بسم الله الرحمن الرحيم

حقائـق إنجيليـة

نبيـل الكرخي

 

الفصل الثاني

إنجيل برنابا

 إن اقدم مصدر تاريخي ذكر فيه اسم إنجيـل برنابا هو الأمـر الذي أصدره البابا جلاسيوس الأول ( الذي جلس على الأريكة البابوية سنة 492 م)[1] والذي عدد فيه أسماء الكتب المنهي عن مطالعتها وفي عدادها كتاب اسمه "إنجيل برنابا"[2].

وهنالك إنجيل يسمى "الإنجيل الاغنسطي" طمست رسومه وعفت آثاره يبتدئ بمقدمة تندد ببولس وينتهي بخاتمة فيها مثل ذلك التنديد ويذكر إن ولادة المسيح كانت بدون ألم ، ولما كان كل ذلك في إنجيل برنابا[3] فمن المحتمل أن يكون ذلك الإنجيل الاغنسطي هو النسخة اليونانية التي نقلت عنها نسخة إنجيل برنابا باللغة الإيطالية والموجودة اليوم في مكتبة البلاط الملكي في فينا .

والحديث عن إنجيل آخر غير الأناجيل الأربعة المحتواة في الكتاب المقدس قد يبدو غير مألوف عند عامة المسيحيين وذلك لجهلهم بوجود الكثير من الأناجيل غير إنجيل برنابا ومنها : إنجيل بطرس وانجيل الحق وانجيل فيلبس وانجيل توما وانجيل يعقوب ورسالة الرسل ورسالة برنابا ورؤيا الراعي ورؤيا بطرس ورؤيا بولس[4]وان المجاميع المسيحية الأولى قد انتخبت هذه الأناجيل الأربعة من بينها لمطابقتها لعقيدتها التي ابتدعها بولس ، وانجيل برنابا هو واحد من تلك الأسفار التي لم تحض باحترام الكنيسة لاحتوائه على الرواية الحقيقية لقصة السيد المسيح والبشارة بظهور النبي العربي محمد ( صلى الله عليه واله ) .

دارت حول إنجيل برنابا العديد من النقاشات والجدل حول صحة نسبته للقديس برنابا ووجهت لهذا الإنجيل الكثير من الطعون والشبهات التي تدور حول نقطة واحدة هي عدم صحة نسبته لبرنابا وهو ما سنبين بطلانه وان هذا الإنجيل قد كتبه القديس برنابا فعلا ، وعلى فرض صحة عدم نسبته لبرنابا فان هذه المسالة لا تطعن في صحة ما ورد فيه بحسب المفهوم المسيحي القائل بان عدم صحة نسبة السفر لكاتبه لا يطعن في صحة وقدسية السفر نفسه فعلى سبيل المثال فان إنجيل متى هو سفر مقدس حتى وان لم يكتبه متى ؟! واليكم بعض الأمثلة على ذلك وعلى لسان بعض علماء المسيحية أنفسهم :

في المدخل إلى إنجيل متى ما نصه :( فلما كنا لا نعرف اسم المؤلف معرفة دقيقة يحسن بنا أن نكتفي ببعض الملامح المرسومة في الإنجيل نفسه فالمؤلف يعرف من عمله )[5]! .

 في المدخل إلى "الرسالة إلى العبرانيين" ما نصه : (يرى علماء الكتـاب المقـدس في عصرنا ـ على اختلاف مذاهبهم ـ إن كاتب هذه الرسالة لـيس القديس بولس ) إلى أن يقول: ( ولذلك يذهب كثير من العلماء إلى قول بعض الأقدمين أمثال اوجينيس المصري إن كاتب هذه الرسالة هو واحد من تلامذة بولس )[6]! .

 في المدخل إلى سفـر يشـوع ما نصه : ( لكـن المؤلف المقدس ! الذي نجهل اسمه وعصره )[7].

 في المدخل إلى سفر الجامعة ما نصه : ( يبتدئ الغموض بشخص المؤلف نفسه )[8]! .

 في المدخل إلى سفر الحكمة ما نصه : ( إن هوية المؤلف مجهولة إنما الدلائل المتراكمة تشير إلى أن وطنه كان مصر ومن المحتمل أن يكون الإسكندرية )[9]! .

 في المدخل إلى سفر دانيال ما نصه : ( إن مؤلفا ملهما[10]لم يترك لنا اسمه قد ضم إلى هذه الصورة الشهيرة عن الماضي عدة رؤى ذات أتشاء روائي )[11]

 

فهذه الأسفار في الكتاب المقدس لا يعرف مؤلفها وهي مع ذلك أسفار مقدسة عند المسيحيين ويوجد الكثير من الأسفار في الكتاب المقدس في نفس هذا السياق ، فإذا افترضنا إن إنجيل برنابا قد كتبه كاتب مجهول فما الذي يمنع قدسيته أسوة ببقية أسفار الكتاب المقدس مجهولة المؤلف ؟

نعود إلى تاريخ هذا الإنجيل ، فبعدما حرم البابا جلاسيوس الأول في القرن الخامس الميلادي قراءة إنجيل برنابا ، اختفى ذكر هذا الإنجيل ولم يعرف عنه شيء حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي عندما عثر الراهب فرامرينو على نسخة إنجيل برنابا باللغة الإيطالية في مكتبة البابا سكتس الخامس فاختلس ذلك الراهب تلك النسخة واعتنق الدين الإسلامي واختفى ، وبقي الأمر خافيا حتى بداية القرن الثامن عشر الميلادي عندما عثر عليها كريمر أحد مستشاري ملك بروسيا وكان وقتئذ مقيما في امستردام فأخذها سنة 1709م من مكتبة أحد مشاهير ووجهاء المدينة المذكورة ، ثم اقرض كريمر هذه النسخة إلى طولند وأهداها طولند بدوره بعد ذلك بأربع سنوات إلى البرنس ايوجين سافوي الذي كان على كثرة حروبه ومشاغله السياسية مولعا بالعلوم والآثار التاريخية ، ثم انتقلت النسخة المذكورة سنة 1738م مع سائر مكتبة البرنس إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا حيث لاتزال هناك حتى الآن ، وفي سنة 1905م تمت ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية فطبعت ووصلت النسخة الإنكليزية المطبوعة إلى الدكتور خليل سعادة ـ وهو مسيحي ـ الذي قام بترجمتها إلى اللغة العربية بعد مجهود يستحق الذكر والشكر فطبعت ونشرت عدة مرات . 

وهناك نسخة أخرى من إنجيل برنابا باللغة الأسبانية كـان قـد اقرضها الدكـتور هلم من هدلي ( بلدة من أعمال همبشير ) المستشرق الشهير سايل ثم تناولها بعد سايل الدكتور متكهوس أحد أعضاء كلية الملكة في اكسفورد فنقلها إلى الإنكليزية ثم دفع الترجمة مع الأصل سنة 1784م إلى الدكتور هويت أحد مشاهير الأساتذة ثم اختفت بعد ذلك ولم يعرف عنها أي خبر .

والنسخة الأسبانية لا تختلف عن النسخة الإيطالية اختلافا يستحق الذكر إلا في أمرين :

·  الأول إن النسخة الأسبانية عندما تتحدث عن إلقاء الله عز وجل الشبه على يهوذا الاسخريوطي الخائن واصبح شبيها للمسيح فقبض عليه ولم يشك التلاميذ انه يسوع إلا بطرس في حين إن النسخة الإيطالية لم تستثنه .

·  الثاني ذكرت النسخة الأسبانية إن من الملائكة الذين حملوا يسوع من النافذة هو الملاك عزرائيل وفي النسخة الإيطالية أن اسمه هو أوريل .

وفي مقدمة النسخة الأسبانية ذكر أنها مترجمة عن النسخة الإيطالية وذكر فيها قصة الراهب فرامرينو وانه في بادئ الأمر عثر على رسائل لايريانوس وفي عدادها رسالة يندد فيها ببولس وان ايريانوس اسند تنديده هذا إلى إنجيل برنابا ، ثم اتفق أن دخل الراهب فرامرينو مع البابا سكتس الخامس إلى مكتبة البابا ، فران الكرى على أجفان البابا ونام واخذ الراهب فرامرينو يقتل الوقت بالمطالعة إلى أن يفيق البابا فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو إنجيل برنابا فكاد ان يطير فرحا من هذا الاكتشاف فخبا هذه الذخيرة الثمينة في أحد ردنيه ولبث إلى أن استفاق البابا فاستأذنه بالانصراف حاملا ذلك الكنز معه ، فلما خلا بنفسه طالعه بشوق عظيم فاعتنق الدين الإسلامي [12].

تحوي النسخة الإيطالية شروحا وهوامش بلغة عربية سليمة وسقيمة مثل عبارات : (الله خالق ) ، ( الله حي وقديم ) ، ( سورة عيسى ألم ) أي سورة آلام عيسى ، و (ذكر إدريس قصص ) أي ذكر قصة إدريس و ( متكبر كاميل بيان ) أي بيان شـر أنواع الكبرياء ، وغيرها من الأمثلة [13]، وهي قد تنسب للراهب فرامرينو بعد اعتناقه الإسلام وتعلمه العربية ، ويقال إن كاتبها اكثر من واحد[14]ممن تداول هذه النسخة كما بينا آنفا .

 

لماذا يرفضون إنجيل برنابا ؟

يحتوي إنجيل برنابا على تعاليم وأحداث بلسان الحواري برنابا ينقلها عن السيد المسيح وهي تعاليم وأحداث يوجب التصديق بها اعتناق الإسلام وترك المسيحية إذ انه يبين الحقائق آلاتية :

1.    التنديد ببولس واعتباره خارجا عن تعاليم المسيح .

2.    دحض دعوى إن يسوع المسيح اله أو ابن الله تعالى وبيان انه نبي من أنبياء بني إسرائيل .

3.    تبشير يسوع المسيح بنبي يأتي من بعده اسمه محمد (صلى الله عليه واله) .

4.    إن يسوع المسيح لم يصلب وان الله عز و جل ألقى شبهه على يهوذا الخائن .

5.    إن إبراهيم الخليل قدم ابنه إسماعيل للذبح وليس إسحاق بخلاف الكتاب المقدس .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

                  المقدمـة

                  الفصل الأول ـ حيـاة برنابـا

                  الفصل الثالث ـ شبهات حول إنجيل برنابـا

                  الفصل الرابع ـ حقائـق عن بولـس

                  الفصل الخامس ـ ساعـاة النجـاة

                  الفصل السادس ـ نشوء عقيدة تأليّه المسيح

                  الفصل السابع ـ نظرة على الطبعات الحديثة للكتاب المقدس

                  الفصل الثامن ـ بحوث في الكتاب المقدس

                  المصـادر

 


 

[1] أي قبل ولادة نبي المسلمين محمد ( صلى الله عليه واله ) بحوالي (79) سنة .

[2] إنجيل برنابا ، مقدمة المترجم _ ص (ل) .

[3] المصدر السابق _ ص (م).

[4] العهد الجديد (بولس باسيم) _ ص 5 و 6 .

[5]  العهد الجديد ( بولس باسيم ) _ص 31 .

[6]  المصدر السابق _ ص  854 .

[7]  الكتاب المقدس  (اغناطيوس زيادة ) _ المجلد الأول ص 360 .

[8]  الكتاب المقدس ( اغناطيوس زيادة ) _ المجلد الثاني ص 208 .

[9]  المصدر السابق _المجلد الثاني ص 237 .

[10]  إذا كان المؤلف مجهول فكيف علمت انه كان ملهما ؟!! .

[11]  المصدر السابق _ المجلد الثاني ص 648 .

[12]  إنجيل برنابا ـ مقدمة المترجم ص (د) و ( ه ) .

[13]  إنجيل برنابا ـ مقدمة المترجم ص (و) و (ز) .

[14]  المصدر السابق ـ ص (ز).

الصفحة الرئيسية