بسم الله الرحمن الرحيم

كامل النجار وجريمة الارتداد ـ أخطاء وإتهامات

نبيـل الكرخي

ما زلنا مستمرين في سلسلة مقالاتنا حول جريمة الارتداد والحوارات التي تجري حولها. ففي مقاله المنشور في موقع كتابات بتاريخ 8 نيسان 2006م بعنوان [(أين الأمانة العلمية يا سيد الكرخي ؟)] ، توهم الدكتور كامل النجار أنَّ هناك خرقاً من قبلي للأمانة العلمية التي يتوجب وجودها في الباحث. ومنشأ الشبهة لديه أنه أعتمد على تفسير الجلالين فيما يبدو فاتضح له ان الآية (126) من سورة النحل والاية (114) من سورة هود هما آيتان مدنيتان بحسب قول الشيخ جلال الدين السيوطي. فيما اعتمدنا على مصادر اخرى تقول انهما آيتان مكيتان. ونتيجة لهذا فقد كال الدكتور النجار الاتهام لنا بخرق الامانة العلمية ، مع أننا لو افترضنا صحة ما ورد في تفسير الجلالين ثم اعتمدنا على مصدر آخر يقول بغير ذلك فليس في الامر خرقاً للأمانة العلمية بل هو قد يكون خطأ كأقصى ما يمكن ان يقال عنه.

وبذلك فقد اتضحت ضعف حجة وتهافت الأدلة التي يستند إليها الدكتور كامل النجار ، فبدلاً من ان يرد على الحجج المنطقية والعقلائية والشرعية التي ذكرناها في مقالنا السابق الموسوم (كامل النجار وجريمة الارتداد) بحلقاته الثلاثة ، وإذا به يرد على هذا المقال مكتفياً ببعض الشبهات الجديدة والعقيمة في نفس الوقت مستنداً الى موضوع الآيتين اللتين ذكرناهما ، مع أنَّ ذلك لم يغيّر من جوهر القضية ولم يؤثر شيئاً على الادلة الصحيحة التي اوردناها في سياق نقض مقال وأفكار الدكتور محمد عابد الجابري ، حيث أثبتنا ان الارتداد جريمة عقوبتها الاعدام ، وبهذا يحكم الشرع الاسلامي الحنيف من جميع المذاهب الاسلامية.

فأما الآية (126) من سورة النحل : (( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين )).

فقد قال أبن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) ج14 ص101 أن سورة النحل مكية ، ولم يستثنٍ أية آيةٍ منها.

في حين نجد انَّ القرطبي في تفسيره ج1 ص65 قال : (سورة النحل وهى مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده . وقيل : هي مكية غير قوله تعالى : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " الآية ، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد . وغير قوله تعالى : " واصبر وما صبرك إلا بالله " . وغير قوله : " ثم إن ربك للذين هاجروا " الآية . وأما قوله : " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا " فمكي ، في شأن هجرة الحبشة . وقال ابن عباس : هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة ، وهى قوله : " ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا - إلى قوله - بأحسن ما كانوا يعملون " ).

واما الآية (114) من سورة هود (عليه السلام) : (( واقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل )).

فقد قال أبن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) ج11 ص231 أنها سورة مكية ولم يستثنِ أية آيةٍ منها. وكذلك قال السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان ج10 ص134. وكذلك فهناك علماء آخرون يقولون أنها آية مدنية.

فهناك أختلاف بين العلماء ، ونحن كنّا قد اعتمدنا على التفاسير التي تقول أنها مكية ولم نستوعب بقية التفاسير في حينها. فالموضوع ليس له علاقة بخرق الامانة العلمية.

فهل يعرف الدكتور كامل النجار معنى الامانة العلمية ؟! الامانة العلمية تكون في نقل النص كاملاً بدون بتر ، وتكون بذكر الرأي كاملاً بدون تحريف ، وتكون بأن لا ننسب للشخص ما لم يقله ، وما هو من هذا القبيل ، واما السهو والخطا فليس له علاقة بالامانة العلمية. وإذا كان إنتهاك الامانة العلمية يعتمد على الأخطاء فأول من يجب ان يُسائل عنها هو الدكتور كامل النجار لكثرة ما يرد في مقالاته منها. وقد أثبتنا في مقالاتنا السابقة والردود المتتالية مع الدكتور النجار في حوالي السنة والنصف الماضية اثبتنا فيها العديد من الخروقات في جانب الامانة العلمية للدكتور كامل النجار ، ولسنا بحاجة لإعادة التذكير بها.

ومن الجدير بالذكر أن آية (( وأقم الصلاة طرفي النهار )) ، إن افترضنا أنها مدنية ، فهناك آيات عديدة مكية غيرها تحتوي على تشريع الصلاة سنذكرها بعد  قليل بمشيئة الله سبحانه ، وقد نزلت جميعها في مكة المكرمة.

فإذا قمتُ بذكر العديد من الآيات المكية فيها أحكام تشريعية ، ثم اتضح ان بينها آيتين فقط يمكن أن يكون الاستدلال بهما غير تام بإعتبار أنهما مدنيتان وليستا مكيتين بينما بقية الآيات العديدة هي آيات تشريعية نزلت في مكة المكرمة فإنَّ ذلك يعني ان أحداً لن يمكنه إثبات وجود "قرآنٍ مكي" يختلف عن "القرآن المدني" ، فالقرآن هو كتاب واحد ، وهو كتاب هداية للبشر في جميع آياته المكية والمدنية / كما أنَّ آياته معجزة بنفس المقدار سواء المكية أو المدنية ، بدليل تداخل الآيات المكية والمدنية بعضها ببعض في الكثير من السور بدون أن يكون هناك أي تأثير في السياق او البلاغة أو الاعجاز. نعم هناك خواص معينة للآيات المكية وخواص اخرى للآيات المدنية ولكن ليس من خواص الآيات المكية عدم وجود آيات تشريعية بل يوجد فيها آيات تشريعية سنعيد ذكرها الآن مع حذف الآيات التي تم الاعتراض عليها من قبل الدكتور النجار :

ـ في سورة النحل وهي سورة مكية نقرأ تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير : (( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ))

ـ وتتحدث الآية المكية التي تتلوها في سورة النحل عن وجود تشريع في تلك الفترة المكية ، فقال تعالى : (( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون )).

ـ وفي سورة النحل أيضاً نقرأ في الآيتين (90) و(91) تشريع الامر بالعدل والاحسان وصلة الارحام والنهي عن الفحشاء والمنكر وتشريع الوفاء بالعهد واليمين ، بقوله تعالى : (( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون * وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ).

 ـ وفي سورة النحل أيضاً نقرأ في الآية الكريمة (106) تشريع التقية بقوله تعالى : (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )).

ـ وفي مكة نزل تشريع حفظ مال اليتيم بقوله تعالى في الآية (34) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشدّه واوفوا العهد ان العهد كان مسؤولا )).

ـ تشريع زكاة الزرع وقد شرّعت في مكة المكرمة كما في الآية (141) من سورة الانعام المكية وهي قوله تعالى : (( كلوا من ثمره إذا اثمر واتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين )).

ـ وفي مكة المكرمة نزل تشريع تحريم أكل الطعام الذي لم يذكر اسم الله سبحانه عليه وهو المذكور في قوله تعالى في الآية (118) من سورة الانعام المكية : (( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إنْ كنتم بآياته مؤمنين )) إلى قوله تعالى في الآية (121) من نفس السورة : (( ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق )).

ـ وفي مكة المكرمة نزل تشريع تحريم الزنى في الآية (32) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشةً وساء سبيلا)).

ـ وفي الآية (151) من سورة الانعام وهي سورة مكية نقرأ قوله تعالى : (( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون  ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده واوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولوا كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )). فانظر الى هذه التشريعات المكية العديدة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية المباركة وهي متنوعة بين نواهي شرعية وأوامر شرعية ، بل وفيها تصريح بوجود أحكام شرعية في الفترة المكية فقال تعالى : (( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم )) ، كما أنّ هناك آيات أخرى من سورة النحل سنذكرها بعد قليل هي آيات تتضمن احكاماً شرعية ، فهل بعد ذلك لأحدٍ أن يقول بأن الآيات المكية التي نزلت في مكة المكرمة قبل الهجرة ليس فيها آيات تشريعية !

ونضيف لها بخصوص تشريع الصلاة الآيات المكية التالية :

ـ قوله تعالى في سورة الانعام المكية : (( وان اقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون )).

ـ وقوله تعالى في سورة ابراهيم (عليه السلام) وهي سورة مكية : (( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلال )).

ـ قوله تعالى في سورة العنكبوت المكية : (( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر والله يعلم ما تصنعون )).

ـ قوله تعالى في سورة الروم المكية : (( وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين )).

فقال الدكتور كامل النجار معترضاً : [(والسيد الكرخي لا شك يعلم، والأمانة العلمية تفرض عليه أن يذكر، أن هناك من يقول إن الآية التي استشهد بها من سورة النحل، وهي الآية 115، هي في الواقع آية مدنية أُضيفت إلى سورة النحل المكية. فالإمام جلال الدين السيوطي يقول: (عن جابر بن زيد أن النحل نزل منها بمكة أربعون وباقيها بالمدينة ويرد ذلك ما أخرجه أحمد عن عثمان بن أبي العاص في نزول (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)). ويقول كذلك: (وأخرج عن قتادة قال سورة النحل من قوله (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) إلى آخرها مدني وما قبلها إلى آخر السورة مكي) وآية الذين هاجروا هي الآية 41 وهذا يوافق قول جابر ابن زيد السابق. وهم يعني أن من الآية 41 إلى آخر السورة مدني، بما فيه الآية التي استشهد بها السيد الكرخي.)] ، فأولاً لم نعثر على القول المنسوب للشيخ جلال الدين السيوطي لا في تفسير الجلالين ولا في غيره من كتبه التي تحت ايدينا كالدر المنثور وأسباب النزول ، والدكتور النجار لم يذكر المصدر ! وثانياً إذا كان ما يقوله جابر بن زيد صحيحاً وإذا كان ما يقوله قتادة صحيحاً وقد نقل الدكتور النجار عنهما ان الاربعين آية الاولى من سورة النحل مكية والبقية منها مدني ، فكيف يقول السيوطي نفسه في اسباب النزول أن الآية (91) من سورة النحل نزلت في بيعة النبي (صلى الله عليه وآله) ، ويقصد بذلك بيعة العقبة قبل الهجرة ، وكيف يقول في الآية (103) من ان المشركين كانوا يتهمون النبي (صلى الله عليه وآله) بانه يتعلم القرآن من عبدٍ بمكة اسمه بلعام ، وكيف يقول السيوطي نفسه أنّ الآية (106) نزلت في عمار وبلال بعد تعذيب المشركين لهم في مكة ، وفوق ذلك كله فالدكتور النجار نفسه ينقل بعد ذلك أن السيوطي في تفسير الجلالين يقول أن سورة النحل كلها مكية عدا الآيات الثلاث الأخيرة ، فأين إذن ذهبت مزاعم مكية الاربعين آية الاولى فقط ؟ 

وأضاف الدكتور كامل النجار قائلاً : [(أما الآية التي تقول " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب " فليست آية تشريعية بأي حال من الأحوال إذ أن الكلمات "حلال" و"حرام" كلمات كانت معروفة للعرب من قبل الإسلام والعرب كانوا يحرمون ويحللون الأشياء، وكل ما قالته الآية هو: لا تحرموا وتحللوا باسم الله كذباً، وهذا ليس تشريعاً. والقرآن نفسه يؤكد ذلك بقوله: " وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومحرّمٌ على أزواجنا " (الأنعام 139). فالمشركون كانوا يحرمون وأراد اله أن ينهاهم عن ذلك)] ، فيبدو ان الدكتور النجار لم يدقق في معنى الآية الكريمة ، فنحن لم نعتبرها آية تشريعية لأن الآية تذكر تحريم العرب وتحليلهم لأمور تعارفوا عليها في الجاهلية بل ذكرناها لأنها وهي الآية المكية تنهى عن تشريع القوانين الوضعية ، تنهى عن تشريع القوانين التي لم يأتٍ بها الاسلام. فالآية تنهى بقوله تعالى : (( ولا تقولوا )) تنهى عن القول هذا حرام وذاك حلال والاسلام بريء من ذلك.

وقال الدكتور كامل النجار : [(وأظن أن السيد الكرخي يخلط بين التشريع والوصايا، فإن ما جاء به من الآيات هنا ما هو إلا نصائح عامة للمسلمين أن يوفوا بالعهد ويحسنوا إلى غيرهم وما إلى ذلك. وهذه الأشياء كانت سائدة في المجتمع قبل أن يحث عليها القرآن)] ، فأما سيادتها في المجتمع فأمر مكذوب وغير صحيح ، واما إدعاء بأن قوله تعالى :

(( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون * وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ). وفي تشريع التقية : (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )). بأن هذه التشريعات هي مجرد نصائح ! فهو أمر مخالف للفهم العربي. ففعل الامر (اوفوا) والنهي (لاتنقضوا) يدل على التشريع ، فالله سبحانه حين يأمر وينهى فلا يؤخذ أمره ونهيه من باب النصيحة بل هو تشريع واضح المعالم الا إذا دلت قرينة على غير ذلك. واما تشريع التقية في الآية المذكورة آنفاً فلا معنى للقول في انه نصيحة وليس تشريعاً.

وقال الدكتور كامل النجار : [(ويستمر فيقول( وكذلك في الآية (31) من سورة ابراهيم (عليه السلام) وهي سورة مكية : (( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلال )). انتهى. وربما تكون هذه الآية مقدمة للتشريع ولكنها لم تشرّع للصلاة كما نعرفها الآن. فالصلاة بدأت في العام العاشر بعد البعثة وكانت صلاتين فقط، واحدة قبل غروب الشمس وواحدة قبل طلوعها، وكان عدد الركعات ركعتين فقط في كل صلاة، كما يقول ابن هشام في سيرته (هامش الصفحة 86). فلا يمكن أن نعتبر هذه الآية تشريعية لأن ما جاء فيها من ذكر الصلاة ليس تشريعاً كاملاً للصلاة التي زيدت فيما بعد إلى خمسة صلوات وزيد عدد الركعات في كلٍ ما عدا صلاة الصبح)] ، وهذا الكلام هو مجرد تحكم لأن الامر بالصلاة واضح في هذه الآية الكريمة ، وهذه الآية بالإضافة الى الآيات الكريمة التي ذكرناها آنفاً تدل جميعها كلٌ على حِدَة بان تشريع الصلاة كان في مكة المكرمة ، وقصة تشريع الصلوات الخمس في المعراج الى السماء مشهورة بين المسلمين ، وإذا فرضنا جدلاً بأن الصلاة لم تكن سوى ركعتين فلا يضر هذا ما دام التشريع هو موجود فعلاً في الفترة المكية ومن خلال آياتٍ مكيات ، وأما عدد ركعات الصلاة وعددها فلا يغير من القول بان الصلاة شرعت في مكة المكرمة قبل الهجرة.

وقال الدكتور كامل النجار : [(ثم يقول السيد الكرخي (وفي مكة نزل تشريع حفظ مال اليتيم بقوله تعالى في الآية (34) من سورة الاسراء : (( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشدّه واوفوا العهد ان العهد كان مسؤولا )). انتهى. فهل نعتبر هذا تشريعاً؟ ما هذه الآية إلا وصية كوصايا موسى العشرة، ولا تمت للتشريع بسبب)] ، فلم يتجنَّ الدكتور كامل النجار على التشريعات الاسلامية وحدها بل انتقل للتجني على التشريعات اليهودية حين اعتبر الوصايا العشر مجرد وصايا وليست تشريعاً ! وكأن هناك تعارضاً بين كلمة (وصية) وبين التشريع! وهو امر لا وجود له في الحقيقة. والوصايا العشر لها أهميتها التشريعية الخاصة عند اليهود والمسيحيين ، ففي قاموس الكتاب المقدس الصادر عن مجمع الكنائس الشرقية ، ص348 يصف الوصايا العشر بأنها (القانون الاساسي للأمة) ، فيما الدكتور كامل النجار يصورها بانها مجرد وصايا ونصائح وليست تشريعات ! فالآية القرآنية تتضمن نهياً صريحاً بالتصرف في مال اليتيم الا بالتي هي أحسن ، كما تتضمن الامر بالوفاء بالعهد. وهذان التشريعان المهمان واضحان في معناهما. والدكتور كامل النجار لا يستطيع ان يبين لنا سبب أعتباره النهي الوارد في قوله تعالى : ((ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن ) بانه مجرد نصيحة عامة ، وسبب اقراره بان النهي الوارد في قوله تعالى : (( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )) والتي اعترف بأنها آية تشريع ، فالفارق الوحيد ليس لغوياً أو فقهياً بل لمجرد أن الآية الاولى نزلت في مكة بينما الآية الثانية نزلت في المدينة ، فهو مجرد تحكم بلا دليل.

وقال الدكتور كامل النجار : [(واستمر الكرخي فقال (ـ تشريع زكاة الزرع قد شرّعت في مكة المكرمة كما في الآية (141) من سورة الانعام المكية وهي قوله تعالى : (( كلوا من ثمره إذا اثمر واتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين )). انتهى. والسيد الكرخي يعلم أن الزكاة لم تفرض بمكة وإنما فُرضت في السنة الثانية للهجرة بالمدينة. وإعطاء المساكين من الحصاد كان عُرفاً في الجاهلية واستمر عليه الإسلام ولم يقصد به تشريعاً إذ أن التشريع الإسلامي عن الزكاة جاء مختلفاً ومفصلاً عن هذا.. يقول ابن كثير في شرح الآية المذكورة: (قال آخرون هو حق آخر سوى الزكاة، وقال أشعث عن محمد بن سيرين ونافع عن ابن عمر في قوله " وآتوا حقه يوم حصاده" قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة. رواه ابن مردويه. وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في قوله " وآتوا حقه يوم حصاده" قال: يعطى من حضره يومئذ ما تيسر وليس الزكاة. وقال ابن المبارك عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير " وآتوا حقه يوم حصاده" قال: كان هذا قبل الزكاة للمساكين ) انتهى. والسيد الكرخي يعلم أن الزكاة فرضت في المدينة فكيف يقول إن تشريع زكاة الزرع فرض في مكة ولا يذكر هذه الأقوال عن الآية وهو لا شك عارف بها. إنها الأمانة العلمية مرة أخرى)] ، فليت الدكتور كامل النجار يعرف ما يقول ، فهو قد نقل نصوصاً من تفسير ابن كثير تدل على وجود تشريع بخصوص المزروعات ، وهو أنهم (كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة) ، فإذن كان هناك تشريع بخصوص المزروعات ، ونحن استعملنا لفظ الزكاة لتقريب الفكرة حيث يتضح من النصوص التي اوردها أبن كثير ان هذا التشريع لم يطلق عليه اسمٌ ما يُصطَلَح عليه فوصفوه بقولهم : (هو حق آخر سوى الزكاة) ، (يعطون شيئاً سوى الزكاة) ، (يعطى من حضره يومئذ ما تيسر) ، فإذن كان هناك تشريع في مكة يخص اعطاء ما تيسر من المزروعات يوم الحصاد وقد اطلقنا عليه أسم (زكاة الزرع) مجازاً مستندين في ذلك إلى ارتكاز ذهني بأن الزكاة قد فرضت على المسلمين في المدينة ، ومما اتاح لنا هذا الاطلاق هو وجود آيات مكية قد استعملت لفظ الزكاة قبل تشريع الزكاة في المدينة كما ان الزكاة المفروضة في المدينة تخص عند الامامية من المزروعات الغلات الاربعة فقط وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، أما بقية المزروعات فليس فيها زكاة بل قد تشملها هذه الآية الكريمة التي اطلقنا عليها اسم (زكاة الزرع) مجازاً.

ففي سورة النمل وهي سورة مكية نقرأ في الآية ( 3 ) قوله تعالى : (( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالاخرة هم يوقنون ) ، فورد فيها ذكر الزكاة مع أنها سورة مكية ،  وقال أبن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ج1 ص366 : (وأصل الزكاة : نماء المال وتثميره وزيادته. ومن ذلك قيل : زكا الزرع : اذا كثر ما اخرج الله منه ، وزكت النفقة : اذا كثرت). وقد نص علماء المسلمين على ان سورة النمل مكية جميعها ، فقال القرطبي في تفسيره ج13 ص154 : (سورة النمل مكية كلها في قول الجميع). وقد يكون ذكر الزكاة في هذه الاية المكية وذكر قوله تعالى (( وآتوا حقه يوم حصاده )) فيه مقدمة لتشريع الزكاة في المدينة حيث أنَّ العديد من الاحكام قد شرعت بصورة مجملة ثم جاء تفصيلها في المدينة المنورة. والمهم هو وجود تشريع في مكة المكرمة كما بيّنا في العديد من الآيات المذكورة آنفاً.

وقال الدكتور كامل النجار : [(والسيد الكرخي هنا يبالغ في إضفاء كلمة "تشريع" على كل وصية وصى الله بها المسلمين أو غيرهم. فكل ما ذكر في سورة الأنعام المكية عن الوصايا هو:

" فكلوا مما ذُكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين " (118)

" ومالكم ألا تأكلوا مما ذُكر اسم الله عليه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم " (119)

" ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إنه فسقٌ" (121)

" قالوا هذه أنعام وحرثٌ حجر لا يُطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعامٌ حُرّمت ظهورها وأنعام لا يُذكر اسم الله عليها إفتراء عليه " (138)

" قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجسٌ أو فسقاً أهل لغير الله به فمن أضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم" (145)

" وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بالعظم" (146)

" قل تعالوا أتل عليكم ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (151)

" ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان" (152)

فالآية 118 تقول لهم كلوا مما ذُكر اسم الله عليه، وهذه نصيحة عامة لتفرّق بين الدين الجديد وبين قريش الذين كانوا يأكلون لحم الأضاحي التي تُذبح أمام الأصنام. فهذا ليس تشريعاً بقدر ما هو محاولة للتعريف بالدين الجديد. أما الآية 119 فآية غريبة إذ يسألهم لماذا لا يأكلون مما ذُكر اسم الله عليه وقد فصّل لهم ما حُرّم عليهم. ولم نجد أي تفصيل للمحرمات قبل هذه الآية. فلا بد أن هذه الآية كانت مدنية حشروها في هذه السورة إذ أن جل التفصيل جاء في المدينة. وحتى لو جاء أي تفصيل للمحرمات في مكة فهو قطعاً لم يأت قبل هذه الآية. أما الآية 121 ما هي إلا تكرار للآية 118. والآية 138 تتحدث عن المشركين وما حرموه على أنفسهم. فهي حتماً ليست تشريعاً. أما الآية 145 لا تُشرع شيئاً إنما تكرر ما قد حرمه الله على اليهود وبعضه على النصارى، فتقول إن محمداً لم يجد محرماً على أي طاعم إلا الميتة والدم ولحم الخنزير. وأظن أن الميتة والدم تعافهما النفس ولا أظن أن أهل مكة كانوا يأكلون الميتة أو يشربون الدم. والآية 146 كذلك تعدد ما حرّم الله على اليهود. أما الآية 151، إذا استثنينا خلط " وبالوالدين إحساناً" التي أدخلوها مع ما حرّم عليهم، وهي من الأشياء الموصى بها، نجد أن الآية تكرر وصايا موسى من عدم الإشراك بالله ومن المنع عن قتل النفس وعن تفادي الفواحش. فلا تشريع هنا، والقرآن نفسه يقول هذه وصايا وصاهم الله بها. ونعتبر هذه الآية تعريفاً بالدين الجديد ومحاولة لفصله عن اليهودية والنصرانية بأن أدخل عليه قتل الأولاد مخافة الفقر. وقتل الأولاد يدخل في قتل النفس التي حرّم الله. والآية 152 كذلك ما هي إلا وصية عامة بأن لا يأكلوا مال اليتيم. وليس هناك أي تشريع لأن التشريع بطبعته لا بد أن يُشرّع عقاباً للذين يتعدون على المواد التي شرّعها القانون ولا نجد عقاباً هنا في الآيات المذكورة.)] ، فالدكتور النجار يحاول كما بيّنا آنفاً الالتفاف على التشريعات الاسلامية في مكة المكرمة بإدعائه أنها مجرد نصائح ! بالاضافة الى ترديده نفس الافكار التي تناولناها آنفاً بالتفنيد مثل أعتباره الوصايا العشر مجرد نصائح وليست تشريعات ، وغيرها من الترديدات العقيمة.

ومع ذلك فقد ذكر هو ايضاً آيةً اخرى مكية فيها تشريع ، وهي الآية (145) وهي قوله تعالى : (( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجسٌ أو فسقاً أهل لغير الله به فمن أضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم )) ، ومن الغريب ان يعلق عليها بقوله المذكور آنفاً : [(أما الآية 145 لا تُشرع شيئاً إنما تكرر ما قد حرمه الله على اليهود وبعضه على النصارى)] ، فالآية صريحة في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به ، والآية لا شان لها باليهود او النصارى لأن الله سبحانه يامر النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله : (( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً )) فالامر لله سبحانه والكلام للنبي (صلى الله عليه وآله) ولا شان للتشريع المذكور باليهود ولا النصارى فضلاً انه يماثل التشريع المذكور في قوله تعالى في سورة النحل المكية : (( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فإن الله غفور رحيم )).  

وأما قول الدكتور النجار آنف الذكر : [(وليس هناك أي تشريع لأن التشريع بطبعته لا بد أن يُشرّع عقاباً للذين يتعدون على المواد التي شرّعها القانون ولا نجد عقاباً هنا في الآيات المذكورة)] ، فهو كلام خاطيء ، لأنه ليس كل التشريعات معها عقابها ، بل أن هذا الادعاء متهافت جداً ، فالله سبحانه قد شرع الصيام في المدينة ، ولكنه لم يضع عقاباً في القرآن الكريم لمن يخالفه ، ومثله العديد من الاحكام الشرعية. فقال تعالى في سورة البقرة : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون*  شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون )). وقال تعالى في سورة الحج المدنية : (( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق * ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه )) ، فلم يكن فيها عقاب لمن يخالف التشريع. ومثلها تشريع الصلاة في مكة من خلال الايات التي ذكرناها قبل قليل ، وغيرها من التشريعات.

واما قول الدكتور النجار الانف الذكر : [(والآية 152 كذلك ما هي إلا وصية عامة بأن لا يأكلوا مال اليتيم)] ، لكنه يقول في النص بعده [(قارن هذه الآيات مع آيات التشريع المدنية مثل " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً" (النساء 29،30). وكذلك " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم ومن قتله منكم فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو عدلٍ منكم هدياً بالغ الكعبة " (المائدة 95). وكذلك " يسألونك ماذا أُحل لهم قل أُحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلموهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب " (المائدة 4). وكذلك " فإذا أُحصن فإن أتين بفاحشةٍ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم " (النساء 25))] ، ولا يوجد أي سبب منطقي لأعتبار النهي في قوله تعالى : (( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن )) مجرد نصائح عامة بينما هو في قوله تعالى : (( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )) وقوله تعالى : (( لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم )) تشريع اسلامي لمجرد أن هاتين آياتان مدنيتان وتلك آية مكية !

والاكثر غرابة هو قوله بأن الآية الكريمة : (( فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه )) هي تشريع ، بينما يرفض ان يقر بأن الآية الكريمة : (( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إنْ كنتم بآياته مؤمنين )) هي تشريع أيضاً لمجرد ان هذه الآية مكية وتلك مدنية ! فاقرأ وتعجب !!

وعندما قلنا في مقالنا السابق : (فأنظر إلى قول الدكتور النجار المار الذكر : [(ولكن من المعروف لكل الناس)] ، فهل هذا هو الدليل العلمي الذي يعتمده الدكتور النجار : "المعروف لكل الناس" ! واي تسامح يتحدث عنه الدكتور النجار في الفترة المكية ، فهل يعلم الدكتور النجار ان الفترة المكية هي فترة التصادم بين المسلمين والمشركين في عقر دار الشرك ، عندما كان المسلمون يسفهون الاصنام ويوبخون المشركين ويغزون بيوت القرشيين بالقرآن الكريم المعجز الذي وقفت عنده عقول العرب وهي حائرة من صدق إعجازه وانه لا يكون إلا من كلام غير كلام البشر ، وكان غزو المسلمين الفكري لعقول المشركين يتسع يوماً بعد آخر مع صمود المسلمين ضد تعذيب المشركين واضطهادهم ، مما اضطر المشركين للبحث عن طريقة لإيقاف هذا الغزو فكان الحصار الذي فرضوه على المسلمين في شعب أبي طالب. وقبلها كانت الهجرة إلى الحبشة وبعدها كانت الهجرة إلى يثرب مما ادى إلى إيجاد حالة عدم إستقرار إجتماعي داخل مكة. فأين هو التسامح الذي يتحدث عنه الدكتور النجار ؟! لقد كانت فترة الدعوة المكية أصعب وأشق على المسلمين من فترة الدعوة المدنية ـ في تقديرنا ـ لأن المسلمين كانوا يعيشون في ظل سلطة قبلية مشركة جائرة) ، فرد الدكتور النجار بقوله : [(ولا أدري كيف يجد السيد الكرخي الشجاعة بأن يقول بعد أن اتهمني بعدم مراعاة الدليل العلمي عندما قلت " ولكن من المعروف لكل الناس "، فطالبني بالدليل، ثم يقول هو ما قال عن أهل مكة والإسلام دون أي دليل أو مصدر. وأنا عندما ذكرت التسامح المكي قصدت تسامح آيات القرآن مع الغير ولم أذكر أو أقصد تسامح أهل مكة مع المسلمين أو العكس، فقد قلت: (ولكن من المعروف لكل الناس أن الفترة المكية التي امتدت على مدى ثلاث عشرة سنة كانت فترة التسامح والآيات التي تقول " وما أنت عليهم بوكيل" ). وإذا كان المسلمون قد سفهوا أصنام المشركين وغزوا بيوتهم وقسوا عليهم فهذا ليس غريباً علينا ويثبت لنا أن المسلمين منذ وولادة الإسلام يفعلون غير ما يقول به الإسلام. فالقرآن كان متسامحاً مع غير المسلمين وقال للنبي "أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" وقال له " لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" و " جادلهم بالتي هي أحسن". ولكن المسلمين، باعتراف السيد الكرخي، كانوا قساةً على المشركين. فليت السيد الكرخي يتفهم ما يقرأ قبل أن يلقي علينا الخطب العصماء دون مصادر علمية)] ، فأولاً ما قلته عن اهل مكة والاسلام دون أي مصدر فذلك لأن مواضيع هجرة المسلمين الى الحبشة والى يثرب وحصار قريش للمسلمين في شعب أبي طالب هي من المواضيع التي قد يعرفها المسلمون كما يعرفون ان كتابهم القرآن. ولا يمكن مقارنتها مع دعوى التسامح المستندة الى قوله [(ولكن من المعروف لكل الناس)] ! فكيف يكون التسامح في الفترة المكية معروفاً لكل الناس والمسلمون يعلمون ما مرّ على الجيل الاول من اضطهاد من قبل المشركين ابتداءاً بمقتل سمية وياسر (رضوان الله عليهما) ومروراً بتعذيب بلال وهرب بعض المسلمين الى الحبشة فراراً من ظلم المشركين وحصار المشركين لهم في شِعَب أبي طالب. فلو أن الدكتور كامل النجار قال أن الفترة المكية فترة عنيفة وصعبة على المسلمين لما طالبناه بدليل ، ولكن حين يورد أمراً مخالفاً لحقائق التاريخ والسيرة القطعية ثم ينسبه للـ "معروف لكل الناس" فهذا ما لا نقبله ، وهو الذي نطالبه بالدليل عليه.

واما قوله الآنف الذكر : [(وأنا عندما ذكرت التسامح المكي قصدت تسامح آيات القرآن مع الغير ولم أذكر أو أقصد تسامح أهل مكة مع المسلمين أو العكس، فقد قلت: (ولكن من المعروف لكل الناس أن الفترة المكية التي امتدت على مدى ثلاث عشرة سنة كانت فترة التسامح والآيات التي تقول " وما أنت عليهم بوكيل" ))] ، فالدكتور النجار يخطيء في تفسير قوله تعالى : (( وما انت عليهم بوكيل )) ويظن انها تدعو للتسامح مع أنَّ معناها مختلف عن هذا ، فالآية الكريمة تتضمن تطييب للنبي (صلى الله عليه وآله) لعدم إيمانهم ، فيقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ج7 ص312  ما نصّه : (قوله تعالى : ( ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل) تطييب لقلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يجد لشركهم ولا يحزن لخيبة المسعى في دعوتهم فإنهم غير معجزين لله فيما أشركوا) ، الى أن يقول في ص314 : (ويظهر من ذلك أيضا أن قوله : ( وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ) أيضا مسوق سوق التسلية وتطييب النفس). وفي الفترة المكية نزلت الآيات التي تمتاز بالشدة والعنف ، منها سورة المسد وسورة التكاثر ، وسورة الفجر وسورة البلد ، وسور عديدة أخرى ، وفي الفترة المكية نزل قوله تعالى في الآية (113) من سورة هود (عليه السلام) : (( ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من اولياء ثم لا تنصرون )) ، وشواهد عديدة أخرى على صحة ما نذهب إاليه.

واما قول الدكتور النجار الانف الذكر : [(وإذا كان المسلمون قد سفهوا أصنام المشركين وغزوا بيوتهم وقسوا عليهم فهذا ليس غريباً علينا ويثبت لنا أن المسلمين منذ وولادة الإسلام يفعلون غير ما يقول به الإسلام. فالقرآن كان متسامحاً مع غير المسلمين وقال للنبي "أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" وقال له " لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" و " جادلهم بالتي هي أحسن". ولكن المسلمين، باعتراف السيد الكرخي، كانوا قساةً على المشركين)] ، فنحن قلنا ان المسلمين (ويغزون بيوت القرشيين بالقرآن الكريم المعجز) و(وكان غزو المسلمين الفكري لعقول المشركين يتسع يوماً بعد آخر مع صمود المسلمين ضد تعذيب المشركين واضطهادهم) ، فالغزو الفكري عبر الحكمة والموعظة الحسنة ومدارها القرآن المعجز هو ما اغاض المشركين ودفعهم لإنتهاج العنف ضد المسلمين. فليس المسلمون هم من انتهج العنف ضد المشركين بل العكس هو الصواب ، ورغم عنف المشركين فلم يصدر عن المسلمين أي رد فعل تجاههم بل كان رد الفعل بالابتعاد عنهم نحو الهجرة الى الحبشة مرتين ثم الى يثرب ثالثةً والاستسلام للإضطهاد محتسبين الأجر والثواب عند الله سبحانه. فإدعاء أنّ المسلمين كانوا قساة على المشركين بمعنى انتهاجم العنف والقوة هو إدعاء باطل لأن المسلمين لم ينتهجوا العنف معهم. فإنَّ تسفيه عبادة الاصنام وتوبيخ المشركين على شركهم من قبل المسلمين وإيمان أعداد معتد بها من بيوتات قريش بالاسلام هو الذي أخرج المشركين عن توازنهم ودفعهم للعنف. فغزو المسلمين لبيوت المشركين لم يكن عن طريق العنف أو القوة بل كان عن طريق الحكمة والموعظة الحسنة بجميع طرقها ، وتحول بيوت قرشية الى الاسلام واعتناقه هو مظهر الغزو الذي ذكرناه. فنجد من الضروري للدكتور النجار وغيره أن يعترفوا بسلمية الدعوة الاسلامية في مكة رغم العنف الذي لاقاه المسلمون من قبل المشركين.

وأما أدعاء الدكتور النجار أن المسلمين منذ ولادة الاسلام يفعلون غير ما يأمر به الاسلام فهو أدعاء مردود وواضح البطلان لوجود رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين المسلمين يقودهم ويسدد خطاهم ، فلا مجال للإدعاء المذكور.

واما الآيات الكريمة التي ذكرها الدكتور النجار : (( أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )) و(( لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك )) و(( جادلهم بالتي هي أحسن )) ، فهي آيات تخص أسلوب الدعوة الاسلامية وهي دعوة سلمية كما أسلفنا ولكن هذه الآيات الكريمة لا تحمل معنى التسامح في عبادة الاصنام.

فيتضح من هذا أن التسامح شيء والصبر على الضرر والعنف شيء آخر ، بمعنى أن المسلمين صبروا على أذى المشركين ولكنهم لم يتسامحوا معهم في عبادة الاصنام ، وحين عرض المشركون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يتبادلوا عبادة الاصنام مع عبادة الله عزَّ وجل بصورة دورية رفض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزل قوله تعالى : (( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون )).

وقال الدكتور النجار وهو يكابر بنفي قول قد قاله في مقاله السابق : [(ونرجو أن يحاول القارئ متابعة منطق السيد الكرخي حينما يقول (وقال الدكتور النجار : (وفعلاً هناك آيات مدنية تدعو إلى الإسلام إذ أن الإسلام لم يكن قد انتشر بعد عندما هاجر النبي إلى المدينة)] ، مما يعني ان الدكتور النجار تخلى عن دعوى الدكتور الجابري بتقسيم القرآن إلى "قرآن دعوة مكي" و"قرآن تشريع مدني" ، لأنه في هذه العبارة يعترف بوجود قرآن دعوة مدني ، مما يعني اسقاطه لدعوى الدكتور الجابري. ومع ذلك يعود الدكتور النجار ليقول : [(وتظل مقولة د. الجابري قائمة بأن الآيات المكية عبارة عن قرآن دعوة بينما الآيات المدنية هي قرآن التشريع)] ، هكذا مجرد تحكم من قبل الدكتور النجار ، فهو يعترف بوجود قرآن دعوة مدني ثم يقول بأن قرآن الدعوة هو مكي وأما القرآن المدني فهو قرآن تشريع !! مجرد تحكم بلا دليل) انتهى. هل وجد القارئ شيئاً فيما قلنا عن الفترة المكية والفترة التشريعية المدنية ما يدل على أني تخليت عن قول الجابري بأن قرآن مكة قرآنٌ دعوي بينما قرآن المدينة قرآن تشريعي؟ فنحن نتكلم عن غالبية الآيات ولم نقل إن كل آية في مكة كانت دعوية، ولا كل آية في السور المدنية كانت تشريعية.)] ، فالدكتور النجار له ان يتكلم بما يشاء ولكن كلام الدكتور محمد عابد الجابري كان واضحاً حين قال : [(لنبدأ بذكر النصوص وهي قسمان: قسم مكي ينتمي إلى قرآن الدعوة وقسم مدني ينتمي إلى قرآن التشريع)] ، فقسم القرآن الى قسمين "قرآن دعوة" وهو مكي و"قرآن تشريع" وهو مدني ، وعندما اعترضنا على هذا التقسيم وبيّنا أنَّ الآيات المكية تحتوي على آيات دعوة وآيات تشريع معاً وكذلك الآيات المدنية ـ وإن كانت النسب مختلفة ـ فرد الدكتور كامل النجار مدافعاً عن فكرة الدكتور محمد عابد الجابري ، لكن رده تردد بين التخلي عن مفهوم وجود "قرآن تشريع" مدني واعترف بوجود "قرآن تشريع" و"قرآن دعوة" في المدينة ، لكنه اصر على أن القرآن في مكة هو "قرآن دعوة" فقط ، ثم عاد بعد أسطر قليلة ليقول انه يقول بقول الدكتور محمد عابد الجابري ، أي بوجود "قرآن دعوة" مكي و"قرآن تشريع" مدني ، متنازلاً عن قوله الذي ذكره قبل أسطر قليلة فقط ! ولنقرأ الآن نص ما قاله بهذا الخصوص ، قال : [(وفعلاً هناك آيات مدنية تدعو إلى الإسلام إذ أن الإسلام لم يكن قد انتشر بعد عندما هاجر النبي إلى المدينة. أما قول الكرخي عن وجود آيات مكية بها تشريع فقول لا نوافقه عليه)] ، وبعد أسطر قليلة قال : [(وتظل مقولة د. الجابري قائمة بأن الآيات المكية عبارة عن قرآن دعوة بينما الآيات المدنية هي قرآن التشريع. ولكل قاعدة شواذ)] ، وحين اعترضنا على ذلك وقلنا انه تناقض في الموقف ، كما هو مذكور آنفاً ، رد بإنكاره متعجباً ، وهو ما قرأه القاريء الكريم في السطور السابقة ، أي قوله : [(فنحن نتكلم عن غالبية الآيات ولم نقل إن كل آية في مكة كانت دعوية، ولا كل آية في السور المدنية كانت تشريعية)] ، فإذن في هذا القول إعتراف بأن هناك آيات تشريعية في مكة وآيات دعوة في المدينة ، وهو ما ذكرناه منذ البداية في ردنا على الدكتور محمد عابد الجابري. فالدكتور النجار يعود بنا الى نقطة الصفر ويعترف بصحة ما ذكرناه. وبما أنه هناك آيات تشريعية في مكة وإنْ كانت قليلة العدد فلا يصح ان نقول بأن القرآن المكي هو قرآن دعوة وليس به تشريع. وكذلك لا يصح أن نقول بان قرآن المدينة هو قرآن تشريع وليس به دعوة ، فإطلاق القول هو أمر غير صحيح. 

وقال الدكتور النجار : [(ثم يخرج علينا السيد الكرخي بقول يفتقد إلى أبسط قواعد الأمانة العلمية عندما يقول (وقال الدكتور النجار :(والإشكال في المصحف الذي بين أيدينا هو أن الآيات لم تُكتب في مكان نزولها من السور، فقد زعموا أن النبي كان يقول لهم عندما تنزل آية: ضعوها مع الآية التي تقول كذا وكذا، ولذلك نجد سوراً مكية كثيرة تحتوي على آيات مدنية والعكس كذلك صحيح) ، ومع ذلك فلا اشكال في الامر لأن الآيات القرآنية المكية معلومة وإن وجدت في سورة مدنية والعكس بالعكس ، فالامر ليس مجهولاً بل هو معلوم ومشخّص) انتهى. فهل حقيقةً إن الآيات المدنية في السور المكية والعكس كذلك أمرٌ معروف ومشخص ولا إشكال فيه؟ دعونا نقرأ بعض ما قال الإمام جال الدين السيوطي في كتابه " الإتقان في علوم القرآن". فهو يقول مثلاً عن سورة الفاتحة: (وذهب بعضهم إلى أنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة مبالغة في تشريفها وفيها قول رابع أنها نزلت نصفين نصفها بمكة ونصفها بالمدينة حكاه أبو الليث السمرقندي). فحتى سورة قصيرة كسورة الفاتحة اختلفوا في مكان نزولها وقال بعضهم إن نصفها نزل بمكة ونصفها بالمدينة، فأين الآيات المدنية أو المكية في هذه السورة؟. فهل هذا الحديث معروف ولا إشكال فيه؟ وعندما تحدث عن سورة الحج قال: (وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس ومن طريق ابن جريج وعثمان عن عطاء عن ابن عباس ومن طريق مجاهد عن ابن الزبير أنها مدنية قال ابن الغرس في أحكام القرآن وقيل إنها مكية إلا (هذان خصمان) الآيات، وقيل إلا عشر آيات وقيل مدنية إلا أربع آيات (وما أرسلنا من قبلك من رسول) إلى (عقيم) قاله قتادة وغيره وقيل كلها مدنية قاله الضحاك وغيره وقيل هي مختلطة فيها مدني ومكي وهو قول الجمهور( (ص43). والكرخي يقول لا إشكال فالآيات كلها معروفة. وعن سورة الحديد يقول: (قال ابن الغرس الجمهور على أنها مدنية وقال قوم إنها مكية ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا لكن يشبه صدرها أن يكون مكيا ) (ص 44). أليس هذا إشكالاً يا سيد الكرخي؟ وقال البيهقي في الدلائل ( في بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة فألحقت بها وكذا قال ابن الحصار وكل نوع من المكي والمدني منه آيات مستثناة قال إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل‏). فهناك أناس استثنوا آيات حسب اجتهادهم وهناك من يختلف معهم في تسمية الآيات المستثناة. فمثلاً عن سورة الأنعام قال ابن الحصار استثني منها تسع آيات، وقال الإمام جلال الدين السيوطي: ولا يصح به نقل خصوصا قد ورد أنها نزلت جملة. ( نفس المصدر ص 48). فالأمر ليس بالوضوح الذي أراد السيد الكرخي أن يوهمنا به.)] ، ويبدو ان الدكتور كامل النجار فعلاً لا يعرف الفرق بين الاختلاف بالرأي والدليل وبين إنتهاك الامانة العلمية ، فاختلافنا مع الدكتور النجار في هذه النقطة ليس فيه انتهاك للأمانة العلمية وإنما استندنا في كلامنا لدليل واستند هو لدليل آخر ، وعلى القاريء أن يرجح أي الادلة هي الاقرب للمنطق والصواب.

وبكل تأكيد فنحن لا نقر بصحة كل هذه الاقوال التي ذكرها الدكتور النجار عن بعض المسلمين بخصوص مكية الآيات ومدنيتها ، فليس كل من قال رأياً علينا أن نصوّبه ، فهناك آراء معتبرة وآراء أخرى غير ذلك كأن تكون شاذة أو ضعيفة ، وما قصدناه في قولنا (لأن الآيات القرآنية المكية معلومة وإن وجدت في سورة مدنية والعكس بالعكس ، فالامر ليس مجهولاً بل هو معلوم ومشخّص) هو الآيات القرآنية محور البحث أي الآيات التشريعية ، وأما الامثلة التي ذكرها الدكتور النجار في النص آنفاً مثل أن هناك من يقول بأنَّ سورة الحج المدنية أنها مكية ، فرغم ذلك فنحن لم نتبنَّ هذا الرأي لأنه رأي غير معتد به ، ولذلك فنحن لم نذكر آيات الحج مع الآيات التشريعية المكية. واما بخصوص سورة الحديد وقول أبن الغرس المتردد بين كونها مدنية أو مكية فيماثله قول السيوطي في تفسير الجلالين : (سورة الحديد مكية أو مدنية) ، ولذلك فنحن لم نستشهد بآياتها في الموضوع ، بل استشهدنا بالآيات التي يغلب معرفة مكان نزولها مكي ام مدني. ومن الجدير بالذكر أنَّ هذا الاختلاط وعدم التمييز بين المكي والمدني في بعض السور القرآنية يسقط دعوى التمييز بين القرآن الى مكي دعوي ومدني تشريعي وهي الدعوى التي ذكرها الدكتور محمد عابد الجابري والتي يدافع الدكتور كامل النجار عنها ـ كما سنذكر هذا بعد قليل ـ فالقرآن الكريم هو كتاب هداية بجميع آياته ولا يضرنا الاختلاف في مكية الآية أو مدنيتها ما دامت قد صدرت جميعها عن الله جلَّ جلاله.

وأما قول البيهقي الآنف الذكر : (في بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت بالمدينة فألحقت بها وكذا قال ابن الحصار وكل نوع من المكي والمدني منه آيات مستثناة قال إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل‏) ، فهو لا يتعارض مع ما ذكرناه ، فالبيهقي يقول بان هناك سور مكية قد ألحقت بها آيات مدنية وبالعكس ، لكن البيهقي لم يقل بأن الآيات الملحقة غير معروفة أو غير مشخصة. بل ان حديثه عن وجود تلك الآيات يدل على تشخيصها وإلا فكيف استدل على وجودها أصلاً. وأما لجوء البعض للاجتهاد الشخصي في تشخيص كون الآية مكية او مدنية فهو الذي دفعنا للقول بأنه ليس كل الآراء معتبرة وصحيحة ، بل يصح منها ما صحّ دليله.

فالامر ليس بالضبابية التي يريد الدكتور النجار أن يوهمنا بها.

ولكن لنفترض جدلاً بأن كل هذه الاقوال التي نقلها الدكتور النجار عن بعض المسلمين صحيحة وان الآيات مختلطة ولا يمكن تمييز المدني منها من المكي... فحينئذٍ ستكون الحجة أقوى على الدكتور كامل النجار ومن قبله على الدكتور محمد عابد الجابري ، فإذا كانت الآيات المدنية والمكية مختلطة في سور القرآن الكريم ولا يمكن تمييزها فكيف إذن أدعوا أن الآيات المكية هي آيات دعوة فقط وليس فيها تشريع مع أنه لا يمكن تمييزها ! وكيف أدعوا ان الآيات المدنية هي آيات تشريع وليس فيها دعوة مع انه لا يمكن تمييزها ! أليس كلام الدكتور كامل النجار في هذا الموضع ينسف كل ما قالاه سابقاً ؟!!

وقال الدكتور النجار : [(ولن أطيل على القارئ بمناقشة أحكام المرتد التي كررها السيد الكرخي إذ لا جديد فيها ولا في طريقة جمع الأحاديث والزمن الفاصل بين ذلك وبين موت الرسول مما يجعل الاعتماد على الأحاديث نوعاً من لعب الروليت لأن المرء يمكنه أن يستخرج حديثاً يؤيد ما يرمي إليه في أي موضوع شاء، بينما يستطيع شخص آخر الاتيان بأحاديث تعارض كل ما ذكره الشخص الأول. وحتى أفعال النبي نستطيع أن نأتي بعدة أمثله عن أفعال نهى عنها ثم نجد أنه فعلها في روايات أخرى)] ، وهذا ما نقوله بالضبط وهو انَّ أمر معرفة الحكم الشرعي بصورة صحيحة هو أمر مختص بالفقهاء ولا يجوز لكل من يريد أن يتدخل فيه ، فمثلما هناك إختصاصات في الطب والهندسة والقانون فهناك إختصاص في الفقه ، والفقيه لا يتمكن من معرفة الحكم الشرعي الا بعد دراسات دينية مكثفة الى أن يصل الى الاجتهاد ويتمكن من تمييز الاحاديث الصحيحة عما سواها ثم معرفة المقاصد من تلك الاحاديث وكيفية استنباط الحكم الشرعي للامور المستحدثة بناءاً عليها.

ومن الخطأ أن يحاول كل إنسان استنباط الحكم الشرعي لمجرد انه قرأ آية من القرآن الكريم أم حديثاً نبوياً شريفاً بدون ان يكون ممتلكاً لأدوات الفهم الصحيح لأستنباط الحكم الشرعي. وترى الناس يستسهلون الفتوى بدون ان يكونوا قد امتلكوا مقدماتها مع انهم لا يستسهلون أبداء رأي في الهندسة او القانون أو الطب ويفضلون مراجعة أهل الاختصاص. فهلا رجعوا الى أهل الاختصاص في الشريعة أيضاً. قال تعالى في سورة التوبة : (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )).

وأخيراً قال الدكتور كامل النجار : [(فالذي يريد أن يكون واقعياً عليه تفادي السنة والالتزام بالقرآن الذي لم يفرط الله فيه من شيء، كما تقول الآيات)] ، وهذا القول يبرز خطأ الدكتور النجار والانتقائية التي يمارسها بتوجيهه للأخذ ببعض الآيات وترك الآيات الأخريات ! فهو يروج لفكرة أن عدم تفريط القرآن الكريم يغني عن التمسك بالسنة المطهرة ، وهو خطأ فاحش ، فمن مظاهر عدم التفريط في القرآن الكريم أنَّ القرآن نفسه قد ذكر وجوب التمسك بسُنَّة النبي (صلى الله عليه وآله) وطاعته ، فقال تعالى في سورة الحشر : (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) ، وقال تعالى في سورة آل عمران : (( واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون )) ، وقال تعالى في سورة المائدة : (( وأطيعوا الله واطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين )).

 

وبعد هذا كله نجد أن الدكتور كامل النجار لم يفلح بالاتيان بأي دليل يؤيد فكرته وفكرة الدكتور محمد عابد الجابري من قبله بإسقاط عقوبة الاعدام عمّن يرتكب جريمة الارتداد ، واكتفى الدكتور كامل النجار بأن نسبني لانتهاك الامانة العلمية بلا مبرر حقيقي تغطية على ضعف حجته وادلته الواهية.

 

 

الصفحة الرئيسية