فإن كان يُغنى شيئاً، فاصنَعوهُ، فإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وإنَّ الظَنَّ يُخطِئٌ ويُصيبُ، ولكنْ ما قلتُ لكم عنِ الله عَزَّ وجَلَّ، فلن أكذِبَ على الله. " (الطب النبوي لابن قيم الجوزية، ص 401). فإن صحت الرواية فإن النبي نفسه يقول إنه ليس معصوماً، وإنه يتبع حدسه الذي قد يخطئ وقد يصيب) ، وقد تتبعنا هذه القصة في كتب أهل السنة فوجدنا أن سندها ينتهي إلى عروة بن الزبير عن عائشة وكذلك ثابت عن أنس ، قال أبن حزم في كتابه الأحكام (ج5 ص703 و704) : (وقال ( ص ) : أنتم أعلم بأمور دنياكم . وقد حدثنا بهذا الحديث عبد الله بن يوسف بن ناهي ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وعمر والناقد ، وكلاهما عن أسود بن عامر ، ثنا حماد بن سلمة ، عن هشام ابن عروة وثابت وهشام ، عن أبيه عن عائشة ، وثابت عن أنس : أن رسول الله ( ص ) مر بقوم يلقحون النخل فقال : لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا ، فمر بهم فقال : ما لنخلكم ؟ فقالوا : قلت كذا وكذا ، قال : أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ، وقد بيّنا آنفاَ أن هذه الأسانيد غير معتبرة ، وقال الشيخ محمد صادق النجمي في كتابه أضواء على الصحيحين ص275 ما نصه : (لا يخفى أن الغاية من جعل هذا الحديث هي فتح باب المخالفة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بحيث لو أراد الخلفاء وأصحاب السلطة يوما أن يحكموا على خلاف تعاليم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وينقضوا أوامره ، فهم يملكون دليلا ، ويستدلون على مخالفتهم بأن النبي قد ارتكب خطأ في مسألة تلقيح النخيل وبعدها قال : أنتم أعلم بأمور دنياكم).

 نموذج آخر من نماذج إنعدام أسلوب البحث العلمي عند الدكتور كامل النجار هو قوله : (وروى البخاري وابن ماجة أن خولة بنت ثعلبة وقيل بنت حكيم، أتت رسول الله (ص) فقالت إن زوجها أوس بن الصامت قد ظاهر عنها (جعلها مثل ظهر أمه، أي حرمت عليه كأمه) فقال لها الرسول: " حرمتِ عليه ". فقالت والله ما ذكر طلاقاً وإني أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي، فنزلت الآية: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " (المجادلة، الآية 1). فأحلها الله لزوجها. ومرة أخرى قد أخطأ النبي الإنسان الذي لم يدع العصمة) ، وبعد مراجعة المصادر لم نعثر على ما ذكره لا في البخاري ولا في أبن ماجة كما أدعى ، ووجدنا أن ما نقله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أنه قال (حرمتِ عليه) يعارضه ما ذكره البيهقي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول لها : (أتقي الله فإنه زوجك وأبن عمك) ، وفي رواية أخرى قال النبي (صلى الله عليه وآله) : (يا خويلة ما امرنا في امرك بشئ فانزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا خويلة أبشرى قالت خيرا قال خيرا فقرأ عليها قوله تعالى (( قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله ) الآيات )) ).

ثم أن الله عزَّ وجل لم يحلها لزوجها مطلقاً كما ادعى الدكتور كامل النجار بل وضع كفارة عليه نجدها في قوله تعالى في الآيتين (3و4) من سورة المجادلة : (( والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير ، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم )) ، فيبدو أن كل ما ذكره الدكتور كامل النجار ليس له أصل.

فهذه نماذج من الأخطاء الموجودة في كتابات الدكتور النجار ، وهي اخطاء متكررة ، وأعني تكرر إعتماده على حديث بدون الفحص عن صحته.  ولسنا بحاجة بعد ذلك لمناقشة كل الشبهات التي أوردها الدكتور كامل النجار ، إذ أن فيما ذكرنا كفاية لبيان أخطاءه وعدم إعتماده الأسلوب العلمي في بحث المواضيع التأريخية والدينية.

ثم يختتم الدكتور كامل النجار مقاله بقوله : (فإذا كان النبي غير معصومٍ فهل يجوز عقلاً إذاً أن نقول إن ابن عمه علي بن أبي طالب كان معصوماً أو أن أبناء عليّ أو بنات النبي (ص) كانوا معصومين ؟) ، وهو هنا يرتكب خرقاً فاضحاً لأسلوب البحث العلمي ، فهو أعتمد في مقاله كله على أحاديث من كتب أهل السنة من أجل أن ينقض فكرة عند الشيعة وهي فكرة عصمة الأئمة عليهم السلام ، وكان الأجدر به أن يناقش ما قاله الشيعة في كتبهم حول موضوع العصمة ثم يحاول تفنيد رأيهم ، لا أن يأتي لروايات لا يعتمدها الشيعة ولا يعترفون بصحتها ثم يتخذها دليلاً على عدم صحة مذهب الشيعة.

 

الصفحة الرئيسية