بسم الله الرحمن الرحيم

أخطاء في تأملات كامل النجار - مصادر القرآن ... ( 2 )

 

نبيـل الكرخي

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وعندما هاجر محمد إلى المدينة واستمر نزول القرآن، ظل القرآن يكرر قصة بني إسرائيل والعجل، فقال في أول سورة نزلت في المدينة- سورة البقرة: " وإذ وعدنا موسى أربعين ليلةً ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم بعد ذلك لعلكم تشكرون "  فنرى في هذه الآيات أن الله قد تاب على بني إسرائيل وعفا عنهم بعد أن كان قد قال في سورة الأعراف المكية: " إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ")] ، فانظر الى جرأة الدكتور كامل النجار في بتر النصوص وتحريف المعاني ، فقد ذكر الآية الكريمة في سورة الاعراف ولم يذكر الآية التي تلتها ، والآيتان هما : (( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين * والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم )) ، فيحاول الدكتور كامل النجار ان يوهم القاريء بأن القرآن في آياته المكية قد توعد بني اسرائيل بالعذاب بسبب عبادتهم العجل ، وفي اياته المدنية تاب عليهم ، وهو خداع واضح وصريح من قبل الدكتور النجار (( يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون )).

 

وأضاف الدكتور كامل النجار : [(ثم كرر القرآن القصة في نفس سورة البقرة في الآية 54 فقال: " وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى الله بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم " فكيف يقول موسى لبني إسرائيل أنهم ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل ثم يقول لهم أن يقتلوا أنفسهم ليكفروا عن ظلمهم ؟ أليس هذا عكس ما يقول به الله في القرآن " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ")] ، فمن الواضح أن أمر موسى (عليه السلام) لبني اسرائيل الذين عبدوا العجل بأن يقتلوا انفسهم هو امر مختص بتلك الحادثة عقوبة لهم على شركهم بعد ان رأوا الآيات العظيمة التي جرت وهم حاضرون لها وشهداء عليها. وحتى هذا الأمر بقتل النفس قد توقف بقوله تعالى : (( فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم )) ، كما تذكر هذا التوقف بعض الروايات. وفي هذا الصدد قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ج1 ص189 : (وقوله تعالى : فتاب عليكم يدل على نزول التوبة وقبولها ، وقد وردت الرواية أن التوبة نزلت ولما يقتل جميع المجرمين منهم . ومن هنا يظهر أن الامر كان أمرا إمتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا إبراهيم عليه السلام وذبح اسماعيل (( يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا )) الصافات - 105 ، فقد ذكر موسى عليه السلام فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ، وأمضى الله سبحانه قوله عليه السلام وجعل قتل البعض قتلا للكل وأنزل التوبة بقوله : فتاب عليكم) ، ويبدو أنَّ الأمر المذكور بقتل النفس هو نوع من أنواع عقوبة الارتداد عن الدين في شريعة موسى (عليه السلام) ، فالمرتد فيها يقتل أيضاً فيما يبدو ، وهم قد ارتدوا لعبادة العجل ، واما منع قتل النفس فهو تحريم الانتحار ، وهو ليس مثل أمر الله سبحانه لبني اسرائيل بقتل النفس. فلا ترابط بين الآيتين ليُزعَم تناقضهما.

ثم ان تحريم قتل النفس هو تشريع وارد في الشريعة المحمدية المطهرة ، فإن كان هناك امر بقتل النفس في الشرائع السابقة فما ورد في الاسلام يلغي ما ورد فيما سبقه من شرائع وينسخه.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وفي ثاني سورة نزلت بالمدينة، وهي سورة النساء، أعاد القرآن قصة العجل فقال: " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبينا " . فإذا سألوا موسى أن يريهم الله فغضب الله عليهم وأخذتهم الصاعقة بظلمهم، كيف عاشوا حتى يتخذوا العجل إلهاً ؟)] ، فجواب تساؤل الدكتور النجار في القرآن المجيد ايضاً وهو قوله تعالى في الآيتين (55و56) من سورة البقرة : (( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )). فالله سبحانه قد بعثهم من بعد موتهم ، ورغم ذلك فقد عصوا الله سبحانه وعبدوا العجل.

 

ثم انتقل الدكتور كامل النجار إلى التحدث عن قصة الطوفان وأعتبر أن أصل قصة الطوفان هو ذوبان الجليد الذي كان يغطي الكرة الأرضية في العصر الجليدي ، وان بدأ الذوبان هو قبل أثني عشر ألف سنة ، وهو الذي ادى ألى حدوث الفيضان الكبير الذي أطلق عليه الانسان البدائي اسم الطوفان والذي فسّره الانسان بانه غضب الآلهة ، فقال الدكتور النجار ما نصّه : [(فإن خيال الإنسان البدائي في تلك الفترة صوّر هذا الطوفان على أنه غضب الآلهة عليهم ولذلك ظهرت قصة الطوفان في جميع الأساطير الدينية في العالم. ومع أن القصة كانت معروفة في الميثولوجيا البابلية إلا أنها لم تنتشر بشكل عام إلا بعد ظهور الديانة اليهودية التي أتى بها موسى)] ، غير أن المبالغة في أدعاء انَّ الذوبان الجليدي هو الذي ولّد الطوفان هي مبالغة غير مقبولة ، فالدكتور النجار نفسه ذكر عدداًً قليلاً من المناطق التي كان الجليد يغطيها فقال : [(وكان الثلج يغطي آيسلاند، كندا، الولايات المتحدة، أمريكا الجنوبية، شمال أوربا (إسكاندينافيا وشما غرب روسيا ومنطقة جبال الألب وجبال الهملايا.) وذاب معظم هذا الجليد قبل حوالي اثنتي عشرة ألف سنة)] ، وقد فات الدكتور النجار ان قسماً معتدً به من المناطق المذكورة مازال الجليد يغطيها ، كما أننا تشكك في المساحة التي ذكرها الدكتور النجار ، فأرنولد توينبي يقول في كتابه تاريخ البشرية (ص50 ترجمة الدكتور نقولا زيادة) : (ويبدو أنه في الفترات الجليدية لم يغمر الجليد أكثرمن جزء صغير من سطح اليابسة في المحيط الحيوي. والمساحات التي غمرها الجليد كانت تقع في الغالب على مقربة من المنطقتين القطبيتين ، إضافة الى رقاع متباعدة غطاها الجليد).

فمن الواضح أنَّ ذوبان الجليد لم يكن فجائياً بحيث يؤدي الى حدوث الطوفان بل كان ذوبانه تدريجياً كما هو مفترض ، وليس هناك حوض من اليابسة حتى ينحصر الماء فيها فيتمكن من الصعود الى أعالي الجبال ، وهو الاسلوب الطبيعي المفترض ! فضلاً عن ان مناطق واسعة جداً لم تكن مغطاة بالجليد منها شرق آسيا وأفريقيا وجنوب شرق آسيا واستراليا وجنوب اوربا ، فأدعاء أنَّ ذوبان الجليد هو الذي ادى الى الطوفان الذي غطى الجبال الشاهقة هو أدعاء لم يقم الدليل على أسناده.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(والقصة لا بد أن تكون قصة رمزية القصد منها بيان بعض أنواع العقاب الذي يمكن أن ينزله الله على عباده العاصين، لأنه من غير المعقول أن يبني نوح بنفسه وبمعداته البدائية مركبا يتسع لزوجين من كل أنواع الحيوانات والطيور والدواب، ويكون مسقوفاً لأن المطر استمر أربعين يوماً وليلة، زيادة على الكميات الهائلة من الطعام لجميع الحيوانات والناس والطيور، خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن الغالبية العظمى من الحيوانات في السفينة حيوانات آكلة لحوم ولا بد لها من كمية كبيرة جداً من الحيوانات الإضافية لتأكلها على مدى عامٍ كاملٍٍ، لأن التوراة تقول إن السفينة رست على جبال أراراط بعد عام كامل من بدء الطوفان)] ، وادعاء عدم المعقولية في القصة مردود لأن الآثاريين يقولون أن العصر الحجري الحديث يمتد من الألف التاسع وحتى مطلع الألف السادس قبل الميلاد ويعقبه العصر الحجري المعدني الذي يبدأ من مطلع الألف السادسة وحتى منتصف القرن الرابع قبل الميلاد ، بينما يقول بعض علماء المسلمين ان عمر الجنس البشري هو (7000) سنة ، مما يعني أن الطوفان قد حصل في العصر الحجري المعدني وبذلك تظهر إمكانية صناعة السفينة من الخشب وبإستعمال المعادن والتي حملت من كل زوج من الحيوانات زوجين. قال تعالى : (( وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر )) ، وقال السيد الطباطبائي قس نقسير الميزان ج19 ص65 : (قوله تعالى : " وحملناه على ذات ألواح ودسر " المراد بذات الالواح والدسر السفينة ، والالواح جمع لوح وهو الخشبة التي يركب بعضها على بعض في السفينة ، والدسر جمع دسار ودسر وهو المسمار الذي تشد بها الالواح في السفينة).

ولا ننسى ان نوحاً (عليه السلام) قد لبث يدعو قومه (900) سنة قبل الطوفان كما هو نص القرآن الكريم ، وبعض هذه المدة كافٍ لصنع السفينة.

وأما قول الدكتور كامل النجار : [(إذا أخذنا في الحسبان أن الغالبية العظمى من الحيوانات في السفينة حيوانات آكلة لحوم ولا بد لها من كمية كبيرة جداً من الحيوانات الإضافية لتأكلها على مدى عامٍ كاملٍٍ، لأن التوراة تقول إن السفينة رست على جبال أراراط بعد عام كامل من بدء الطوفان)] ، فالدكتور كامل النجار ينسى أن الامر برمّته هو امر معجز اي ان يأتي من جميع الحيوانات زوجين ويصعد الى السفينة ثم يحدث الطوفان الذي يغطي اعالي الجبال ولا يبقى على وجه الكرة الارضية أي انسان عدا من صعد الى السفينة ثم بعد ذلك كله يغوص الماء ويختفي وتستقر السفينة على الجبل ، فكل هذا الامر المعجز لا يمنع من تدبير أقوات الحيوانات أو منعها من افتراس بعضها البعض في تلك الفترة ، فمن تكفل بغذاء بني اسرائيل أربعين سنة بانزاله المن والسلوى عليهم لا يعجزه التكفل بغذاء الحيوانات المحمولة في السفينة.

وقد يرد الى الذهن التساؤل عن العلة من استقرار السفينة على الجبل وليس في سهلٍ أو وادي ؟ والجواب يمكن تقديره في أنَّ قمم الجبال ينحسر عنها الماء قبل السهول والوديان ، فتعود الحياة الى طبيعتها في قمم الجبال نزولاً قبل الوديان والسهول ، ولذلك استقرت السفينة على الجبال وانزلت حمولتها من الكائنات الحية.

واما بخصوص قول التوراة بان السفينة الطوفان استمر سنة كاملة قبل أن تستقر السفينة فهو من كلام التوراة الحاضرة التي لا يعرف كاتبها ، والمسلمون غير ملزمين بها.

واما قول الدكتور كامل النجار [(والقصة تفتح باباً جديداً للمشككين ليسألوا: ما ذنب بقية الحيوانات التي لم يحملها نوح في سفينته، وهي كانت تسبح بحمد الله، كما يقول القرآن: " تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ")] ، فليس هناك حيوانات لم يحملها النبي نوح (عليه السلام) معه بدليل أنَّ الاثار لم تذكر وجود حيوان منقرض بسبب الطوفان. وقد قال تعالى في سورة هود : (( حتى إذا جاء امرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل )).

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(ثم أن نوحاً لم تكن لديه وسائل التنقل السريع ليطوف على كل الناس وقتها ليدعوهم إلى الله. فلو كان نوح في منطقة العراق أو فلسطين، فما ذنب الذين كانوا في إفريقيا ولم يصل إليهم نوح، والقرآن يقول: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " ؟)] ، فمن قال أن اولئك الآمم لم يكن لديهم أنبيائهم الخاصين الذين بلغوهم رسالة ربهم !؟ فهل يشترط ان يبلغ نوح (عليه السلام) جميع أمم الارض !؟ فقد قال تعالى : (( ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً )) ، و(قد) المذكورة في الآية الكريمة هي حرف تحقيق لأنها دخلت على الفعل الماضي وقد سبقتها ايضاً لام التوكيد ، فإرسال الرسل لجميع الأمم قد تحقق قطعاً.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(والغريب أن هناك في القرآن سورة اسمها " نوح " ولكن تفاصيل طوفان نوح ليست مذكورة بها إنما في سورة " هود ")] ، حسناً فلنقرأ سورة نوح (عليه السلام) ليتضح للقاريء سبب تسميتها بهذا الأسم ، قال الله سبحانه : (( بسم الله الرحمن الرحيم * إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون  * قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله أنبتكم من الارض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الارض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا * قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لاتذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا )) ، صدق الله العلي العظيم ، وهذه هي سورة نوح (عليه السلام) كلها وهي (28) آية ، وهي تحوي على قصة النبي نوح (عليه السلام) وحده ، ولذلك أطلق عليها اسم النبي نوح (عليه السلام) ، وكذلك توجد قصة النبي نوح (عليه السلام) في سور قرآنية اخرى ، ولا يشترط ان تذكر في سورة نوح نفس تفاصيل القصة المذكورة في بقية السور ، فلا المنطق يقرر هذا الشرط ولا الاسلوب القرآني أيضاً ، فمن أين جاء الدكتور كامل النجار بهذا الشرط ؟! ومن الجدير بالذكر ان تسمية سور القرآن هي تسمية أطلقها المسلمون عليها منذ عصر النبوة ، فليس أسم السورة هو تنزيل قرآني حتى يطعن على القرآن من خلاله.

 

ثم انتقل الدكتور كامل النجار الى قصة يوسف (عليه السلام) فقال : [(تفاصيل قصة يوسف متشابهة في التوراة وفي القرآن مع بعض الإضافات في القرآن. فمثلاً عندما دعت زوجة العزيز يوسف إلى نفسها وأمسكت بثوبه، تقول التوراة إن الثوب انخلع وبقي في يد المرأة عندما هرب موسى: " 12 فَأَمْسَكَتْهُ بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: اضْطَجِعْ مَعِي. فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. 13 وَكَانَ لَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ 14 أَنَّهَا نَادَتْ أَهْلَ بَيْتِهَا وَقَالَتْ: انْظُرُوا! قَدْ جَاءَ إِلَيْنَا بِرَجُلٍ عِبْرَانِيٍّ لِيُدَاعِبَنَا. دَخَلَ إِلَيَّ لِيَضْطَجِعَ مَعِي فَصَرَخْتُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. 15 وَكَانَ لَمَّا سَمِعَ أَنِّي رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. 16 فَوَضَعَتْ ثَوْبَهُ بِجَانِبِهَا حَتَّى جَاءَ سَيِّدُهُ إِلَى بَيْتِهِ "   . وهذا القول أكثر واقعية إذا ما نظرنا إلى صور المصريين في زمن يوسف وحتى في زمن موسى، عندما كانوا يلفون على أوساطهم مئزراً ويتركون الصدر مكشوفاً. ومن السهل إذا أمسك شخص بطرف المئزر وتحرك صاحب المئزر مبتعداً، فالتجارب الإنسانية تقول أن المئزر سوف ينخلع في يد الشخص القابض عليه)] ، فأول خطا هو تغافل الدكتور النجار عن أنَّ يوسف (عليه السلام) كان عبرانياً وليس مصرياً وبذلك تكون ملابسه وفقاً لما اعتاد على لبسه في بلده لأنه لم يكن عبداً في مصر ليلبسه سيده ما يشاء بل تذكر التوراة { سفر التكوين (4:39) } أنَّ يوسف (عليه السلام) قد حظي برضى سيده الذي اشتراه (فجعله وكيلاً على بيته وولاه على كل ما له) الى أن يقول نص التوراة : (فعهد بكل ما له الى يوسف. ولم يكن يعرف معه شيئاً إلا الخبز الذي يأكل) ، هذا هو حال يوسف (عليه السلام) فقد كان له التصرف بكل أموال ومقتنيات سيده. فلا غرابة إذا كان يمكنه أن يلبس ما يريد ، مع معرفتنا بأنه كان نبياً ولا يمكنه ان يلبس ملابساً تثير النساء الاجنبيات الموجودات معه في القصر مع ما عُرف عنه من جمال ووسامة. وملابس العبرانيين كما هي موجودة في النقوش الاثارية تعاضد القول بانه كان يرتدي قميصاً او رداءاً يغطي اعلى جسمه. بل وحتى بعض النقوش المصرية تظهر ذوي الشأن من فراعنة وغيرهم وهم مرتدون ملابس تغطي النصف العلوي من الجسم.

ويضيف الدكتور النجار قائلاً : [(ولكن القرآن يقول: " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين. واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين." ( سورة يوسف). ولا يسع المرء إلا أن يسأل هنا: كيف يمكن أن يقد قميص يوسف من قبل إذا أراد أن يغتصب المرأة ؟ أليس المتوقع أن يُقد أو يتمزق قميصها وليس قميص يوسف ؟)]إلخ.. ، ولا ندري كيف يقبل الدكتور النجار ان ينسب لنفسه مثل هذا الكلام ومثل هذه الفرضيات البعيدة عن المنطق ، فالمرأة التي تقاوم الاغتصاب تقاوم بكل الوسائل بخدش وجه الغاصب أو صدره أو تمزيق ملابسه او ضربه على وجهه أو صدره أو غيرها من المواضع ، بحسب قوتها البدنية واصرارها على منع العدوان عليها. وهذا أمر معروف ومفروغ منه ، فيما يحاول الدكتور كامل النجار أن ينكر البديهيات !

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وقصة يونس وداود وسليمان مأخوذة من التوراة مع إضافات قد اعتدنا عليها من القرآن. فالقرآن جعل داود نبياً سخر الله له الحديد فكان يصنع الدروع وكانت الجبال تؤب أو تسبح معه لجمال صوته، وكانت الحيوانات  والطيور تستمع لصوته. ولكن التوراة لم تقل إن داود كان نبياً بل كان ملكاً على بني إسرائيل.)] ، غير أنَّ ما نسبه لداود (عليه السلام) من جمال الصوت غير موجود في القرآن ! فقال تعالى في سورة الانبياء (عليهم السلام) : (( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون )) وقال تعالى في سورة سبأ : (( ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير )).

واما كون التوراة لم تذكر صراحةً أنَّ داود (عليه السلام) هو نبي ، فليس هذا بحجة علينا ، فالتوراة قد اغفلت الكثير من الحقائق بل ونسبت للانبياء العديد من الفواحش وهم بريئون عنها ، فليس كل ما تقوله التوراة الحالية هو حق وليس كل ما اغفلت عنه هو باطل.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وسليمان كان ملكاً ولم يكن نبياً. ولكن حتى الفولكلور الشعبي اليهودي بنى قصصاً حول الجن الذين خدموا سليمان. وكان لسليمان ثلاثمائة زوجة وعدد من المحظيات. ولذلك نستغرب عندما يقول القرآن إن سليمان عندما مات لم يعرفوا عن موته إلا عندما أكلت الأرضة عصاه التي كان متكئاً عليها فخر أي وقع. فكم من الزمن احتاجته الأرضة لتأكل عصاه ؟ وطوال هذا الوقت لم تفتقده واحدة من زوجاته الثلاثمائة ولا محظياته ولا أولاده، ولم تسأل واحدة منهن ما ذا يأكل أو يشرب سليمان ؟ )) ، نعم فمن عادة عظماء الملوك انهم لا يسمحون لأحد بالتدخل في شؤونهم او الاطلاع على شؤونهم التفصيلية ، ولا بتسلط النساء عليهم او على شؤونهم ، ولذلك فمهما كان العدد الحقيقي لزوجات النبي سليمان (عليه السلام) فلم يكن لهن ان يتدخلن في شؤون النبي مع ما له من وظيفة ملوكية لها مهامها وشؤونها. وهذا الامر يدل على عظمة ملك النبي سليمان (عليه السلام).

 

واضاف الدكتور كامل النجار قائلاً : [(ثم ماذا عن الشياطين التي كانت تعمل عنده بإذن الله وتبني له التماثيل والإسلام يخبرنا أن التماثيل محرمة لأن من يبنيها يشارك الله في عملية الخلق. وأن التماثيل تساعد على الشرك بالله، فكيف طلب سليمان من الجن أن يبنوا له التماثيل ؟)] ، فمن الواضح ان صنع التماثيل لم يكن محرماً في شريعة النبي سليمان (عليه السلام) ، فضلاً عن ان المحرم من التماثيل هي تلك التي تجسم المخلوقات ذوات الارواح واما غير ذوات الارواح من نباتات وعناصر الطبيعة وغيرها فليس بمحرم ، وحتى تماثيل ذوات الارواح فقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحرم منها ، حيث اجاز بعض الفقهاء تماثيل بعض اجزاء ذوات الارواح كالرأس وحده مثلاً. فلا دليل على انهم كانوا يصنعون التماثيل المحرمة.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وماذا عن الريح التي تغدو شهراً كاملاً في اتجاه واحد ثم تهب في الاتجاه المعاكس شهراً أخراً ؟)] ، لكنه لم يبين وجه اعتراضه على حركة الريح المذكورة بل ترك الامر مبهما ، وكأنه اعتراض من أجل اعتراض فقط.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وكان سليمان يكلم النمل والحشرات والطير. ونحن نعرف أن الكلام عبارة عن أصوات تخرج من الفم عندما يمر الهواء من الرئة على الحبال الصوتية في الحلق ثم الشفائف. ولا بد من الثلاث لإخراج الصوت، والنمل لا يملك أي من الثلاث، فكيف كان يكلم سليمان ؟)] ، وهذا الاعتراض غير وجيه ، فليس كل الكلام يكون من خلال الحبال الصوتية ، فحين يتكلم الانسان مع نفسه لا يكون كلامه من خلال الحبال الصوتية ، وحين يتكلم الانسان مع انسان آخر في المنام ويتحدثان فيه فلا يكون الكلام من خلال الحبال الصوتية ، وفي تجارب الباراسيكولوجي حين يتبادل اثنان الكلام والافكار بصورة عقلية فلا يكون ذلك من خلال الحبال الصوتية ، وحتى في جلسات تحضير الجان التي تسمى بالمندل يتحدث فيها الناظر مع الجن من خلال عقله وليس من خلال صوته. والنمل يخرج صوتاً وقد دلّت التجارب الحديثة على هذا ، فليس تحدّث النمل معناه أنه يتكلم من خلال رئة وشفتين لأننا نعلم جيداً ان الحشرات ليس لها رئة.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(أما قصة بلقيس مع سليمان ففيها من المبالغات ما يجعلها غير مسوغة للعقل البشري إطلاقاً. والغريب أن القرآن يقول لمحمد: " تلك أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل فاصبر إن العاقبة للمتقين "  . ولكن في الواقع فإن العرب قبل الإسلام كانوا عارفين لهذه القصص وقد وردت في أشعار كثيرة سوف نذكر بعضاً منها)] ، وهذا توهم بل دس على الاسلام ، فالعرب لم تكن تعرف هذه القصص وما هو مذكور في الاشعار قد كتب بعد الاسلام ونسب لشعراء قبل الاسلام ، من خلال الزنادقة أو غيرهم من الاعداء فيما يبدو. والدكتور النجار يسمس المعجزات مبالغات منطلقاً في ذلك من عقلية الحادية تنكر الخالق والاعجاز الذي يجري على ايدي الانبياء (صلوات الله عليهم).

 

 وأضاف الدكتور النجار قائلاً : [(وكان الأحناف مثل زيد بن عمرو بن نفيل وعثمان الحويرث وأمية بن أبي الصلت والنضر بن الحارث يقصون هذه القصص على العرب، وخاصة الأخير الذي كان قد سافر إلى بلاد فارس والكوفة وتعلم قصص الزرادشتية والنصرانية وكان يعقب محمداً في مجالسه ويقول للقرشيين إنه يستطيع أن يقص عليهم قصصاً أحسن من قصص محمد، ولذلك لما أسره المسلمون في موقعة بدر، رفض محمد أن يعفو عنه وقطع رأسه. فالقصص حتماً لم تكن من أنباء الغيب)] ، فليس هناك أي دليل معتبر على ان المذكورين كانوا يقصون هذه القصص على العرب ، وما اورده من قول منسوب للنضر بن الحارث يدل على تأييد ما قلناه من ان العرب لم يكونوا يعرفون القصص التي ذكرها القرآن ، فالنضر يقول لهم أنه يقصص على العرب أحسن من قصص محمد (صلى الله عليه وآله) وليس نفس القصص ، فيروي لهم قصص اخرى لتشغلهم عن القصص القرآنية. والعرب لم يكونوا يعرفون هذه القصص قبل الاسلام. واما ما ورد في التوراة من قصص الانبياء فهي غير دقيقة ومحرفة ، قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان : (وأما ما يوجد من ذلك عند أهل الكتاب فلا عبرة به لعدم سلامته من تحريف المحرفين كما أن كثيرا من الخصوصيات المقتصة في قصص زكريا غير موجودة في كتب العهدين على ما وصفه الله في القرآن . ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى في ذيل الآية وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون). وقد وصلنا الكثير من قصص فارس والهند وما وراء النهر من عصر ما قبل الاسلام وليس فيها ما يمكن ان ينافس قصص القرآن الكريم من حيث الجودة والحكمة والقيم السامية التي تتضمنها قصص القرآن الكريم.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وبجانب القصص التوراتية والإنجيلية يقص القرآن قصصاً عن أنبياء عرب مثل وهود وصالح أرسلهم الله إلى عاد وثمود وهم من  القبائل العربية التي  كانت تسكن شمال غرب جزيرة العرب وربما أصابهم زلزال أودى بهم. يقول عنهم د. جواد علي: " ان "تمودى" (Tamudi) هم (Thamudeni) و (Thamunda) في الكتب الكلاسيكية (Musil,  Hejaz pp 291) وهم ثمود في القرآن. وقد أشار مؤلف كتاب " الطواف حول البحر الإريتري" ألي ساحل صخري يقع علي البحر الأحمر ذكر أنه يعود إلي عرب يدعون "Thamundenoi)) وتتاخم أرضهم أرض " النبط " علي حد قول " Uranius وجعل " بطليموس " بلادهم في الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب وهى مواضع ديار ثمود(Ptolemy, Geography, VI 7:4, 7:21). وقد عثر علي كتابات ثمودية يرجع تاريخها إلي القرن السابع ق.م. غير أن اكثر ما عثر عليه من كتابات ثمودية يعود تاريخه إلي ما بعد الميلاد. وللقلم الثمودي صلة بالقلم " المعيني " أي " المسند ". ولوحظ وجود بعض الخواص في الكتابات الثمودية التي عثر عليها في الحجاز لا نجدها أو قلما نجدها في كتابات ثمودية أخري عثر عليها في نجد وفي اليمن. ويدل عثور الباحثين علي كتابات ثمودية في اليمن وفي نجد علي انتشار الثموديين وتنقلهم وعلي اشتقالهم بالتجارة مثل أكثر سكان جزيرة العرب. ومن أصنام ثمود الصنم " ود" وله مكانة عند القبائل العربية الشمالية. وقد رأينا أنه كان معبودا عند العرب الجنوبيين. ولعله كان من آلهه العرب العظمي في الألف الثاني أو قبل ذلك قبل الميلاد.)] الى أن يقول : [(وقد بقى اسم الثموديين معروفا إلي القرن الخامس بعد الميلاد وكان منهم فرسان في الجيش الرومانى ." . فثمود إذاً كانت تتاجر مع قريش وكان اسمها معروفاً حتى القرن الخامس الميلادي، أي حتى سنين قليلة قبل ميلاد محمد. فقصتهم لم تكن من أخبار الغيب التي أوحاها الله لمحمد. وربما نزحوا من ديارهم بعد ما أصابهم زلزال لأن منطقتهم كانت جبلية معرضة للهزات الأرضية.)] ، فظن الدكتور النجار ان كل من يحمل لقب ثمود يعني انه يعود لنفس القبيلة مع أن هناك امثلة كثيرة على إشتراك اكثر من قبيلة بأسمٍ واحد. ومن جهة اخرى نجده وقد ذكر الامر بصورة مبهمة ، فلم يذكر المصدر الذي ذكر وجود قادة من قبيلة ثمود التي تعيش في شبه الجزيرة العربية ضمن الجيش الروماني ، واما المصدر الذي ذكره والذي اطلق عليه أسم (الطواف حول البحر الإريتري) فلم يذكر من هو مؤلفه ولا سنة التاليف ، وايضاً فقد استنتج استنتاجات بعيدة عن الصواب مثل استنتاجه بظهور كتابات ثمودية في نجد بان قبيلة ثمود كانت تسكن هناك ، مع انه يمكن ان يكون هناك أفراد من قبائل أخرى قد تعلموا الخط الثمودي وكتبوا به. كما أنه لم يذكر المصدر الذي جعل من (ود) صنماً من أصنام ثمود ؟!

واما الادعاء بان أسم الثموديين بقي معروفاً حتى القرن الخامس الميلادي فهو أدعاء سخيف وبعيد عن حقائق التاريخ ، فالنسابون العرب في الجاهلية لم يعرفوا قبيلة عربية تحمل هذا الاسم ، ولم يذكروا أنسابها ورجالها ، كما انها لو كانت تعيش في الوقت المذكور لورد من اخبارها الشيء الكثير ، ولدخلت في حروب ومنازعات ولبرز منها شعراء وشجعان ، لا سيما وهناك أدعاء بان بعض أفرادها هم قادة في الجيش الروماني ! ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث ولم يعرف العرب قبيلة عربية بأسم ثمود.  والقول بان قصة ثمود المذكورة في القرآن ليست من انباء الغيب هو محض افتراء على القرآن المجيد.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وقصة ثمود حسب ما يذكرها القرآن تتلخص في أن النبي صالح أخرج لهم ناقةً من صخرة وقال : " قال هذه ناقة لها شربٌ ولكم شربُ يوم معلوم. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم " . فلأنها ناقة الله  فلها يوم خاص بها للشرب من بئرهم ويوم للقبيلة لتشرب. وواضح من بداية القصة أنها أمرٌ تعجيزي، إذ كيف تشرب كل القبيلة في يوم واحد من البئر ويكون للناقة وحدها يوم كامل ؟ ولا بد أن شخصاً أو أشخاصاً عقروا الناقة فانتقم الله من القبيلة كلها وقال: " كان أكثرهم لا يؤمنون ". ولكن ماذا عن الذين كانوا مؤمنين وأصابهم الزلزال ؟)] ، وجواب تساؤله عن اولئك المؤمنين نجده في القرآن الكريم بقوله تعالى في سورة هود (عليه السلام) : (( فلما جاء امرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منّا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز )).

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(أما قوم عاد فقصتهم أعجب. فقد أرسل الله لهم أخاهم هود الذي دعاهم إلى الله فصدوا عنه فأنذرهم وقال لهم: " قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماءٍ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين " . وبعد الانتظار أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً عاتية: " فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحساتٍ لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا يُنصرون "  .  وقبل أن تأتيهم الريح كانوا قد راءوا عارضاً في السماء حسبوه مطراً: " فلما راؤه عارضاً مستقبلاً أوديتهم قالوا هذا عارضٌ ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذابٌ أليم. تُدمّر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم كذلك نُجزي القوم المجرمين "  . فالريح العاتية هذه تدمر كل شيء في طريقها لكنها لم تدمر مساكن عاد " فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنهم ". ولكن في سورة الذاريات يقول لنا القرآن: " وقوم عادٍ إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم. ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم "   . فلماذا يا تُرى لم تجعل هذه الريح العقيم مساكن عادٍ كالرميم ؟)] ، وبكل وضوح فالجواب هو لكي تبقى آثارهم عبرة لمن بعدهم. قال الله سبحانه في سورة العنكبوت : (( وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين )) ، وقال تعالى في سورة القصص : (( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين )).

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(والسؤال الذي لم يستطع المفسرون الإجابة عليه هو: أين كانت ديار عادٍ ؟ فالقرآن يقول لنا: " واذكر أخا عادٍ إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم "  . فهذه الأحقاف، حيث كان قوم عاد، لا بد أنها كانت معروفة لعرب ما قبل الإسلام وذات أهمية لديهم إذ أن الله سمى سورة كاملة في القرآن باسم هذا المكان – الأحقاف. ولكن دعونا ننظر ما قال المفسرون عن الأحقاف. يقول القرطبي)] ، ورغم أنّ الله سبحانه ليس هو الذي اطلق اسم (الاحقاف) على هذه السورة بل المسلمون هم الذين فعلوا ذلك ، ولكن لننتقل الى قول الدكتور النجار : [(ويتضح من شرح القرطبي أن لا أحد من المفسرين كان يعرف أين كانت الأحقاف، وكل واحد منهم فسر حسب هواه، فمنهم من جعلها باليمن ومنهم من جعلها بالشام ومنهم من لف ودار حول معني الأحقاف دون أن يتعرض إلى مكانها. ونجد أن ابن عباس قال فيها قولين: مرة قال في الشام ومرة قال في وادي بين عُمان ومهرة.

والذي يبيّن أن ما قالوه كان ظناً أن القرآن قال لثمود: " اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً " . فإذا جعلهم خلفاء لقوم عاد، فهذا يعني أنهم خلفوهم في ديارهم. ونحن نعرف من الحفريات أن ثمود كانوا في شمال غرب الجزيرة في منطقة تبوك. فلا بد أن قوم عاد كانوا في نفس المنطقة لأن القرآن يقول لهم " تنحتون من الجبال بيوتا " ومنطقة البحر الأحمر بها جبال، ربما التي تحدث عنها القرآن، ولكنها حتماً ليست الرمال التي تحدث عنها المفسرون. ولا نعلم لماذا يكرر القرآن نفس القصة في ستة أو سبعة سور. فمثلاً قصة عاد وثمود تكررت بتفاصيلها في سورة الأحقاف وهود وفصلت والذاريات. وذكروا كذلك في سورة الشعراء مع قوم شعيب.)] ، فكان الدكتور كامل النجار لم يعثر على المزيد مما يمكنه ان يطعن به سلامة القرآن فاخذ يدور حول أفكار غير مجدية مثل سبب تكرار القصص القرآنية في اكثر من سورة ، ومثال تساؤله حول أين كان قوم عاد ، الى أن ينتهي الى الراي القائل بانهم كانوا في نفس مكان قوم ثمود وقد سبقوهم في السكن هناك لقوله تعالى : ((اذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد )) ، ولكن ما هي فائدة معرفتنا بموقع قوم عاد ؟ بالتاكيد ليست هناك فائدة كبيرة منه ، والدكتور كامل النجار لم يسأل عن مكان وجود قوم نوح (عليه السلام) ، فهل يعني هذا أنه يشكك بوجود قوم عاد ولا يشكك بوجود قوم نوح (عليه السلام) ؟! مع انه ليس هناك معيار مقبول لنفي قبول أحدهما وقبول الآخر. 

 

ثم أنتقل الدكتور النجار للحديث عن الشعر والشعراء فقال : [(للإسلام مواقف متباينة من الشعر والشعراء. فليس هناك اختلاف بين المؤرخين أن عرب ما قبل الإسلام كانوا يمجدون الشعر والشعراء، وكانت القبيلة تحتفل بظهور شاعر فيها يساعدهم على الفخر بقبيلتهم ويهجو أعداءهم. وقد كان الشاعر بمثابة السفير القبلي، تحترمه القبائل الأخرى وتقدم له الحصانة الدبلوماسية اتقاء لسانه الذي قد يكون سليطاً في هجائهم. وكل هذه الأهمية التي حبوا بها الشعر ترجع لتفشي الأمية في القبائل العربية، خاصة البدوية منها، لأن الشعر موزون على قوافي، يسهل حفظه في الذاكرة، بعكس النثر الذي يحتاج إلى الكتابة لحفظه. والحكماء والكهان لجأوا إلى السجع إذا أعوزهم الشعر لأن السجع كذلك يسهل حفظه.

ثم جاء الإسلام وأتى بالسور المكية التي كانت في أغلبها مسجوعة، مثل سورة الفلق، وسورة الناس وسورة الرحمن، فاتهم عرب مكة النبي بأنه شاعر يقرض الشعر كغيره أو كاهن يسجع لهم كما يسجع الكهان. فدافع القرآن عن النبي بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب ولذلك لا يمكن أن يكون قد كتب القرآن بنفسه. ولم يُقنع هذا المنطق عرب مكة إذ أن أغلب الشعراء المشهورين وقتها وكذلك أغلب الكهان كانوا أميين.]) ، غير ان دفاع القرآن عن النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه لا يعرف القراءة من باب أنه (صلى الله عليه وأله) لم يطلع على أسفار الانبياء الذين سبقوه ولم ينقل عنهم القصص التي ورد ذكرها في القرآن ولا احوال الانبياء قبله ، وليس كما ذكر الدكتور النجار من أنَّ عرب مكة لم يقتنعوا بالمنطق القرآني لأنهم جميعاً كانوا اميين. فقال تعالى في سورة العنكبوت : (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون )) ، فإذا كانوا هم جميعاً أمّيين فإنَّ أحداً منهم لم يأتِ بما أتى به النبي (صلى الله عليه وآله) من قرآن معجز ، ورغم انهم جميعاً أميون فالنبي (صلى الله عليه وآله) وحده هو الذي أتى بالقرآن دليلاً على صدق نبوته ولم يتمكن أحد غيره فعل ذلك رغم التحدي الواضح والصريح والمتكرر لهم من قبل الله سبحانه في القرآن المجيد.

 

وقال الدكتور النجار : [(ولذلك تحول الدفاع عن النبي إلى الهجوم على الشعر والشعراء باعتبار أن الإسلام يكره الشعر والشعراء ولذلك لا يجوز عقلاً أن يكون النبي شاعراً والإسلام يكره الشعراء)] ، وهذا استنتاج سقيم وبعيد عن المنطق ، لن نفي تهمة الشعر عن النبي (صلى الله عليه وآله) واضح وجلي لأن نظم القرآن يختلف عن نظم الشعر ، والعرب هم اهل الاختصاص في الشعر ويستطيعون تمييز الشعر مما هو سواه بكل سهولة.
ثم أنَّ إدعاء ان الاسلام يكره الشعر والشعراء هو إدعاء مكذوب ، فالاسلام موقفه متوازن من الشعراء والشعر ، وقد قال تعالى في سورة الشعراء : (( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )).
ويدحض الافتراء بكراهية الاسلام للشعر ما رواه أبو يعلي في مسنده ج10 ص448 وهو قول أبي هريرة : (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعر الجاهلية إلا قصيدة أمية بن أبي الصلت في اهل بدر وقصيدة الاعشى في ذكر عامر وعلقمة) ، فالاسلام يمنع الشعر الذي يمجد اعداءه الذين هم أعداء الله سبحانه.
 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية