بسم الله الرحمن الرحيم

 

نعم القرآن كتاب في لوح محفوظ

تعقيب على مقال الآب زكريا بطرس وبدر العراقي

 

نبيـل الكرخي

نشر موقع كتابات مقال عنوانه [(هل القرآن كتاب في لوح محفوظ)] بأسم شخص أسمه بدر العراقي ذكر في نهايته أنَّ المقال اُعدَّت عن محاضرات للأب زكريا بطرس في الكتاب المقدس والقرآن.

ومن الملاحظ أنَّ الكاتب أستخدم كلمة (الأب) في وصف زكريا بطرس ولم يستخدم كلمة (الآب) بمد الألف ( آ ) ، فحيث لا يكون هناك حرج يستخدم المسيحيون كلمة (الأب) وفي الطبعات العربية من كتابهم المقدس والعهد الجديد يستخدمون كلمة (الآب) لغرض تضييع المعنى وتمويهه منعاً لأنفسهم من الإحراج ، فيضيع معنى الأبوة المزعومة ، وتضيع فكرة الأقنوم الأول الذي ولد أبناً فأصبح أباً !! ويتمكنون بذلك من خداع بسطاء المسلمين ، فكانت كلمة (الآب) وهي كلمة غير موجودة في اللغة العربية سوى بالمعاني الآتية :
ـ آب إلى الشيء رجع (تاج العروس ج1 ص143).
ـ آب الشهر الثامن من الشهور الرومية (تاج العروس ج3 ص10).
ـ آب مفرد (أباة) وهو أسم فاعل من أبى يأبى (شرح أبن عقيل ج1 ص379 الهامش).
ومع ذلـك فقد أطلـق المسيحيون الناطقون بالعربية أسم (الآب) على الله جلَّ وعلا بدلاً من أن يصفوه بـ (الأب) وهو حقيقة عقيدتهم فيه ، ويؤيد ذلك أن الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية يستخدم كلمة Father وتعني الأب في نفس المواضع التي يستخدمون كلمة الآب في الكتاب المقدس باللغة العربية.
هذه المقدمة التي ذكرناها لموضوعنا الأصلي (نعم القرآن كتاب في لوح محفوظ) وهو مقال نكتبه رداً على مقال (هل القرآن كتاب في لوح محفوظ) ، إنما قدَّمناها لغرض بيان أمر مهم عند علماء المسيحية عموماً وهو المخادعة ، فهم يحورون الألفاظ والأفكار ويحملونها أكثر مما تحتمل من أجل نصرة دينهـم وإنْ كانت تلك النصرة بخلاف الحق ، قـال تعالى : (( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون )).

المسلمون جمعوا القرآن الكريم في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) :
السذاجة المتعمدة التي تناول بها بدر العراقي أو الأب زكريا بطرس موضوع جمع القرآن الكريم تشير إلى وجود نية غير سليمة من أجل تشويه الصورة الحقيقية لجمع القرآن الكريم.
يقول الكاتب : [(اول محاولة تجميع للسور في كتاب واحد كان في عهد ابو بكر)] وهذا خطأ تأريخي خطير ، فالقرآن كان مجموعاً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) في مصحف وليس مجرد جمع في الصدور كما زعموا ، ومن أبرز المسلمين الذين جمعوا القرآن الكريم في مصحف على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) هم :
عبد الله بن عمر
ومعاذ بن جبل
وعبادة بن الصامت
واُبيّ بن كعب
وأبو الدرداء
وأبو أيوب الأنصاري
وأبو زيد (قيس بن السكن)
وزيد بن ثابت
وسعد بن عبيد
وسالم مولى أبي حذيفة
وعقبة بن عامر الجهني
ومجمع بن جارية
وعطاء بن مركبود
وبشير بن أبي زيد الأنصاري
وسعد بن شهيد الأوسي الأنصاري
فالقرآن كان مجموعاً في كتاب كامل وذلك الجمع منتشر عند المسلمين ، يقول السيد الخوئي (قده) : ( إنَّ المتصفح لأحوال الصحابة وأحوال النبي (صلى الله عليه وآله) يحصل له العلم اليقين بأن القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن عدد الجامعين له لا يستهان به ) ، ومن الروايات التاريخية التي تدعم هذا الأمر :
ـ روى البخاري في صحيحه أن إبن عباس رضي الله عنه سُئِلَ : أترك النبي (صلى الله عليه وآله) من شيء ؟ قال أبن عباس : ما ترك إلا ما بين الدفتين .
ـ وروى البخاري أيضاً عن محمد بن الحنفية أنه سُئِلَ نفس السؤال السابق فأجاب نفس الجواب : ما ترك إلا ما بين الدفتين .
أي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ترك القرآن مكتوباً.
ـ حديث الثقلين المتواتر ، وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) ، وفي هذا الصدد يقول السيد الخوئي (قده) : ( وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوباً مجموعاً ، لأنه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف والعسب والأكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزءأً غير مجتمع ، فضلاً عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظاً في الصدور فقط ) .

لماذا جمع أبو بكر القرآن الكريم :
بعد أن علمنا أن القرآن الكريم كان مجموعاً في مصاحف منتشرة بين المسلمين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، يظهر التساؤل حول سبب جمع أبي بكر للقرآن الكريم مادام أنه كان مجموعاً مسبقاً ؟
إنَّ السبب الأساسي لفعله ذاك هو سبب سياسي ، فالمسلمون لديهم مصاحف وجميع أطراف المعارضة التي كانت تعارض حكم أبي بكر كان لديها مصاحف ولا ننسى إن اُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبا زيد قيس بن السكن هم من أشهر من جمعوا القرآن الكريم في مصحف على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم جميعاً من الخزرج وقد كان زعيم الخزرج سعد بن عبادة من أبرز المعارضين لحكم أبي بكر ومن ثم لحكم عمر بن الخطاب حتى تم اغتياله بعد ذلك في عهد خلافة عمر ، وكان زعيم المعارضة الهاشمية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قد جمع القرآن الكريم أيضاً ، وبقي الحزب الحاكم وحده يفتقد وجود مصحف عنده لا سيما بعد مقتل الكثير من أنصاره يوم اليمامة ، فكان أن جمع ابو بكر مصحفاً شخصياً له وكلّف زيد بن ثابت ليقوم له بهذه المهمة ، ويدل على ذلك أن أبا بكر لم يفعل شيئاً للمصحف الذي جمعه زيد بن ثابت سوى أن أحتفظ به ، ثم أحتفظ به الخليفة عمر بن الخطاب من بعده ولو كانت الأمة تفتقر للمصاحف لنشروه قطعا وليس الاكتفاء بالاحتفاظ به ، ويذهب السيد جعفر مرتضى العاملي إلى نفس هذا القول حيث يقول ( وأن الصحيح : هو أنه قد جمع مصحفاً شخصيا للخليفة ، الذي لم يكن يملك مصحفاً تاماً ) .

 

سبب إتلاف مروان بن الحكم لمصحف أبي بكر :
يقول كاتب المقال المذكور : [(حيث أوكل ابو بكر في عام 11 هـ زيد بن ثابت بهذا العمل جمع القرآن بحسب القراءات المختلفة, رغم ذلك بقي هناك قرائين اخرى عند الصحابة الذين لم يعترفوا بالقرآن الجديد لاختلافه عما موجود عندهم. حفظت هذه النسخة عند ابو بكر وثم عند عمر بن الخطاب وبعد مقتله تحولت عند حفصة ابنة عمر وبعد وفاتها استولى عليه مروان بن الحكم والي المدينة حيث محاالنسخة من الوجود( صحيح البخاري, باب الفتح الحديث رقم 4000 . دلائل النبوة للبيهقي الجزء 3 صفحة 277. الاتقان في علوم القرآن للسيوطي الجزء الاول صفحة 60)].
فأما قوله بأن الصحابة لم يعترفوا بالقرآن الجديد فكذب لأن إطلاق لفظ الصحابة شمل أكثر من مائة ألف إنسان في العهد النبوي ولم ينقل أحد من المؤرخين أن أولئك الصحابة وهم أكثر من مائة ألف لم يعترفوا بالقرآن الجديد على حد تعبير كاتب المقال ، وأما محو مروان لذلك المصحف فلا يضر الإسلام لوجود عدد كبير ومتواتر من المصاحف عند المسلمين ، وأنَّ إتلاف مروان بن الحكم لذلك المصحف فليس بمستغرب إذ ماذا نرجو من اللعين مروان بن الحكم الذي عمل جاهداً هو وأبوه وبقية الحزب الأموي على التآمر على الإسلام وإثارة الفتن من داخله بعد أن عجز عن القضاء عليه من خارج صفوفه فكيف نستغرب محوه لمصحف جمعه أبو بكر ؟! وهذا الحقد المرواني على المصاحف توارثه بنوه وذريته حتى أنَّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم هو الذي مزَّق المصحف قائلاً :
أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشرٍ فقل يا ربِ مزقني الوليد
فلم يلبث إلا أياماً حتى قتل شر قتلة .
ومروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بن عبيد الله غدراً في معركة الجمل وقد كانا في جيشٍ واحد ، يحاربان معاً الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو الذي ساهم من قبل ذلك في غدر الثوار على عثمان وأراد الفتك بهم مما ساهم بشكل رئيسي في مقتل عثمان ، ومساويء هذا الأموي كثيرة وشهيرة في التواريخ.

 

عثمان يجمع مصحفاً :
يقول كاتب المقال : [(اما التجميع الثاني والمهم تاريخيا هو الذي تم في عهد الخليفةعثمان بن عفان ( وهو أموي النسب). حيث رأى عثمان اقتتال المسلمين حول تفسير القرآن بإختلاف

القراءات, فقام وحقنا لدماء المسلمين بإعادة تجميع القرآن سنة 25 هـ. جمع عثمان سبعة قرائين مختلفة( بالرغم من وجود الكثير غيرها). فحرق ستة! وابقى قرآن واحد فقط واجبر الناس على اتباعه!! وارسلت نسخ منه الى مختلف المناطق الاسلامية.علما ان مصحف عثمان يخلوا من التنقيط والتشكيل)].
فدعواه اقتتال المسلمين بسبب اختلاف القراءات هي دعوى كاذبة ، وما أكثر الكذب عندهم ، وكذلك كذب حين زعم جمع عثمان لسبعة "قرائين" وإحراقه ستة منها. ويلاحظ إستعماله هنا كلمة قرائين التي تدل على سوء مقصده إذ لا يوجد عند المسلمين سوى قرآن واحد ولكنه عزّ عليه تفرق إنجيل المسيح إلى أناجيل فأراد أن يعم ذلك التفرق القرآن الكريم ، ولكن خاب فعل ذلك الكاتب وخسأ ، فتعدد المصاحف لا يعني تعدد القرآن الكريم.
وكذب ثالثةً حين زعم إجبار عثمان الناس على إتباعه ، بل الحق أن الناس عاملوا المصحف الذي نشره عثمان بالقبول لأنه مطابق للمصاحف الموجودة عندهم ، فلم يعترض أحد من الناس وهم مئات الآلاف عدداً ، غاية ما في الأمر أن عثمان منع أن يكتب التفسير مع القرآن داخل المصحف حتى لا يشتبه الأمر على المسلمين ، ومنع الناس من القراءة بقراءات دخيلة حيث كان بعض الناس يقرأون القرآن بإبدال كلمات القرآن الكريم بكلمات ذات معنى قريب مثل قرائتهم الآية (إنّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأ وأقوم قيلا ) يقرأونها (وأصوب قيلا) وقرائتهم الآية ( إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم ) يقرأونها : (طعام الفاجر) وهكذا لا سيما بعد الفتوحات الإسلامية ودخول أقوام متعددون في الإسلام في ذلك الزمن ، وكذلك منع عثمان كتابة القرآن الكريم بترتيب آيات وسور تختلف من مصحف لآخر وفقاً لرغبات الناس وأهوائهم ، فمنع عثمان مثل هذا التبديل ونشر المصحف الذي يحتوي على القرآن الكريم كما نزل وتقبله المسلمون لأن غالبيتهم يمتلكون نسخاً مطابقة لنسخة المصحف الذي نشره عثمان. أي بمعنى آخر أن عثمان عمد إلى المصحف المقبول والمنتشر بين المسلمين فأعلنه مصحفاً لا يجوز الإضافة إليه أو الحذف منه أو تبديل كلماته. وبذلك لم يحدث في القرآن الكريم ما يسميه المسيحيون أخطاء النساخ كما حدث في الكتاب المقدس ، وهم يعترفون بحدوث أخطاء للنساخ فيه ، ففي المدخل إلى الأناجيل في نسخة العهد الجديد التي صادق على إعادة طبعها النائب الرسولي للاتين في بيروت بولس باسيم والمطبوع في المطبعة الكاثوليكية والمأخوذة عن الترجمة الفرنسية المسكونية للكتاب المقدس ، نقرأ ما نصه : (فان نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ، وما من أحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أية نسخة كانت مهما بذل فيها من جهد بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه ، يضاف إلى ذلك إن بعض النساخ حاولوا أحيانا ، عن حسن نية أن يصوبوا ما جاء في مثالهم وبدا لهم انه يحتوي أخطاء واضحة أو قلة في التعبير اللاهوتي ، وهكذا ادخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ )….( ومن الواضح إن ما ادخله النساخ من التبديل على مر القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مثقلا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات ).
والآن نطرح السؤال الآتي : لو لم يحفظ الله عزَّ وجل القرآن الكريم من الضياع والتبديل والتحريف كما وعد بقوله تعالى : (( إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون )) ، فلماذا لم يحدث تغيير وتبديل في الآلاف من المصاحف التي نسخت عن النسخ التي نسخها عثمان ووزعها في الأمصار مع أن نسخها عن تلك النسخ كان بصورة عفوية وبيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت ، ومع ذلك بقي القرآن الكريم محفوظاً كما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) سواء بتدخل عثمان أو بدون تدخله ، بخلاف الكتاب المقدس الذي مرّت عليه نفس الظروف التي مرت على القرآن الكريم من حيث النسخ وصلاحية النُسّاخ للعمل ولكنه تعرض للتغيير ولم يصمد ، فالأساس هو حفظ الله عزَّ وجل للقرآن الكريم سواء كان ذلك الحفظ بسبب مادي أو غيبي.
فما فعله عثمان هو منع حدوث الأخطاء المذكورة في القرآن الكريم ، ويبدو أن هذا المنع لم يرق للمسيحيين الذين يتمنون لو أن القرآن الكريم أحتوى على أخطاء النساخ كما هو حال الكتاب المقدس عندهم.

يتشبثون بأكاذيب وتمويهات :
قال كاتب المقال : [(وثم قام الامويون (يبدو ان لهم دورفي كتابة القرآن اكثر من النبي نفسه ) بإعداد مصحف جديد حسب الرغبة مضبوط بالشكل والتنقيط.
يقول السيوطي في كتابه الاتقان في علم القرآن صفحة351: لما كثر الخطأ في قراءة القرآن بسبب عدم احتوائه على التشكيل والتنقيط عهد الحجاج بن يوسف الثقفي( المعروف ببطشه واعتداده وفخره بنفسه حيث أراد ان يضع لنفسه بصمات واثار على القرآن) الى نصر بن عاصم بضبط القرآن وكان نصر فصيحا بليغا معروفا بإعتماد الالفاظ الجزلة الضخمة غير المألوفة والاستشهاد بما يماثلها من أشعار (وهو سبب ظهور القرآن بهذه الفصاحة والذي لم يتحرأ بالاتيان بمثله الا طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي).ويعتبر مصحف الحجاج اساس القرآن المتداول حاليا)].
فهل في هذا النص إلا الكذب والخداع ؟ فأي دور مزعوم للأمويين في كتابة القرآن حتى يوصف بأنه أكثر من دور النبي نفسه ؟!
أما نصر بن عاصم الذي نسبوا إليه دوراً أسطورياً خيالياً فلم تُعرَف عنه البلاغة التي وصفوها بل عُرِفَ عنه أنه كان من علماء النحو فهو نصر بن عاصم البصري النحوي ، قال عنه خير الدين الزركلي : ( نصر بن عاصم الليثي : من أوائل واضعي " النحو " . قال أبو بكر الزبيدي : " أول من أصل ذلك – أي علم العربية – وأعمل فكره فيه ، أبو الاسود ظالم بن عمرو الدؤلي ، ونصر ابن عاصم ، و عبد الرحمن بن هرمز ، فوضعوا للنحو أبوابا ، وأصلوا له أصولا ، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم ، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف " . وقال ياقوت : كان فقيها ، عالما بالعربية ، من فقهاء التابعين ، وله " كتاب " في العربية . وهو أول من نقط المصاحف . وكان يرى رأي الخوارج ثم ترك ذلك ، وله في تركه أبيات ، وقيل : أخذ النحو عن يحيى بن يعمر العدواني ، وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء . مات بالبصرة ) ، وكما ذكرنا عن هذا الخارجي أنه لم تعرف عنه بلاغة أكثر من معاصريه من العرب بل كان من النحويين وقد شاركه آخرون في علم النحو منهم أبو الأسود الدؤلي وعبد الرحمن بن هرمز ويحيى بن يعمر وغيرهم ، فلا ميزة له من دونهم ، فما زعموه له من دور في أنه هو سبب المستوى العالي والفريد من البلاغة في القرآن الكريم إنما يدل على جهل شديد أو حرجٍ شديد وجد أعداء الإسلام أنفسهم فيه ، فلقد وجدوا أنفسهم غرقى في بحر عظمة القرآن الكريم ، ويريدون إختلاق أي أمر مهما كان واضح البطلان ليصنعوا منه خيالاً موهوماً من اجل الطعن في البلاغة الفريدة للقرآن الكريم ، هذا القرآن العظيم الذي تحدى المئات بل الآلاف من البلغاء والفصحاء العرب ممن هم أفصح وأبلغ وأكثر عداءاً للإسلام وللقرآن الكريم من الخوارج ، ولم يستطع أحد منهم أن يعارض القرآن الكريم و لم يستطع أحد ان يأتي بنص بمستوى البلاغة الموجودة في القرآن الكريم لا سيما وقد تحداهم القرآن الكريم أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك :
قال الله سبحانه وتعالى : (( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا )).
ثم تحداهم القرآن الكريم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا عن ذلك :
قال الله جلَّ وعلا : (( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لاإله إلا هو فهل أنتم مسلمون )) .
ثم تحداهم القرآن الكريم أن يأتوا بسورة واحدة فعجزوا عن ذلك :
قال الله عزَّ وجل : (( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ))
وقال الله تبارك أسمه : (( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالميـن )) .

فمن هو نصر بن عاصم أو غيره حتى تنسب له هذا المعجزة القرآنية الخالدة !!! بل لقد نزل هذا التحدي القرآني قبل ولادة نصر بن عاصم المذكور ، فلماذا الخداع والتمويه ؟!
وما أشد ضلالهم وكذبهم حين يقولون : [(ويعتبر مصحف الحجاج اساس القرآن المتداول حاليا )] ، فالحجاج أتفه من أن يغيّر شيئاً في القرآن الكريم ، وعصر الحجاج هو عصر الفتن والفرق المتنازعة والأهواء والحروب الداخلية والدماء المسفوحة ، فلو عمد الحجاج إلى تغيير شيء ولو يسير من القرآن لكان في ذلك أبلغ الحجج عليه عند خصومه وخصوم بني أمية جميعاً لكي يتذرعوا به في معارضتهم للحجاج والحكم الأموي ، ولكن ذلك لم يحدث ولم تصدر أي دعوى تغيير قام بها الحجاج أو بني أمية للقرآن الكريم من قبل خصومه لأن ذلك لم يحدث فعلاً.

يظهر مما تقدم أن دعوى وجود مصاحف متعددة عند بعض الصحابة لا يخرج عن الإطار الذي ذكرناه آنفاً.
أما دعواهم بأن [(الاختلاف الموجود حاليا بين ايات وسور القرآن ليس بسبب ما يسمى الناسخ والمنسوخ أو ان الله كان له بها حكمة)] فهي دعوى باطلة وقد خاب فألهم ، فالناسخ والمنسوخ ليس إختلافاً ولا يوجد إختلاف في القرآن الكريم أصلاً ، وقد حقق هذا الأمر السيد الخوئي (قده) في كتابه ( البيان في تفسير القرآن ) ، وننصح من يريد الإطلاع على حقائق البحوث القرآنية أن يراجعه ففيه الصفوة من ذلك كله.
 

الصفحة الرئيسية