بسم الله الرحمن الرحيم

من أجل بناء الفكر السياسي في الإسلام

نبيـل الكرخي

يحاول الأستاذ محمد عابد الجابري بناء فكر إسلامي جديد وفقاً لأسس بعيدة عن الإسلام ، بعيدة عن الإسلام المحمدي وبعيدة عن إسلام أهل السنة.

ففي مقال له بعنوان [(من اجل إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام)] ، يحاول فيه أن يكمل ما ابتدأه في مقاله السابق حول الثغرات الدستورية ، والذي نقدناه في مقال سابق.

أبتدع الأستاذ الجابري مصطلح جديد أطلق عليه أسم [(الخلقية الإسلامية)] ، وذكر انه أختار أسم "الخلقية" [(لأن النصوص التي تقرر تلك المبادئ ليست نصوصا تشريعية، أو على الأقل اعتبرت وتعتبر كذلك، وهذا ما يجعل مجال الاجتهاد في شؤون الحكم واسعا غير محدود إلا بحدود المثل العليا التي يقررها الإسلام)] ، وليته لم يذكر هذا السبب ولا هذه العبارة ، فهي تدل على أمور لا نحب ان ننسبها للأستاذ الجابري ، فهو في هذه العبارة التي نقلناها بين قوسين يصف بعض النصوص بأنها ليست تشريعية ومع ذلك يدعو للإجتهاد من خلالها ! ، فهل يمكن الإجتهاد من خلال نصوص لا تتضمن تشريعات ؟؟ فكلامه هذا يماثل قولنا ان نأخذ نصوص قصة يوسف وهي نصوص غير تشريعية فنستنتج منها الحكم الشرعي !؟ وهكذا !! فهل يتوقع ان نحصل على حكم شرعي صحيح ونحن نستند إلى أدلة غير تشريعية ؟؟!

أما العناصر الأساسية لتلك الـ "خلقية الإسلامية" التي يريد الأستاذ الجابري أن يستند لها في تأسيس فكر إسلامي جديد فهي :

1.    الشورى.

2.    حديث كلكم راعٍ !

3.    حديث أنتم أدرى بشؤون دنياكم !

فلنأتٍ الآن لمناقشة كل عنصر من هذه العناصر :

1. الشورى : ذكرها الأستاذ الجابري وجعلها من الـ "صفات الحميدة" ، وأراد أن يحرف معنى الشورى الحقيقي والذي يميزها عن المفاهيم الديمقراطية ، فبتر الآية (159) من سورة آل عمران ولم يذكرها كاملةً ! فالآية الكريمة هي : (( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله )) ، لكنه بتر الجزء الأخير وأكتفى بذكر قوله تعالى : ((  وشاورهم في الأمر )) ! فالآية الكريمة بدون هذه التكملة المبتورة قد تعطي صورة بأن الذين يدخلون في الشورى هم على قدم المساواة ، وأن القرار يتخذ بينهم بالأغلبية البسيطة أو المطلقة كما في الأنظمة الديمقراطية المنتشرة ، بينما الاية الكريمة تعطي حق القرار بعد الشورى للنبي (صلى الله عليه وآله) ، فالمشاورة يتبعها إتخاذ قرار من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) أو من يشغل منصب قيادة الدولة  من بين أصناف الشهداء الثلاثة (النبوة والإمامة والمرجعية الدينية) الذين سنذكرهم لاحقاً.

2. حديث كلكم راعٍ : قال الأستاذ الجابري ما نصه : [(لقد كان الفكر السياسي في حضارات الشرق القديم، من فرعونية وبابلية وعبرانية وفارسية، يقوم على نموذج "الراعي" الذي يرعى قطيعا من الغنم. فالحاكم "راع" والباقي قطيع (أي رعية). ويقوم هذا النموذج على المطابقة بين "راعي الكون" (الله) وراعي "القطيع" من البشر (الرعية). أما في الإسلام- إسلام عصر النبوة، لا إسلام الإيديولوجيا السلطانية- فقد أصبح لمضمون "الراعي" معنى آخر، وذلك من خلال الحديث النبوي الشهير القائل: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه. ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". وواضح أن الرعاية هنا تعني حفظ الأمانة وتحمل المسؤولية، وهي ليست من اختصاص شخص بمفرده، بل هي موزعة في جسم المجتمع كله من أعلى الناس إلى أدناهم. والأهمية السياسية التي ينطوي عليها هذا المبدأ هو أنه ينص على توزيع المسؤولية، فلا استئثار بها ولا استبداد)] ، وهنا نجد أن الأمر برمته قد ذكر بصورة مشوهة ، ونختصره في الآتي :

أ ـ المرأة الراعية في بيت زوجها والعبد الراعي في مال سيده .. إلخ ، هو أمر موجود في كل الحضارات الفرعونية والبابلية وغيرها ، فلا دليل على إختصاص المسؤولية بمن هو داخل ضمن حوزة الأمة الإسلامية.

ب ـ بلا شك فإنَّ السائل هو الله عزَّ وجل ووقت السؤال هو يوم القيامة ، فالحديث الشريف يتحدث عن عظم المسؤولية الملقاة على عاتق البشر والتي سيتم السؤال عنها يوم القيامة ، وليس في هذه الحياة الدنيا.

ت ـ الحديث الشريف لا يتضمن توزيع للمسؤولية بين البشر بل يتضمن التنبيه على الإهتمام بعدالة وإمانة المسؤولية الطبيعية التي يتحملها كل إنسان.

ث ـ إنَّ في هذا النص خلط واضح بين المسؤولية الطبيعية الفردية والمسؤولية السياسية الجماعية ، فالحديث الشريف يتحدث عن المسؤولية الفردية لكل إنسان على حدة ، وفقاً لنوع المسؤولية التي يتحملها وهي مسؤولية تختلف في نوعها من شخص لآخر ، فمسؤولية المرأة ليست مثل مسؤولية العبد ولا مثل مسؤولية الزوج أو رب العمل ، وحسابهم يوم القيامة على المسؤولية التي هي ملقاة على عاتقهم. بينما يريد الأستاذ الجابري أن يحرف الحديث الشريف بإتجاه ان يعني المسؤولية الجماعية للأمة تجاه قضية بعينها ، بحيث يتم منع الإستبداد والإستئثار من خلالها. ومنع الإستبداد والإستئثار هو أمر مطلوب ولكن ليس هذا الحديث الشريف هو دليله الشرعي ولا دليله الـ "الخلقي" ‍‍‍‍‍‍!

ج ـ قول الأستاذ الجابري فيه شيء من الغرابة ونصّه : [(وهي ليست من اختصاص شخص بمفرده، بل هي موزعة في جسم المجتمع كله من أعلى الناس إلى أدناهم)] ، مما يعني ان مسؤولية المرأة في بيت زوجها ليست من إختصاصها وحدها بل من إختصاص الأمة جميعها ، وهو قول بعيد عن الصواب جداً !!

3. حديث أنتم أدرى بشؤون دنياكم : وقد ناقشنا هذا الحديث في مقالنا السابق حول الثغرات الدستورية*، وبيّنا ضعفه من حيث السند وعدم إمكانية قبوله من حيث المتن لتعارضه مع أحاديث صحيحة أخرى ، وكذلك تعارضه مع الأدلة العديدة التي تنص على أن رئاسة الدولة الإسلامية هي من شؤون الدين والدنيا معاً. فلا فصل للدين عن الدولة. وقد بيّنا في المقال المشار إليه آنفاً إنَّ الحاكمية بعد النبي (صلى الله عليه وآله) قد تم تثبيتها في حديث الغدير لآل البيت (عليهم السلام) وهم أحد الثقلين المرجعين الضامنين للأمة نجاتها من الضلال لمن تمسك بهما ، كما نص على ذلك حديث الثقلين. وإنْ إفترضنا صحة حديث (أنتم أدرى بشؤون دنياكم) ، فشؤون الدنيا المذكورة فيه ليست الحكم وقيادة الدولة بل هي امور أخرى من قبيل تلقيح النخيل.

وكشف الأستاذ محمد عابد الجابري عن هدفه الرئيسي من مقاله ، فهو يريد تحويل الشريعة الإسلامية إلى عجينة يسهل وضعها في قالب ديمقراطي ، فقال ما نصه : [(ومن هنا يتجلى بوضوح أن إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام يجب أن تنطلق من إعادة تأصيل المبادئ الثلاثة المنوه بها أعلاه، وذلك بالصورة التي تجعلها تستجيب لحاجات عصرنا ومتطلباته: إن تحديد طريقة ممارسة "الشورى" بالانتخاب الديمقراطي الحر، وإن تحديد مدة ولاية رئيس الدولة في حال النظام الجمهوري، وإسناد مهام السلطة التنفيذية لحكومة مسؤولة أمام البرلمان في حال النظام الملكي والجمهوري معا، كما أن تحديد اختصاصات كل من رئيس الدولة والحكومة والبرلمان المنتخب انتخابا نزيها حرا بصورة تجعل هذا الأخير هو وحده مصدر السلطة...، تلك مبادئ لا يمكن ممارسة "الشورى" في العصر الحاضر من دون إقرارها والعمل بها. إنها المبادئ التي بها وحدها يمكن سد الثغرات الدستورية الثلاث التي برزت في أواخر عهد عثمان، فأدت إلى "انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض")]. فالحديث عن الديمقراطية هو أمر جميل وجيد ولكنه ليس حديثاً تاماً ، والديمقراطية ليست نظاماً كاملاً لأنها لا تحتوي على ضمانات تمنع إنحراف الأمة بعيداً عن الإسلام. فالديمقراطية لا تحتوي على ضمانات تمنع تشريع قوانين مخالفة للشريعة الإسلامية. وعدم وجود هذه الضمانات هو من أبرز نقاط الضعف في النظرية الديمقراطية. ولذلك نجد أن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) قد قدّّم للأمة الإسلامية نظرية حكم إسلامية كاملة تجمع بين الشورى والإنتخاب وبين وجود الضمانات المذكورة ، وذلك في بحثه الشهير (خلافة الإنسان وشهادة النبياء) ضمن بحوث كتابه (الإسلام يقود الحياة).

تتحدث نظرية السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) عن وجود مفهومين تبنى عليهما الدولة ، هما :

الأول : خلافة الإنسان ، والمشار إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى : (( وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة )). فالأمة تمارس القيادة السياسية والإجتماعية بتطبيق أحكام الله ، يقول السيد الشهيد : { وتمارس الأمة دورها في الخلافة في الإطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين التاليتين : (( وأمرهم شورى بينهم )) ، (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )). فإنَّ النص الأول يعطي للأمة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك. والنص الثاني يتحدث عن الولاية وأن كل مؤمن ولي الآخرين. ويريد بالولاية تولي أمره بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه ، والنص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك الأخذ بمبدأ الشورى وبرأي الأكثرية عند الإختلاف }.

الثاني : شهادة الأنبياء ،  والمشار إليه في قوله تعالى : (( إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء )). فالأحبار هم علماء الشريعة والربانيون هم درجة وسطى بين درجة النبي ودرجة العالم وهو الإمام. فالآية الكريمة تتحدث عن النبوة والإمامة والمرجعية الدينية.

فأصحاب هذه المناصب الثلاثة هم الذين اطلق عليهم خط الشهادة. ودورهم (أي الشهداء المذكورين) يتلخص في الآتي :

1ـ إستيعاب الرسالة السماوية والحفاظ عليها ، (( بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء )).

2ـ الإشراف على ممارسة الإنسان لدوره في الخلافة ومسؤولية إعطاء التوجيه بالقدر الذي يتصل بالرسالة واحكامها ومفاهيمها.

3ـ التدخل لمقاومة الإنحراف واتخاذ كل التدابير الممكنة من أجل سلامة المسيرة.

هذه هي الخطوط العريضة للنظرية الإسلامية في الحكم والتي ذكرها السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) في كتابه (الإسلام يقود الحياة) ، ومن يريد التوسع فيها فعليه مراجعة المصدر المذكور الذي يشرحها تفصيلياً ، وهي نظرية متطورة تستوعب النظام الديمقراطي وتتجاوز النواقص والأخطاء الموجودة فيه.

 

الصفحة الرئيسية