بسم الله الرحمن الرحيم

أخطاء في تأملات كامل النجار - مصادر القرآن ... ( 1 )

 

نبيـل الكرخي

 

يبدو العنوان غريباً بعض الشيء ، إذ أنَّ القرآن العظيم هو كلام الله سبحانه ، فهو عزَّ وجلّ المصدر الوحيد له ، ولكن الدكتور كامل النجار في سبيله الى تشويه الاسلام بإدعائه البحث في الاسلام وضع هذا العنوان ـ وذلك في مقاله المنشور بتاريخ 20 آذار 2006م تحت عنوان تاملات في القرآن : الفصل الاول ، مصادر القرآن ـ وحاول أن يقول أنَّ للقرآن الكريم مصادر أخرى ، لأنه أصلاً لا يعترف بوجود الله عزَّ وجل. وليته أفلح في ابتداع مصادر اخرى إنما اتبع سبيل مشركي قريش في اتهام القرآن بانه "اساطير الاولين".

 

نعم قال الدكتور كامل النجار بأن للقرآن المجيد ثلاثة مصادر هي :

1.الأساطير أو قصص الميثولوجيا.

2.الكتب السماوية التي سبقته.

3.الشعر الجاهلي.

 

وبلا شك فهو تمويه من قبل الدكتور النجار لأنه لا يعترف بوجود كتب سماوية من جهتين ، الاولى من جهة إلحاده فهو لا يعترف بوجود إله ولا انبياء ، والثانية من جهة انه يقول بأن التوراة قد كتبت بعد زمن طويل من وفاة النبي موسى (صلوات الله عليه) فهو ليس كتاباً سماوياً ـ كما في مقالاته السابقة ـ وكذلك الاناجيل فقد كتبها من تنسب اليهم ، وهم متى ومرقس ولوقا ويوحنا. ففي تقدير الدكتور كامل النجار أنه لا فضيلة لليهودية ولا المسيحية على البوذية أو الهندوسية او السيخية ، فكيف إذن يسميها كتب سماوية ؟!

 

وقال الدكتور كامل النجار أنَّ الاساطير هي احد مصادر القرآن الكريم ، كما قال المشركون هذا من قبل ، وقد حكى الله سبحانه وتعالى عنهم هذا الامر ، فقال عزَّ من قائل في سورة النحل : (( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الاولين * ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون )).

 

ويخلط الدكتور كامل النجار بين الاساطير وبين الكتب السماوية ، فتحت عنوان الاساطير اخذ يتحدث عن التشابه بين القرآن الكريم وبين التوراة ، فالحديث إذا عن الكتب السماوية فلماذا وضعه الدكتور النجار تحت عنوان الاساطير ؟ ولماذا هذا التلبيس على القاريء الكريم.

 

على العموم فقد ذكر الدكتور كامل النجار وجود تشابه بين قصة خلق السموات والارض بين القرآن والتوراة ، وكذلك قصة خلق آدم (عليه السلام) وحواء ، وقصة هابيل وقابيل ، وقصة موسى (عليه السلام) ، وقصة الطوفان وقصة يوسف (عليه السلام) ، وقصص أخرى عن ثمود وعاد إلخ... ، مع ذكره لبعض الفروقات بين القصص القرآنية والقصص المذكورة في التوراة.. ، ولا أدري لماذا اغفل ذكر قصة المسيح عليه السلام في القرآن الكريم وتشابهها مع قصته المذكورة في الاناجيل ؟!! ومن الواضح ان التشابه بين القرآن الكريم وبين التوراة يعني ان المحور الذي تدور حوله القصص هو محور واحد وهو التوحيد. فالكل انبياء الله سبحانه ، ويدل على أنَّ أصل وجود القصص هو امر حقيقي مع ملاحظة الفروقات بين النص القرآني والنصوص الأخرى. فالاحداث التي دارت قبل ظهور الاسلام هي احداث حقيقية بدليل شهادة الله سبحانه لها بإيرادها في القرآن الكريم ، وإعتبار أن النص القرآني هو الأتم والاصح لأن الله سبحانه هو الذي قاله وليس هو من سرد البشر كما هو الحال في التوراة والاناجيل.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(فإذا أخذنا القصص الأسطورية نجد أن القرآن الذي نزل بمكة يحتوي على عدة قصص أخذها محمد إما من الغلمان النصارى بمكة أو من ورقة بن نوفل، كما قال معاصروه، وأكد على ذلك القرآن نفسه في عدة آيات، مثلاً: " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعّلمه بشرٌ ولسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين " ( النحل 103))] ، وبلا شك فإنَّ الذي يقرأ النص يجد الخدعة واضحة فيه ، فالنص القرآني ينفي أن يكون القرآن هو من أحد الغلمان النصارى بمكة لأنه لم يكن يحسن التكلم باللغة العربية الفصيحة بل كان أعجمياً ، فالدكتور كامل النجار قد اشترك مع المشركين في اتهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه أخذ القرآن الكريم من الغلمان النصارى الذين كانوا عبيداً بمكة ، والقرآن الكريم ما زال بعد أكثر من (1400) سنة يرد على الكافرين ويدفع التهمة التي تنسب للنبي (صلى الله عليه وآله) بنفس الاسلوب. والدكتور كامل النجار حاول خداع القاريء بأن نسب للقرآن الكريم الاعتراف بالتهمة المنسوبة بينما الحقيقة هي كما ذكرناها.

واما القول بان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ القرآن الكريم من ورقة بن نوفل فهو قول متهافت جداً لأن ورقة بن نوفل مات في اوائل البعثة النبوية الشريفة ، وفي صحيح البخاري ما يشير الى انه توفي قبل نزول سورة المزمل وهي من اوائل السور التي نزلت من القرآن المجيد.

ولذلك فلم يقم أحدٌ من المشركين بإتهام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بانه اخذ القرآن الكريم من ورقة بن نوفل ، ولم يذكر اي مصدر وجود مثل هذا الاتهام من قبل المعاصرين لعصر النبوة من المشركين ، وما ذكره الدكتور كامل النجار في هذا الخصوص هو من نسيج خياله.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وهناك قصص أخذها من الفولكلور الشعبي مثل قصة لقمان وذي القرنين، وسوف نتعرض لذلك في حينه)] ، وبلا شك فإنّ الدكتور كامل النجار مخطيء فالعرب لم يكونوا يعرفون قصة لقمان الحكيم ولا قصة ذي القرنين !

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(بينما هناك قصص أخذها من سلمان الفارسي ومن بعض اليهود الذين ربما يكونوا قد دسوا عليه قصصاً توراتية محرفة ليختبروه بها)] ، فلو كان ما قاله الدكتور كامل النجار صحيحاً لملأ اليهود الدنيا صريخاً وضجيجاً حول خدعتهم الماكرة المزعومة ! ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل ، مما يدل على عدم صحة كلام الدكتور كامل النجار حول تسريب القصص التوراتية.

ثم إنَّ على الدكتور كامل النجار ان ياتي بالمصدر الذي استند عليه في توجيه تلك المزاعم حول الدس اليهودي المزعوم ، والا فأنه سيكون فاقداً لمصداقية ما يكتب.

واما الادعاء بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اخذ قصص الاتبياء وقصص خلق السموات والارض من سلمان الفارسي (رضي الله عنه) فهو أمر في غاية التهافت لأن الكثير من السور المكية قد أحتوت على قصص الانبياء مثل سورة الشعراء وسورة يوسف (عليه السلام) وسورة ابراهيم (عليه السلام) وسورة القصص وسورة الاعراف وسورة الانبياء (صلوات الله عليهم) والعديد من السور المكية الأخرى ، كلها احتوت على قصص الانبياء من قبل أن يعتنق سلمان الفارسي الاسلام في يثرب بعد الهجرة المباركة.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وبدأ القرآن قصة الخلق نفس البداية، أي وجود عرش الله على الماء قبل أن تُخلق الأرض أو السماء. ولا أحد يعلم على ماذا كان يستقر الماء الذي يحمل عرش الله. ثم خلق الله الأرض والسموات، وكانتا رتقاً ففتقهما، أي فصلهما عن بعضهما البعض. ثم خلق في الأرض أقواتها في يومين ثم خلق السماء بعد ذلك في يومين، فأصبح مجموع الأيام ستة، كما في التوراة إلا أن الله لم يسترح في اليوم السابع لأن الله لا يكون به لغوبٌ أي تعب. ولكن القرآن لا يخبرنا ماذا فعل الله في اليوم السابع حتى يصير الأسبوع سبعة أيام.)] ، ولسنا هنا بصدد تفسير معنى قوله تعالى : (( وكان عرشه على الماء )) ، وبعيداً عن تفسير الآية الكريمة المذكورة نتسائل : هل يعرف الدكتور النجار كيف يكون شكل الماء في الفضاء بعيداً عن جاذبية الارض ؟ هل شاهد الافلام الوثائقية عن تجارب رواد الفضاء خارج نطاق جاذبية الارض وهل عرف كيف يتصرف الماء فيزيائياً في غياب الجاذبية الارضية ؟... حسناً نعود لموضوع الأيام المذكورة في قصة الخلق ، فالذي ذكره الدكتور كامل النجار يوهم بأن الايام التي خلقت بها السماوات والارض هي كأيامنا المكونة من 24 ساعة ، وهو وهم ، فلفظ اليوم يدل على الفترة الزمنية أي أن الله سبحانه وتعالى قد خلقهن في ستة فترات زمنية ، قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ج17 ص362 : (والمراد باليوم في قوله : " خلق الارض في يومين " برهة من الزمان دون مصداق اليوم الذي نعهده ونحن على بسيط أرضنا هذه وهو مقدار حركة الكرة الارضية حول نفسها مرة واحدة فإنه ظاهر الفساد ، وإطلاق اليوم على قطعة من الزمان تحوي حادثة من الحوادث كثير الورود شائع الاستعمال ، ومن ذلك قوله تعالى : " وتلك الايام نداولها بين الناس " آل عمران : 140 ، وقوله : " فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم " يونس : 102 ، وغير ذلك) ، ويؤيد هذا قوله تعالى : (( في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون )) ، وقوله تعالى : (( تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة )) ، فاليوم يطلق على الفترة الزمنية التي يختلف طولها باختلاف الحدث.

واذا كان الدكتور كامل النجار يبحث عن اليوم السابع بعد خلق الارض والسماوات في ستة أيام ، فيمكن ان يكون اليوم السابع هو هذا اليوم الذي تعيشه البشرية منذ الخلق والى الآن.

ثم من قال ان هناك حاجة اصلاً للبحث عن يومٍ سابع ؟!

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(بينما يقول القرآن الذي يعتبر الجنس من الموبقات: " فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة "   وكرر نفس المعنى في سورة طه: " فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى "   ونفهم من هاتين الآيتين أن آدم وحواء كانا عريانين في الجنة ولكنهما لم يريا سوءاتهما إلا بعد أن أكلا من الشجرة ففتح الله أعينهم للعرى. ولكن القرآن يقع، كعادته، في التناقض فيقول: " يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون "   فإذاً آدم وحواء كانا لابسين لباسهما الذي نزعه عنهما الشيطان)] ، فالقرآن الكريم يعتبر الجنس المحرم من الموبفات وليس الجنس المحلل ، فالزنى هو من الموبقات واما الزواج فهو من الامور الممدوحة وجاءت الشريعة الايلامية بالترغيب به والحث عليه.

واما إدعاء الدكتور كامل النجار بأن في القرآن تناقضاً لأن القرآن الكريم ينص على أن آدم وحواء كانا عريانين وفي آية أخرة ينص على أن الشيطان قد نزع عن آدم وحواء لباسهما ليريهما سوءاتهما ، وهو خطأ في في فهم الآيات القرآنية ، لأن الدكتور كامل النجار لم يذكر الآيات السابقة لها ونصها : ((  يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون )) ، فالآيات الكريمة تتحدث عن لباس التقوى الذي نزع عن آدم وحواء بمخالفتهما الامر الإلهي بعد الاكل من الشجرة التي نهيا عن الاكل منها ، فنزع لباس التقوى هو الذي أدى إلى إظهار عورتاهما.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(والقصة سواء في التوراة أو في القرآن، فيها تبسيط يستخف بالعقل ويوحي بأن الله أراد أن يخلق العداوة والبغضاء بين أول رجلين على الأرض بعد آدم بأن تقبل قربان أحدهما ورفض الآخر، وكان ممكناً أن يتقبل الاثنين ولا يحدث شقاق بين الأخوين)] ، والقرآن المجيد نفسه يجيب عن سؤال الدكتور كامل النجار بقوله تعالى على لسان هابيل : ((  إنما يتقبل الله من المتقين )) ، فالتقوى هي اساس العمل ، فالاعمال ونواياها يجب ان تنبع من التقوى لتصبح صالحة ويتم قبولها. فليس الله سبحانه هو الذي أراد أن يخلق العداوة والبغضاء بل الانسان مخير بين الخير والشر ، ومن يختار الشر ويعمل سوءاً يُجزَ به كما نصت على ذلك آيات القرآن الكريم !

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(وزيادةً في التبسيط أضاف القرآن قصة الغراب الذي بيّن لقابيل كيف يحفر حفرة ليواري جسد أخيه، مع مراعاة أن قابيل كان مزارعاً يحرث الأرض ولا بد أنه تعلم كيف يحفر في الأرض ليواري شيئاً ما، ولا يحتاج إلى الغراب ليعلمه كيف يحفر)] ، لكن القرآن الكريم لم يذكر ان قابيل كان مزارعاً ، فكيف علم الدكتور كامل النجار بانه كان مزارعاً ؟! فإذا كانت التوراة هي المصدر الذي اعتمده الدكتور النجار في هذا الامر ، فكيف يثق برواية التوراة هذه مع انها ليست من القصص المعاصرة للذين كتبوا اسفار التوراة ؟ وبينها وبين زمن كتابة التوراة آلاف السنين ؟! يضاف الى ذلك ان الذين كتبوا معظم اسفار التوراة هم اشخاص مجهولون ؟!

وعلى كل حال فحتى لو افترضنا ان قابيل كان مزارعاً ، فما ادرى الدكتور كامل النجار أنه كان يحفر الارض ليخبّأ بها شيئاً ما !؟ فليست هناك ملازمة منطقية بين حفر الارض ونثر البذور وغرس جذور النبتات وبين دفن الميت لغرض التخلص من الجثة. مع ملاحظة أنها اول جريمة قتل في التاريخ الانساني ولابد أن الارتباك قد شلّ تفكير قابيل بعد قتله لأخيه وندمه على هذا مما منعه من التفكير لإيجاد حل لمشكلة الجثة وكيفية التخلص منها. فكان تعليم الغراب له حول كيفية دفن أخيه هابيل.

 

وينتقل الدكتور كمال النجار لمناقشة قصة النبي موسى (عليه السلام) ، فقال : [(وما يلفت النظر في قصة القرآن أن موسى بعد أن قتل المصري قال إنه ظلم نفسه وإن ذلك كان من عمل الشيطان الذي هو عدو مبين، ثم استغفر الله فغفر له الله. ولكن في اليوم التالي عندما رأى العبري يتشاجر مع المصري (التوراة تقول إن الاثنين كانا عبريين) همّ موسى أن يبطش بالمصري رغم استغفاره لربه بالأمس، والأنبياء يجب ألا يكرروا الخطأ، أو لا يخطئوا إذ أنهم معصومون. ومثل هذا التصرف يستبعد من نبي أو من سوف يكون نبياً)] ، لكن القرآن الكريم يصف المصري بانه عدو لموسى ولبني اسرائيل ، فقال تعالى : (( ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضّل مبين. قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم. قال ربِ بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهير المجرمين. فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين. فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين )) ، فموسى (عليه السلام) قتل عدواً له في المرتين ، فليس في قتل العدو الكافر خطيئة لاسيما إذا كان المرء مثل موسى (عليه السلام) موحداً معصوماً عن الخطأ ، فالانبياء معصومون عن الخطأ منذ ولادتهم وقبل وبعد بعثتهم أيضاً. فوصف ذلك المصري بانه عدو لموسى (عليه السلام) يعني أنه مستأهل للقتل ، وقد قال تعالى في سورة الفرقان : (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا )). واعتراف موسى (عليه السلام) بالخطأ وقوله (ربي اني ظلمت نفسي) يريد منه حدوث الخطأ بترك الاولى وليس بوقوع المعصية ، فقد كان الاولى من موسى (عليه السلام) أن لا يقتله بوكزه وانما كان موسى (عليه السلام) يرى قتله بطريقة اخرى أو عدم قتله اصلاً ، فكان الاولى ان لا يقع قتل الخطأ ، وحين وقع كان الاستغفار من موسى (عليه السلام).

 

وتحدث الدكتور كامل النجار عن غرق فرعون وجنوده بعد شق البحر لموسى (عليه السلام) ، فقال : [(ولكن القرآن لسبب ما حاول نجاة فرعون بعد غرقه، فحدث اللبس في القصة. فالقرآن يقول: " وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون "   ويقول كذلك عن فرعون: " فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً "    ويقول كذلك: " فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين "   ولزيادة التأكيد يقول: " فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا "   ولكن لسبب ما قرر القرآن أن ينجي فرعون من الغرق، فقال: " فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وكثيراً من الناس عن آياتنا غافلون " . ومع أن الآية واضحة وتقول " ننجيك " يعني لم تغرق ولذلك جعلناك آية لمن بعدك، فإن المفسرين حاولوا الالتفاف حولها، فقال القرطبي: ( قيل " ببدنك " يعني بجسد لا روح فيه، قاله مجاهد. وقرأها اليزيدي وابن السميقع وكذلك ابن مسعود " ننحيك " بالحاء. وحكى علقمة عن عبد الله  أنه قرأ " بندائك " بدل ببدنك) وقال ابن كثير: ( لتكون لمن خلفك آية يعني لبني إسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك ). وواضح من هذه المحاولات أن المفسرين الأوائل عرفوا أن هناك اضطراباً في هذه الآية فحاولوا الالتفاف حوله. ثم أن الآية تخاطب فرعون مباشرة، فتقول " فاليوم ننجيك ببدنك " فكيف خاطب الله فرعون مباشرة، ومتى خاطبه وموسى وهارون كانا قد عبرا البحر؟)] ،  فانظر لقول الدكتور كامل النجار وتمويهه : [(ومع أن الآية واضحة وتقول " ننجيك " يعني لم تغرق ولذلك جعلناك آية لمن بعدك)] ، فقطع الدكتور النجار النص ولم يذكر الآية كاملةً خدمة لفكرته وليس خدمةً للحقيقة ، ولأنه من الواضح أن قوله تعالى : (( فاليوم ننجيك ببدنك )) تعني نجاة جسده دون روحه ، فهو لم يخرج حياً من البحر بل غرق فيه كما نصّ على هذا القرآن المجيد ، قال تعالى في سورة الاسراء الآية (103) : (( فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً )) ، فليس في الآية الكريمة أي اضطراب مزعوم.

وأما اعتراض الدكتور النجار بأن الآية تخاطب فرعون مباشرة ، فهذا استدلال متهافت ، فهو جزء من البلاغة القرآنية والتفنن في التعبير ، فالآية الكريمة لا تخاطب فرعون لأنه قد مات غرقاً ؟! ومخاطبة فرعون بعد هلاكه هو نتيجة لأدعائه الربوبية كما أخبر الله سبحانه عنه بقوله تعالى على لسان فرعون : (( أنا ربكم الأعلى )) ، ففي المخاطبة توبيخٌ لمن يعبد أحداً من دون الله عزَّ وجل ، وفيها تنبيه للناس بفناء جميع المخلوقات وبقاء الله سبحانه وحده.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(والقرآن يخبرنا أن موسى عندما لكم المصري وقتله هرب من مصر إلى مدين وعمل راعياً لعدد من السنين ثم أرسله الله إلى فرعون. فكيف هرب موسى من مصر إلى مدين التي هي في الأردن ؟ هل انفلق له البحر ولم يكن بعد نبياً ؟ أم سار موسى إلى نهاية خليج السويس عندما لم تكن قناة السويس موجودة واستمر في سيره ودخل صحراء سيناء ؟ وإذا كان الافتراض الأخير هو الصحيح كما نتوقع، لماذا لم يسلك موسى وبنو إسرائيل نفس الطريق عندما خرجوا من مصر وكانت قبلتهم أرض كنعان ( فلسطين ) ؟ والمنطق يحتم أن يسير موسى وبنو إسرائيل الذين كان عددهم في ذلك الوقت حوالي ستمائة ألف ومعهم مواشيهم ودوابهم، بمحاذاة النيل ليتفادوا العطش بدل أن يسيروا شرقاً من عاصمة فرعون التي كانت في الكرنك ويدخلوا الصحراء التي تفصلهم عن البحر الأحمر. وبما أن وجهتهم كانت فلسطين، فالمنطق يحتم أن يسيروا بمحاذاة النيل إلى نهاية خليج السويس ليدخلوا سيناء، وليس هناك أي منطق في سيرهم شرقاً إلى البحر الأحمر الذي لو انفلق لهم لدخلوا جزيرة العرب ( السعودية الآن ) وليس أرض كنعان)] ، فهذا المنطق الذي تحدث عنه الدكتور النجار هو الذي دفع موسى (عليه السلام) أن يسير في اتجاه آخر بعيداً عن التفكير المنطقي من أجل الهرب من فرعون وجنوده ، لأن فرعون كان سيفكر بنفس اسلوب الدكتور النجار ، ورغم ان جواسيس فرعون أرشدوه اخيراً الى وجهة موسى (عليه السلام) وقومه ، إلا أنَّ تغيير المسير نحو البحر الأحمر أعطى بني اسرائيل سبقاً زمنياً للهرب والخروج من مصر. ثم كانت المعجزة الإلهية بشق البحر لهم. 

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(والقرآن هنا جعل الأكل أي المن والسلوى تنزل على بني إسرائيل من السماء، بينما تقول التوراة إن الأرض كان يغطيها الندى ولما أشرقت الشمس وانزاح الندى ظهرت على الأرض أشياء مثل القشور كانوا يجمعونها كل اليوم في الصباح لمدة ستة أيام في الأسبوع وتختفي هذه الأشياء يوم السبت، وهو يوم الراحة الإلهية: " وَفِي الصَّبَاحِ كَانَ سَقِيطُ النَّدَى حَوَالَيِ الْمَحَلَّةِ. 14 وَلَمَّا ارْتَفَعَ سَقِيطُ النَّدَى إِذَا عَلَى وَجْهِ الْبَرِّيَّةِ شَيْءٌ دَقِيقٌ مِثْلُ قُشُورٍ. دَقِيقٌ كَالْجَلِيدِ عَلَى الأَرْضِ. 15 فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ قَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ هُوَ؟ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مَا هُوَ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي أَعْطَاكُمُ الرَّبُّ لِتَأْكُلُوا. 16 هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ. اِلْتَقِطُوا مِنْهُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ أَكْلِهِ. عُمِراً لِلرَّأْسِ عَلَى عَدَدِ نُفُوسِكُمْ تَأْخُذُونَ كُلُّ وَاحِدٍ لِلَّذِينَ فِي خَيْمَتِهِ. 17 فَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ هَكَذَا وَالْتَقَطُوا بَيْنَ مُكْثِرٍ وَمُقَلِّلٍ. 18 وَلَمَّا كَالُوا بِالْعُمِرِ لَمْ يُفْضِلِ \لْمُكْثِرُ وَ\لْمُقَلِّلُ لَمْ يُنْقِصْ. كَانُوا قَدِ الْتَقَطُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ أَكْلِهِ." ويبدو أن المقصود هو نوع من الطفيليات تنمو تحت سطح الأرض في الصحراء، وتعرف ب " الفقع ". فلا يبدو أن شيئاً قد نزل من السماء)] ، فالدكتور كامل النجار يؤمن بالامور المادية فقط ولا يؤمن بالمعجزات ولذلك ينكر نزول المن والسلوى من السماء ، فقال بأنَّ بني اسرائيل اجداد اليهود قد اكلوا طفيليات وان القرآن جعل من تلك الطفيليات طعاماً منزلاً من السماء !! وقد حاول الدكتور النجار ان يسند ادعائه هذا بالتوراة مع أن قصة التوراة واضحة ودالّة على وجود المعجزة ، وقد تعمد الدكتور كامل النجار بتر الجملة رقم ( 13 ) من الفصل ( 16 ) من سفر الخروج في التوراة فذكر جزئها الثاني وأخفى ذكر الجزء الاول رغم قِصَرِها والتي تشير صراحة الى ارسال السلوى ، كما انه أهمل ذكر الجُمل التي تسبقها والتي تصف حياة بني اسرائيل في صحراء سين الواقعة بين إيليم وسيناء ، وقد جاء في ذلك النص (16 : 4) : (فقال الرب لموسى : "ها أنا أمطر عليكم خبزاً من السماء فيخرج الشعب ويلتقط حاجة كل يومٍ بيومه") ، وفي (16 : 11و12) : (فقال الرب لموسى : "سمعت تذمر بني اسرائيل فقل لهم : في المساء تاكلون لحماً وفي الصباح تشبعون خبزاً ، فتعلمون أنني أنا الرب إلهكم"). ثم تصف الجُمل التي تلتها اعطائهم المن والسلوى ، أي الخبز واللحم. فاعطائهم المن والسلوى هو معجزة إلهية ، بل يقول المسيحيون كما في هامش ص306 من نسخة الكتاب المقدس الصادر عن مجمع الكنائس الشرقية : (كان بعض علماء الشريعة يعدون عطية " المن " اليومية في البرية ، أكبر خوارق زمن الخروج) ، وكذلك فإنَّ الدكتور كامل النجار لم يتطرق الى ما ورد في نفس الفصل (16) الجملة (35) والتي تنص على أنَّ بني اسرائيل قد اكلوا المن والسلوى المعجز طيلة (40) سنة ، ومما يدل أيضاً على أن المن كان غذاءاً معجزاً وليس هو مجرد طفيليات كما ادعى الدكتور كامل النجار ، أن المن كان يصيبه التلف اذا خزنه بنو اسرائيل لليوم الثاني ، فلم يكن مسموحا لهم أن يتناولوا أكثر من قوت يومهم ، عدا يوم الجمعة فقد كانوا يتناولون منه ما يكفي ليومين ففي يوم السبت ممنوع عليهم جمعه فيبقى ما يجمعونه يوم الجمعة صالحاً ليومين (انظر قاموس الكتاب المقدس - مجمع الكنائس الشرقية ص925 ) ، ومع ذلك فقد تم خزن كمية منه في التابوت مع التوراة وعصا موسى (عليه السلام) لمدة قرون والى عهد ارميا النبي الذي اخفى التابوت بما فيه من (مَنٍّ) في جبل نبو ، وقد ورد هذا الأمر في نسخة الكتاب المقدس الصادر عن مجمع الكنائس الشرقية في هامش ص804 في معرض التعليق على ما ورد في رؤيا يوحنا اللاهوتي (17:2) : (الغالب ساعطيه منّاَ خفياً).

وكان مذاق المَنّ "كرقاقٍ مصنوعةٍ بالعسل" ، كما ورد وصفها في التوراة ـ سفر الخروج (31:16) ، فكيف إذن أمكن للدكتور كامل النجار أن يقول أنَّ المَنّ هو نوع من الطفيليات ؟!!

فالتوراة صريحة بان المَنّ والسلوى هو معجزة إلهية ، وكذلك القرآن المجيد يقول بانهما معجزة إلهية انزلها الله سبحانه لبني اسرائيل.

 

ثم تكلم الدكتور كامل النجار عن قصة السامري فمما قاله : [(وفي سورة " طه " وهي مكية كذلك، نجد القرآن يقول: " وما أعجلك عن قومك ياموسى. قال هم أولاء على أثري وعجّلت إليك ربي لترضى. قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري. فرجع موسى إلى قومه غضبان أسِفا قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي. قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حُمّلنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها. فكذلك ألقى السامري. فأخرج لهم عجلاً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى. ". وفي هذه السورة نجد أن القرآن يتخذ أسلوباً يجافي المنطق إذ كيف يسأل الله موسى عن لماذا استعجل في الحضور إليه وهو كان قد أخبرنا أنه واعد موسى ليعطيه الألواح ؟ ثم ألا يعلم الله لماذا استعجل موسى إذا كان فعلاً قد استعجل، لأن التوراة لا تذكر لنا هذا الاستعجال ؟. ثم لا نعلم لماذا رجع موسى غضباناً إلى قومه وكان الله قد قال له " فإنا قد فتنا قومك من بعدك " والفتنة تعني الضلال، رغم أن المفسرين يقولون إنها تعني الاختبار. فالمنجد يقول في تعريف الفتة: " فتن فلاناً: أضله، الفتنة: الضلال والكفر. الفتّان: الشيطان لأنه يفتن الناس عن الدين ". والله نفسه يقول في القرآن: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ")] ، فمن الواضح أنَّ الدكتور كامل النجار يستند الى اللامنطق في اتهام القرآن الكريم بأنه يجافي المنطق لمجرد أن الله سبحانه قد قال في آية كريمة في سورة الاعراف : (( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة )) وفي آية أخرى : (( وما أعجلك عن قومك ياموسى قال هم أولاء على أثري وعجّلت إليك ربي لترضى )) ، فالله عزَّ وجل قد واعد موسى (عليه السلام) وقومه ولعلهم السبعين المذكورين في سورة الاعراف بقوله تعالى : (( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا )) ، فالموعد كان مع موسى (عليه السلام) وسبعين من قومه قبل حادثة العجل ، لكنهم اخلفوا الموعد مع استعجال موسى (عليه السلام) في الحضور ، فكان حضورهم في الموعد التالي بعد حادثة العجل. قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ج14 ص190 : (وظاهر السياق أنه سؤال عن السبب الذي أوجب لموسى أن يستعجل عن قومه فيحضر ميعاد الطور قبلهم كأنه كان المترقب أن يحضروا الطور جميعا فتقدم عليهم موسى في الحضور وخلفهم فقيل له : " وما أعجلك عن قومك يا موسى " فقال : " هم أولاء على أثري " أي إنهم لسائرون على أثري وسيلحقون بي عن قريب " وعجلت اليك رب لترضى " أي و السبب في عجلى هو أن احصل رضاك يا رب . والظاهر أن المراد بالقوم وقد ذكر أنهم على أثره هم السبعون رجلا الذين اختارهم لميقات ربه)... (فإنّ المفهوم من قول موسى : (( هم اولاء على اثري )) ان قومه على حسن حال لم يحدث فيهم ما يوجب قلقاً ، فكأنه قيل : لا تكن واثقاً على ما خلفتهم فيه فإنَّا قد فتنَّاهم فضلوا) ، ولذلك نقرأ بعد ذلك في الآية التي تليها قوله تعالى : (( فرجع موسى الى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم اردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي )) ، فتحدث موسى (عليه السلام) وخاطبهم عن اخلافهم للموعد الذي استعجل هو نفسه بالذهاب اليه طلباً لنيل رضى الله سبحانه.

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(ثم من هو هذا السامري الذي أضل قوم موسى ؟ فأصل الاسم ربما يرجع إلى " سامراء " في العراق، ولكن اليهود لم يعرفوا هذا الاسم إلا بعد السبي البابلي الذي حدث حوالي عام 500 قبل الميلاد، بينما موسى كان في حوالي عام 1300 قبل الميلاد.)] ، فهذه المعلومة التي ذكرها الدكتور كامل النجار غير صحيحة ، فكلمة السامري ليست نسبةً الى سامراء ، والسامري هو أسم رجل عاش في عصر النبي موسى (عليه السلام) في حوالي القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، بينما أسم سامراء هو أسم عربي حديث ، والاسم السومري القديم لها هو (سومرته) ، وما ذكره القرآن الكريم عن شخصية السامري تكفينا ، وقصته في القرآن الكريم واضحة.

 

واستمر الدكتور النجار فقال : [(ومفسرو القرآن الذين يقدسون جميع الأنبياء استنكروا أن يكون هارون هو الذي نصب لهم العجل، فقالوا: " السامري، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى  سامرة. ولد عام قتل الأبناء (في مصر ) وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل، فعرفه لذلك. فأخذ (السامري ) حين عبر (جبريل ) البحر على فرس وديق ليتقدم فرعون في البحر – قبضةً من أثر حافر فرسه. وهو معنى قوله { فقبض قبضة من أثر الرسول } (طه 96). قال لبني إسرائيل وكان مطاعاً فيهم: إن معكم حلي من حلي  آل فرعون، وكان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا لذلك اليوم فلما أخرجهم الله من مصر وغرق القبط، بقي ذلك الحلي في أيديهم فقال لهم السامري: إنه حرام عليكم فهاتوا ما عندكم فنحرقه.  وقيل هذه الحلي ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق وأن هارون قال لهم إن الحلي غنيمة وهي لا تحل لكم، فجمعها في حفرة حفرها، فأخذها السامري فصاغ لهم عجلاً جسدا، يسمعون منه خوار. وقيل قلبه الله لحماً ودماً. وقيل إنه لما ألقى تلك القبضة من التراب في النار على الحلي صار عجلاً له خوار، فقال الله لموسى: إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري. فقال موسى: يا رب! هذا السامري أخرج لهم عجلاً من حليهم، فمن جعل له جسداً ؟ يريد اللحم و الدم، ومن جعل له خوار ؟ فقال الله: أنا. فقال موسى: وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء، وهو معنى قوله { إن هي إلا فتنتك } ( الأعراف 155)."   . فهل من المقبول عقلاً أن يفعل الله كل ما فعل من طريق المعجزات ليخرج بني إسرائيل من مصر وينزل لهم التوراة ليهديهم، ثم يضلهم بينما كان موسى في طريقه إليه ؟ ثم من أين أتى السامري بالتكنولوجيا التي مكّنته من صنع عجلٍ من الذهب مجوفاً حتى تدخل الريح في تجويفه فتجعل له ما يشبه الخوار ؟ اللهم إلا أن يكون الله فعلاً أراد أن يضل بني إسرائيل فأحيي العجل وجعله يخور. ثم أنه لم يكن في مصر زمن الفراعنة قرية اسمها " سامرة " لينتمي إليها السامري. وإذا كان هذا السامري قد ولد عام قتل الأولاد اليهود، فلا بد أنه كان يهودياً لأن أمه خبأته في كهف جبل. وإذا كان كذلك فما هي أهميته حتى يغذيه جبريل ؟ هل أراد الله له أن يُضل بني إسرائيل ولذلك أرسل جبريل ليغذيه ؟)] ، ومن الملاحظ ان الدكتور كامل النجار لم يذكر مصدراً للقصة التي أوردها عن السامري ، وقد عثرت عليها في تفسير القرطبي وقد اوردها بلا سند ، ولم نعثر عليها في أي من التواريخ المعتبرة ولا في أيٍ من كتب الحديث الموثوقة ، والقصة المذكورة ليس لها قيمة تاريخية ، وبعض تفاصيلها واضح التهافت مثل ادعاء تغذية السامري من قبل جبرائيل (عليه السلام).

وأما تساؤل الدكتور كامل النجار عن الطريقة (التكنولوجيا) التي تمكن بها السامري من صنع العجل ، فهذا السؤال غير مهم من جهة ، ومتهافت من جهة أخرى ، فأما كونه غير مهم فلأن تفاصيل صنع العجل خارجة عن موضوع البحث ، ومتهافت من الجهة الأخرى فلأن عدم معرفة طريقة صنع العجل لا يعني أن القصة لم تحدث. وصنع العجل مذكور في التوراة أيضاً ، ولم يوضح الدكتور كامل النجار فيما إذا كان مراده هو إنكار صنع العجل مطلقاً بغض النظر عن صانعه أم أن إنكاره هو يخص شخصية الصانع للعجل ، وسواء كان هارون التوراتي أم السامري هو الذي صنع العجل ، فجهلنا بالطريقة التفصيلية لصنع العجل لا يعني ان العجل لم يصنع اصلاً فلا ترابط بين الموضوعين. ثم أن استخدام الدكتور كامل النجار مفردة (التكنولوجيا) هو استخدام في غير محله ، لأن جميع الحضارات القديمة كانت تستخدم وسائل بدائية في صنع التماثيل ، وهو امر معروف غير مستحق للجدال. وأيضاً فإنَّ بني اسرائيل الذين تخلوا عن الذهب الذي حملوه لصالح صنع العجل يمكن أن يتخلوا عن بعض الأواني المعدنية التي يحملونها لغرض صنع القالب كما يمكن صنع قالب فخاري لصب العجل في داخله ، فالذي أضلَّ بني اسرائيل هو خوار العجل وليس مستواه الفني ! فالسؤال عن طريقة صنع العجل هو سؤال في غير محله.

وأما قول الدكتور النجار الآنف الذكر : [(فهل من المقبول عقلاً أن يفعل الله كل ما فعل من طريق المعجزات ليخرج بني إسرائيل من مصر وينزل لهم التوراة ليهديهم، ثم يضلهم بينما كان موسى في طريقه إليه ؟)] ، فالله سبحانه لم يضلّ بني اسرائيل على نحو الاجبار ، فسبحانه يقول : (( وهديناه النجدين )) (( إما شاكرا وإما كفورا )) ، وأنَّ قول الله تعالى : (( فإنا قد فتنا قومك من بعدك )) والفتنة بمعنى الاختبار ، وهو كما يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان : (بناء على أن الفتنة كانت بعد استبطائهم غيبة موسى على ما في الآثار). فإستبطاء رجوع موسى (عليه السلام) هو مسبب الفتنة التي كان عليهم تجنبها وعدم الانجرار ورائها. فقال تعالى : (( عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين )) ، ويبدو أنَّ خدعة خوار العجل هي مما كان يستعمله الكهنة المصريون وقد تعلمها السامري منهم، حيث أن خدع الكهنة كانت مستعملة بكثرة في المعابد المصرية. وينقل ياكوف بيريلمان في كتابه (الفيزياء المسلية) بعضاً من الخدع الفيزياوية التي كان يعتمدها الكهنة المصريون القدماء والتي ذكرها العالم الميكانيكي والرياضي الاغريقي القديم هيرون الاسكندري مخترع النافورة المسماة بأسمه ، منها خدعة فتح ابواب المعبد بتاثير نار المذبح ، فيبدو الامر وكانها تفتح بدعاء الكاهن ، وخدعة اخرى ذكرها وهي صب الزيت من خلال انابيب مخفية داخل رداء الكاهن صبه في النار المتقدة... وذكر في كتابه خدعة أخرى ماخوذة من كتاب قديم صدر في القرن السادس عشر تتضمن خدعة صوتية تجعل ممن يزور المكان وكأن التماثيل المرمرية المثبتة عند الجدران تتهامس وتغني... ، ومن جهة اخرى فقد كان السحر منتشراً بين المصريين في ذلك العصر ، وهو سحر ذو درجة عالية بحيث تظهر العصى وكانه أفعى تتحرك ، فإذا كان خداع البصر يتم بهذا المستوى فليس بمستبعد أن يتم خداع السمع بصوت الخوار. وفي تقديرنا فإنَّ خوار العجل هو خدعة فيزياوية على الارجح وعلى اي تقدير لم تكن تستوجب ان يخدع بها بنو اسرائيل ويتخذون العجل لأجلها إلهاً !!   

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية