بسم الله الرحمن الرحيم

 

مدخل الى تيارات الفكر الاجتماعي الديني المعاصر
 

 

نبيـل الكرخي

 

إنَّ البحث في تيارات الفكر الديني المعاصر هو بحث مهم لارتباطه الوثيق بدعوات الحداثة والمعاصرة والصراع بين الايمان والالحاد وبين الدين والحداثة ، واتخاذ كل طرف من الانسان والانسانية شعاراً له ، ورغم سمو الهدف الذي يسعى اليه الجميع الا ان الخطأ في سلوك الطريق يؤدي الى الانحراف عن الوصول الى الهدف فتتحول خدمة الانسان الى اساءة اليه ويتحول اصلاح الانسانية وبناء المجتمع الانساني المتحضّر الى هدم لهما.

مقالنا هذا هو نقد لبحث بعنوان (مدخل الى الفكر الاجتماعي الديني المعاصر في ايران) للشيخ محمد تقي سبحاني منشور في ثلاث حلقات في مجلة (نصوص معاصرة) الاعداد 17-18 و20 و21 لسنـة 2010م وهدفه منه عرض إطار نظري للتعريف بالافكار الدينية الاساسية في ايران ، ولما رأينا ان طبيعة المجتمع الايراني متقاربة مع طبيعة المجتمع العراقي والقيم الاساسية السائدة فيهما والمتبنيات الدينية المشتركة فيهما ، فقد وجدنا من المناسب الاهتمام بالموضوع ونقده لكونه يعكس الحالة العامة للفكر الاجتماعي الديني في كلا البلدين. ولقد وجدنا ان الشيخ محمد تقي سبحاني لم يقم بجمع وافر للمعلومات المطلوبة للنهوض ببحثه ولم يقم بتحليل ما جمعه بصورة تامة والنظر لمعلوماته من جوانب متعددة نظرة تحليلية فاحصة مما جعل بحثه ينحو منحى مغاير للوقائع على الارض بنتائج غير صحيحة ، فكانت النتائج التي توصل اليها فيها الكثير من المجانبة للصواب. لذا ارتأينا ان نقوم بنقد بحثه لعلنا نتمكن من تصحيح مسار البحث بالاتجاه الذي نراه صائباً ونغني الموضوع بما يستحقه. وطلباً للاختصار سوف نشير الى اسم الشيخ محمد تقي فلسفي بأسم "الباحث".

قسّم الباحث الفكر الديني المعاصر الى قسمين الفكر النظري والفكر الاجتماعي ، فالنظري يبحث عن حقائق الوجود والطبيعة ومصير الانسان بينما يبحث الفكر الاجتماعي عن ماهية العلاقات الاجتماعية وطرق تعامل الانسان مع المظاهر العامة والتعاطي معها. وقد ظهر في هذا الاطار العديد من المفكرين والافكار في كِلا القسمين والباحث تناول في بحثه فقط ما يتعلق بالفكر الاجتماعي الديني حصراً.

قسّم الباحث تيارات الفكر الاجتماعي الديني المعاصرة الى ثلاثة تيارات اصطلح عليها الاتي:

-       النزعة الشرعية الاسلامية. وابرز ملامحها اهتمام رجل الدين بقضايا الاستنباط الفقهي دون الالتفات الى تنمية المجتمع او اشراك الدين في السياسة.

-       النزعة التجديدية الاسلامية. وهي نزعة بعض المثقفين المتأثرين بالحضارة الغربية حيث ارادوا تفسير الاسلام وفهمه من خلال رؤاهم الماركسية او الليبرالية !

-       النزعة الحضارية الاسلامية. وهي صاحبة رؤية الاسلام الشامل حيث يرى رجل الدين ان الاسلام هو الذي يمكن ان يبني الحضارة الانسانية على اكمل وجه. وبناءاص على ذلك يغلب على رجال الدين من اصحاب هذا الاتجاه الاهتمام بالقضايا الاجتماعية وتنمية المجتمع وبناء الدولة على اسس اسلامية. فلا فصل بين الدين والسياسة ولا بين الدين والدولة ولا بين الدين والمجتمع.

وارجع الباحث ظهور هذه النزعات الى تغلغل الحضارة الغربية في البلاد الاسلامية واتصال بعض المسلمين بالحضارة الغربية اثناء دراستهم في بلاد الغرب. اذن الاحتكاك بين الشرق والغرب سواء في داخل بلاد المسلمين ام في داخل بلاد الغرب هو السبب في ظهور هذه النزعات الثلاثة بصورة عامة ، ثم رد فعل العلماء والمفكرين المسلمين تجاه هذا الاحتكاك في ثلاثة اتجاهات كوّنت هذه النزعات الثلاثة المذكورة. قال الباحث: (ان هذه التوجهات الثلاثة وإنْ كانت تنطلق من مناشيء ثقافية ودعائم فكرية مختلفة إلا انها من الناحية العملية انبثقت من ارضية اجتماعية واحدة ونمت في بوتقة التعاطي والتعامل مع بعضها البعض فقد تكونت النزعة الشرعية الاسلامية والنزعة التجديدية الاسلامية في خضم مواجهتها للثقافة الغربية الجديدة)[1]... الى ان يقول حول النزعة الحضارية: (يسعى الاتجاه الحضاري الى التوفيق بين الاصولية الدينية والتجديد وبذلك لا يرى الدين مخالفاً للتجديد والتنمية الاجتماعية بل يرى التنمية العلمية والتكنولوجية من ضروريات الحياة الاجتماعية. إنَّ نقطة الاختلاف بين هذه الرؤية والتجديد الاسلامي يكمن في ان المتنورين المسلمين يأخذون أدوات التنمية من النماذج الغربية المتطورة ويعملون على مجرّد مواءمتها مع الشريعة الاسلامية بحسب الظاهر فقط ، في حين إنَّ الاتجاه الحضاري يسعى الى تبيين وتأسيس أدوات التنمية الاجتماعية في إطار الثقافة الاسلامية وتعاليم الوحي السماوي. وعليه يمكن القول ان هذا الاتجاه قد تكوَّن كرد فعل للنزعتين المتقدمتين واستجابة للتحديات الخارجية والعقد المستعصية التي عجز الآخرون عن حلّها)[2].

 

وفيما يلي استعراض لبعض افكار الكاتب حول هذه التيارات الثلاثة:

1.    النزعة الشرعية الاسلامية.

والتي اطلقنا عليها اسم (نزعة الشريعة الفردية) فهذا التعبير نراه أكثر دقة وتعبير عن واقع النزعة مدار البحث حيث ان التيار الحضاري الذي اطلقنا عليه اسم (نزعة الاسلام الشامل) ايضاً يهتم بالقضايا الشرعية والتشريعية بكل تأكيد فليس من المناسب ان نسمي نزعةً ما بصفة تشترك فيها مع نزعة اخرى دون بيان خصوصيتها.

قال الباحث ان النزعة الشرعية الاسلامية كانت تنظر الى الحضارة الغربية بنظرة الشك والارتياب واحياناً قد يبلغ بها الامر حداً تعتبر فيه كل ظاهرة جديدة تأتي من الغرب نموذجاً للكفر والزندقة والمتشرعة في الغالب يؤكدون على ضرورة انطباق القوانين والتقاليد الاجتماعية على الشريعة الاسلامية إلا انها بدلاً من السعي الى التعرف على ماهية الحضارة الجديدة وتقديم الادوات العملية لتطبيق الدين في الساحة الاجتماعية وجدت من واجبها الحفاظ على الشريعة وإلغاء جميع الافكار والآراء التي نبدو لها متنافية وروح الشريعة الاسلامية أو دخيلة عليها. ويقول الباحث: (فإنَّ هذا التفكير بوصفه نزعة أساسية موجود في الحوزات العلمية الشيعية منذ ما يقرب من قرنين من الزمن قبل (أي بعد انهيار الصفوية). وهذان قرنان اقترنا بالاضطرابات السياسية وأفول حضارة المجتمع الايراني وتغلغل القوى الغربية والثقافات الاجنبية في ايران. إنَّ النزعة المتشرعة وإن ظهرت احياناً كرد فعل اجتماعي في قبال إخفاق المؤسسة الدينية على الساحة السياسية في ايران. ولكنها في الحقيقة ذات جذور عميقة في تفكير وتاريخ التشيّع ويجب عدم تجاهل اسسها ومبانيها المعرفية)[3]. ولا نجد ان تعبيره عن وجود جذور عميقة لهذا التيار في تفكير وتاريخ التشيع صائباً حيث سبق للباحث ان شخّص ان ظهور النزعات الثلاثة كان مصاحباً للاحتكاك بالحضارة الغربية الحديثة كما ذكرناه آنفاً. فتاريخ ظهور هذه النزعة لا يسبق الثورة الصناعية في اوربا على ابعد تقدير وظهور بوادر الحضارة الغربية الحديثة ، وفترة القرنين التي سبق له ذكرها فترة مقبولة لظهور هذه النزعة.

وقال الباحث: وقد ظهر هذا التوجه – اي النزعة الشرعية او النزعة الشرعية الفردية - طوال القرنين المنصرمين على الساحة الفكرية والعمل الاجتماعي من خلال الخصائص التالية[4] (والتي نرى ان اصحاب النزعة المتشرعة لا ينفردون بغالبيتها بل يشترك التيار الحضاري معهم فيها كونها خصائص عامة في التيارات الدينية كما سنوضح) :

§     التأكيد على الجوانب الفقهية وقلة الاهتمام بالفلسفة الاجتماعية والسياسية للاسلام. (والتيار الحضاري ايضاً يهتم بالجوانب الفقهية ولكنه يهتم الى جانبها بالفلسفة الاجتماعية والسياسية للاسلام).

§     منح الاولوية لصيانة الكيان المذهبي والمجتمع الشيعي. (والتيار الحضاري ايضاً يمنح اولوية لصيانة الكيان المذهبي والمجتمع الشيعي بل ان الحفاظ على سلامة المجتمع اوضح في التيار الحضاري لما ذكره الباحث في موضع آخر من ان النزعة الشرعية انكفأت على الامور الفردية بدلاً من التركيز على القضايا الاجتماعية.

§     تقديم النشاط التربوي والثقافي على المواجهة السياسية ضد الحكومات.

§     ارتفاع مستوى التوجس من النفوذ المذهبي للاجانب. (والتيار الحضاري ايضاً يشترك مع تيار المتشرعة في هذه النقطة).

§     ارتفاع مستوى التوجس من انحراف المجتمع عن الموازين الدينية والشرعية مقارنة بأضرار الاستبداد الداخلي وتبعية الحكومات السياسية والاقتصادية للدول الاجنبية. (والتيار الحضاري ايضاً يشترك مع تيار المتشرعة في هذه النقطة).

§     عدم التدخل الفاعل في الشؤون الادارية والسياسية في المجتمع.

§     الاعتقاد بخطأ أو العجز عن إقامة حكومة دينية في عصر الغيبة.

§     الاهتمام الجاد بالبدع والاعلام الاعتقادي. (والتيار الحضاري ايضاً يشترك مع تيار المتشرعة في هذه النقطة).

§     ضعف الاهتمام بالانحطاط الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع.

§     الاعتقاد بالفقه الفردي وضرورة العمل بالتكاليف الالهية في حدود السلوكيات الشخصية.

§     عدم الحاجة في تطبيق الدين والشريعة الى تأسيس منظمات اجتماعية ومدنية جديدة وما الى ذلك. (هذه النقطة غير تامة لأن الباحث اشار الى ان تيار المتشرعة لا يرى تطبيق الدين والشريعة على مستوى الدولة سواء اسست المنظمات الاجتماعية والمدنية ام لم تؤسس).

ويقول الباحث إنَّ هذه الخصائص غالباً ما تظهر على شخصيات ترفض في الاساس قيام حكومة دينية في عصر الغيبة وتذهب الى فصل الدين عن السياسة[5] أو تظهر احياناً في اشخاص يقبلون أصل قيام الحكومة الدينية ولكنهم لا يذهبون في تعريف الحكومة الدينية الى اكثر من تطبيق الاحكام الدينية البسيطة على يد الفقهاء[6]. غير ان الباحث لم يبين مقصوده بتطبيق "الاحكام الدينية البسيطة" ؟! فمفهوم الحكومة سواء كانت دينية او غير دينية يشمل الوظائف الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. فكيف تقوم حكومة دينية بأحكام دينية "بسيطة" على حد تعبير الباحث وامامها كل هذه المهام الجسيمة !!

ويقول الباحث: ومن وجهة نظر هذا التيار فإنَّ الولاية الاجتماعية للدين في عصر الغيبة تقتصر على الموارد الضرورية التي لا يرضى الشارع بتعطيلها (الامور الحسبية)[7]. وقد فات الباحث ان للامور الحسبية سعة مختلف فيها بحسب نظر الفقيه واجتهاده ، ولذلك وجدنا بعض الفقهاء ممن كانوا يقولون بالحسبة بدلاً من ولاية الفقيه العامة ومع ذلك كان لهم اهتمام ونشاط اجتماعي ديني واسع لعل من ابرزهم في عصرنا الحاضر هو السيد محسن الحكيم الذي تميز بتحركه الاجتماعي الديني وكذلك تحركه السياسي ضد نظام البعث العفلقي في نهاية الستينيات حتى وفاته سنة 1970م.

ولذلك نجد السيد الخميني يكتب في كتاب البيع: (ثم إن الامور الحسبية - وهي التي علم بعدم رضا الشارع الاقدس باهمالها - إن علم أن لها متصديا خاصا أو عاما فلا كلام ، وإن ثبت أنها كانت منوطة بنظر الامام عليه السلام فهي ثابتة للفقيه بأدلة الولاية ، ومع الغض عنها لو احتمل أن إجرائها لا بد وأن يكون بنظر شخص كالفقيه العادل أو الشخص العادل أو الثقة فاللازم الاخذ بالمتيقن ، وهو الفقيه العادل الثقة ، وإن تردد بين المتباينين لا بد وأن يجرى بنظرهما . ولا يخفى أن حفظ النظام وسد ثغور المسلمين وحفظ شبانهم من الانحراف عن الاسلام ومنع التبليغات المضادة للاسلام ونحوها من أوضح الحسبيات ولا يمكن الوصول إليها إلا بتشكيل حكومة عادلة إسلامية ، فمع الغض عن أدلة الولاية لا شك في أن الفقهاء العدول هم القدر المتيقن ، فلا بد من دخالة نظرهم ، ولزوم كون الحكومة باذنهم ، ومع فقدهم أو عجزهم عن القيام بها يجب ذلك على المسلمين العدول ، ولا بد من استئذانهم الفقيه لو كان . ثم إن ما ذكرنا من أن الحكومة للفقهاء العدول قد ينقدح في الاذهان الاشكال فيه بأنهم عاجزون عن تمشية الامور السياسية والعسكرية وغيرها لكن لا وقع لذلك بعد ما نرى أن التدبير والادارة في كل دولة بتشريك مساعي عدد كبير من المتخصصين وأرباب البصيرة ، والسلاطين ورؤساء الجمهور من العهود البعيدة إلى زماننا إلا ما شذ منهم لم يكونوا عالمين بفنون السياسة والقيادة للجيش ، بل الامور جرت على أيدي المتخصصين في كل فن ، لكن لو كان من يترأس الحكومة شخصا عادلا فلا محالة ينتخب الوزراء والعمال العدول أو صحيح العمل ، فيقل الظلم والفساد والتعدي في بيت مال المسلمين وفي أعراضهم ونفوسهم . كما أن في زمان ولاية أمير المؤمنين عليه السلام لم يجر جميع الامور بيده الشريفة ، بل كان له ولاة وقضاة ورؤساء الجيش ونحوهم ، والآن ترى أن تمشية الامور السياسية أو العسكرية وتنظيم البلاد وحفظ الثغور كل موكولة إلى شخص أو أشخاص ذوي الصلاحية بنظرهم)[8]. فحتى بناءاً على القول بالحسبة يمكن للفقيه ان يقيم الحكومة الاسلامية استناداً اليها بحسب نظره لسعة الحسبة وحدودها.

اذن لا يصلح قول الفقيه بالحسبة واعراضه عن ولاية الفقيه العامة كدالّة على كون الفقيه من ذوي النزعة المتشرعة.

وقال الباحث: ومن جهة اخرى فإنَّ بعض هؤلاء الكبار من العلماء ضمن تلويحهم وتذكيرهم وتشخيصهم إخفاق كفاح الشيعة عبر التاريخ وعدم مساهمة اهل البيت (عليهم السلام) في هذه الحركات الكفاحية بعد ثورة الامام الحسين (عليه السلام) يشيرون الى روايات تصرّح بفشل كل حركة أو ثورة قبل قيام دولة قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله). وبغض النظر عن الحاجة الى تحقيق سند هذه الرواية فعلى فرض تمامه فهي يمكن ان تحمل على قيام الدولة التي تدعي انها دولة الحق قبل قيام قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله). ولكنها لا تعارض قيام دولة اسلامية تسعى لحفظ بيضة الاسلام وصيانة مقدرات المسلمين والنهوض بوظائف الحسبة الواسعة التي يمكن ان تشمل حفظ حدود البلاد الاسلامية ومنع الغزو الثقافي للمجتمع وصيانة الشباب من الوقوع في الفتنة ودرجات الانحطاط الاخلاقي. ولعل ظهور الدولة الصفوية وما قامت به من دور مهم في الحفاظ على حوزة المؤمنين وتقوية شوكتهم وما حازته من رضى بعض كبار الفقهاء في مراحل معينة يؤكد ان هذا الحديث لا يعارض تأسيس دولة ترعى المصالح الاسلامية وتحفظ مقدرات المسلمين من التلف والضياع من الناحية الشرعية.

 

وقال الباحث: واما من ناحية البعد السياسي فيجب الالتفات الى أن تاريخ تأسيس الدولة الشيعية في ايران بشكل رسمي يعود الى العصر الصفوي وهي دولة تدين في وجودها – بعد مرحلة طويلة من الضغوط والحرمان المفروض ضد الشيعة – الى التنسيق المشترك بين ملوك الصفويين وعلماء الشيعة. إنَّ هذه المرحلة الطويلة نسبياً من (الحكم المزدوج بين الملوك والفقهاء) في العصر الصفوي أخذت بالتدريج منحىً آيديولوجياً غير رسمي ، تضطلع فيه السلطة بحفظ شوكة المسلمين سياسياً وبإدارة شؤون المجتمع ، واما المؤسسة الدينية فتقوم بإضفاء الشرعية على السلطة الحاكمة ، بتسيير أمور المجتمع الدينية في حدود الاستطاعة وبسط اليد. وطوال القرنين الاخيرين حتى عندما لم يتم التصريح بتأييد هذه الرؤية من قبل علماء المتشرّعة من الزاوية الفقهية ، تم تطبيقها بوصفها الخيار الوحيد في ظل الظروف السياسية والثقافية المضطربة.

إنّ الباحث حينما يقر بأن الدولة الصفوية قامت على الشراكة بين الملك والفقيه في ادارة امور الدولة - في مرحلة معينة فقط على ابعد تقدير - فهذا يؤيد ما ذهبنا اليه آنفاً من انَّ نزعة المتشرعة ليست هي النزعة الاكثر اصالة وعمق في الفكر الشيعي بل إن النزعة الحضارية ورؤية الاسلام الشامل هي التي امتلكت صفة الاصالة والعمق والسبق في الظهور على المستوى الديني الاجتماعي لوضوح ان جميع الفقهاء الذين اشتركوا في منظومة الملك – الفقيه لا ينتمون الى تيار المتشرعة بل ينتمون الى تيار النزعة الحضارية او ما نسميه: نزعة الاسلام الشامل.

وذكر الباحث ان من بين علماء تيار المتشرعة هما الميرزا القمي والشيخ جعفر كاشف الغطاء ! فأما الميرزا القمي (1152- 1221)هـ فقد قال في كتاب الجزية: (الظاهر وجوب الجزية على أهل الكتاب ،  ثم نقل عن التحرير أنه قال: الجزية واجبة بالنص والاجماع ... ولا ينافيه ما ذكره ان تعيين الجزية بإختيار الامام ، فإنَّ المراد بالامام في اغلب هذه المسائل مَنْ بيده الامر ، أما في حال الظهور والتسلط فهو الامام الحقيقي وأما مع عدمه فهو اما الفقيه العادل النائب عنه بالادلة ... وإما الجائر القائم مقام الامام العادل بإذنهم كما في الخراج)[9].

فإذا كان الميرزا القمي يرى ان سلطة فرض الجزية هي من شؤون الفقيه فكيف اذن عدّه الباحث ضمن التيار الذي من سماته رؤية فصل الدين عن السياسة ! فأي سياسة تلك التي لا يمثل جانب منها قضية فرض الجزية على اهل الكتاب. فإعتبار الباحث أنَّ الميرزا القمي من تيار المتشرعة هو رأي غير تام.

واما بخصوص الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1154- 1228)هـ فيذكر في بعض مؤلفاته ما يبين انه لم يكن يرى فصل الدين عن السياسة وان الصحيح هو عدّه ضمن التيار الحضاري المؤمن بالاسلام الشامل. حيث قال في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتابه كشف الغطاء: (والحدود والتعزيرات بأقسامها على نحو ما قررت في كتاب الحدود مرجعها الى الامام او نائبه الخاص او العام فيجوز للمجتهد في زمان الغيبة اقامتها ويجب على جميع المكلفين تقويته ومساعدته ومنع المتغلّب عليه مع الامكان)[10]. فمن يرى مشروعية اقامة الفقيه للحدود والتعزيرات ووجوب تقويته ومساعدته من قبل المكلَّفين لا يمكن ان يكون رأيه الفقهي عدم اقامة دولة تحكم بأسم الاسلام وتحفظ حقوق المسلمين. فمن غير الصواب اعتبار انَّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء من ذوي النزعة المتشرعة كما ذهب الى ذلك الباحث.

كما ذكر الباحث ايضاً ان من نماذج تيار المتشرعة بين المرجعية الشيعية في المرحلة المعاصرة يمكن الاشارة الى الشيخ مرتضى الانصاري حيث ان مواقفه ورؤيته في باب ولاية الفقيه يحصرها في الامور الحسبية ، ومواقفه في خصوص المسائل الاجتماعية والسياسية في عصره وطريقة تعامله مع حكومة ناصر الدين شاه وعدم تدخله في حادثة احتلال الجنوب الايراني على يد الانكليز ! فالظاهر من كلام الباحث أنه يفترض ان كل من يقول من الفقهاء بحصر ولاية الفقيه بالامور الحسبية فهو من تيار المتشرعة وهذا الافتراض مجانب للصواب ، والا لأصبح التقسيم مباشر فمن يقول بولاية الفقيه العامة فهو من التيار الحضاري ومن يقول بالحسبة فهو من تيار المتشرعة وهذا ما لم ينص عليه الباحث كما انها رؤية مخالفة لمدار البحث حول علاقة الدين بالقضية الاجتماعية. ونكرر للتذكير نموذج المرجع السيد محسن الحكيم الذي كان لا يرى ولاية الفقيه المطلقة ومع ذلك لا يمكن انكار دوره السياسي في التصدي للنظام البعثي وكذلك دوره الاجتماعي واهتمامه بتثقيف الشيعة وتطويرهم اجتماعياً وفكرياً عبر تأسيسه سلسلة المكتبات العامة في مختلف المدن الشيعية ومطالبته النظام العارفي بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة ورفع الحيف والظلم عن الشيعة في الوظائف والتعليم وتصديه لوقف المد الشيوعي في العراق عبر طلبه من السيد محمد باقر الصدر تأليف كتاب يفند الافكار الماركسية فكتب كتاب فلسفتنا الشهير ثم الفتوى الشهيرة للسيد محسن الحكيم بتحريم الفكر الشيوعي والتي ساهمت في ايقاف المد الشيوعي في العراق.

ومن جهة اخرة فإن اختيار مواقف محددة في حياة الفقيه والحكم عليه من خلالها قد يجانب الصواب فمثلاً قضية عدم تحرك الشيخ الانصاري حين احتلال الانكليز لجنوب ايران قد تكون رافقتها إرهاصات محددة دفعته لاتخاذ مثل هذا الموقف وهذا لا يعني انه غير مهتم بشؤون المجتمع او لا يتفاعل في القضايا الكبرى بل قد يكون عدم تفاعله بحد ذاته هو موقف مهم في الحركة الدينية الاجتماعية للفقيه.

ولا يفوتنا ان نذكّر ان الباحث قد كتب في اصل بحثه بعد هذا الموضع ما يشير الى احتمال او امكانية التراجع عن عد الشيخ الانصاري من تيار المتشرعة نظراً لانسجامه مع الافكار الاجتماعية السائدة في عصره !!

ونحن نرى انها مجازفة ان يحمل فعل الفقيه على فكره الديني الاجتماعي فلا يصح ان يقال بان الفقيه الفلاني لأنه عمل كذا فهو اذن من تيار المتشرعة لأننا لا نعلم الدوافع وراء عمله ذلك هل هي بدافع التقية ام لا ففي اغلب الاحيان نجد ان هناك مراجع وعلماء وفقهاء امتنعوا عن الخوض في القضايا السياسية بسبب سطوة الحاكم وشدة بطشه ولكونهم لديهم قضايا رئيسية يرون ان من المصلحة المحافظة عليها والدفاع عنها وانها مقدمة على مصلحة التصدي السياسي للحاكم الظالم كمصلحة بقاء المذهب واستمراره او بقاء الحوزة العلمية واستمرارها في العطاء. هذا على الصعيد العملي. واما على الصعيد النظري فلا يصح اعتبار ان الفقيه من ذوي النزعة المتشرعة الا اذا كان لديه تصريح صريح بضرورة فصل الدين عن السياسة وعدم جواز التدخل بالقضايا الاجتماعية بحيث يكون تصريحه غير قابل للحمل على محامل اخرى كمحمل التقية ومحمل تزاحم الواجبات ومحمل تعارض الاولويات وغيرها.

أيضاً عدّ الباحث من بين علماء تيار المتشرعة الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة عام 1340هـ ، فاكتسب شهرة واسعة وبرز في الفكر الفقهي وبرنامجها العملي في طول حياته بوصفه مرجعاً متشرعاً ، وقد توصل في دراسته حول ولاية الفقيه الى عدم تمتع الفقهاء في عصر الغيبة بالولاية السياسية والاجتماعية ولا يمكن اعطاء هذا المنصب للمرجعية الشيعية)[11]. وقال الباحث ايضاً: (وبعد عودته الى ايران للمرة الثانية وتأسيس الحوزة اعلمية في قم عام 1340ه لم يُجارِ أية واحدة من الحركات السياسية بقيادة العلماء في ايران بل ونهى عنها في بعض المناسبات وردع عنها بشدّة أو انه اتبع سياسة المصالحة بين العلماء وحكومة رضا خان. ويمكننا في هذا السياق الاشارة الى مواجهة الشيخ محمد تقي بافقي لأسرة رضا خان في الحرم المطهر للسيدة فاطمة المعصومة وهجرة علماء البلاد تعبيراً عن اعتراضهم على قانون التجنيد الاجباري وخاصة حركة علماء إصفهان بقيادة الآغا نور الله الإصفهاني ، وكفاح السيد حسن المدرس ضد رضا خان ونفيه اثر ذلك ، وحادثة نزع الحجاب وما الى ذلك. ففي هذه المدة انصبّت جهود الشيخ الحائري على تعزيز وحفظ الحوزة ونشر ثقافة التشيّع).

وهذا الذي ذكره الباحث يدل بوضوح على تكامل ادوار العلماء وإختلاف وجهات نظرهم في تحديد الاولويات فمن المستبعد ان يكون ذلك دليلاً كافياً على عد الشيخ عبد الكريم الحائري من تيار المتشرعة المعارضين لفكرة تدخل الدين بالسياسة أو انه من المهادنين لرضا بهلوي فضلاً عن تكليفه بالتقية بحسب ظروفه ونظره لطبيعة السلطة القائمة ووحشيتها في قمع خصومها. فهناك فرق بين من يعترض على فكرة تدخل الدين بالسياسة ويرفضها كما هو حال تيار المتشرعة المتقوقع وبين من يرى انه ليس من المصلحة الوقتية في زمانه وظروفه واولوياته ان يكون هناك تدخل للدين في السياسة كما هو الذي نرجحه من حال الشيخ عبد الكريم الحائري. ومن الجدير بالذكر ان الشاه رضا خان بهلوي كان يحاول ان يشيع بين الناس ان الملكية والمرجعية على توافق ووئام ولذلك فقد امتنع الشيخ عبد الكريم الحائري من استلام الاموال الشرعية التي كان يتظاهر الشاه رضا بهلوي انه يؤديها لمرجعية الشيخ الحائري ، وامتناع الشيخ الحائري عن استلامها هو لكي يظهر للناس عدم رضاه عن الشاه ونظامه. ان تبادل الادوار بين العلماء له امثلة عديدة منها ما مذكور هنا من صبر الشيخ عبد الكريم الحائري من اجل اقامة الحوزة في قم المقدسة والاهتمام بديمومتها مقابل تضحية السيد حسن المدرس ومقارعته نظام الشاه وكذلك اهتمام السيد الخوئي وصبره من اجل الحفاظ على الحوزة في النجف الاشرف مقابل تضحية السيد محمد باقر الصدر ومقارعته للنظام البعثي العفلقي في العراق. فلا يمكن عد اي واحد من العلماء المذكورين بانه من تيار المتشرعة الداعي لفصل الدين عن السياسة بل هي اختلافات في تحديد الاولويات تبعاً لنظرهم الشريف وهو جزء من تكامل العلماء السائرين في خط الامامة المقدس خط اهل البيت عليهم السلام المتعددين في ادوارهم والمتوحدين في هدفهم.

ويبدو ان الباحث اوغل متسرّعاً في عد العلماء من تيار المتشرعة بلا تدبّر فقد وجدناه يعدّ السيد الخوئي من تيار المتشرعة فقال: (لا شك في ان السيد أبا القاسم الخوئي لما يتمتع به من شهرة علمية واسعة في مجال الفقاهة وتخريج الكثير من العلماء الكبار واتساع رقعة مرجعيته العامة قد ترك تأثيراً كبيراً على الساحة الدينية ومضافاً الى ذلك فقد تمكن من عرض مفهوم المرجعية التقليدية بلغة معاصرة من خلال توسيع النشاطات الثقافية ونشر التشيّع في سائر البلدان مستفيداً في ذلك من أحدث الامكانيات واللغات بما يتناسب والظروف الجديدة ، فأعطاها روحاص جديدة. وعلى الرغم من الجهود العظيمة التي بذلها في هذه الجهات وتقديم الكثير من الانجازات الثقافية والخدمات الاجتماعية الكبيرة ، إلا انه لم يتدخل في السياسة والادارة الاجتماعية. وقد كان هذا الموقف متناغماً مع مبناه الفقهي في ولاية الفقيه وحصرها بالفتوى والقضاء والامور الحسبية وهو يحاكي بذلك مواقف الشيخ الانصاري. إنّ اجراء مقارنة بين النهج الفكري والمواقف الاجتماعية للسيد ابي القاسم الخوئي والسيد محمد باقر الصدر الذي كان معاصراً له وتلميذه في الوقت نفسه ، يمكنه ان يساعد على الفوارق بين تيار المتشرعة والتيار المتحضر. هناك من يذهب الى تأثر السيد الخوئي في مواقفه بأستاذه الميرزا النائيني حيث اختار اعتزال السياسة في اواخر حياته بعد إخفاق المشروطة). ونحن نسجل هنا مخالفتنا لفكرة الباحث في اعتباره السيد الخوئي من تيار المتشرعة بدلاً من التيار الحضاري لأسباب متعددة ذكرناها آنفاً منها ان اعتبار العالم والفقيه من تيارٍ ما يجب ان يكون مبنياً على مواقف تعكس حقيقة تفكيره بعيداً عن التقية وعن ترجيح الاولويات وتحديد المصالح ، او ان يكون مبنياً على تصريح للفقيه بفصل الدين عن السياسة بلا تقية ،  ونظرة واحدة الى طبيعة النظام الدموي القائم في العراق حين ابتداء مرجعية السيد الخوئي في بداية سبعينيات القرن الميلادي الماضي ومرارة تجربة المرجع السابق له السيد محسن الحكيم في تصديه لتلك السلطة البعثية العفلقية الدموية والشراسة التي انتهجها تعطي ابعاداً واضحة عن سبب مواقف السيد الخوئي في تلك الفترة وتبين بوضوح ان مواقف الصبر والصمود التي خاضها السيد الخوئي مضطراً من اجل الحفاظ على كيان الحوزة العلمية في النجف الاشرف لا تعبر عن رؤية حقيقية بفصل الدين عن السياسة ولذلك لا يصح اعتباره من تيار المتشرعة. كانت للسيد الخوئي مواقف سياسية واضحة في دعم جماعة العلماء التي اسسها السيد محسن الحكيم في اواخر العقد الخامس من القرن الميلادي الماضي ونقل صلاح الخرسان في كتابه (حزب الدعوة الاسلامية ، حقائق ووثائق) ص95 موقف السيد الخوئي المؤيد للسيد محمد باقر الصدر في فكرة تأسيس حزب سياسي اسلامي ، وكذلك نقل علي المؤمن في كتابه (سنوات الجمر) ص64 تأييد السيد الخوئي للسيد محمد باقر الصدر في فكرة تأسيس حزب سياسي اسلامي. وتدخل السيد الخوئي بصورة مباشرة من اجل اطلاق سراح السيد الخميني سنة 1963م ومن اجل العفو عن جماعة الشيخ عارف البصري المحكومين بالاعدام من قبل المحكمة البعثية سنة 1974م. واصدر السيد الخوئي فتواه بتحريم الاشتراك في الاستفتاء العام الذي اقترح الشاه محمد رضا بهلوي اجراءه لتشريع مجموعة نظم مخالفة للشريعة الاسلامية وكان لفتواه تلك دوي هائل في ايران. واصدر السيد الخوئي بياناً يدعو فيه المسلمين جميعا الى وحدة الكلمة والصف من اجل التصدي للخطر الصهيوني بعد اندلاع حرب سنة 1967م كما ابرق الى رئيس وزراء ايران آنذلك يدعوه للوقوف الى جانب باقي المسلمين في دحر الخطر الصهيوني. واصدر بياناً آخر بعد نكسة حرب 1967م يدعو فيه المسلمين الى أن يكونوا يداً واحدة ضد الصهاينة. كما اصدر بياناً آخر بعد اندلاع حرب تشرين /اكتوبر 1973م يدعو فيه المسلمين الى توحيد الكلمة ونصرة المدافعين عن الاراضي الاسلامية – فكيف يشبه الباحث السيد الخوئي بالشيخ الانصاري الذي نسب اليه عدم اتخاذ اي موقف ازاء الاحتلال الانكليزي لجنوب ايران في ذلك الزمن ! – وفي انتفاضة صفر 1977م في العراق تدخل السيد الخوئي عند النظام العفلقي الحاكم من اجل اطلاق سراح المعتقلين ، وقدم السيد الخوئي تضحيات كبيرة في مقاومته السلطة البعثية العفلقية التي ارادت اجباره على اصدار بيان تأييد لها اثناء الحرب المفروضة على الجمهورية الاسلامية في ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم وقد قتل نتيجة موقفه المشرف هذا صهره وشقيقه وهما حفيدا المرجع الراحل السيد محمد هادي الميلاني سنة 1987م ورمت بجثتيهما الطاهرة على باب بيت السيد الخوئي. وتلاها اعتداء عناصر البعث عليه واهانته اثناء الصلاة مما ادى الى اصابته بالغيبوبة وتدهور حالته الصحية. وبعد الانتفاضة الشعبانية سنة 1990م في العراق وتشكيله لجنة عليا للاشراف على ادارة شؤون البلاد والمجتمع مكونة من ثمانية اشخاص تمثله هو شخصياً. ثم بعد فشل الانتفاضة في تحقيق اهدافها السياسية ارسل السيد الخوئي رسالة عن طريق بعض العلماء الى السيد محمد باقر الحكيم رئيس (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق) في حينه يخبره فيها انه بذل كل ما في وسعه في الانتفاضة. فهل لقائل بعد هذا كله ان يقول بأن السيد الخوئي لم يكن يتدخل بالسياسة لأنه لا يرى ولاية الفقيه المطلقة ! أم أنَّ الحق في ان الظروف السياسية وطبيعة النظام البعثي العفلقي القائم آنذاك هي التي حتمت عليه الصبر والصمود في مواجهته له.

يقول السيد محمود الهاشمي الشاهرودي عن السيد الخوئي: (كان شخصاً منفتحاً وصاحبَ ذهنيّة غضّة ونضرة؛ ففي أحداث الخامس عشر من خرداد على سبيل المثال، نجده المرجع الأكثر فعاليةً وتفاعلاً مع ما عصف بالساحة يومذاك، حيث أصدر العديد من التصريحات الخطيرة إلى جانب تكفيره الشاهَ في حكمٍ أصدره بهذا الصدد. لقد أقضَّ اعتقال الإمام الخميني مضجعه وسلبَ النومَ من عينيه، الأمر الذي جعله يخرق صمت الليل في جولانه على المراجع محذّراً من احتمال إعدام الإمام. في ذلك الحين، لم يكن السيّد الخوئي مطروحاً في عداد المراجع، شأنه في ذلك شأن الإمام نفسه، وإن كان قد تربّع داخل الحوزة على كرسيّ الأستذة والتدريس وحاز المقام العلمي الرفيع، مستقطباً عدداً كبيراً من أهل العلم والفضل الذين التأموا حول مائدة درسه. لقد كان السيّد الخوئي في ذلك الحين ينتقد مراجع عصره، حيث كان يعتبر أنّ المرجعيّة خيرُ وسيلة يمكن التوسّل بها لخدمة الإسلام وأهدافه، وكانت تجري على لسانه أحاديث تفوح منها بنحوٍ من الأنحاء رائحةُ الدعوة إلى تجسيد معنويات الإسلام الكبرى وإقامة أحكامه على الأرض، وقد صبّت فتاواه المتناثرة في شتّى المجالات في هذا المصبّ وعزّزت هذا الاتجاه، وكان له فتاوى جيّدة ترتبط بالمسائل الحكوميّة. وليس ذلك إلاّ بسبب ما كان يتحلّى به من فكر رحب ومنطلق، ولهذا نجد أنّ أفكاره كانت ـ قبل تسنّمه سدّة المرجعيّة ـ عبارة عن فتاوى منفتحة وحرّة. لقد كان جليّاً لكلّ من يتداول معه أطراف الحديث أنّه يتمتّع بثقافة حقوقيّة واسعة، وأنّ مفاهيم الإسلام مشبعة لديه بحيث كان يطرح الإسلام بوصفه نظاماً. ولنمثّل لهذا الأمر بفتاواه المتعلّقة بأموال الأنظمة غير الإسلاميّة، التي خلع عنها رداء الشرعيّة ولم يقل بملكيّتها طالما أنّها لم تتجلبب بجلباب الإسلام ولم تحظَ بإمضاء الشارع، الأمر الذي انعكس سلباً على مقلّديه الذين يتقاضون رواتب حكوميّة وأوقعهم في الحرج، بينما نجد أنّ الإمام الخميني ـ الذي نادى بالحكومة الإسلاميّة وقعّد مبانيها ـ قد ذهب إلى ملكيّة هذه الأنظمة. إنّ فتاوى السيّد الخوئي في هذا المجال تبعث على العجب، وهي في الواقع تعتلي سلّم الرقي. لقد كانت ثقافته العامّة رحبة الجوانب، وكان يتمتّع بذاكرة حديديّة)[12]. وبلا شك فإنَّ اختلاف طبيعة تحرك السيد الخوئي في الفترة بين سنة 1963م والى توليه المرجعية العامة سنة 1970م عن طبيعة تحركه بعد توليه المرجعية العامة يعود الى ظهور متغيرات جديدة على الساحة اشرنا الى بعضها قبل قليل منها استيلاء العفالقة على السلطة سنة 1968م في العراق وبدأهم بحملات التسفير للعراقيين من اصول ايرانية ولاسيما تسفير طلبة الحوزة من غير العراقيين ، واصطدامهم مع تحرك مرجعية السيد محسن الحكيم سنة 1969م وتخاذل غالبية الناس عن دعم التحرك المرجعي وترك السيد محسن الحكيم وحيداً في الساحة مواجهة امام العفالقة. كما ان الحركة السياسية الاسلامية الاكثر بروزاً في ذلك الوقت – وهو حزب الدعوة الاسلامية - رفضت ان تدخل المعترك السياسي وفضلّت البقاء في مرحلتها الثقافية غير الصِدامية مع السلطة ! ونشر السيد الخميني كتابه الشهير (الحكومة الاسلامية) وبدءه بإعطاء دروسه في ولاية الفقيه العامة في النجف الاشرف والذي يعني رؤية صريحة في ضرورة اقامة دولة اسلامية على انقاض السلطات الطاغوتية سواء في ايران او العراق وما يمكن ان يثيره من رد فعل للبعثيين العفالقة ضد الحوزة الدينية في النجف الاشرف وضد المراجع والفقهاء والمؤمنين عامة لاسيما وان السلطة العفلقية اخذت تقوي موقفها السياسي الداخلي عبر سياسة التصالح مع خصومها في الداخل فصالحت الكرد واصدرت بيان الحكم الذاتي في 11 آذار سنة 1970م ومشروع التصالح مع الحزب الشيوعي العراقي في بداية السبعينيات ايضاً مما يعني ان تحرك الحوزة والمرجعية الدينية إنْ تم فانها ستقف وحيدة في الساحة ضد النظام القائم. كل تلك المتغيرات وغيرها دخلت في حسابات السيد الخوئي بعد توليه المرجعية العامة في نفس الفترة والتي ادت به الى تغيير طبيعة تحركه.

أما بخصوص الشيخ النائيني الذي وُصِفَ بأنه اختار اعتزال السياسة في اواخر حياته فنحن نعلم انه لم يكن مختاراً في ذلك بل اشترطت عليه الحكومة العراقية في العهد الملكي ان لا يزاول اي نشاط سياسي كشرط للسماح له بالرجوع الى العراق والعودة الى النجف الاشرف. ومن الخطأ الفاحش أن يوصف الشيخ النائيني صاحب كتاب (تنبيه الامة وتنزيه الملة) وموضوعه طبيعة نظام الحكم ووجوب إقامة النظام الدستوري بأنه من تيار المتشرعة الداعي لفصل الدين عن السياسة !!

وقال الباحث: وبسبب الاخفاق السياسي الذي تعرضت له المؤسسة الدينية في حركة تأميم النفط وبعد ذلك ما يتعلق بالخامس عشر من خرداد 1963م آثر بعض الناشطين السياسيين في مشهد كما هو الحال بالنسبة الى المحافظات الايرانية الاخرى اعتزال السياسة بالتدريج وجعلوا النشاط الثقافي على سلّم اولوياتهم ومن هؤلاء الشخصيات الشيخ محمود الحلبي الذي انتقل من مشهد الى طهران وحبس اهتماماته في ترويج المذهب ومواجهة العقائد الضالة لفرقة البهائية التي كانت ناشطة آنذاك[13]. وقد قام بنشاط واسع من خلال تأسيس (جماعة الحجتية المهدوية) وتعليم جماعة من الشباب المثقف وتأسيس مراكز ناشطة واسعة نسبياً في الترويج للثقافة المهدوية ومناهضة البهائية ، وقد وضّحت مؤسساته في أنظمتها الداخلية نفيها القاطع في أن يكون لأعضائها أي نشاط في المجالات السياسية ، الامر الذي ادى الى تعرض هذا التيار ومؤسسه الى نقد من قبل انصار الاسلام الثوري وإطلاق عنوان (الحجتية) فيما بعد على أي شخص يؤمن بـ (فصل الدين عن السياسة).

قال الباحث: ويجدر بنا هنا أن نشير الى الموقع الفكري لبعض الجماعات الاخرى في الحوزة العلمية والتي ظهرت عليها أحياناً آثار تيار المتشرعة حيناً وآثار تيار الحضاريين تارة اخرى. وطبقاً لبعض الشواهد والقرائن يمكن عدّ (جامعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم) واحدة من هذه الجماعات.

واضاف الباحث: والمورد المختلف الآخر الذي يستحق الدراسة والتحقيق يتجلى في المواقف الاجتماعية للسيد كاظم شريعتمداري فعلى الرغم من تواجده النسبي في تطورات الاحداث السياسية في اعوام 1341 و1342هـ.ش[14] إلا أنه كان على الدوام يتخذ نهجاً تصالحياً مع نظام الشاه ، وتوسيعه لرقعة النشاطات الثقافية في الحوزة والمجتمع. الامر الذي كان يؤدي بطبيعة الحال الى ردود فعل شديدة في نقده من قبل الامام الخميني وأنصاره. وعند قيام الثورة الاسلامية عام 1356هـ.ش- 1977م صرّح رسمياً بمشروع النضال في إطار الدستور بدلاً من شعار القضاء على الشاه وتغيير نظام الحكم. وبعد الثورة الاسلامية قام بتأسيس (حزب الجماهير المسلمة) وتعاون مع المجموعات التي تدعو إلى العودة الى العهود السابقة الامر الذي تحول الى مواجهة شاملة مع الثورة الاسلامية.

 

2.       النزعة التجديدية الاسلامية.

قال الباحث انه للتعرف على الجذور التاريخية لنزعة التجديد الاسلامي يجدر بنا الرجوع قليلاً الى الوراء ونبحث في ظهور التنوير العلماني ، يقصد ظهور مفهوم العلمانية. واضاف الباحث: إنَّ ظهور التجديد العلماني كان بوجود النزعة الشرعية في الساحة الاجتماعية[15]،  وبعد ان اعتنق البعض مباديء العلمانية من الحضارة الغربية باشروا نقد الثقافة التي كانوا ينتمون اليها ، وطالبوا بتغييرات جذرية في في الاسس الدينية والقيم الاجتماعية لغرض التمهيد لمؤسسات الدولة والجمهور بالمعنى العلماني المعاصر ، وقد انبثق تيار النزعة التجديدية الاسلامية من رحم النزاع بين العلمانيين وبين تيار النزعة الشرعية الاسلامية. إنَّ التجديديين المسلمين بعد اعتناقهم لأطر التقدم العلماني الفلسفية والاجتماعية طالبوا من الناحية العملية بإعادة قراءة النصوص والمعارف الدينية والمواءمة بين التراث الاسلامي والفكر العلماني التجديدي ، وهكذا نشأت هذه النزعة التجديدية. وقد يسمى هذا التيار ايضاً بالتنوير الديني. وقد يرجع اصول ظهور هذا التيار الى ما بعد الاحتلال البريطاني لايران سنة 1941م ولكن يمكن تعقب جذوره الى ما بعد انقلاب رضا خان بهلوي وسيطرته على السلطة سنة 1921م.

وقال الباحث: ان الجماعات الاولى من المجددين المسلمين في ايران قد تبرز في طليعتهم جماعة (حركة المؤمنين الاشتراكيين) ومؤسسها محمد نخشب في عقد الثلاثينيات والاربعينيات وقد سعوا لتفسير الاسلام في ضوء المباديء الاشتراكية. ومن ابرز الشخصيات في هذا التيار هما المهندس مهدي بازركان الذي تزعم مشروع (التجديد العلمي) داخل الحوار الديني والدكتور علي شريعتي الذي تزعم (التجديد الاجتماعي) وقد بادرت هاتان الشخصيتان الى التأكيد على رابطة الدين والسياسة في ايران المعاصرة وارادا للاسلام حضوراً فاعلاً في مسرح تلبية حاجات الانسان والمجتمع الحديث. وكان مهدي بازركان متأثراً بالافكار الاوربية في عصر التنوير بينما كان علي شريعتي متأثراً في نهجه الفكري بالنزعة الاشتراكية ، حيث سادت هاتان الايديولوجيتان المحافل العلمية والجامعية ، ولكن على الرغم من ذلك لا ينبغي التقليل من شأن تأثير هذين العلمين في ما يتعلق بأسلمة ثقافة جيل الشباب وادبياته في تلك المرحلة الزمنية.

واضاف: ينبغي تصنيف مهدي بازركان في عداد المواصلين لمسيرة احياء الفكر الديني من امثال جمال الدين الاسد آبادي ومحمد عبدة الى المودودي وإقبال اللاهوري وغيرهم في القرون الاخيرة ممن تصوروا أن بإمكانهم من خلال الاستناد الى المصادر الاصلية وخاصة القرآن الكريم تجديد الفكر الديني وتنزيه ثقافة المسلمين من الانحرافات فقد سعى من خلال كتاباته ومقالاته الى اثبات تناغم الدين مع العلم التجريبي وكذلك إظهار الجانب الاجتماعي والحضاري للاسلام إلا ان الذي يدعو الى وضع بازركان في اطار تيار التجديد الديني اتخاذ المباني والقيم الحديثة والسعي الى مواءمتها مع الدين بدلاص من الاستناد الى الفكر القرآني والاسلامي وبيان حل مستقل لمعضلات المجتكمع المعاصر القائم على الاسس الدينية. وقد عمد مهدي بازركان بعد الثورة الاسلامية في ايران وفي اواخر حياته المفعهة بالمنعطفات الى ابداء بعض الآراء التي رأى فيها الكثيرون تغييراً لآرائه السابقة بينما وجدها آخرون تطوراً طبيعياً لتلك الآراء.

واما علي شريعتي فكان في خصوص التنظير في ما يتعلق بين الدين والمجتمع أكثر سعياً وانسجاماً من مهدي بازركان واستحق بذلك لقب المفكر الاجتماعي. كان علي شريعتي في شبابه عضوراً في حركة (نهضة عبد الله الاشتراكيين) فرع مشهد ، وكان يطالع كتابات مهدي بازركان ويعجب بها. اخذ علي شريعتي بداياته الدينية والاعتقادية من والده محمد تقي شريعتي واثناء فترته الدراسية في فرنسا تعرّف على المذاهب الفلسفية والاجتماعية السائدة في الغرب وخاصة الاشتراكية والوجودية بشكل اعمق وادق ، وقد تعاون مع حركات التحرر في امريكا اللاتينية وشمال افريقيا (وخاصة الثورة الجزائرية) حيث كانت ناشطة في فرنسا آنذاك. وفي مناخ العقدين الرابع والخامس حيث كانت الجماعات اليسارية ناشطة في ايران وهي ترفع لواء الماركسية وكان الشباب المسلم محروماً من آيديولوجية إسلامية صالحة للمواجهة الفاعلة ، بادر علي شريعتي الى رسم تفسير جديد للمفاهيم الاسلامية ملبياً هذه الحاجة من خلال تسليط ضوء كاشف على تاريخ النضال والمقاومة الشيعية طوال التاريخ ، ومن هنا حصل على شعبية واسعة بين جمهور الشباب.

وقال الباحث: كان علي شريعتي يسعى منذ البداية الى احداث تغيير اجتماعي قائم على تحريك الاسس الثقافية والايديولوجية ولكن مع ارتفاع وتيرة الكفاح المسلح للمنظمات اليسارية والاسلامية في اواخر العقد السادس وبدايات العقد السابع من القرن الميلادي الماضي[16] انتقلت العدوى الى جهوده ايضاً فاتخذت منحىً ثورياً وراديكالياً. ان اختلاف علي شريعتي عن مهدي بازركان يعود الى اختلاف الظروف السياسية في ايران وتصاعد النزاع بين الاسلاميين والنظام البهلوي وكذلك اتساع رقعة الحركة اليسارية. كما يعود ذلك الاختلاف من جهة اخرى الى اختلاف الظروف الثقافية بين جيل شريعتي ومن ذلك ظهور التساؤلات الاجتماعية في مقابل الدين خلافاً لجيل بازركان الذي كانت التساؤلات عنده تدور حول التعارض بين الدين والعلم. وطبعاً لا يمكن تجاهل اختلاف التخصص الجامعي لهذين العلمين في هذا السياق.

وقد ذهبت جماعة من المحققين الغربيين الى اعتبار شريعتي الى جانب الامام الخميني من قادة "الراديكالية الاسلامية" في ايران. وقد اتهمه بعض المفكرين الدينيين مؤخراً بإعتناقه رؤية عقائدية ، ومهما كان فلا تزال أفكار شريعتي لم تأخذ حقها من التحليل والنقد الحيادي في إطار تاريخي منظّم ، ومن هنا نجد افراطاً وتفريطاً في الاحكام الصادرة له وعليه.

اما الحركات السياسية لتيار التجديد الديني فمن اهمها (نهضة الحرية في ايران) و(منظمة مجاهدي خلق) ، وقد تكونت نهضة الحرية في بداية ستينيات القرن الميلادي الماضي[17] داخل الجبهة الوطنية في ايران رافعةً شعار الوطنية الاسلامية والنضال السياسي في إطار القانون الاساسي في ايران وبقيت وفية لهذا الشعار حتى النهاية. واما منظمة مجاهدي خلق فقد كان ابناؤها الاوائل وخاصة محمد حنيف نجاد من جيل الشباب في نهضة الحرية وكانت افكارهم في باديء الامر مستوحاة من مؤلفات مهدي بازركان وخاصة كتابه (نهاية الطريق) إلا انها اخذت فيما بعد تجنح في الغالب الى الماركسية ، وحيث اخذت هذه المنظمة تؤمن بالكفاح المسلح فانها كانت تنتقد كل نشاط ثقافي  وآيديولوجي لا يؤدي مباشرة الى القيام بالاعمال الثورية ولذلك فهم لم ينفصلوا عن أفكار مهدي بازركان فحسب بل كانوا يمانعون من حضور افرادهم وتواجدهم في حسينية الارشاد لسماع خطب علي شريعتي ، وطبعاً ادرك قادة هذه المنظمة بعد الاعتقال أن اكثر الاعضاء قد انتسبوا الى المنظمة متأثرين بأفكار شريعتي. وفي المقابل كان شريعتي في بداية الامر يخالف الكفاح المسلّح وكان يؤكد على ضرورة النشاط الآيديولوجي بغية اعداد المجتمع ثقافياً لتقبل تغيير سياسي جذري ولكن في بدايات العقد السابع من القرن الماضي الميلادي ومع تصاعد نضال المجاهدين وجد نفسه مضطراً لقيادة وتوجيه هذه الحركة. وبعد مقتل القادة الرئيسيين لمجاهدي خلق سنة 1354هـ ش عمد كادرها الى تغيير آيديولوجيته وتحول رسمياً الى منظمة ماركسية.

كما يجب التذكير بجماعة (حركة المسلم المجاهد) أيضاً فقد قامت هذه الحركة بعد الثورة الاسلامية في ايران على يد (حبيب الله بيمان) وقد تحولت من خلال نشرها لأسبوعية (الامة) الى واحدة من أهم المراكز الفكرية لـ (الاسلام اليساري) وقد كان حبيب الله بيمان قبل انتصار الثورة الاسلامية عضواً في جماعة (عباد الله الاشتراكيين) ومن المقربين من علي شريعتي ، الذي كان يشرح الرؤى الاشتراكية الاسلامية في مجال الاقتصاد والتاريخ. وقد سعى هو وعلي شريعتي الى تدوين (آيديولوجية الاسلام الثوري) ولكن بعد مغادرة شريعتي الى اوربا واغتياله فيما بعد فإنّ هذا المشروع لم يكتب له النجاح. واما حركة المسلم المجاهد فلم تدم طويلاً واعلنت انحلالها بالتزامن مع الازمات السياسية عام 1360هـ.ش.

وقال الباحث: اما بعد الثورة الاسلامية فمن شخصيات النزعة التجديدية يبرز عبد الكريم سروش في المقدمة وياتي بعده في الدرجة الثانية محمد مجتهد شبستري وكذلك يمكن تصنيف مصطفى ملكيان في هذه المجموعة وإنْ كانت ندرة مؤلفاته فيما يتعلق بنسبة الدين والمجتمع تجعلنا نشكك في هذا الحكم مضافاً الى رفض ملكيان لمفهوم التنوير الديني وعمله الخاص من الاساس[18]. ان سروش وشبستري اخذا ينظران الى الدين لا من الزاوية العلمية والاجتماعية (وهو ما كان عليه الامر بالنسبة الى بازركان وشريعتي) بل من الزاوية المعرفية والهرمنيوطيقا ، وبدلاً من النموذج الماركسي أو الوجودي (الذي كان سائداً بين الجيل المعاصر لشريعتي) كانا يفكران على أساس من الليبرالية الديمقراطية والفلسفات التحليلية والتفسيرية قد اوجدا جيلاً جديداً من التجديديين (قد يسمون بالمتنورين) الدينيين ، وأديا الى ظهور الكثير من الجهود الفكرية والسياسية في الاوساط الموافقة والمخالفة للتجديد على السواء.

ونحن نرى ان الباحث لم يميز جيداً في الاتجاهات الداخلية ضمن حركة التجديد الديني والتي نرى انها قد تلورت لدرجة انه يصح ان تكون نزعة مستقلة لاسيما في مرحلة سروش وشبستري وملكيان الذين اتجهوا اتجاهات حداثية على حساب الدين وعلى حساب الايمان لدرجة انه يصعب الان عدّهم ضمن الاتجاهات الدينية الاجتماعية دون ملاحظة انفصالهم عنه بسبب دعوتهم لبشرية الدين أي ان الاسلام هو دين بشري وليس دين سماوي ، ويتضح ذلك من خلال كتاب بسط التجربة النبوية لعبد الكريم سروش الذي انكر فيه الوحي. ودعوتهم لضرورة استبدال الاسلام بدين بشري وقوانين وضعية. اذن فقد تطورت النزعة التجديدية الدينية لدرجة الانفصال عن الدين نفسه كلياً فلم يعد يصح اعتبار التجديديين الحداثيين من ضمن التيارات الدينية. فليس علي شريعتي المؤمن الذي كان يصرّح بانه مقلّد للسيد الخميني مثل عبد الكريم سروش المنكر لضروريات الاسلام. فلا يصح اعتبارهما ضمن نزعة تجديدية واحدة.

قال الباحث: ومن بين الفئات التي ساهمت في بلورة فكر التجديد الديني بعد الثورة الاسلامية تجب الاشارة الى (منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية) والتي تكونت من خلال ائتلاف سبع مجموعات ثورية صغيرة تكونت قبل الثورة ، وسرعان ما وجدت لنفسها موطيء قدم في الفراغ الموجود آنذاك بوصفها جماعة فكرية وسياسية. وبالالتفات الى ميول سروش وشبستري نحو الافكار الليبرالية فإنّ ظهور هذه القوّة الجديدة التي تحمل افكاراً يسارية كانت تفاقم في خلق اجواء النقد والحوار الجادّ داخل بيت التجديد الديني. إلا ان هذه المواجهة لم تدم طويلاً فسرعان ما تحولّت الى التناغم فيما بينها بالتدريج واقتربت آراء هذه الجماعة من اللغة المهيمنة للتنوير الديني بزعامة سروش وشبستري واخذت هذه الجماعة بالضعف والافول على الصعيد العملي.

 

3.       النزعة الحضارية الاسلامية.

قال الباحث: ظهر هذا التيار بشكل متأخر عن التيارين المتقدمين ورغم ان لهذا التيار جذوراً في آراء المفكرين وكبار علماء المسلمين في القرن التاسع عشر الميلادي فإنّه لم يظهر في قالب مقولة مستقلة في البلدان الاسلامية وخاصة في مجتمعاتنا الا في العقود المتأخرة. ويسعى التيار الحضاري الى التوفيق بين تيار النزعة الشرعية وتيار التجديد الاسلامي ، فهو لا يرى الدين مخالفاً للتجديد والتنمية الاجتماعية بل يرى التنمية العلمية والتكنولوجية من ضروريات الحياة الاجتماعية. إنَّ نقطة الخلاف بين هذا التيار وتيار التجديد الاسلامي يكمن في ان التجديديين المسلمين ياخذون ادوات التنمية من النماذج الغربية ويعملون على مجرد موائمتها مع الشريعة الاسلامية بحسب الظاهر فقط[19] في حين ان التيار الحضاري يسعى الى تبيين وتأسيس أدوات التنمية الاجتماعية في إطار الثقافة الاسلامية وتعاليم الوحي السماوي). واضاف الباحث: (وغالباً ما تعتبر ثورة التنباك بقيادة الميرزا حسن الشيرازي الذي يعرف بالميرزا الكبير ، نقطة انطلاق هذا التيار ، وإنْ كان هناك من يرى أن السيد جمال الدين الاسدآبادي[20]من روّاد هذا التيار أيضاً.

ولا يمكن تأييد رأي الباحث المتعلق بفترة ظهور النزعة الحضارية او التيار الحضاري حيث نعلم ان المولى احمد النراقي المتوفى 1245هـ من القائلين بولاية الفقيه العامة وهو سابق في الظهور للميرزا السيد محمد حسن الشيرازي (1230- 1312)هـ صاحب ثورة التنباك عام 1308هـ. كما سننقل الان بعض آراء الفقهاء الشيعة حول اقامة الفقيه للحدود الشرعية وهذا يعني بسط يد الفقيه في الدولة على نحوٍ ما واقامة الدولة التي ترعى المصالح الاسلامية والقائمة على البناء الاسلامي.

فقال الشيخ المفيد (336- 413)هـ في المقنعة: (فأما اقامة الحدود فهو الى سلطان الاسلام المنصور من قبل الله تعالى وهم ائمة الهدى من آل محمد (عليهم السلام) ومن نصبوه لذلك من الامراء والحكام ، وقد فوضّوا النظر فيه الى فقهاء شيعتهم مع الامكان) . فهنا يتحدث الشيخ المفيد عن اقامة الفقهاء للحدود الشرعية.

وقال العلامة الحلي (648- 726)هـ في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من القواعد: (واما اقامة الحدود فإنها الى الامام خاصة او من ياذن له ولفقهاء الشيعة في حال الغيبة) .

وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1154- 1228)هـ في باب الامر بالمعروف والني عن المنكر من كتابه كشف الغطاء: (والحدود والتعزيرات بأقسامها على نحو ما قررت في كتاب الحدود مرجعها الى الامام او نائبه الخاص او العام فيجوز للمجتهد في زمان الغيبة اقامتها ويجب على جميع المكلفين تقويته ومساعدته ومنع المتغلّب عليه مع الامكان) .

وقال الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر (1192- 1266)هـ في موسوعته الفقهية الكبيرة الشهيرة بـ "جواهر الكلام" بقوله: (وكيف كان فقد قيل والقائل الاسكافي والشيخان والديلمي والفاضل والشهيدان والمقداد وابن فهد والكركي والسبزواري والكاشاني وغيرهم على ما حُكي عن بعضهم (يجوز للفقهاء العارفين) بالاحكام الشرعية عن ادليتها التفصيلية العدول إقامة الحدود في حال غيبة الامام (عليه السلام) كما لهم الحكم بين الناس مع الامن من ضرر سلطان الوقت ويجب على الناس مساعدتهم على ذلك) .

اذن النزعة الحضارية هي نزعة اصيلة في التشيع وهي امتداد لرؤية الاسلام الشامل. مما يعني ان تيار الحضاري هو التيار الاصيل في التشيع وان التيار المتشرعة هو تيار ضيق في حجمه وعدد المنتمين اليه غير ان ظروف القهر الطاغوتي كانت تلجأ الفقهاء الى التقية مما كوّن صورة مغايرة للواقع عن حجم تيار المتشرعة بتظاهر كم كبير من الفقهاء بالسكوت عن علاقة الدين بالسياسة.

وقال الباحث: (إنَّ اختيار عنوان (التحضر الاسلامي) لهذا التيار مضافاً الى تعبيره عن جوهر هذا التيار الذي هو فهم متحضّر للدين الاسلامي ، هو تكرار هذا المصطلح في كلمات المفكرين في هذا التيار وخاصة في العقود الاخيرة).

قال الباحث: (وقد عرف هذا التيار في مراحل تكوينه المختلفة بمدارسه الثلاث وهي مدرسة سامراء المقدسة ومدرسة النجف الاشرف ومدرسة قم المقدسة. والى جانب هذه الحوزات الثلاث يجب ان نذكر الحوزة العلمية في طهران أيضاً فقد كان لها تأثير فريد في تكوين حركة المشروطة. وان دور ثورة التنباك وشخصية الميرزا الشيرازي والسيد جمال الدين الاسدآبادي في جرّ علماء طهران الى الساحة السياسية والاجتماعية جدير بالدراسة والتحقيق). فلم يعد رأي الباحث هذا متين بصورة كافية بعدما بيناه من عمق التيار الحضاري في مذهب التشيع وانه يمتد الى بدايات عصر الغيبة الكبرى فهو يشمل غالبية الحوزات والمدارس الدينية التي تشكلت في مختلف بقاع الارض منذ ذلك العصر والى يومنا هذا.

ويجب الالتفات الى ان ثورة التنباك لم تكن مجرّد فتوى أو حركة سياسية محدودة بل هي نموذج لرؤية جديدة لمواجهة علماء الدين وطريقة تعاملهم مع الظروف السياسية المهيمنة.

وهناك قضية جديرة بالمناقشة والتدقيق وهي ان المفهوم من كلام الباحث أنه يعتبر التيار الحضاري محسوباً على جماعة المشروطة في الصراع الفكري والاجتماعي الذي نشب في الربع الاول من القرن العشرين الميلادي بين جماعة المشروطة ومن يخالفهم في الرأي والذين يطلق عليهم اسم جماعة المشروعة ، ونحن نعتبر ان هذه القضية غير تامة لأن الخلاف بين جماعة المشروطة وجماعة المشروعة لم يكن خلافاً جوهرياً اصيلاً بل نرى أنه كان خلاف حول تطبيقٍ لنظام الحكم البرلماني بحسب الظروف السياسية والموضوعية القائمة آنذاك وليس اعتراضاً على وجود برلمان منتخب من قبل الشعب ، وهناك رأي جدير بالاهتمام منشور في بعض البحوث في شبكة الانترنيت مفاده أن الخلاف حول المشروطة والمستبدة هو خلاف فقهي ، وهو متعلق بظرف البلد فالسيد اليزدي الذي كان يرفض المشروطة في ايران نجده يطالب بـ (بحكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب) في العراق ، فهل يقال له بعد ذلك انه كان يرفض المشروطة في العراق ! وفي المقابل نجد ان الشيخ النائيني كان من أبرز الداعين للمشروطة والّف كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) مدافعاً عن فكرة المشروطة ، في حين انه كان من القائلين بولاية الفقيه العامة ! أي انه يرى أن الحكم في عصر الغيبة الكبرى هو للفقيه الجامع للشرائط وليس للشاه أو السلطان ، فكيف يمكننا فهم تلك المواقف المتعارضة في ظاهرها ؟ إن فهم تلك المواقف يكون بأن نعرف أن الفقهاء حين يقررون أن المصلحة في أمرٍ ما فإنما يلحظون المسألة من جوانبها المتعددة ، ومن تلك الجوانب الظروف السياسية المحيطة بالبلد الذي يتناولونه بالفتوى ، فحين تكون الفتوى لقضية في إيران فإنها تختلف عمّا إذا كانت تخص قضيةً في العراق ، وهكذا ، وهو الامر الذي يعسر على القوميين أو غير الاسلاميين عموماً إداركه. والحقيقة في الخلاف بين المؤيدين للمشروطة والرافضين لها هو أن الرافضين لها كانوا يخشون من ان يتمكن أعداء الاسلام من التسلل الى البرلمان وإقرارهم لدستور وقوانين تخالف الشريعة الاسلامية. وأن يملؤوا مفاصل الدولة بأتباعهم ومؤيديهم الذين سيعملون على تعطيل العمل بالقوانين التي تكون مستمدة من الشريعة الاسلامية. وأما المؤيدين للمشروطة فقد كانوا يظنون أن وجود الدستور سوف يقلص من تفرد الملك والسلطان بالحكم دون الرجوع للشعب وإرادته ، فكان وجود الدستور والمجلس النيابي يعني المزيد من الانعتاق من التسلط الملكي على الشعب المسلم. ومن الملاحظ أنه في وجود دولة ظالمة فإن كل شيء يمكن أن يكون مزيفاً ، فالمجلس النيابي والدستور كله يمكن أن يصبح مجرد شكليات يتم تنسيقها وتوزيع الادوار فيها لكي ترضي الملكية الحاكمة ، ولعل النموذج الملكي العراقي كان خير دليل على وجود دستور ومجلس نيابي مزيف. ولعل هذا هو السبب الذي دفع الشيخ النائيني الى الامر بجمع نسخ كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) الذي كان قد الّفه دعما للمؤيدين للمشروطة وإتلافها. بعد ان عاصر إنحراف حكم رضا بهلوي في إيران وفيصل الأول في العراق. لكي لا يستعمل كتابه في إعطاء شرعية مزيفة لمثل هذه الانظمة المستبدة.

وبناءاً على هذا نجد ان حصر التيار الحضاري بانه يمثل جماعة المشروطة هو حصر غير منصف وبعيد عن التحقيق العلمي فليس من الانصاف اعتبار السيد كاظم اليزدي خارج التيار الحضاري وهو الذي خاض المعارك الفكرية وغمار دوامات التحرك الاجتماعي من اجل اقامة نظام سياسي عادل مرّةً في ايران والاخرى في العراق بقوله تارة بالمشروعة وتارة بالمشروطة كما بيناه بحسب اختلاف ظروف البلدين. فإذا كان تيار المتشرعة هو التيار القائل بفصل الدين عن السياسة فبلا شك ان التيار الحضاري هو الداعي الى الدمج بين الدين والسياسة على اساس قيادة الاسلام للحياة. ومن الواضح ان السيد كاظم اليزدي كان من القائلين بعدم فصل الدين عن السياسة حيث تكشف مواقفه المذكورة حقيقة ذلك.

ومن ابرز علماء التيار المتحضر الذين ذكرهم الباحث:
الميرزا حسن الشيرازي صاحب ثورة التنباك
الاخوند محمد كاظم الخراساني
الشيخ النائيني
السيد حسن مدرّس
السيد عبد الحسين اللاري ، في منطقة فارس ، وهو من تلاميذ الميرزا الشيرازي
السيد نور الدين الشيرازي ، في منطقة فارس
الحاج آغا نور الدين الاصفهاني
السيد حسين البروجردي ، وهو اول فقيه يثبت ولاية الفقيه بالبرهان العقلي
السيد الامام روح الله الخميني
السيد محمد باقر الصدر
الشيخ مرتضى مطهري
الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي
الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء

 

ويمكن ان نضيف لهم:
السيد حسن الشيرازي
السيد محمد الشيرازي
السيد محمد تقي المدرسي
السيد هادي المدرسي
وآخرون ...

 

 

قال الباحث: وقد ظهرت داخل التيار الحضاري عدة حركات اهمها:

ـ الحركة الاصلاحية في الحوزة العلمية ، وتمثلت بزعامة المرجعيات العامة كمرجعية السيد حسين البروجردي ، ويمكن ان نضيف لها مرجعية السيد محسن الحكيم ومرجعية السيد محمد باقر الصدر التي وإنْ لم تكن مرجعية عامة ولكنها تمثل مرجعية حضارية مهمة كان لها دور في ابراز الفكر الاسلامي الواعي المبني على فكرة قيادة الاسلام للحياة وعدم سلخ  السياسة من الدين[21].

ـ الحركات الثورية لجيل الشباب في المؤسسة الدينية ، ومن بينها جماعة السيد نواب صفوي المعروفة بـ (فدائيان اسلام) ، ويمكن ان نضيف لها في العراق حزب الدعوة الاسلامية ومنظمة العمل الاسلامي.

 

الخلاصة:

يتضح لنا من خلال البحث ان هناك عدّة نزعات دينية اجتماعية لعل ابرزها:

v    نزعة الاسلام الشامل (لكافة شؤون الحياة): وتتمثل بأساطين علمائنا منذ بدء عصر الغيبة الكبرى. ولا سيما الذين كانوا يصرحون بمركزية الفقيه في ادارة شؤون الحياة من خلال ولايته سواء بالحسبة بحدودها الواسعة او بولاية الفقيه العامة. وتطورت هذه النزعة بعد اصطدامها مع الحضارة الغربية الحديثة لتكون نزعة الاسلام الحضاري الذي يعمل على بناء الحضارة الاسلامية وأسلمة العلوم.

v    نزعة الاسلام الفقهي: وتتمثل ببعض العلماء الذين كانوا يركزون جهودهم في تدريس الفقه ونشره بين الناس دون ان يكون لديهم تحرك أو نشاط اجتماعي واضح للنهوض بالمجتمع. وهذه النزعة قد تشمل اتجاهين:

ـ الاول: العلماء الذين لم تتح لهم الفرصة للتحرك الاجتماعي بسبب ظروف الطغيان والقهر الطاغوتي الحاكم الذي ساد وتسلط على مجتمعهم فاقتصروا على المسلك الفقهي والعمل بالتقية من اجل الحفاظ على مصالح كبرى مهمة منها مصلحة بقاء الحوزة الدينية وبقاء حوزة المؤمنين قائمة لاسيما وان الطاغوت كان يهدف الى تهشيم الحوزة الايمانية في المجتمع واستيراد الثقافة الغربية لتحل محل الثقافة والقيم الاسلامية.

ـ الثاني: العلماء الذين كان نظرهم الفقهي واجتهادهم يقودهم لوضع اطار للحسبة باضيق الحدود كحفظ مال القاصر والغائب ، ولا يسمح لهم اجتهادهم بجعل الحسبة واسعة لتشمل اقامة الحدود[22] وحفظ الثغور والدفاع عن المجتمع الاسلامي. وهذه النزعة كانت تتأثر في سلوكها الاجتماعي بالجو الطاغوتي السائد المتسلط على مجتمعها فلذلك ليس واضحاً لنا طبيعة سلوكها الاجتماعي فقد تكون عاملة بالتقية في ظل تلك الظروف القهرية ، بمعنى انها لم تكن ترى الإعراض عن تنمية المجتمع وتطويره كجزء اصيل من فكرها بل قادها لذلك ظروف التقية التي كانت تعيشها.

v    نزعة التجديد الديني: هذه النزعة لم تظهر بين كبار العلماء او الفقهاء بل ظهرت بين بعض رجال الدين وبعض المثقفين كمهدي بزركان وعلي شريعتي. وكانوا يهدفون ان يلائم الاسلام التيارات الفكرية الحديثة كالماركسية والليبرالية ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان بدلاً من اصالة الاسلام ومركزيته في الحياة. وهذه النزعة ظهرت فيها اتجاهات مختلفة عبر فترات متتالية لعل ابرزها:

ـ الاتجاه الثقافي: ويمثله الدعوة الى الملائمة بين الاسلام وبين المفاهيم والثقافة الغربية دون ان يمس ذلك العقيدة الاسلامية والتشريع الاسلامي. ولعل علي شريعتي احد نماذج هذا الاتجاه.

ـ الاتجاه التغييري: ويمثله الدعوة الى إحداث تبديل في الاحكام الشرعية من خلال تغيير في العقيدة الاسلامية والمتبنيات الاسلامية الثابتة المعروفة بصفة (ضروريات الدين) والتي يمثل انكارها او جحدها او الاعتقاد بعدم اصالتها الدينية الحد الفاصل بين الاسلام والكفر من الناحية الشرعية. ويمثل هذا الاتجاه عبد الكريم سروش ومجتهد شبستري وغيرهما من بعض دعاة الحداثة.


 

[1] مجلة نصوص معاصرة ، العدد (17و18) لسنة 2010م – ص304.

[2] مجلة نصوص معاصرة ، العدد (17و18) لسنة 2010م – ص305.

[3] مجلة نصوص معاصرة ، العدد (20) لسنة 2010م – ص212.

[4] مجلة نصوص معاصرة ، العدد (20) لسنة 2010م – ص212.

[5] وهو ما يمكن ان نصطلح عليه بـ (سلخ السياسة من الدين) ، لأن الاصل هو ان السياسة جزء من المنظومة الحياتية التي جاء الدين لينظمها ويقومها ويؤسسها بما يرضي الله سبحانه ، فالسياسة جزء من الدين كما ان الاقتصاد والاخلاق والقضاء والثقافة والفكر والفن جزء منه ، فالاسلام هو نظام شامل لكل نواحي الحياة.

[6] مجلة نصوص معاصرة ، العدد (20) لسنة 2010م – ص213.

[7] مجلة نصوص معاصرة ، العدد (20) لسنة 2010م – ص213.

[8] كتاب البيع - السيد الخميني ج2 ص497 و498.

[9] ولاية الفقيه تاريخها مبانيها ، الشيخ الدكتور محسن الحيدري ، دار الولاء ، بيروت ، الطبعة الثانية 2004م – ص104.

[10] ولاية الفقيه تاريخها مبانيها ، الشيخ الدكتور محسن الحيدري ، دار الولاء ، بيروت ، الطبعة الثانية 2004م – ص110.

[11] مرة اخرى نرى الخلل في منهج البحث من خلال ما نوهنا عليه في الهامش السابق من خطأ الربط بين كون الفقيه لا يرى الولاية المطلقة للفقيه وبين عدّه من تيار المتشرعة.

[12] حوار مع السيد محمود الشاهرودي نشر في مجلّة (شاهد ياران) العدد (18) ارديبهشت 1386ش/2007م. واعاد موقع نصوص معاصرة نشره في شبكة الانترنيت العالمية عبر الرابط: http://www.nosos.net/main/pages/news.php?nid=96#_ftn1

[13] ولا يخفى ان مجرد اعتزال السياسة لاسباب معينة لا يعني الانتقال من التيار الحضاري الى تيار المتشرعة لأنه لا يدل على تغيير في القناعة الفقهية او الفكرية بخصوص علاقة الدين بالسياسة.

[14] تقريباً سنة 1963م.

[15] في اصل المقال كتب فضيلة الشيخ محمد تقي سبحاني: (إنَّ ظهور التجديد العلماني في ايران المعاصرة كان متزامناً الى حد ما مع النزعة الشرعية والدينية) ، غير اننا ثبتنا ما نراه من ان النزعة الشرعية سابقة في الظهور بحكم طبيعة علاقتها مع السلطة الصفوية كما هو مثبت في اصل البحث.

[16] لمن يراجع مقال الشيخ محمد تقي سبحاني في المصدر المذكور سيجد انه يذكر في هذا الموضع: اواخر العقد الرابع وبدايات العقد الخامس فيجب ملاحظة انه كان يستعمل التقويم الهجري الشمسي.

[17] ذكر الشيخ محمد تقي سبحاني انها في بداية الاربعينيات ولا يخفة انه كان يعتمد التقويم الهجري الشمسي في بحثه المذكور.

[18] مجلة(قضايا أسلامية معاصرة ) رئيس تحريرها د. عبد الجبار الرفاعي تحاور في العدد (43-44) صيف وخريف 2010 من السنة الرابعة عشرة القسم الثاني... المفكر مصطفى ملكيان حول (الدين والحداثة) ، ويرى ملكيان ان من يتحدث عن هذه العلاقة إنما يتحدث عن العلاقة بين التدين والحداثة، ويطرح سؤالا جوهريا عن توافق او تعارض التدين والحداثة، ويرى ان ذلك يشكل خلطة بين مفهومين وان بنية التنويرية الدينية متناقضة، وهو يعتقد في النهاية إن شرف الإنسان هو في طلب الحقيقة.

[19] وقد مرّ التيار التجديدي بمراحل فما ذكره الباحث هنا قد يمثل المراحل المتقدمة من هذا التيار لا سيما قبل الثورة الاسلامية في ايران اما المراحل المرحلة الحالية فهي تحاول فرض المفاهيم الغربية على الفهم الاسلامي مثل ادخال نظريات التعددية الدينية والتفسير الهيرمنيوطيقي ثم مرّت بمرحلة انكار النبوة والوحي الالهي كما في كتاب (بسط التجربة النبوية) لعبد الكريم سروش.

[20] المشهور بالافغاني (1254- 1314)هـ.

[21] فالسياسة هي جزء اصيل ومهم من الدين.

[22] ذهب السيد احمد الخوانساري في كتابه (جامع المدارك في شرح المختصر النافع) ج5 ص411 الى ان اقامة الحدود ليست من شؤون الفقيه.

 

 

الصفحة الرئيسية