بسم الله الرحمن الرحيم

مع قاسم والقاسميين

نبيـل الكرخي

تلطف الأستاذ مهدي قاسم ونشر نقداً لمقالتي (مستقبل العراق وإنقلاب 14 تموز) المنشورة في موقع كتابات ، وكان عمدة الفكرة التي طرحها الكاتب المذكور في مقاله الموسوم (أين هي إنجازات القادة الجدد من إنجازات عبد الكريم قاسم!) بتاريخ 23\7\2005 في الموقع نفسه ، هي المحاور الآتية :

ـ جزمه بإطلاق صفة الوطنية على الزعيم عبد الكريم قاسم.

ـ تنزيهه الزعيم عبد الكريم قاسم من كل أخطاءه إعتماداً على ميزة النزاهة التي كانت تميزه.

ـ جزمه بأن السياسيين الحالين هم سياسيون فاشلون لأنهم لم يقدموا إنجازاً مثل إنجازات الزعيم عبد الكريم قاسم !

 

فأما المحور الأول وهو جزمه بإطلاق صفة الوطنية على الزعيم عبد الكريم قاسم فنحن نعتقد بأن الكاتب مخطيء من جهتين : مخطيء من جهة فهمه للوطنية ، ومخطيء من جهة إنطباق مفهوم الوطنية على الزعيم عبد الكريم قاسم . فالوطنية عمادها الأساس هو خدمة المواطن وعدم تمرير المصالح الأجنبية على حساب المصلحة الوطنية للمواطنين ، فأين كان "الزعيم الأوحد" كما كان يطلق عليه أيام حكمه من هذه الركائز لمفهوم الوطنية ؟ إذا كان أحدٌ ما يعتقد أن بعض الخدمات التي قدمها "الزعيم الأوحد" للمواطنين من قبيل توزيع بعض القطع السكنية عليهم أو بناء بعض المؤسسات الصحية أو شيء من هذا القبيل هو الدافع لكي يكون "الزعيم الأوحد" بطل الوطنية بل معيار الوطنية التي يقاس عليها الآخرون ! فهناك من الطغاة الذين حكموا بعد "الزعيم الأوحد" عبد الكريم قاسم من قدموا من الخدمات أكثر بكثير مما قدمه الزعيم عبد الكريم للشعب ، فهل يصح أن نقول عنهم أنهم كانوا وطنيين ونتناسى كل جرائمهم بحق الشعب من قتل وإعدامات ومقابر جماعية وتهجير !! لا أتصور بأن الأستاذ مهدي قاسم يرضى بهذا الوصف لهم.

وأما تمرير السياسة الأجنبية على حساب مصلحة المواطن فالمسألة واضحة في أيام حكم عبد الكريم قاسم ، فقد حارب "الزعيم الأوحد" التيارات القومية وهي تيارات وطنية ، وأختلف مع عبد السلام عارف بسبب ميوله القومية وتوجهه للإرتباط بالجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) ، وأتفق الزعيم مع السياسيين البريطانيين على منع الرئيس المقبور جمال عبد الناصر من الإستيلاء على العراق تحت ذريعة الوحدة العربية ! فهل الوطنية تعني أن يتم ضرب تيارات سياسية معينة وقمعها وهي ممثلة بقوى نابعة من الشعب ـ بغض النظر عن إختلافنا مع الفكر القومي ومبادئ القوميين البالية ـ وعمد لأجل ذلك أيضاً لتقوية الحزب الشيوعي المسنود من قوة عظمى خارجية (الإتحاد السوفييتي) وإطلاق يده في الشارع العراقي من أجل تحجيم المد القومي المخيف للبريطانيين.

هل الوطنية تعني أن يقوم بمحاولة مسخ الهوية الثقافية للشعب العراقي عبر إصداره لقوانين مخالفة للإسلام بصورة صريحة وعدائية وإصراره عليها طيلة حياته ، وإطلاقه يد قوى الإلحاد في الشارع العراقي لتسيء للإسلام وتعمل على تغيير الثقافة الإسلامية للمواطن العراقي ، فهل الوطنية تعني مصادرة حرية الإنسان في معتقده الديني ومسخه بصورة قسرية ، وهل الوطنية تعني التفرد بالسلطة والبقاء بالحكم مدى الحياة ! وتهميشه لرئيس الجمهورية (رئيس مجلس السيادة محمد نجيب الربيعي) ! وجمع السلطتين التشريعية والتنفيذية بيده هو وحده ! فكان هو رئيس الوزراء وهو القائد العام للقوات المسلحة وهو وزير الدفاع وكالة ! عجباً وهؤلاء العلمانيون ـ وأظن أن الأستاذ مهدي قاسم منهم ـ ينادون ليلاً ونهاراً بإحترام حقوق الإنسان ويعتبرون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قانونهم المقدس الذي يجب على جميع المخلوقات الأرضية والفضائية إحترامه ، مع أن الإعلان المذكور لحقوق الإنسان ينص في الفقرة ( 3 ) من المادة ( 12 ) على أن ( إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال إنتخابات نزيهة تجري دورياً بالإقتراع العام ) إلخ ، فأين كان عبد الكريم قاسم من كل هذا ؟! وهل الحكم الفردي يبني وطناً أو يحافظ عليه ؟! وهل يصح بعد هذا أن يقال عن "الزعيم الأوحد" عبد الكريم أنه كان وطنياً !

 

وأما بخصوص المحور الثاني وهو تنزيهه للزعيم عبد الكريم قاسم من كل أخطاءه إعتماداً على ميزة النزاهة التي كانت تميزه ! متجاهلاً كل المآسي التي تسبب بها للشعب العراقي ، نعم قد يكون من الواضح نزاهة الزعيم عبد الكريم من ناحية الأموال والأملاك ، ولكن هل هذه هي الصفة الوحيدة التي نرجوها في من يتزعم الشعب ويتحكم بمصيره ؟ لقد بلغت إساءات الأنظمة التي أعقبت نظام الزعيم من السوء والجور مبلغاً جعلت معه الكثيرين يترحمون على أيام "الزعيم الأوحد" ليس لأن أيامه كانت أيام سعادة ورخاء بل لأنها كانت أقل إجراماً وإساءة للشعب من الذين أعقبوا حكمه ، فالصحيح أن يقال أن "الزعيم الأوحد" عبد الكريم قاسم هو الأقل سوءاً من الذين أعقبوه لا أن يتم الإشادة به على النحو الذي يستهان معه بالدماء العراقية الطاهرة التي سفكت في عهده بالجملة تحت ذرائع شتى. فليس كل الناس يحبون جمع الأموال ويسعون لجمعها عبر أستغلال النفوذ والفساد الإداري بل هناك أشخاص يحبون السلطة والسيطرة على الحكم وحب الظهور أكثر من أي شيء آخر ، وكان عبد الكريم قاسم من هذه النوعية من الناس.

 

وأما بخصوص المحور الثالث وهو مهاجمة الأستاذ مهدي قاسم للسياسيين العراقيين ومقارنتهم أو مقارنة إنجازاتهم بـ "إنجازات" عبد الكريم قاسم ، فمن الواضح أن مقارنته بعيدة عن الإنصاف بدرجة كبيرة ، فأيهم الأفضل برأيك أيها العراقي :

ـ بين من يرث حكماً ذا بنية أساسية مستقرة وأجهزة أمنية وإدارية متكاملة ويعتمد عليها في توطيد أركان حكمه الفردي وهو لم يقدم جهداً في بنائها ، وبين من يرث إحتلالاً بغيضاً ومشاكل سياسية وإجتماعية عمقها القريب 35 سنة من الإضطهاد والجور والظلم مع فقدان البنية الأساسية للبلد وإنعدام الأجهزة الأمنية والإدارية كلياً وإنتشار الإرهاب والإجرام المحلي والعالمي ثم يسعى لبنائها جميعها وسط أعقد الظروف السياسية والأمنية وصراعات القوى المحلية والأقليمية والعالمية بالإضافة لقوى الإحتلال البغيضة.

ـ بين من يؤسس نظاماً فردياً دكتاتورياً عبر سياسة الإنقلابات العسكرية ويجمع بيده كل السلطات التشريعية والتنفيذية ولا يكون للشعب أي دور في الحكم ولا يوجد تداول للسلطة إلا في الأحلام ، وبين من يؤسس نظاماً ديمقراطياً يكون فصل السلطات فيه هو الأساس ويكون للشعب الدور الرئيسي في الحكم ، ويكون تداول السلطة فيه بصورة سلمية.

ـ بين من يستهين بدماء العراقيين ويطلق يد المجرمين والمفسدين ليعيثوا في الأرض فساداً وتقتيلاً ويسميهم ميليشيات "المقاومة الشعبية" لحماية الثورة ، وقد أسس الميليشيات المذكورة بعد إستلامه السلطة وكأنه لم يكن مطمئناً لسلطاته الواسعة في الجيش بإعتباره وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة ! ، وبين من يحترم الإنسان ويعمل على منع أي إساءة حتى وإنْ كانت غير متعمدة تجاه أي عراقي ويحل ميليشياته التي أسسها لمقاومة الحكم الصدامي المجرم ويحولها بعد سقوط النظام المذكور لمنظمة للبناء والعمل السياسي.

ـ بين من يؤسس محكمة صورية لإعدام الخصوم السياسيين ، محكمة ليس لها من الأصول القضائية سوى الأسم (محكمة المهداوي الهزيلة) ، وبين من يؤسس محكمة عادلة تعتمد الأسس القضائية المعتادة يكون العراقيون جميعهم أمامها على قدم المساواة ، وللجميع الحق في أن يحصلوا على محاكمة عادلة دون أي تمييز.

ـ بين من يهمش التيارات السياسية المخالفة له ويضطهدها سجناً و(سحلاً) وتقتيلاً ومنعها من العمل أو التفوه بأي كلام مخالف لسياسته الفردية وبين من يسعى لمشاركة جميع القوى السياسية في السلطة بغض النظر عن فكرها ومبادئها بل ويتنازل عن الكثير من إستحقاقاته الإنتخابية من أجل مشاركة الآخرين معه في السلطة والحكم.

 

ففي مثل هذه المقارنة يمكن أن يكون هناك إنصاف للجميع ، فيعطى لكل ذي حقٍ حقه.

فنحن العراقيون بحاجة لقراءة جديدة لتاريخنا المعاصر وفق رؤية جديدة تعتمد الموضوعية والدقة في تحليل الأحداث والنزاهة في تشخيص مصلحة الأمة العراقية بعيداً عن العواطف وذكريات الماضي ، نعم قد يحدث هناك إختلاف في تشخيص مصلحة الأمة ، ولكن لا نتصور أن أحداً يمكن أن يدعي أن هناك مصلحة متحققة في أتباع أسلوب القتل والسحل والإنقلابات العسكرية والتفرد بالسلطة وتأسيس الميليشيات وإطلاق يدها لتعيث في الأرض الفساد.