بسم الله الرحمن الرحيم

"الثغرات الدستورية" لـ محمد عابد الجابري

نبيـل الكرخي

تحدث الأستاذ محمد عابد الجابري في مقالٍ له بعنوان [("الخلافة" ثغرات دستورية .. موروثة !)] ، منشور في موقعه الشخصي عن موضوع الخلافة في الدولة الإسلامية ، فجزم بعدم وجود نص تشريعي ينظم مسألة الحكم في الإسلام ! فقال ما نصه : [(وبما أنه ليس هناك، لا في القرآن وفي السنة، نص تشريعي ينظم مسألة الحكم، وبما أن النبي (ص) قد توفي من دون أن يعين من يخلفه، ومن دون أن يبين طريقة تعيينه، ومن دون أن يحدد اختصاصاته ولا مدة ولايته، فإن المسألة برمتها قد بقيت تنتمي إلى جنس المسائل التي يصدق عليها قوله عليه السلام: "أنتم أدرى بشؤون دنياكم"، فهي إذن متروكة لـ "الاجتهاد")] ، ومن المؤسف أن يتحدث الأستاذ الجابري بهذا الأسلوب لاغياً كل الأدلة التي تدل على إستخلاف النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وفي مقدمتها حديث الغدير المتواتر بين المسلمين ، وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله) : (من كنت مولاه فعلي مولاه). فالأستاذ محمد عابد الجابري فيما يبدو ينطلق من موروث مجتمعه الذي نشأ فيه ، وهو مجتمع سني رافض للقول بالخلافة إستناداً لحديث الغدير ! وكنّا نتمنى لو كان الأستاذ الجابري اكثر موضوعياً وهو يناقش التأريخ الإسلامي والأحاديث ذات الإختصاص. فمن الغريب أن يلتزم الأستاذ الجابري في الإعتماد على حديث آحاد ، في سنده ومتنه شكوك كثيرة ، ونقصد حديث (أنتم ادرى بشؤون دنياكم) ويتعامل معه كأنه قرآن منزّل !! ويتجاهل وجود حديث الثقلين وحديث الغدير بأسانيدها المعتبرة المتواترة ومتونها الجلية في معناها. فأما حديث الثقلين فهو ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج3 ص59 : (عن أبي سعيد الخدري قال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اني تارك فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) ، واما حديث الغدير فهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم : (من كنت مولاه فعلي مولاه). 

 

نقد حديث (أنتم ادرى بشؤون دنياكم) :

روي هذا الحديث في مصدرين من مصادر المسلمين أهل السنة ، هما صحيح مسلم وسنن أبن ماجة وكالاتي :

* في صحيح مسلم نجد النص الاتي :

[((حدثنا) قتيبة بن سعيد الثقفى وابو كامل الجحدرى وتقاربا في اللفظ وهذا حديث قتيبة قالا حدثنا أبو عوانة عن سماك عن موسى بن طلحة عن ابيه قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤس النخل فقال ما يصنع هؤلاء فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الانثى فيتلقح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اظن يعنى ذلك شيئا قال فاخبروا بذلك فتركوه فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ان كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فانى انما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فانى لن اكذب على الله عزوجل

( حدثنا ) عبد الله بن الرومي اليمامى وعباس بن عبد العظيم العنبري واحمد بن جعفر المعقرى قالوا حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة ( وهو ابن عمار ) حدثنا ابو النجاشي حدثنى رافع بن خديج قال قدم نبى الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل يقولون يلقحون النخل فقال ما تصنعون قالوا كنا نصنعه قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا فتركوه فنفضت أو فنقصت قال فذكروا ذلك له فقال انما انا بشر إذا امرتكم بشئ من دينكم فخذوا به وإذا امرتكم بشئ من رأيى فانما انا بشر قال عكرمة أو نحو هذا قال المعقرى فنفضت ولم يشك

( حدثنا ) أبو بكر بن ابى شيبة وعمرو الناقد كلاهما عن الاسود بن عامر قال أبو بكر حدثنا اسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة وعن ثابت عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا فمر بهم فقال ما لنخلكم قالوا قلت كذا وكذا قال انتم اعلم بامر دنياك)]. 

* وفي سنن ابن ماجة نقرأ النص الآتي :

[(حدثنا على بن محمد . ثنا عبيدالله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن سماك ، أنه سمع موسى بن طلحة بن عبيدالله يحدث عن أبيه ، قال : مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل . فرأى قوما يلقحون النخل . فقال " ما يصنع هؤلاء ؟ " قالوا : يأخذون من الذكر فيجعلونه في الانثى قال " ما أظن ذلك يغنى شيئا " . فبلغهم ، فتركوه . فنزلوا عنها . فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال " إنما هو الظن . إن كان يغنى شيئا فاصنعوه . فإنما أنا بشر مثلكم . وإن الظن يخطئ ويصيب . ولكن ما قلت لكم : قال الله - فلن أكذب على الله " . )].

[(حدثنا محمد بن يحيى . ثنا عفان . ثنا حماد . ثنا ثابت عن أنس بن مالك ، وهشام ابن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا . فقال " ماهذا الصوت ؟ " قالوا : النخل يؤبرونها . فقال " لو لم يفعلوا لصلح " فلم يؤبروا عامئذ فصار شيصا . فذكروا للنبى صلى الله عليه وسلم فقال " إن كان شيئا من أمر دنياكم ، فشأنكم به . وإن كان من أمور دينكم ، فإليَّ " )].

  فأسانيد هذا الحديث وردت فيها الأسماء التالية : أم المؤمنين عائشة وأنس بن مالك وثابت وعروة بن الزبير وسماك وموسى بن طلحة وطلحة بن عبيد الله.

فأما أم المؤمنين عائشة وأنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله فهم من الصحابة ، وأهل السنة يقولون بعدالة كل الصحابة دون فحص ، فيقولون أن جميع الصحابة وعددهم ما يزيد على مائة ألف صحابي هم جميعاً عدول لمجرد أنهم رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولو من بعيد ! جميع المسلمين الذين عاصروا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم عدول ـ من وجهة نظر اهل السنة ـ مع أن فيهم المنافقين ، وقد ذكر الله عزّ وجل في القرآن الكريم الآية (101) من سورة التوبة : (( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم )) ، فمن اهل المدينة وهم من الصحابة منافقون مستترون قد خفي نفاقهم ، ولكن علماء أهل السنة لم يهتموا لهذا الأمر وحكموا بعدالة جميع الصحابة قطعاً ، وهو الأمر البعيد عن المنطق ، ففضلاً عما ذكرناه من تخفي المنافقين بين الصحابة ، فإن هناك عيوباً في الراوي توجب عدم قبول الرواية ولا يتعلق الموضوع بعدم تعمد الكذب فحسب ، فمن تلك العيوب : التدليس والخلط وكثرة النسيان ، فحيث أن علماء أهل السنة لم يبينوا لنا حال الصحابة من حيث ضبطهم وعدم تدليسهم وعدم خلطهم وأنهم لا يتصفون بكثرة النسيان ، وغيرها من الصفات التي توجب رفض الرواية ، أبداً لم يهتم علماء أهل السنة بفحص هذه الصفات عند الصحابة ، وعليه لا يمكن قبول رواياتهم بلا تمحيص لأن من لم يتم تدقيق هذه الصفات فيه فهو مجهول الحال.

واما ثابت الذي يروي عن أنس ، فهو ثابت بن اسلم البناني ، وقد قال أبن حجر عنه في تهذيب التهذيب ج2 ص3 أنه رغم وثاقته لكن يحيى القطان قال عنه أنه (أختلط) ، فلا يمكن قبول روايته لضعفها.

واما عروة بن الزبير فقد جرحه أبن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة بأنه كان من النواصب ، فلا يمكن قبول روايته مهما كان رأي أهل السنة فيه ، لأن من يعادي اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو كمن يعادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، واهل السنة لا يتورعون عن الرواية عن النواصب ومنهم الخوارج أيضاً ، فهم لا يجرحون الراوي بتهمة النصب والعداء لأهل البيت (عليهم السلام) فنجدهم يروون عن الخوارج كعمران بن حطان وعكرمة وغيرهم وهم من النواصب بطبيعة الحال ، كما أنَّ أحد علماء الجرح والتعديل عند أهل السنة هو من النواصب وهو أبو بكر السجستاني.

واما موسى بن طلحة بن عبيد الله فهو ممن شهد معركة الجمل مع أبيه طلحة بن عبيد الله ، فهو على هذا التقدير من النواصب ، وهنا يبرز سبب روايته هو وأباه مثل هذا الحديث فمن المعلوم أن طلحة هو ممن خالف بيعة الغدير وتذرعوا لهذه المخالفة بذرائع واهية ، وأبنه موسى قد وافقه وحارب معه الإمام علي عليه السلام ، فهناك مصلحة لهما في إشاعة مثل هذه الأحاديث بين الناس ليقولوا للناس أن تنصيب الخليفة هو من شؤون الناس وليس من شأن النبي (صلى الله عليه وآله) ، كل ذلك من أجل سلب أهل البيت (عليهم السلام) حقهم في الخلافة.

 وأما سماك فهو سماك بن حرب وقد قال أبو طالب عن أحمد أنه مضطرب الحديث ، وكان شعبة يضعفه ، وقال أبن عمار : يقولون أنه كان يغلط ويختلفون في حديثه ، وكان الثوري يضعفه بعض الضعف ، وقد ذكره العقيلي في الضعفاء.

 

فهذا هو حال أسانيد هذا الحديث وهو يدل بوضوح على أن الحديث ضعيف وغير معتبر. وبالتالي فهو لا يصلح أن يكون الحاضنة التي تحضن فكرة أن النبي (صلى الله عليه وآله) توفي ولم يعين خليفة.

 

واما من جهة نقد متن الحديث المذكور نجد أنَّ الحديث غير معتبر ، لأنه يتعارض مع القرآن الكريم ، فهل يعقل أن الله سبحانه يأمر نبيه (صلى الله عليه وآله) والمسلمين بأن يحكموا بما أنزل الله ، بقوله تعالى : (( ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون )) ثم لا يعلم نبيه (صلى الله عليه وآله) كيفية الحكم بما أنزل الله سبحانه ويتركهم حيارى ليأتي أبو بكر وعمر ويحكما برأيهما وإجتهادهما الشخصي ! كلا لا يمكن أن يكون هذا ، والنبي هو الأعلم بشؤون الدنيا والدين.

 

ثم أن هذا الحديث يتعارض مع الحديث الصحيح : (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ، فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدينة العلم فهل يعقل أن تخلو مدينة العلم من العلوم السياسية لكي يكون غير النبي (صلى الله عليه وآله) أعلم من النبي (صلى الله عليه وآله) في شؤون السلطة والحكم ! فأحدهم يعين خليفته والآخر يعين مجلس شورى ، ولا يحسن النبي (صلى الله عليه وآله) فعل ذلك مثلهم !! بلا شك ان من يدعي ان أبا بكر بن أبي قحافة وعمر الخطاب أعلم من النبي (صلى الله عليه وآله) في شؤون الحكم والسياسة فهو مخطيء وبعيد عن الصواب.

 

وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين يغادر المدينة لغرض السفر او الحرب يعين له خليفة على المدينة ليحكم الناس في هذه الفترة القصيرة ـ كما نصّت على ذلك التواريخ والسير ـ ولا يترك الناس عبثاً بلا راعٍٍ. فهل يعقل أنه حين يغادرهم نهائياً وقد أقتربت ساعة وفاته (روحي فداه) وإذا بهم يزعمون انه ترك الأمة بلا خليفة وبلا قائد ! فهذا الإدعاء بعيد عن المنطق. ولم يكن يجدر بالأستاذ الجابري أن يتقبل تبني مثل هذه الأفكار البعيدة عن المنطق والصواب.

 

وأيضاً فهل يصدق معنى كون الخلافة هي من شؤون الدنيا التي لا يعلمها النبي (صلى الله عليه وآله) مع أن أبا بكر بن أبي قحافة قد علم شؤونها فأوصى بالخلافة لعمر بن الخطاب ، وعلم عمر بن الخطاب شؤونها فأنشأ مجلس شورى الستة ، فإذا كانت الخلافة من شؤون الدنيا ولا نص إلهي عليها كما هو زعم اهل السنة ، ألم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستطيع أن يوصي كما فعل أبا بكر أو ينشيء مجلساً للشورى كما فعل عمر ؟!! ولماذا لم يشر عليه أي منهما بأن يعين خليفة وقد علما صواب التعيين !

فمن الواضح أن مزاعم عدم إستخلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله)  لأحد من بعده فيه تجني على الإسلام وفيه تجني على الشخصية المحمدية المطهرة ، كيف لا وهم بذلك يزعمون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد فرّط بالرسالة الإسلامية بعد جهاد مرير لأكثر من عشرين سنة ، فترك الأمة التي أنشأها بلا راعٍ وبلا رئيس لكي يكون هذا الأمر نفسه هو منشأ الفتن التي احاطت بالأمة وتسببت في ضعفها وتفتتها وإنقسامها.

 

ويبدو ان هناك سراً وراء إختلاق بعض الصحابة أو التابعين حديث (أنتم ادرى بشؤون دنياكم) ، هذا السر يُكشف عن جانبٍ منه من خلال الحديث الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده ويتضمن إخفاق عمر بن الخطاب في زرع نخلة واحدة فقط مقابل نجاح زراعة جميع فسائل النخيل التي يقدر عددها بحوالي (99) نخلة ـ كما ورد في مصنف عبد الرزاق الصنعاني ج8 ص420 ـ والتي قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بزراعتها. ونص الحديث الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده : (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا زيد بن الحباب حدثني حسين حدثني عبد الله بن بريدة قال سمعت بريدة يقول جاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا يا سلمان قال صدقة عليك وعلى أصحابك قال ارفعها فانا لا ناكل الصدقة فرفعها فجاء من الغد بمثله فوضعه بين يديه يحمله فقال ما هذا يا سلمان فقال هدية لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه ابسطوا فنظر إلى الخاتم الذي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به وكان لليهود فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا درهما وعلى ان يغرس نخلا فيعمل سلمان فيها حتى يطعم قال فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل الا نخلة واحدة غرسها عمر فحملت النخل من عامها ولم تحمل النخلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأن هذه قال عمر أنا غرستها يا رسول الله قال فنزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم غرسها فحملت من عامها) ! فحملت هذه الحادثة معاني مسيئة إلى شخصية عمر بن الخطاب نحن في غنى عن تناولها ، ولذلك تم إيجاد حديث (أنتم أدرى بشؤون دنياكم) ! فيتم نسبة الجهل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وحاشاه ـ لتتم بذلك التغطية على جهل عمر وقصوره.

 

حول "الثغرات الدستورية" :

قال الأستاذ محمد عابد الجابري أن هناك ثلاثة "ثغرات دستورية" في فترة الخلافة ، وهذه الثغرات التي ذكرها هي :

1.    عدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة.

2.    عدم تحديد مدة ولاية "الخليفة".

3.    عدم تحديد اختصاصات الخليفة لا عند بيعة أبي بكر، ولا عند بيعة عمر، ولا عند بيعة عثمان!

وقبل مناقشة هذه الثغرات ينبغي الإشارة إلى أمور منها أن الأستاذ الجابري يناقش حكومة تلك الفترة ويصدر أحكامه عليها بعقلية القرن العشرين ! فيحاول تطبيق مفاهيم الحكم الحديثة لإصدار حكم بفشل وخطأ حكومات تلك الفترة !! ونحن وإنْ كنّا لا نريد الدفاع عن حكومات تلك الفترة للخلفاء الثلاثة الأوائل والتي نعتبرها حكومات غير شرعية. إلا أننا نجد أن تطبيق مفاهيم الحاضر على أحداث الماضي هو أسلوب غير صحيح في التقييم.

ثم نتسائل هل أنَّ وجود هذه "الثغرات" هو أمر قد تسبب به الإسلام أم تسبب به تخلف النظام السياسي القائم بأسم الخلافة ؟ لا نشك بأن السبب هو تخلف النظام السياسي القائم بأسم الخلافة. ويبدو أن الأستاذ محمد عابد الجابري يتفق معنا في أن ذلك النظام لم يقم بأسم الإسلام كتشريع إلهي بل هو "إجتهاد" أي وجهة نظر كل خليفة في كيفية تسليم السلطة لمن يخلفه. ولم يقل أحد منهم بأن الإسلام قد أمر بذلك. إذن أين موقع الإسلام من ذلك كله ؟

المشكلة هي أن الأستاذ الجابري يقرأ التأريخ بعقلية ذات ركيزة سنية رافضة للقول بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد نصَّبَ علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة له يوم الغدير 18 ذي الحجة سنة 10 هـ حينما أعلن بعد صلاة الظهر في منطقة تسمى غدير خم وهو يخطب بالمسلمين في طريق عودته من حجة الوداع : (من كنت مولاه فعلي مولاه). كما انهم يرفضون العمل وفقاً لحديث الثقلين الشهير الذي ذكرناه في مقدمة هذا المقال ، والذي يرشد الأمة لكيفية تجنب الضلال وحل الأزمات والمشاكل بصورة شرعية موافقة لرضى الله سبحانه. هذه الحقيقة تجعلنا نفهم الأمر بصورة صحيحة وتكشف لنا موضع الخلل الحقيقي في فترة الخلافة وما نتج عنها من مضاعفات اساءت إلى الأمة ومستقبلها إلى يومنا هذا. ، وتثبت أن سلطة الخلفاء الثلاثة الأوائل هي سلطة وضعية وليست إلهية ، أي انها سلطة أسسها أشخاص بعد ان أقتبسوا صلاحيات الخليفة الشرعي (علي بن أبي طالب) كما سنذكر بعد قليل ، ثم منعوه من ممارسة حقه.

والآن فلنلق نظرة على "الثغرات" التي أقترحها الأستاذ محمد عابد الجابري :

1.    [(عدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة)]. فهل يتصور الأستاذ الجابري ان إلتزام الخلفاء الثلاثة بنظام واحد لتعيين الخليفة هو الكفيل بتجنب ما حدث في نهاية خلافة عثمان ؟! في الحقيقة إنَّ القول بذلك هو امر بعيد جداً عن الواقع ، فالثوار الذين قتلوا عثمان لم يتهموه بأن وصوله إلى السلطة غير شرعي. ولا يفرق في الأمر لو ان الخلفاء الثلاثة قد تم تعيينهم بالنص أو بالإنتخاب من قبل مجلس الشورى السداسي. وأكرر القول بأننا لا يجب ان نحاكم النظام السياسي في ذلك العصر بعقلية نظام الحكم "الديمقراطي" في القرن العشرين ! ثم أن الأستاذ الجابري لم يذكر ما هي الطريقة الأصلح برأيه لتعيين الخليفة ، هل هي طريقة النص ام طريقة الإنتخاب من قبل النخبة أم أمر آخر ! إنَّ إنتقاد نظامٍ سياسي وحده لا يكفي بل لا بد مع الإنتقاد من إيجاد البديل الصحيح له ، فالنقد وحده لا يكفي. والأهم بحسب إعتقادنا هو وجود طريقة ربانية لتحديد الإمام والخليفة والقائد كما أن إختيار النبي (صلى الله عليه وآله) هو أمر رباني.

2.    [(عدم تحديد مدة ولاية "الخليفة")]. فقال الأستاذ الجابري ما نصّه : [(وبما أن العرب لم تكن لديهم تقاليد راسخة في ميدان الحكم والدولة، فإن نموذج "الأمير" الذي كان حاضرا في مخيال المسلمين عقب وفاة النبي هو نموذج "أمير الجيش"، ولذلك كان هذا النموذج هو المهيمن على العقل السياسي العربي آنذاك. وهكذا فعندما بايع الصحابة أبا بكر خليفة للنبي (ص) فإنهم فعلوا ذلك ليخلفه في تسيير شؤون الدولة الناشئة، وفي مقدمة تلك "الشؤون" وعلى رأسها: انطلاق الجيش الذي كان النبي قد جهزه قبيل وفاته. وإذن فقد بايعوه قائدا عاما لجيوش المسلمين، وبالتالي لم يكن من المعقول أن يخطر ببالهم تحديد مدة ولايته)] ، ومن المؤسف أن نعرف ان إستنتاج الأستاذ الجابري هذا بعيد عن الصواب ، فالمسلمون لم يبايعوا أبا بكر ليكون قائداً عاماً للجيوش ! بل بايعوه ليكون خليفة للنبي (صلى الله عليه وآله) بكل ما يتضمنه هذا المنصب من صلاحيات سياسية وإدارية وعسكرية مارسها النبي (صلى الله عليه وآله).

 

فالخلفاء الثلاثة أستولوا على منصب الخلافة وكل صلاحياته. وصلاحيات منصب الخلافة نعلمه من حديث الغدير نفسه ، ففي رواية الطبراني في المعجم الكبير عن زيد بن أرقم قال : (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (ألست أولى بكم من انفسكم) ، قالوا بلى ، قال : (فمن كنت مولاه فعلي مولاه)) ، فالأولوية بالتصرف هي إحدى خصائص منصب من يخلف النبي (صلى الله عليه وآله) ولكن شريطة أن يكون معصوماً كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فاخذ الخلفاء الثلاثة صلاحيات الخليفة وتركوا الخليفة الشرعي الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام) بعد أن سلبوه مكانه. فمن هنا تكونت صلاحيات الخليفة ونظرته في إستحقاق كل ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستحقه ، لاسيما وقد أعطي ذلك الإستحقاق لعلي بن ابي طالب (عليه السلام) من قبلهم. ومن ذلك الإستحقاق هو أن تكون الخلافة مدى الحياة وأن يكون للخليفة حق تعيين الولاة والأمراء والتصرف بالأموال بلا رقيب او محاسبة !

بل أن الخلفاء المذكورين تعدوا هذا الحد إلى ممارسة صلاحيات التشريع وإصدار القوانين التي اجبروا المسلمين على الإلتزام بها رغم أنها قوانين وضعية غير شرعية. فعمر بن الخطاب أسس صلاة التراويح ومنع متعة الحج ومنع  كذلك متعة الزواج وأسس العول والتعصيب في المواريث وجعل طلاق الثلاثة بلفظ واحد ثلاث طلقات بدلاً من طلقة واحدة ! وعثمان بن عفان شرّع الأذان الثاني في صلاة إلى غيرها من الأمور التي يطول المقام بذكرها. ولذلك فقد أستمد الخلفاء من صلاحيات هذا المنصب الذي شغلوه أن يبقوا فيه طيلة حياتهم ، كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) فيه طيلة حياته الشريفة.

3.    [(عدم تحديد اختصاصات الخليفة لا عند بيعة أبي بكر، ولا عند بيعة عمر، ولا عند بيعة عثمان!)]. فقال الأستاذ الجابري مكرراً نفس الفكرة السابقة : [(والسبب هو أن النموذج الذي كان يهيمن على العقل السياسي العربي آنذاك، نموذج "أمير الجيش"، لم يكن يسمح بطرح مسألة الاختصاصات)] ، وقد بيّنا آنفاً عدم صواب فكرة (نموذج امير الجيش). وقال الأستاذ الجابري أيضاً : [(وهكذا كشفت الثغرة الدستورية الثالثة عن وجهها على لسان الخليفة نفسه: لقد رفض انتقادات الثوار ومطالبهم لأنه كان يرى أن من اختصاصاته التصرف في "فضل المال " كما يشاء، وأن من اختصاصاته وحده اختيار العمال والولاة وأن "الأمر" (أي الحكم والسلطة) يفقد معناه ومضمونه إذا هو حددت اختصاصاته)] ، فالمشكلة الرئيسية التي دعت الثوار للثورة ضد عثمان ليست مشكلة الإختصاصات ، وإلا فإنَّ الثوار ليس من إختصاصهم هم أيضاً تحديد كيفية إنفاق المال وسياسة الدولة وإختيار الولاة ، "لأن ذلك حق للأمة جميعها وفقاً للأنظمة الديمقراطية الحديثة" !

ثم أن هناك نقطة جوهرية ينبغي إثارتها وهي : من قال أن الديمقراطية هي الخيار الصحيح في كل الأحوال والظروف ؟ فإذا كان جزء من الشعب من خلال الديمقراطية يريد تشريع قانون مخالف للشريعة الإسلامية فهل من المعقول ان يتم السماح له بذلك بدعوى الديمقراطية وذريعة إختيار الشعب ؟! فمن واجب الدولة الإسلامية أن تقف بوجه كل محاولة لتشريع قانون مخالف للشريعة الإسلامية. فالعلوية في التشريع للإسلام وليس للديمقراطية ، العلو للإسلام وليس لحرية التعبير في حال التعارض ، نعم من حق الشعب ان يراقب تصرفات الحاكم ويرصد أي خرق من قبله لقوانين الإسلام وأي إساءة يمكن أن يقترفها الحاكم بحق الشعب ويثور عليه ، كما حصل في زمن خلافة عثمان.

 

فيتضح من ذلك كله أنه لم تكن هناك ثغرات دستورية كتلك التي ذكرها الأستاذ محمد عابد الجابري بل كانت هناك ثغرة واحدة فقط هي عدم شرعية الخلفاء الثلاثة الذين أستولوا على السلطة بعد نقضهم بيعة الغدير وعدم تمسكهم بالثقلين. 

 

 

الصفحة الرئيسية