بسم الله الرحمن الرحيم

 

شاكر النابلسي يرفع مصاحف معاوية

 

نبيـل الكرخي

يحاول الدكتور شاكر النابلسي وبعض العلمانيين الآخرين الالتفاف على الشريعة الاسلامية عبر الترويج للأفكار الاتية من خلال إتباع منهج إلتقاطي غير مستكمل الادوات ، وأهم الافكار المذكورة :

ـ الترويج لفكرة فصل الدين عن الدولة.

ـ الترويج لفكر المبتدعين الذين يطلقون على أنفسهم أسم القرآنيين ، بدعوى تمسكهم بالقرآن وتركهم للسنة النبوية وعدم إعتنائهم بها.

ـ التدخل المباشر في استنتاج الحكم الشرعي من خلال قراءة سطحية لبعض النصوص القرآنية والنبوية.

 

والملاحظ أنَّ الدكتور النابلسي لا يتبنى منهجاً بعينه من هذه المناهج الثلاث السابقة في مقاله المنشور بعنوان (العرب بين اسلام القرآن واسلام الفقهاء) والمنشور في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 18 / 4 / 2006م ، بل يلتقط منها ما يخدم فكرته ، فتارةً تجده يدعم القرآنيين ويصوب فكرتهم ، وتارةً يدعم الفقهاء ـ كما فعل مع الشافعي في هذا المقال ـ وتارةً يستنتج هو الحكم الشرعي من خلال قراءة سطحية لبعض النصوص القرآنية ونصوص السنة بدون ان يكون قد أمتلك ناصية العلوم التي تؤهله لإستنباط الحكم الشرعي من مصادره الصحيحة. وتارة يريد فصل الدين عن الدولة والسياسة ومع ذلك يعود للتدخل بشؤون الدين وتفاصيله. وهذا المنهج المضطرب والالتقاطي لا يخدم أية قضية إنسانية او إجتماعية لأنه لن يكون مقنعاً لأحد.

ففي مقاله المذكور يركز الدكتور النابلسي على الترويج للقرآنيين المبتدعين ، والقرآنيون هم جماعة امتنعوا عن الخضوع للسنة النبوية وقالوا أنهم يأخذون الحكم الشرعي من القرآن وحده ، مع ان القرآن الكريم لم يقل للمسلمين تمسكوا بي وحدي بل قال : (( ما آتاكم الرسول فخذوه )) والرسول قد أتانا بالسنة المطهرة والقرآن المجيد ، وقال القرآن أيضاً : (( اطيعوا الله واطيعوا الرسول )) فطاعة الله سبحانه تكون من خلال كتابه الكريم وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) تكون من خلال السنة النبوية الشريفة. فالدعوة للتمسك بالقرآن وحده ـ وهي دعوة القرآنيين وشيخهم احمد صبحي منصور ـ تعني ان نتخلى عن الاسلام واركانه ومظاهره ، فالقرآن الكريم لا يحتوي على تفاصيل أداء الصلوات اليومية ولا على الاذان ولا تفاصيل الصيام ولا الزكاة ولا الحج ولا غيرها من العبادات ، فمن يدعوا للتمسك بالقرآن وحده إنما يدعوا لإلغاء السنة النبوية وبالتالي تدمير كل التشريعات والمظاهر الاسلامية. فالله سبحانه قد قال في القرآن المجيد : (( اليوم اكملت لكم دينكم )) ولم يقل اليوم أكملت لكم قرآنكم ، لأن الدين لا يقام بالقرآن وحده.

 

وذكر الدكتور شاكر النابلسي في مقاله المذكور مصطلح "الاسلام القرآني" ، ودعا لأن يكون الاسلام قرآنياً أي مستنداً على القرآن وحده في التشريع ، وهو امر مماثل لما فعله معاوية من قبل حين رفع المصاحف وطلب التحكيم للقرآن ، فهي كلمة حق اراد معاوية بها الباطل ، وكذلك فإن الدعوة لإسلام قرآني بمعنى ان يكون الحكم الشرعي مستنداً للقرآن تشريعاً وممارسة هي دعوة صحيحة إذا كان الاستناد المذكور يتم في بوتقة شرعية تضم مصادر التشريع الاساسية وهي القرآن والسنة ، ولكن ما يريده الدكتور النابلسي منها هو ان يكون الاسلام القرآني بديلاً عن الاسلام الرباني الذي اكمله الله سبحانه وأتمَّ به النعمة وأرتضاه للإنسانية. أن يكون الاسلام القرآني اسلاماً ناقصاً مبتوراً عن شريعته ومظاهره وممارساته الصحيحة. فـ"الاسلام القرآني" الذي يروّج الدكتور النابلسي له يعتمد على حذف وتجاهل آيات من القرآن نفسه ، من قبيل قوله تعالى : (( اطيعوا الله واطيعوا الرسول )) ، لأن القرآن وكما أسلفنا آنفاً لم يطلب من المسلمين ان يتبعوه وحده بل طلب منهم أن يطيعوا الرسول (صلى الله عليه وآله) أيضاً وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) إنما تكون من خلال إتباع سنته. غير أنَّ الدكتور النابلسي وأحمد صبحي منصور يريدون منّا أن نقرأ في القرآن (( واطيعوا الرسول )) ثم نقول : كلا لن نطيع الرسول ، حسبنا القرآن حسبنا كتاب الله ! فهل هناك تناقض أوضح من هذا ! يدّعون التمسك بالقرآن ويرفضون تعاليم القرآن في نفس الوقت !! قال تعالى : (( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون )).

 

ويصاف لذلك فإنَّ دعوة الدكتور شاكر النابلسي في مقاله لإلغاء الفقه الاسلامي ونبذ الاحاديث التي اطلق عليها تعبير (السند والعنعنة) لا تقتصر على الفقه والشريعة الاسلامية بل تمتد لتشمل التاريخ الاسلامي كله بلا استثناء ، وهو وإنْ لم يصرح في مقاله بهذا إلا أنَّ النتيجة تقود إليه لأن أسلوب تدوين الحديث النبوي هو نفس اسلوب تدوين التاريخ الاسلامي ولذلك فالدعوة لنبذ الاحاديث تشمل ايضاً الدعوة لنبذ التاريخ ، ولا يمكن استثناء التاريخ الا من باب ازدواج المعايير.

فهل يريد الدكتور النابلسي سلبنا ديننا وتاريخنا وهويتنا الاسلامية بكافة ابعادها والعودة بنا الى الجاهلية حيث سيبدأ تاريخ جديد بلا (سند) ولا (عنعنة) حيث يحلوا لمن يشاء أن يقول ما يشاء بلا رقيب أو محاسبة !!

 

وتحدث الدكتور النابلسي أيضاً عن البنوك في المملكة السعودية واعتبر أن عدم وجود بنك خالي من المعاملات الربوية دليلٌ على وجوب التخلي عن السنة النبوية والفقه الاسلامي ! ويظن ان تعامل الدول الاسلامية في عالمنا اليوم مع البنوك الربوية أو أحتواء الدول الاسلامية على بنوك ربوية هو مبرر معقول للتخلي عن الشريعة الاسلامية !! ونحن نعلم ان غالبية الدول الاسلامية تحكمها حكومات علمانية وبالتالي فوجود المصارف الربوية فيها هو امر طبيعي لأنها تخضع لمخططات حكومات بعيدة عن الاسلام. وأما في السعودية فالنظام المصرفي فيها يحتوي على صناديق استثمارية عاملة طبقا لقواعد الاستثمار الاسلامية في السعودية وعددها حوالي 186 صندوق ، وأيضاً فإنَّ في معظم المصارف السعودية هناك هيئات شرعية تراقب أعمال المصرف المتواجدة فيه وتخضع قراراته لضوابط الشريعة الاسلامية ، مثل بنك البلاد والبنك الاهلي وبنك الراجحي. ومع ذلك فإنَّ وجود هذه الهيئات قد يكون غير كافٍ من الناحية الشرعية لمنع تشريع الربا وهو تشريع محرم ، فوجود هذه البنوك في المملكة السعودية يكشف أن السلطة السعودية لا تصلح لتمثيل الاسلام وأن سيرتها لا تختلف كثيراً عن سيرة الدولة الاموية الجائرة التي ظلم المسلمون في سلطانها وأصابهم منها جور عظيم.

 

ولكن من جهة أخرى نجد أنَّ إنتقاد الدكتور النابلسي للبنوك السعودية يكشف حقيقة ما يريده العلمانيون ، فهم في غالب مقالاتهم يدّعون ان الفقه الاسلامي يستند الى ظروف تعود الى 1400 سنة ماضية وان أحكامه لا تصلح لتطبيقها اليوم وأن على الفقهاء مجاراة العصر الحديث وتقديم معالجة حديثة لمشاكل العصر ، وحين يظهر في السعودية نظام مصرفي وبنوك تحاول مجاراة العصر وإن كان ذلك على حساب التمسك بالشرع الاسلامي فتحاول أن تجمع بين المراقبة الشرعية على أعماله وبين مراعاة العمل وفقاً للقوانين التجارية الدولية التي تعتمد على المعاملات والقروض الربوية فإنَّ ذلك لا يرضي الدكتور النابلسي ، لسبب واضح وهو أن العلمانيين لا يرضون إلا ان نتخلى كلياً وصراحةً عن الاسلام ونتحول عنه الى دين ممسوخ وفقاً لمقاييسهم وأهوائهم.

 

ولعل ادعاء الدكتور النابلسي بأن للعلمانية أغراض ابعد من الاشتباك مع الدين هو أدعاء مضحك يراد به استغفال القاريء الكريم ، فبعيداً عن كل التعقيدات والادعاءات فان الاصطدام بين العلمانية والدين هو امر اساسي وحتمي لأن مجال عملهما واحد وهو الدولة والاقتصاد والمجتمع والثقافة ، فكما لا يمكن لجسمين ان يكونا في مكان واحد بنفس الوقت وفقاً لقوانين الفيزياء ، فكذلك لا يمكن للدين والعلمانية ان يتواجدا سويةً في مكان واحد ووقت واحد.

 

وأخذ الدكتور النابلسي يدور حول نفسه حين تطرق للعلاقة بين الاستعمار والعلمانية ، فادعى اولاً بانه لا علاقة بين الاستعمار والعلمانية مستنداً بذلك على التجربة الاتاتوركية حيث ان أتاتورك قد تأثر بالعلمانية الفرنسية سنة 1910م ثم اسقط الخلافة العثمانية سنة 1924م ومع ذلك ادعى الدكتور النابلسي انه لم يكن للاستعمار الفرنسي اثر سياسي على تركيا رغم انتشار المدارس والمعاهد الفرنسية في تركيا أيام حكم آل عثمان وبعدها ! ثم تراجع بعدها ليعترف بأثر الغزو الثقافي الفرنسي في تكوين العلمانية وتأسيسها في تركيا على يد أتاتورك !!

فأي آثارللعلمانية الفرنسية أبلغ وأشنع مما فعله اتاتورك في تركيا عندما مسخ هويتها الاسلامية ومسخ ثقافة شعبها بالقوة فشرع القوانين العلمانية وغيّر حروف الكتابة من الحروف القرآنية الى الحروف اللاتينية ومنع الاذان ومنع قراءة القرآن بالعربية وبدل اللباس الرسمي للاتراك ومنع الحجاب فأسس بذلك نظاماً علمانياً صارماً نتيجة تأثره السياسي بالعلمانية الفرنسية. فأي ربط بين العلمانية والاستعمار أكثرمن النموذج التركي. وأي ربط ربط بين العلمانية والاستعمار اكثر من النماذج العلمانية الحاكمة للشعوب الاسلامية العربية وغير العربية.

ثم أليس الغزو الثقافي هو كالغزو السياسي من حيث الخطورة والبشاعة في مسخ الدين وتغيير الهوية الدينية والوطنية ؟! بل هو اخطر من الغزو السياسي في الكثير من الاحيان ، وما يمكن فعله من خلال الغزو الثقافي أخطر مما يمكن فعله من خلال الغزو السياسي.

وهل انَّ النموذج التركي هو النموذج الوحيد للعلاقة بين بين الاستعمار والعلمانية ، وكيف يكون كذلك وهذه الانظمة العلمانية التي تشكلت في ظل الاستعمار وافرازاته وهي مازالت تحكم بلاد المسلمين شاهدةً على الارتباط الوثيق بين العلمانية والاستعمار السياسي والثقافي.

 

وذكر الدكتور شاكر النابلسي جملة مثيرة للاستغراب لا يمكن قبولها إلا في إطار النظرية النازية : (أكذب اكذب حتى يصدقك الناس) ، فقال النابلسي ما نصَّه : [(يجمع جمهور المفكرين الإسلاميين أن لا حاجة للإسلام لنصوص موضوعة لإقامة الدولة. وأن القرآن نزل كاملاً مُكمَّلاً غير منقوص، ولا يحتاج إلى نصوص أخرى إلى جانبه لإقامة الشريعة)] ، فأي أدعاء اكثر وقاحة من ان ينسب للمسلمين مثل هذه الفرية .. والمخطط واضح ، فهذا ينشر إدعائه المزيف ثم يأتي علماني آخر فيستند الى هذا القول في إطلاق نفس العبارة مدعياً إجماع جمهور المفكرين على الاقتصار على القرآن لمعرفة الحكم الشرعي ومتخذاً من الدكتور النابلسي مصدراً يستند إليه ، فينتشر هذا الادعاء المزيف شيئاً فشيئاً !

إنَّ دعوى الاقتصار على القرآن في معرفة الحكم الشرعي هي محض هراء ، لأن القرآن لا يحتوي على تفاصيل العبادات ، من صلاة وصيام وزكاة وحج ولا على تفاصيل المعاملات أيضاً ، والدكتور النابلسي يعترف بهذا في مقاله المذكور ، ولكنه يأبى إلا ان يسير متبنياً منهجاً إلتقاطياً خاطئاً.

واوقع الدكتور شاكر النابلسي نفسه في مأزقٍ آخر حين نسب للإمام الشافعي بأنه يمثل تياراً فكرياً ، في حين أن الشافعي هو احد الفقهاء الاربعة الاساسيين عند اهل السنة ، وهذه التعمية التي استخدمها الدكتور النابلسي بحق الجانب الفقهي الاساسي عند الشافعي هو للخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه ، فهو في هذا المقال ينتقد فقهاء المسلمين ويدعو الناس لترك فقههم ومن جهة أخرى يستند لكلام فقهي نسبه للشافعي مما يعكس التناقض الحاد والتذبذب في فكره ومنهجه.

والتناقض الاخر في كلام الدكتور شاكر النابلسي هو في استناده الى حديث منسوب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مفاده : (أنتم أدرى بشؤون دنياكم) ، فقال الدكتور النابلسي ما نصَّه : [(وأن الرسول الكريم بدوره قد طالب المسلمين بتدبير شؤون دنياهم، فهم أدرى من غيرهم بهذه الشؤون)] ، وبذلك يكون الدكتور شاكر النابلسي قد تغافل عن أنَّ هذا الحديث يندرج تحت طائلة ما انتقده هو نفسه في الفقرات السابقة ونَبَزَهُ بتعبير (السند والعنعنة) ، فدارت الدوائر على شاكر النابلسي وأصبح هو أيضاً محتاجاً للعنعنة لتثبيت أفكاره !!!

ثم ان ذكر الدكتور النابلسي للشافعي وحده بأنه قد [(حلّ معضلة أساسية واجهت المسلمين وهي عدم كفاية النص القرآني في العبادات والتشريعات او المعاملات وضرورة اللجوء لتوجيهات الرسول لمعرفة الكثير من التفاصيل)] ، ليس له ما يبرره لأن جميع فقهاء المسلمين يعلمون ذلك وقد تصرفوا في عالم الفقه وفقاً له ، ولا يقتصر الامر على الشافعي ، فلماذا زج بأسم الشافعي وحده في هذا الموضوع !؟

واما الحديث المنسوب : (أنتم ادرى بشؤون دنياكم) ، فقد ناقشناه بصورة مفصلة في مقالنا : (الثغرات الدستورية لمحمد عابد الجابري) ، وخلاصة القول فيه ان الحديث مردود لتعارضه مع السنة المتواترة ومع القرآن الذي يامر المسلمين بان يحكموا بما انزل الله. وأنه على فرض صحة الحديث فإنَّ شؤون الدنيا التي يكون المسلمون أعلم بها هو ليس ما لم يرد به النص ، لأن وظيفة الفقهاء هو تفريع الحكم والاستدلال على الاحكام التي لم يرد بها نص ، وهو جزء من إختصاصهم ، ونحن كأشخاص متحضرون نؤمن بالإختصاص وبأنه لا يجوز أن يتدخل احد في إختصاص لم يدرسه ولم يتقنه. بل المراد بالحديث وفقاً لإفتراض صحته هو ان هناك جوانب في الحياة لا يتدخل بها الدين فتكون وفقاً لهذا الحال من أختصاص الناس. ولكن هذا المعنى أيضاً لا يخدم فكرة الدكتور النابلسي الذي يريد الفصل بين الدين وبين السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة ! فنحن نقول انه لا توجد جوانب يمكن فصلها عن الدين ، فالدين له حكم في كافة تفاصيل الحياة ، وأنَّ الدّين قد شُرِّعَ ليقود الحياة كلها.

وتحدث الدكتور النابلسي بما لا يعلمه فأساء وابتعد عن المنطق ، حين اعترض على مفهوم صلاحية الاحكام الاسلامية للتطبيق في كل زمان ومكان ، فقال ما نصّه وهو يتحدث عن الفقهاء : [(ويعتبرون أن الأنظمة والقوانين التي جاءت قبل ومورست وطُبقت قبل مئات السنين هي قوانين وأنظمة عابرة للتاريخ علماً بأنه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تشير إلى أن كل ما ورد في القرآن الكريم من أحكام في المال والعيال هو عابر للتاريخ)] ! فكيف يستقيم هذا الادعاء مع نزول آيات القرآن الكريم عامة في لفظها وإطلاقها لتشمل المسلمين من عاش في ذلك العصر ومن سيعيش بعده ، فعمومية اللفظ هو من الادلة على امتداد الفترة الزمنية التي يغطيها الحكم الشرعي في الاسلام. فالمنطق ولغة العرب والفهم السليم لآيات القرآن المجيد تدل جميعها على استمرارية الاحكام الإسلامية في الدين الذي أكمله الله سبحانه واتمّ به النعمة ورضيه للإنسانية ديناً عظيماً ، وفوق ذلك كله أنه دين خاتم الانبياء والمرسلين فلا نبي ولا رسول بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن لم تكن الشريعة الاسلامية العالمية صالحة لكل الازمنة فمعنى ذلك أنَّ وجودها ووجود الشرائع السماوية قبلها هو محض عبث لأن معنى ذلك أنَّ الله وحاشاه قد أشغل البشرية بالدين وحركات الانبياء والاوامر الشرعية التي دارت حولها عجلة التاريخ ثم يتركهم فجاة في القرن العشرين الميلادي وقرننا الحالي بلا شريعة ولا دين بل يفسح المجال لإبليس وجنوده ليعيثوا في الارض فساداً ! فهذا غير جائز على الخالق الحكيم.

فإذا تعاضد إكمال الدين وإتمام النعمة حين نزل قوله تعالى : (( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا )) مع كون هذا الدين نفسه قد اتى به خاتم الانبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) وأنه لا نبي بعده ، ألا يدل ذلك بوضوح أن هذا الدين هو دين كل الاجيال القادمة ؟ بلى إنه يدل على ذلك بكل وضوح. فإذا تعاضد هذا مع حديث الثقلين المتواتر والذي ينص على أنَّ القرآن والعترة لن يفترقا عن بعضهما الى يوم القيامة ، وان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر المسلمين بالتمسك بهما ، وهو أمر لكل المسلمين في الجيل الحاضر والاجيال القادمة ، فلا مجال أبداً للقول بان الاسلام هو دين عصرٍ ماضٍ فقط بل هو دين كل العصور. ونص حديث الثقلين المتواتر هو ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وأله) أنه قال : (اني تارك فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

وتحدث الدكتور شاكر النابلسي عن تجديد روح الاسلام موافقاً بذلك نظرية البعث القومية وميشيل عفلق الذي ابتدع فكرة بعث روح الاسلام ، حيث يبدو أنهما يستقيان من مصدر واحد يكيدُ للاسلام كيداً ، وقد أخطأ حين ظن أنَّ التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي واجهت الناس في القرن العشرين أو في قرننا هذا يمكن أن يتصدى لعلاجها بصورة شرعية أشخاص ليس لديهم إلمام فقهي ! ومن المعيب أن يتصدى شخص يعتبر نفسه من المفكرين الليبراليين الجدد وهو الدكتور شاكر النابلسي للدعوة بأن يحل شخص غير مختص محل أصحاب الاختصاص ، فالفقه كالطب والهندسة والقانون يجب ان يمارسه من يختص به ، ولا نتصور أنَّ عاقلاً يذهب للمهندس ليعالج مرضه أو للطبيب ليبني بنايته ، فبأي منطق يمكن أن يمارس الانسان العادي الفقه وهو غير ملم بقواعده وأصوله والعلوم الاساسية التي عليه أن يمتلك ناصيتها وشروطه التي يجب ان تتوفر فيه.

واما بخصوص تشخيص الدكتور النابلسي لأسباب الارهاب وإعتباره أن فتاوى الفقهاء القدماء هي سبب وجوده في عالمنا اليوم فهو تشخيص غير دقيق ، فليست فتاوى الماضي هي التي دفعت المسلمين للوضع المتدهور الذي يعيشونه اليوم بل منعهم من العيش في ظل الاسلام وقوانينه وثقافته ، فالدولة الاسلامية لم تتحطم الا بعد ثورة الشريف حسين بن على أمير مكة ضد الخلافة العثمانية وخيانته لها ، من أجل تأسيس دولة عربية قومية بعيداً عن المفاهيم الاسلامية. وانهيار تلك الدولة وتكالب الاستعمار على أرض الاسلام بالاحتلال والنفوذ وقيام الحكومات العلمانية العميلة للمحتل والمعادية للاسلام جهراً هو الذي يدفع المسلم للمعارضة والعنف حين لا يملك سلاحاً آخر أمام تحديات البقاء التي يواجهها. ولا ننسى أن الظلم الذي يشعر به المسلم من قبل قوى الاستعمار والاستكبار هي التي تجعل الارهاب التكفيري مستمراً في إيجاد منافذ وجحور بين المسلمين ، ولولا الظلم لما استطاع التكفيريون أن يجدوا قواعد لهم ولا مواطيء قدم في أيٍ من بلاد المسلمين. لولا الظلم لما استطاع الوهابيون التكفيريون ان يحصلوا على تلك المساحات الصغيرة المنتشرة في مختلف الدول والتي شكلت بيئة ينمو فيها الارهاب وتُغسَل فيها عقول بعض السذّج من المسلمين.

فلا ننسى أنَّ لظهور الوهابية والفتاوى المنحرفة للوهابيين تأثيراً بليغاً في تشويه صورة الاسلام والاساءات العديدة التي ألحقت به ، وإذا كان الغرب قد لحقه الضرر من جراء إنحرافات القاعدة التي برزت في أحداث 11 ايلول أو في اسبانيا او لندن اوغيرها ، فإن الاساءة التي لحقت بالاسلام بسببهم هي أكبر وأشنع. والمسلمون يعانون من إنحرافات الوهابية التكفيرية منذ مئات السنين وليس منذ 11 ايلول فقط. فمن الخطأ ان يحمّلَ البعضُ الاسلامَ جريرة الوهابية واخطائها وانحرافها.

والنقمة التي في قلوب المسلمين تجاه الاستعمار والمستعمرين (الاستعمار السياسي والثقافي) لا تكافح بتغيير الشريعة الاسلامية لأن محاولة التغيير هي احد اهم أسباب تلك النقمة وتكوين البيئة الحاضنة للارهاب ، بل بإعطاء الحريات للمسلمين في بلادهم وإطلاق القوانين الاسلامية لتحكم الناس فتمتص نقمتهم وغضبهم على الاجنبي الذي يسند ويدعم الحكومات العلمانية التي تحكمهم.