بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا
أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ القِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

 

مسودّة كتاب:

صَانِعُ الوُجُوْدُ

  رد على كتاب "وهم الإله" لريتشارد دوكينز

هذه مسودة بحث (صَانِعُ الوُجُوْدُ) الذي ارد فيه على كتاب (وهم الاله) لريتشارد دوكينز ، اكتبها استعجالاً على أمل ان اتمكن بحول الله وقوته من استكمالها في كتاب متكامل.

 

نبيـل الكرخي

الفصل الخامس

 

عنون دوكنز هذا الفصل بعنوان (جذور الدين)، وهذا المطلب يختلف عن موضوع الكتاب الذي ينفي وجود الإله! وشتان بين نفي الإله ونفي الدين. ولكن دوكنز يعرف ان المدافع الاول عن فكرة وجود الإله وسدها الحصين هي الاديان السماوية، ولذلك ابتداءاً من هذا الفصل الى نهاية الكتاب بتوجيه سهامه الى الاديان لكي يهدم السد الحصين الذي يحمي فكرة وجود الإله.

ابتدأ دوكنز هذا الفصل بعبارة لمارك كوهين Marek Kohn يتحدث فيها عن ان الاديان قابلة للتكيّف ! ولا أجد مبرراً لذكر دوكنز لهذه العبارة في إطار حديثه عن (جذور الدين) الذي وضعه عنواناً لهذا الفصل. فإذا كان الدين قابلاً للتكيف مع جميع المجتمعات والازمنة فهذه ميزة لصالحه تدفع عنه صفة التحجّر. والاسلام في تراثه ومروياته يخبر البشرية انه دين يصلح لكل العصور، وهذا يعني مطاطيته التطبيقية الى جانب عقيدته الراسخة التي لا تقبل التغيير لإنها عقيدة إلهية.

 

الاولوية الداروينية:

يتحدث دوكنز عن ان الانتخاب الطبيعي يقوم "كل يوم وكل ساعة وفي العالم كله بمراقبة كل التغيرات حتى ادقها كما يشرح داروين"[1]. وفي الحقيقة فليس الانتخاب الطبيعي من يقوم بذلك، فالانتخاب الطبيعي بحسب داروين يقوم بالحفاظ على التمايزات وتراكمها، وليس له دور في ظهر تلك التمايزات. إذن الانتخاب الطبيعي وفقاً لداروين هو سلوك يرافق تطور الكائن الحي وفق آلية معينة مجهولة تعتمد مفهوم البقاء للاصلح! اما دوكنز فجعل الانتخاب الطبيعي من مسببات التطور ! ثم يحاول ان ينقل فكرة التطور من الكائنات الحيّة الى الكون كلّه ليزعم انه يمكن فهم ظهور الكون عبر الانتخاب الطبيعي!!

بإختصار دوكنز شعر بحاجة لصنع إله وفق معاييره الخاصة فاطلق عليه اسم (الانتخاب الطبيعي)، ولم يستطع دوكنز رغم إلحاده الظاهري ان ينفك عن ضرورة وجود قوة تصنع الكون وتخلق الحياة، غاية ما في الامر ان تلك القوة التي نسميها (إله) اطلق عليها دوكنز تسمية (الانتخاب الطبيعي) والنتيجة واحدة، ان هناك قوة تصنع الكون، نحن نقول عنها انها قوة حكيمة وعليمة وقادرة، ودوكنز يصفها بانها قوة عمياء وجاهلة تصنع الكون من حيث لا تعلم !! وشبهها بانها كصانع ساعات اعمى !! فأي النظريتين هي الاكثر معقولية ؟! إله ازلي لم يسبقه عدم ولا يلحقه فناء، خلق الوجود، والمادة والحياة. وجوده سرمدي، وهو الذي خلق وجود المادة ووجود الحياة، ومن هذا الوجود تعلم الانسان ان هناك موجودات تظهر بعد عدمها وتفنى بعد وجودها، وان هناك سببا لوجودها هو الإله الذي خلقها. فتطاول على إلهه ليقول عنه انه هو ايضاً يجب ان يكون هناك سبب وبداية لوجوده ! ولم يستوعب ان الوجود بعد العدم هو من اختراع الإله وصنعه وايجاده ولم يكون قبل خلق الكائنات شيء موجود بعد عدم ، بل كان هناك في عالم الإلوهية وجود مطلق باقٍ دائمٌ ازلي هو وجود الإله، فليس وجود الإله كوجود المخلوقات، فالإله "ليس كمثله شيء"، وحتى في وجوده ليس كمثل وجوده شيء آخر. ولو لم يكن الإله سرمدي الوجود لما كان إلهاً.

بينما إله دوكنز الذي يسميه الانتخاب الطبيعي يصفه بالعمى والجهل، ويحاول ان يستقوي بداروين لتمرير فكرته عن إلهه الجديد (الانتخاب الطبيعي)، بينما ذكرنا في الفصل الثالث نصوصاً تبين فكرة داروين عن الانتخاب الطبيعي نعيد ذكرها هنا، حيث كتب في كتابه (اصل الانواع) ما يلي:

"(الكفاح من اجل البقاء) فيما بين جميع الكائنات العضوية في جميع أنحاء العالم والذي لا مناص من أنه تابع للمتوالية الهندسية العالية لتزايد أعدادهم. وهذا هو مبدأ (مالثوس) Malthus المطبق على كل الممالك الحيوانية والنباتية. وبما ان عدد الذين يولدون من كل نوع هو أكبر من ان يعيش ، وبما انه بالتالي ، هناك صراع يتكرر كثيراً من أجل البقاء ، فالذي يحدث بعد ذلك هو: لو أن أي كائن تمايز بأي قدر بسيط ، وبأي وسيلة مفيدة له ، تحت تأثير ظروف الحياة المعقدة والكثيرة التغيير ، فسوف تكون له فرصة أفضل للأستمرار في الحياة ، وبالتالي سوف يتم انتقاؤه طبيعياً ، وبناءاً على المبدأ القوي للوراثة ، فإن أي ضرب منتقى سيميل الى الاكثار من شكله الجديد والمعدل"[2].

"إن الانتقاء الطبيعي يسبب بصورة لا مناص منها تقريباً الكثير من الاندثار لأشكال الحياة الاقل تحسناً ، ويؤدي الى ما قد اطلقت عليه (تشعب الطابع)"[3].

"انا مقتنع بأن الانتقاء الطبيعي قد كان الوسيلة الاكثر اهمية ، ولكنه ليس الوسيلة الوحيدة للتعديل"[4].

"يؤثر الكفاح من اجل البقاء على الانتقاء الطبيعي"[5].

"هل نستطيع ان نرتاب (مع تذكر أن عدد الافراد الذين يولدون أكبر بكثير من العدد الذي يمكن ان يعيش) في أن الافراد التي لديها أي ميزة ، مهما تكن بسيطة ، عن الاخرى ، سوف يكون لديها أحسن فرصة للبقاء على قيد الحياة وعلى زيادة أنسال صنفها؟ - وعلى الجانب الآخر ، فقد نشعر بالثقة في أن أي تمايز مضر بأي درجة قليلة سوف يتم تدميره بصرامة. وهذا الحفاظ على الاختلافات والتمايزات الفردية المواتية ، والتدمير للاختلافات والتمايزات الفردية الضارة ، قد اطلق عليه مصطلح (الانتقاء الطبيعي) أو (البقاء للأصلح). والتمايزات التي ليست مفيدة أو ضارة لن تتأثر بالانتقاء الطبيعي ، وسوف يتم إهمالها إما كعامل متقلب ، كما هو من المحتمل أن نراه في بعض الاانواع المتعددة الاشكال ، أو سوف تصبح في النهاية ثابتة ، وذلك يعتمد على طبيعة الكائن وطبيعة الظروف"[6].

"العديد من الكتاب قد اخطأوا الفهم أو اعترضوا على مصطلح (الانتقاء الطبيعي) وبعضهم وصل الى انه تخيل ان الانتقاء الطبيعي يسبب التمايز[7] ، مع انه لا يتضمن الا الحفاظ فقط على مثل هذه التمايزات كما تظهر"[8].

"وقد اعترض آخرون على ان المصطلح (انتقاء) يلمح الى الاختيار المتعمد للحيوانات التي تصبح معدلة ، وحتى ان الجدال قد تطرق الى أنه بما ان النباتات ليس لها ارادة فإن الانتقاء الطبيعي غير قابل للتطبيق عليها ! - ولا شك في أن الانتقاء الطبيعي مصطلح زائف ، ولكن على الاطلاق قد أعترض على الكيميائيين عندما يتكلمون عن القابليات الاختيارية للعناصر المختلفة – ومع ذلك فإنه من غير المستطاع ان يقال إن احد الاحماض قد اختار القاعدة التي يفضل أن يتحد بها. وقد سبق ان قيل اني اتحدث عن الانتقاء الطبيعي وكأنه قوة فعالة أو (إله) ، ولكن من الذي يقوم بالاعتراض على مؤلف يتحدث عن التقارب بالجاذبية على أساس انه المسيطر على حركات الكواكب؟ - كل إنسان يعلم ما الذي يعنيه أو ما الذي ينطوي عليه استخدام مثل هذه التعبيرات المجازية ، وهذه التعبيرات غالباً ما تكون ضرورية بغرض الايجاز. وهكذا للمرة الثانية فإنه من الصعب تجنب تجسيد كلمة (طبيعة) ، ولكني أعني فقط بكلمة (طبيعة) المفعول الاجمالي والنتيجة للكثير من القوانين الطبيعية ، واعني بكلمة (قوانين) تعاقب الاحداث كما تم التحقق منها بواسطتنا. ومع القليل من الالفة والاعتياد فإن مثل هذه الاعتراضات السطحية سوف تجحد طريقها للنسيان"[9].

"انا مقتنع تماماً بأن الانتقاء الطبيعي يعمل عادة ببطء شديد. وهو يستطيع أن يعمل فقط عندما يكون هناك أماكن في التشكيل الطبيعي لإحدى المناطق من الممكن أن تشغل بشكل أفضل بواسطة التعديل لبعض من القاطنين الموجودين فيها. والتواجد لمثل هذه الاماكن سوف يكون في الغالب معتمداً على التغييرات المادية ، التي تحدث في العادة ببطء شديد ، وعلى المنع لهجرة الاشكال المتكيفة بشكل أفضل. وبما ان البعض القليل من القاطنين القدامى قد أصبح معدلاً ، فإن العلاقات المتبادلة للآخرين سوف تضطرب غالباً ، وهذا من شأنه أن يخلق أماكن جديدة ن مستعدة لأن تمتليء بواسطة أشكال متكيفة بشكل أفضل ، ولكن كل هذا سوف يحدث بمنتهى البطء"[10].

بينما تحدث دوكنز في كتابه (صانع الساعات الاعمى) عن الانتخاب الطبيعي فوصفه بقوله:

"الانتخاب الطبيعي ، تلك العملية الاتوماتيكية العمياء غير الواعية التي اكتشفها داروين والتي نعرف الآن أنها تفسر بيولوجيا الحياة ، فليس له عقل فيه هدف. إنّه بلا عقل ، وبلا عين لعقل ، وهو لا يخطط للمستقبل ، وليس له رؤية ، ولا بصيرة للأمام ، ولا بصر على الاطلاق ، وإذا كان من الممكن أن يقال عنه أنه يلعب دور صانع الساعات في الطبيعة فهو صانع ساعات (أعمى)"[11].

 

وسبق ان ذكرنا في الفصل الرابع ان داروين حذّر ممن يعطي للانتخاب الطبيعي دوراً أكبر مما يقترحه له، حيث يقول:

"العديد من الكتّاب قد اخطأوا الفهم أو اعترضوا على مصطلح (الانتخاب الطبيعي) وبعضهم وصل الى أنه تخيّل أن الانتقاء الطبيعي يسبب التمايز، مع انه لا يتضمن إلا الحفاظ فقط على مثل هذه التمايزات كما تظهر، وكانت مفيدة للكائن تحت تأثير ظروف حياته"[12].

إذن الانتخاب الطبيعي لا يسبب التمايز بل يحافظ على التمايز بحسب داروين! وكل ما يحاول دوكنز ان يعطيه للانتخاب الطبيعي من مهام خيالية لن تجد لها محط قدم لا في ارض الواقع ولا في مفهوم التطور الذي وضعه داروين.

وفي مناظرته مع جون لينكس، يقول دوكنز:

"ان الغاية الكلية للانتخاب الطبيعي الدراويني هو انها تعمل بدون تصميم وبدون بصيرة وبدون ارشاد ... الانتخاب الطبيعي هو قوة عمياء، فما يبقى حياً يبقى، ويمكننا بالادراك المتأخر ان نلاحظ ان الحيوانات الباقية هي القادرة على البقاء، فلديها الجينات التي تجعلها تبقى، ... الانتخاب الطبيعي هو قوة آليّة عمياء تلقائية، لا استطيع ان اقول غير مُرشَدة، ولكنها لا تحتاج الارشاد، النقطة الجوهرية هو انها تعمل بلا ارشاد"[13].

ولنا ملاحظة على رؤية دوكنز للانتخاب الطبيعي، فإذا كان الانتخاب الطبيعي له وجود في الواقع بحسب ما وصفه به في عباراته هذه، أفلا يتوجب ان نسأل عمّن اعطى هذه الصفات للمادة الحيّة في إطار ما يسمى بالانتخاب الطبيعي؟ هل المادة الحيّة اكتسبت صفة الانتخاب الطبيعي تلقائياً؟! ولا ننسى ان وظيفة الانتخاب الطبيعي هي الحفاظ على التمايز بعد ظهوره بحسب داروين وليس استحداث التمايز بحسب دوكنز.

اذا كان الانتخاب الطبيعي يعمل بدون تصميم وبدون ارشاد وهو اعمى وجاهل إلخ ، فما هي الآلية التي يستخدمها للحفاظ على التمايز؟ وما زالت آلية الانتخاب الطبيعي مجهولة ومع ذلك يتقبلها داروين ودوكنز ولا يجدون بينها وبين العلم تعارض ! وإذا كانت الآلية التي يستخدمها الانتخاب الطبيعي مجهولة فكيف يصفه دوكنز بأنه بسيط ؟! ربما يقول قائل بأن دوكنز يعتبر الانتخاب الطبيعي بسيط لكونه حافظ على التمايز منذ الخلية الاولى التي ربما قد يفترض احدهم انها كانت بسيطة، ولكن هل كانت الخلية الاولى بسيطة فعلاً؟ وهل كانت الظروف التي يرى بعض الملحدين ضرورة توفرها لانتاج ونشوء الخلية الاولى هي ظروف بسيطة؟ الظاهر انه لا الخلية الاولى من حيث تركيبها تتمتع بالبساطة ولا من حيث الظروف المحيطة بها تتمتع بالبساطة ! ونقتبس من مقال منشور في مجلة الملحدين العرب ما يبين تركيب الخلية من جهة ومستوى التعقيد الموجود فيها، وكذلك وجهة نظر او فرضية الملحدين في كيفية نشوء الخلية الاولى والظروف المعقدة التي احاطت بها. جاء في المقال:

"قبل التعمق حول تشكيل الخليّة الاولى يجب ان يكون مفهوماً أولاً ما هي الخلايا. تتكون كل أشكال الحياة من الخلايا. الذي يجعل الكائنات الحية مختلفة هو عدد الخلايا، وما هو نوع الخلايا، وكيف يتم تنظيم هذه الخلايا. العديد من الكائنات الحيّة الدقيقة تتكون من خليّة واحدة فقط، والتي تنفّذ جميع الوظائف المطلوبة من أجل البقاء. الكائنات الحيّة الاخرى تتكون من خلايا أكثر، مثل البشر، الذين يحتوون على أكثر من تريليون خلية معظمها متخصص لوظيفة معينة. كل الخلايا تتكون من العديد من اجزاء أصغر. هناك نواة موجودة في معظم الخلايا، التي تحتوي على الحمض النووي (الحمض النووي الريبي منقوص الاكسجين)، الذي يخزن برنامج الخلية. هناك الميتوكوندريا التي تحطم المركبات وتنتج الطاقة. هناك أجزاء أخرى كثيرة في الخليّة، لكل منها وظيفة محددة. هذه الاجزاء من الخلية تتكون من البروتينات، والتي تتكون من سلاسل طويلة من الاحماض الامينية، والتي تتكون من مجموعات مختلفة من العناصر الاساسية من الكربون (C)، والهيدروجين (H) والنيتروجين (N)، والاوكسجين (O). من جميع أنواع التركيبات الممكنة لتشكيل الاحماض الامينية، تستخدم 20 فقط في البروتينات. ومع ذلك يمكن لهذه الاحماض الامينية الـ 20 ان تشكل تقريباً أعداد لا نهائيّة من التركيبات لإنشاء عدد لا نهائي تقريباً من البروتينات.

ولكن كيف تم إنشاء الخليّة الاولى؟ اقترح تشارلز داروين أن البروتينات الاولى تطورت من مادة غير حيّة. ولكن كيف حدث هذا؟ أولاً، الارض لم تكن كما هي اليوم منذ 3 الى 4 مليارات سنة مضت عندما المركبات العضوية الاولى يجري تشكيلها. الغلاف الجوي في وقت مبكر كان حار جداً لللأكسجين (O) والنيتروجين (N)، وغيرها من العناصر ان توجد وحدها كم هي اليوم. هذه العناصر اجتمعت لتشكيل غاز الميثان (CH4) والأمونيا (NH3)، وبخار الماء (H2O)، كبريتيد الهيدروجين، جزيئات الهيدروجين (H2)، إلخ. هذه كان كل شيء، وبالتالي كان يسمى الغلاف الجوي المبكر (الغلاف الجوي المختزل). كذلك لم يكن هناك اكسجين متوفر لتشكيل طبقة اوزون (O3) لحماية الارض من الاشعة فوق البنفسجية القاسية من الشمس. أيضاً كان هناك عواصف كهربائية عنيفة، وكانت أكثر عنفاً من أي من التي تحدث اليوم. في عام 1924 الكسندر اوبارين افترض أن المركبات العضوية تشكلت في الارض مبكراً عندما كانت الطاقة العالية التي تقدمها الاشعة فوق البنفسجية والعواصف، تسببت بتفاعل الجزيئات المختلفة، وانشاء مركبات عضوية جديدة، مثل الاحماض، RNA ، DNA"[14].

هذا جزء من المقال نقلناه ليبين وجهة نظر إلحادية عن ظروف الارض وقت ظهور الخلية الاولى بحسب فرضيتهم الالحادية، وكذلك استعرضنا من نفس المصدر التعقيد الذي تشتمل عليه الخلية، ليتبين للقاريء ان تركيب الخلية بظهورها الاول والظروف التي احاطت بظهورها في الكرة الارضية بحسب فرضيتهم هم انفسهم كان تركيباص معقداً وظروفاً معقدة بعيدة عن البساطة التي يفترض دوكنز ان الانتخاب الطبيعي قد ظهر به حينما يشير الى انه يبحث عن رافعة ترفع الكائنات الحية وتطورها من الخلية الاولى البسيطة الى الكائنات المعقدة. فالموضوع منذ بدايته كان معقداً. ومن الجدير بالذكر ان الملحدين لحد يومنا هذا لم يتمكنوا ان يثبتوا نشوء خلية حية واحدة بصورة تلقائية، وعجزوا عن ان يهبوا الحياة ولو لخلية واحدة. وهذا متوقع فالحياة لا يهبها سوى الله تبارك وتعالى. والموضوع ليس كما يصوره دوكنز بتعبيره (إله الفراغات) والذي يقصد به ان المؤمنين يتذرعون بكل ما يجهلونه وبكل ما لا يتوصل اليه العلم بانه من صنع الإله وكلما تطور العلم قلت المساحة التي يشغلها الإله او التي ينسبونها للإله! كلا فالامر ليس على هذا النحور. فجميع المكتشفات العلمية انما توصلت الى طبيعة الموجودات او كيفية عملها، مثل اكتشافهم وجود الجاذبية، واكتشافهم تركيب الدم، واكتشافهم وجود النجوم والمجرات، غير ان العلم لم يتمكن ان يصنع دماً طبيعياً او نجماً او جاذبية ارضية! فالعلم يكتشف ما خلقه الإله ولكنه يعجز عن الاتيان بمثله. فلا يوجد (إله فراغات) في الواقع، إنما ما يفعله الإله وما يقدر عليه لا يقدر عليه ايٍ من مخلوقاته.

 

ويقول دوكنز:

"بمعرفتنا إننا نتاج إنتخاب طبيعي دارويني، يجب ان نسأل عن الضغوطات التي ارسها الانتخاب الطبيعي والتي خدمت النزعة الدينية. سؤال تبرز اهميته الفائقة بمجرد نظراً للمطلب الاساسي في الداروينية وهو الاقتصاد بالمصادر"[15].

والترجمة العربية للجملة الاخيرة غير واضحة المعنى، مما الجأنا للنص الانكليزي الاصلي وهي قول دوكنز:

"The question gains urgency from standard Darwinian considerations of economy".

ومعناها: "السؤال يكتسب الإحاح من الاعتبارات الداروينية القياسية للاقتصاد".

ويستمر دوكنز قائلاً:

"الدين مبذر، بل تبذير هائل، والانتخاب الدارويني بطبيعته يستهدف ويُلغي التبذير. الطبيعة كالمحاسب البخيل الممسك بقوة بقروشه ويراقب الساعة ويُعاقب أقل تبذير بدون رحمة وبدون إجازة (يقوم الانتخاب الطبيعي كل يوم وكل ساعة وفي العالم كله بمراقبة كل التغيرات حتى ادقها) كما يشرح داروين (يرفض ما هو سيء ويحافظ ويزيد ما هو جيد، يعمل بصمت وبدون اكتراث وكلما سنحت الفرصة لتحسين كل نظام حي). لو مارس حيوان ما نشاطاً معيناً بدون فائدة فإن الانتخاب الطبيعي سيخدم منافسيه الذين يخصصون وقتهم وجهدهم لأجل البقاء والتكاثر. الطبيعة لا تملك مساحة لـ (بهجة روحانية) طائشة. النفعية العديمة الرحمة تنتصر، حتى ولو بدا لنا ذلك مختلفاً في بعض الاحيان"[16].

ولكن كيف يكون الدين مبذراً؟! انظروا لاستنتاج دوكنز! يقول:

"من النظرة الاولى لذيل الطاووس نرى بأنه مثال فريد للتبذير. حيث يبدو مستحيلاً أن يكون ذات منفعة بقائية لصاحبه. ولكنه يفيد المورثات التي تجعلهُ مُميزاً عن منافسيه الأقل جمالية. الذيل أشبه بحملة دعائية تضمن لصاحبه مكانهُ في سوق الطبيعة من خلال جذب الاناث"[17].

... الى ان يقول:

"بالنسبة لأي تطوري، تبدو الطقوس الدينية كذيل الطاووس في ساحة مشمسة (التعبير مأخوذ من دانييل دينيت). السلوك الديني بشكل عام هو النظير الانساني للتنميل أو بناء الكوخ للطيور. تحتاج لوقت وطاقة وغالباً بذخ تبذيري كما في حالة ريش الطيور الجنة"[18].

هل لاحظتم التناقض في افكار دوكنز ! فأولاً يقول الدين مبذّر بينما الانتخاب الطبيعي مقتصد، ثم يقول ان ذيل الطاووس مثال للتبذير ثم يجد له فائدة من خلال جذب الاناث، ثم يقول ان الطقوس الدينية كذيل الطاووس ! ثم يتهم الدين بانه مبذّر ويتناسى انه يعتقد بأن الانتخاب الطبيعي هو الذي صنع ذيل الطاووس بينما يجب عليه ان يكون مقتصداً لا مبذراً ! وهذا يعني ان الدين اذا كان كذيل الطاووس فهو مقتصد وليس مبذر !!

... دوكنز لا يعرف ما يقول !!!

نعم الدين كذيل الطاووس، وهناك من الطقوس الدينية ما فائدتها لا تدركها العقول البشرية، وانا بذلك الدين السماوي الحق، وطقوسه الحقة، وليست الطقوس الموضوعة من قبل البشر ولا سيما في الاديان المحرّفة حتى لو كانت سماوية المنبع. فالدين كذيل الطاووس يتهمه دوكنز وآخرون بأنه ليس فيه فائدة ولا لطقوسه غرض معقول، وذلك بسبب جهلهم للفوائد المغروسة في الدين والتي قد لا تدركها عقول البشر. كذيل الطاووس الذي كانوا ينتقدونه بأنه مجرد الوان ليس فيها فائدة الى ان مرّت سنوات واكتشفوا فائدة جذبه للاناث.

ويتسائل دوكنز عن فائدة الدين!

"ما فائدة الدين؟ (الفائدة) هنا تعني داروينياً بعض زيادة قدرة الفرد على البقاء جينياً".

ثم يكتب سطور كثيرة مليئة بالترهات عن الانتخاب الجمعي والجين الاناني وحيوانات تتصرف تبعا لطفيليات بداخلها ! والنظرية المركزية !!

ولا يخفى علينا أن تأثّر دوكنز ببيئة الديانة المسيحية كان له الاثر في تكوين افكاره عن الدين، ونحن نعلم ان المسيحية ليست هي الدين الحق السماوي النقي، بل إنَّ لها جذور في الديانة السماوية الاصلية الى أن ادخل بولس عليها تحريفاته القائمة الى يومنا هذا. ولذلك عندما ينتقد دوكنز الدين او عندما يتعرض للسخرية من الدين فإنما يقصد هذا الدين المنحرف المشوّه، وبوجود دوافعه النفسية المسبقة نحو الإلحاد لم يعد بإمكانه التمييز بين الدين السماوي الحق النقي الذي هو الاسلام المحمدي الاصيل وبين الاديان السماوية المحرّفة كالمسيحية واليهودية او الاديان الوضعية كالبوذية والهندوسية والصابئية وغيرها.

لقد خلق الله تبارك وتعالى الكون وسن له قوانين لا ينفك عنها ولا تنفك عنه إلا بإذنه. وتلك القوانين هي التي جعلت أينشتاين يقول بحتمية الطبيعية وحتمية الحياة، فكل شيء يخضع للقوانين التي خلقها الله سبحانه وتعالى. وخلق الله تبارك وتعالى الانسان، وجعل له إرادة حرّة في اختياراته الحياتية، كما قال تعالى في سورة البلد: ((أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ، وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)). وقال تعالى في سورة الدهر: ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)).

فعلى الانسان لكي يكون منسجماً مع الكون الحتمي القوانين ان يخضع لقوانين إلهية تسيّر حياته ولكن بإرادته هو. وهذه هي عظمة الانسان والقيمة الكبيرة التي اعطاها الله عزَّ وجل له. فالدين هو الذي يجعل الانسان ينسجم مع محيطه الطبيعي ويتناغم مع حتميته من خلال عمله بالقوانين الدينية التي وضعها الله تبارك وتعالى له والتي تصب في مصلحة حياته ومعيشته. إذن يمكن ان نلخص فائدة الدين بأنه يجعل الانسان متناغماً مع محيطه الطبيعي الحتمي. وهو ما يصب في مصلحته المعيشية. إذن يمكن تلخيص فائدة الدين في أنَّ الانسان من خلال الدين يمكنه الاندماج في محيطه الطبيعي الحتمي، وهو ما يوفر له حياة رغيدة عنوانها طاعة الله.

ويقول دوكنز:

"مع ان التفاصيل تختلف عبر العالم ولكن ليس هناك حضارة معروفة لم يكن فيها نسخة من الطقوس المستهلكة للوقت والصحة ومثيرة للعداوة والتخيلات المخالفة للواقع. ربما أن بعض المثقفين أهملوا الدين ولكن الجميع تربى في حضارة دينية وكان عليهم في وقت ما أن يتخذوا قراراً لتركه. والنكتة الايرلندية: (هل انت ملحد كاثوليكي أم ملحد بروتستانتي؟) تصرخ بمرارة الحقيقة"[19].

فلماذا لا يفسر لنا دوكنز كيف ان الانتخاب الطبيعي لم يغير تفكير الانسان لكي لا يتجه للتفكير بالدين والطقوس ؟! بل لماذا زرع الانتخاب الطبيعي فكرة الدين والطقوس في الذهن البشري ولم يغيرها عبر مراحل التطور التي استغرقت ملايين السنين بحسب فرضيات الملحدين !!

 

الفوائد المباشرة للدين:

يقول دوكنز:

"هناك القليل من الادلة بأن الايمان الديني يؤمن بعض الحماية من الضغط النفسي والامراض الناتجة عنه. الادلة ليست قوية وصدقها ليس مفاجأة لي وذلك لنفس السبب الذي يؤدي لفعالية التداوي من خلال التبرك في بعض الحالات. اتمنى انه ليس من الضروري اضافة بأن حدوث فوائد كهذه لا يعني بأن هناك قيمة حقيقية وراء الزعم الديني. وبكلمات برناردشو: (الواقع بأن المتدين هو أسعد من المتشكك لا يتعدى كونه أكثر نسبية من أن السكران أسعد من الصاحي)"[20].

ان التحدث عن فوائد الدين لا يمكن ان تتم بصورة متكاملة بهذه الطريقة السطحية التي يتناول بها دوكنز الموضوع! ففوائد الدين لها ابعاد عديدة، فمنها البعد الاجمالي لفوائد الدين، ومنها البعد التفصيلي للعبادات الدينية ، وومنها فوائد الشعائر الدينية. كما يجب ان يبحث الموضوع في اتجاه الفوائد النفسية للدين، والفوائد الجسدية له. كما ان للدين فوائد على البعدين الاجتماعي والاقتصادي. كالعبادات الجماعية، في صلاة الجمعة والحج. وفي تحريم الربا وتنظيم المعاملات التجارية بحيث يكون لها مردود مالي ونفسي سليم في الوقت نفسه. اما فوائد الصلاة والصيام على ناحية الصحة الجسدية للانسان والصحة النفسية له، فمعروفة، وهناك العديد من المؤلفات والمقالات التي تناولت هذه الامور ولا نحب تكرار ما ورد فيها.

غير ان الفائدة العامة الكليّة التي نراها للدين هو انه يجعل الانسان في تناغم مع محيطه وفي تناغم مع الكون. وإذا تناغم الانسان مع محيطه الطبيعي والكون فهذه أسمى غاية يمكن ان يدركها الانسان. وهناك عدم فلسفات تحاول ان تدّعي انها تؤدي الى تناغم الانسان مع الطبيعة والكون، غير ان التناغم الحقيقي لا يحدث الا من خلال الدين الذي انزله خالق الانسان، فهو الاعرف بالانسان واحتياجاته.

وسبق ان ذكرنا ان الكون كلّه قد خلق وهو خاضع لقوانين فيزيائية حتمية لا يمكنه الخروج عنها او التملّص عنها، وهذا الامر قد لاحظه العلماء واثبتوه، ولذلك ترى العديد منهم ذهب الى حتمية الكون والطبيعة. إلا الانسان، فقد خلقه الاله حراً في اختياراته، ولكن الإله يريد منه ان يخضع لقوانين دينية ترتقي به وترتفع به الى مستوى التناغم مع الطبيعة والكون، فيكون خاضعاً لقوانين إلهية بإرادته كما ان بقية الكائنات تكون خاضعة للقوانين الإلهية الفيزياوية بصورة حتمية. فيحدث التناغم بين الانسان والطبيعة لكونهما ينقادان لقوانين حتّم الإله الخضوع لها، مرة بصورة إجبارية فيما يخص الطبيعة ومرة بصورة طوعية فيما يخص الانسان.

ان الدين ليس قضية نفسية معنوية ايحائية فحسب بحيث يكون لأي دين سماوي او وضعي نفس الاثر على نفس الانسان وجسده وعلاقته بمحيطه، كما يظن الملحدون، بل هو قضية لها اثر واقعي، سواء على نفس الانسان او على جسده وعلى علاقته مع محيطه.

وحيث ان الدين هو امر يتلو وجود الإله. إذ لا دين بلا إله، كما هو معلوم. فمن الواضح ان الحديث عن فوائد للدين، المباشرة وغير المباشرة، لا فائدة فيه ما لم يتم بدون الانتهاء اولاً من قضية الايمان بوجود الإله. إذ بدون هذا الايمان ستكون قضية فوائد الدين جدلية، ويكون التحدث عنها عبثياً. فلا بد من التدرج في مناقشة القضايا والانتهاء منها تدريجياً، لأنه من غير الصائب مناقشة قضية واساسها غير متفق عليه!

فببساطة شديدة، إذا كان الإله موجود فدينه حق وذو فائدة مؤكدة للبشر، لأن الإله لا يفعل العبث. وإذا لم يكن موجوداً كما يتوهم الملحدون، فما هناك فائدة في اثبات ألف فائدة للدين امامهم!

وتحدث دوكنز حول عجز نظرية التطور عن تفسير سبب الجاذبية الدينية، فقال:

"الدارويني يريد ان يعرف ما سبب ضعف الانسان اما الجاذبية الدينية، وعليه فهو معرض للاستغلال من قبل الحكام ورجال الدين والملوك"[21].

وهذا الاشكال قد يشكل نقطة ضعف على مفهوم التطور لدراوين، فإذا كان التطور هو نتيجة التمايزات التي يسيّرها مفهوم البقاء للاصلح، فلماذا لم يقوم التطور بغنهاء التفكير البشري بوجود الإله والحاجة اليه ؟! بل لماذا لم يقضِ التطور على الجاذبية الدينية، وقد اعترف دوكنز بوجود تلك الجاذبية فيه؟!

ألا يكشف ذلك للملحد ان الفكر الديني عند الانسان ليس مصدره التطور الدراويني، وان هناك حقيقة خالدة وراء هذا الفكر الخالد!

 

الانتخاب الجماعي:

يقول دوكنز انه ليس من مؤيدي "نظرية الانتخاب الجماعي"[22]، ولم يتبين لي سبب ذكرها في هذا الكتاب اذا كان هو نفسه لا يؤيدها !! حيث ان هذه النظرية لا علاقة لها بموضوع الكتاب، لا تاييداً ولا نفياً! وليس في هذه الفقرة ما يستأهل المناقسشة ضمن إطار إثبات وجود صانِعٍ للكون.

 

الدين كناتج عرضي لشيء آخر:

ربما يكون هذا الفصل من اكثر فصول الكتاب التي تكلّف دوكنز فيها لاثبات فكرة بعيداص عن الادلة والقرائن المقنعة!

في هذا لفصل نكتشف ان دوكنز في ورطة حقيقية سببها انه عاجز عن الجمع بين فكرة الانتخاب الطبيعي الذي يعمل وفق آلية البقاء للاصلح، وبين سماح الانتخاب الطبيعي بوجود فكرة الدين في العقل البشري! فإذا كان البقاء للاصلح فإن سماح الانتخاب الطبيعي للدين للبقاء في عقل الانسان مع كل هذه المراحل التطورية التي رافقت ظهور الانسان معناه ان الدين هو الاصلح للانسان، وهذه النتيجة هي بخلاف مراد الملحد. ولذلك يحاول دوكنز بلا جدوى التذرع لشرح سبب قيام الانتخاب الطبيعي بإنتخايب الدين في عقل الانسان بذهابه الى ان الانتخاب الطبيعي لم يقصد الدين بما هو دين بل قصد امراً آخر وكان الدين ناتج عرضي له!! طبعاً هذه الفكرة التي حاول دوكنز اثباتها بسفسطة كبيرة لم تفلح في مسعاه لانه وقع في النهاية بتناقضات عديدة كما وقع في ضعف الربط بين افكاره التي يحاول جمعها لاثبات فرضيته التي اثبت هو نفسه بعدم تمكنه من ايجاد القناعة المطلوبة لها بأنها فرضية متهالكة بل وهو نفسه رسّخ الشبهة التي حاول تفنيدها، ففعلا لو كان الانتخاب الطبيعي يعمل وفق آلية البقاء للأصلح فلماذا أبقى الدين وأهميته في العقل البشري.

والظاهر ان دوكنز اخذ فكرة ان الدين كناتج عرضي من روبرت هيند في كتابه (لماذا تستمر الآلهة) وباسكال بوير في كتابه (تفسير الدين) وسكوت آتران في كتابه (في الإله نحن نثق)[23] حيث قال دوكنز ان هؤلاء الثلاثة ذكر كل منهم على حدة "فكرة الاديان كناتج عرضي لعوامل نفسية طبيعية"[24]! وبلا شك فإن هؤلاء يعبرون عن آرائهم وفقاً لدوافعهم النفسية.

يستخدم دوكنز لتقريب فكرته مثال حشرة العث التي تستخدم ضوء القمر والنجوم للاستدلال على طريقها ولكنها حينما تلاقي ضوء الشمعة فإنها تتجه نحوها بحركة لولبية تظهرها وكانها تسلك سلوكاً انتحارياً. فهذا السلوك الانتحاري ليس في حقيقته انتحار من قبل حشرة العث. وهكذا يريد دوكنز ان يقول ان الانسان يؤمن بالدين كناتج عرضي، وان الانتخاب الطبيعي لم يقصد ترسيخ فكرة الدين في العقل البشري بل قصد شيئاً آخر وكان ترسيخ الدين في عقل الانسان كناتج عرضي! يقول دوكنز: 

"ربما كان السلوك الديني مجرد حادث، مجرد ناتج عرضي لنزعة نفسية خفية، والتي في احوال اخرى قد تكون أو كانت مفيدة. وبوجهة النظر تلك، فإن النزعة التي انتخبت طبيعياً في اسلافنا لك تكن ديناً بحد ذاته، بل كان لها منافع أخرى، وبلورت نفسها كدين مصادفة. سنفهم السلوك الديني أولاً عندما نعطيه أسماً ثانياً. فإذا كان الدين اذن ناتجاً عرضياً لشيء آخر، فما هو هذا الشيء؟"[25].

ويذكر دوكنز فكرته فيقول:

"الانتخاب الطبيعي بنى كخ الطفل مع ميل لتصديق ما يقوله الاهل والكبار في السن من أهل العشيرة لهم. وطاعة الثقة تلك مهمة للبقاء: بطريقة مشابهة للتوجه بالقمر بالنسبة لحشرة العث. ولكن الوجه الآخر للطاعة والثقة هو السذاجة الخانعة. كناتج عرضي لا مناص منه يسبب الضعف تجاه عدوى الفايروسات الفكرية. ولسبب ممتاز مرتبط بالبقاء الدارويني يحتاج دماغ الطفل للثقة بالابوين والاخرين الاكبر سناً والذين قيل لهم من قبل الابوين أن يثقوا بهم. والنتائج الآلية هي أن الطفل ليس لديه أي طريقة يميز بها النصيحة الجيدة من السيئة. ليس بإمكان الطفل معرفة أن (لا تسبح في النهر الذي تنتشر فيه التماسيح) هي نصيحة جيدة بينما (يجب أن تضحي بخروف عندما يكتمل القمر والا فلن ينزل المطر)، هي في أفضل حالاتها مضيعة للوقت والخراف. التحذيران أتيا من مصدر محترم وبلهجة جدية تستوجب الاحترام والطاعة. والشيء نفسه ينطبق على المقترحات عن الكون والعالم، والاخلاق والطبيعة الانسانية. عندما يكبر الطفل ويصبح لديه أو لديها اطفالهما الخاصين غالباً ما يتم تمرير هذه الخبرات كلها للاطفال، المهم والغير مهم أيضاً، وذلك باستعمال نفس الاسلوب في اللهجة المعدية. وبهذا النموذج المذكور علينا ان نتوقع أنه في مناطق جغرافية مختلفة يجب أن توجد أنواع مختلفة وأعتباطية من المعتقدات، ولا احد منها يملك أي قاعدة واقعية وسيتوارث ويصدق من قبل المجموعة بنفس الطريقة على انه جزء من التراث الحكيم كما يصدق المفيد منها مثل بأن السماد مفيد للمحصول. وعلينا أن نتوقع أيضاً أن الغيبيات والامور الاخرى الغير واقعية ستتطور محلياً وتتغير عبر الاجيال بشكل عشوائي أو بشكل يتبع نوعاً من الانتخاب الدراويني، حتى نرى ظهور أشكال جديدة من المعتقدات المستحدثة التي تختلف كلياً عن الاصل. تبتعد عن أصلها المشترك لو اعطيت وقتاً كافياً في مناطق جغرافية متباعدة، ... ، ويبدو أن الشيء نفسه صحيح فيما يتعلق بأنواع الايمان الاعتباطية والمحقزنة عبر الاجيال، معتقدات ساعدتها أدمغة الاطفال القابلة للبرمجة بالاستمرار"[26].

ان الانتحار في مثال حشرة العث يكون ناتجاً عرضياً لأنه غير مقصود في سلوكها، اما في مثال طاعة الابن لأبيه فهو يطيعه في كل اوامره، وما ينتج عن ذلك من دين ليس امراً غير مقصوداً كما في حالة حشرة العث، بل هو دين مقصود وطاعة مقصودة تمت تربية الطفل عليها، وسواء تحولت بعض الاوامر التي يطيعها الطفل الى دين ولم يتحول البعض الاخر اليه، كما في المثالين اللذين ذكرهما دوكنز، فإن ما يتحول الى دين انما يتحول عن قصد وليس عن ناتج عرضي. بمعنى انك لو اتيح لك ان تسأل حشرة العث هل تقصدين الانتحار باقترابك من الضوء ثم الاحتراق لنفت ذلك ولبينت لك انها انما تتجه نحو الضوء وفق نظام الاتجاهات الذي تملكه. اما اذا اتيح لك ان تسأل الطفل هل تقصد ان تتعبد وتتدين بكلام ابوك من خلال طاعته، لاجابك بالايجاب انه يعتبر كلام ابوه بمثابة اوامر مقدسة يجب اطاعتها وانه يتدين بها.

 اما اذا كان دوكنز يقصد ان الافكار التي يتعلم الطفل طاعتها بصرامة تتحول بمرور الوقت الى دين دون ان يكون المقصود انه دين، فليست العبرة بوجود الاصطلاح (الدين) او عدمه، وإنما العبرة بوجود القصد بطاعة ذلك الكلام والاوامر الابوية التي تصدر، فما دامت هناك طاعة للاوامر من قبل الاطفال فهم معتنقون للدين من حيث مفهومه، أي معتنقون لمفهوم الدين. فليس هناك ناتج عرضي يمثله ظهور الدين ما دام هناك قصد مسبث من قبل الطفل والاب.

ومن جهة اخرى، يمكننا ان نتسائل: ما هو موقف فكرة دوكنز: (الدين كناتج عرضي) من الاخلاق؟ هل يريد دوكنز ان يتم الغاء الاخلاق من الدين؟! مثلا هل يقبل دوكنز بأن يسير الناس عراة في الشوارع باعتبار ان "لا دين" حقيقي موجود و"لا إله" ! ام يقبل بان يتزوج الاخ اخته والاب ابنته والام ابنها بالإعتبار نفسه؟؟؟ ام يريد ان يسود عقوق الوالدين ونكران فضلهما في تربية ابنائهما، وهجران الاقارب، ام ان يسود مفهوم ان المنتصر في الدنيا بالظلم لن تناله عدالة حيث لا آخرة، فلا يكون هناك رادع معنوي امام الظالم المتسلط بقوة؟!!

اذا كان الدين ناتج عرضي فالاخلاق ايضاً هي ناتج عرضي!! واذا كانت الاخلاق ناتج عرضي فهي اذن شيء لم يسع الانتخاب الطبيعي الى ايجاده! واذا كانت كذلك فان الاخلاق لا تدخل ضمن الامور التي هي اصلح لبقاء الانسان، وبذلك يكون العري وزنى المحارم والظلم من الامور التي يريد الانتخاب الطبيعي ان تسود في الحياة وانها اصلح في بقاء الانسان، حيث ان داروين يعترف بان الانتخاب الطبيعي يعمل وفق آلية البقاء للاصلح. مع ان العلم يكذّب هذا الامر، وعلى اقل تقدير فالعلم يكذب ان يكون زنى المحارم اصلح لبقاء الانسان لانه ينتج مواليد في غالبيتها تكون مشوّهة ولا تعيش طويلاً. وهنا يبرز التناقض الرهيب الذي يفرزه منطق دوكنز بكون الدين ناتج عرضي!!!

وهكذا يتضح تهافت حجة دوكنز بأن الدين ناتج عرضي، فهو يتصور ان تربية الطفل على معتقدات دينية معينة هي السبب في كون الدين ناتج عرضي! ان الدين ليس مجرد افكار تم تلقينها للاطفال، بل هو حاجة مرتبطة بفطرة الانسان.

واذا كانت فكرة ان الدين ناتج عرضي قد اقتبسها دوكنز من الكتب الثلاثة التي ذكرها لمؤلفيها (روبرت هيند وباسكال بوير وسكوت آتران)، فهذا يعني تهافت هذه الفكرة عند هؤلاء ايضاً!

 

الاعداد النفسي للدين:

تكشف هذه الفقرة والفقرة التي سبقتها عن الورطة الكبيرة التي يجد دوكنز نفسه واقعاً بها بسبب تعارض مفهوم الانتخاب الطبيعي مع وجود الدين!! ولذلك لجأ الى اسلوب اللف والدوران والتحدث في مواضيع لا طائل من ورائها ولا علم تستند اليه، من اجل التغطية على الاشكالية الكبرى التي يعيشها انصار التطور: لماذا سمح التطور بوجود الدين في العقل البشري رغم انه يعمل وفق آلية البقاء للاصلح وهو ما يعني ان الدين هو الاصلح!

ولم ينجح دوكنز في هذه الفقرة، ولا في الفقرة السابقة، بإقناعنا بأن الدين يمكن ان يكون ناتجاً عرضياً، كما لم ينجح في حديثه هنا عن الاعداد النفسير للدين!!

يقول دوكنز:

"عالم النفس باول بلوم، محام آخر عن موضوع (الدين ما هو الا ناتج عرضي) يشير الى ان الاطفال لديهم الميل الطبيعي للفكر المثنوي في عقولهم، والدين بالنسبة له هو نتيجة هذه المثنوية الغريزية. نحن البشر وخصوصاً الاطفال مثنويون من الطبيعة، حسب قوله. المثنوي يعترف بالفرق الاساسي بين الروح والمادة. الوحدوي على العكس من ذلك، يؤمن بأن الروح هي شكل من أشكال المادة"[27].

وما دام دوكنز قد اقتبس من كلام باول بلوم Paul Bloom فعلى نفسها جنت براقش كما في المثل! وفيما يلي نقتبس من كلام له في مقاله المنشور في صحيفة ذاتلانتك The Atlantic بعنوان: هل الإله حادث؟ (Is God an Accident?) بعددهها في ديسمبر/ كانون الاول 2005م، نقتبس منه بعض العبارات ذات الصلة بالرد على كتاب دوكنز الذي نكتبه، ونتجاوز عما فيه مما قد نعارضه او لا نتفق معه بخصوصه اذ ليس مرادنا الرد على المقال المذكور. ثم نعود الى مناقشة كلامه الذي اقتبسه دوكنز.

سبق ان ناقشنا في الفصل الخاص بالمقدمة في كتابنا هذا كلام دوكنز في مقدمة كتابه عن عدد الملحدين ومزاعمه انهم الاغلبية، فنجد في مقال بلوم تفنيد لفكرة اغلبية الملحدين، حيث يقول:

"الولايات المتحدة هي طفل ملتصق بالاعتقاد الخارق للطبيعة، فقط حوالي كل شخص في هذا البلد -96% في استطلاع واحد - يؤمن بالله، وأكثر من نصف الأمريكيين يعتقدون بالمعجزات والشيطان والملائكة، ويعتقد معظمهم في الحياة الآخرة - وليس فقط بالمعنى الغامض الذي سنعيشه في ذكريات الناس الآخرين، أو في أعمالنا الصالحة، وعندما يسألنا عن التفاصيل، يقول معظم الأمريكيين أنهم يعتقدون أنه بعد الموت سيجتمعون بالفعل مع الأقارب ويجتمعون مع الإله. وُودي ألن Woody Allen قال ذات مرة: "أنا لا أريد تحقيق الخلود من خلال عملي. أريد تحقيقه من خلال عدم الموت ". معظم الأمريكيين لديهم هذا التوقع على وجه التحديد.

ولكن حالة أمريكا شاذّة، أليس كذلك؟ وقد أخذت هذه الإحصاءات في بعض الأحيان مؤشراً آخر على مدى اختلاف هذا البلد عن فرنسا وألمانيا، حيث تتمتع العلمانية بقدر أكبر من التأثير. الأميركيون من الأصوليين، وتوجههم هذا معزول عن التقدم الفكري الذي أحرزه بقية العالم.

هناك أمران خاطئان في هذا الاستنتاج. أولا، حتى لو وجدت فجوة بين أمريكا وأوروبا، ليست الولايات المتحدة هي المتميزة، بعد كل شيء. وبقية العالم - آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط - ليست مليئة تماما الملحدين المتشددين. إذا كان على المرء أن يتحدث عن الاستثنائية، فإنها تنطبق على أوروبا، وليس الولايات المتحدة.

ثانيا، قد تكون الفجوة الدينية بين الأميركيين والأوروبيين أقل مما نعتقد، حيث يرى علماء الاجتماع رودني ستارك، من جامعة بايلور، وروجر فينك، من جامعة ولاية بنسلفانيا، أن الفرق الكبير يتعلق بحضور الكنيسة، وهو في الحقيقة أقل بكثير في أوروبا"...

... "تظهر معظم استطلاعات الرأي من الدول الأوروبية أن غالبية شعوبها مؤمنون. لو نظرنا الى أيسلندا، فوفقاً لمعدلات تشورشينغ Rates of churchgoing، أيسلندا هي الدولة الأكثر علمانية على وجه الأرض، مع نسبة مثيرة للشفقة هي 2% للحضور الأسبوعي، لكن أربعة من أصل خمسة آيسلنديين يقولون أنهم يصلّون، ونفس النسبة تؤمن بالحياة بعد الموت"[28].

  ثم يتحدث بلوم عن الالحاد بين العلماء فيقول:

" وقد سأل استطلاع رأي عام 1996 العلماء عما إذا كانوا يؤمنون بالله، وأن استطلاعات الرأي لم يستعملوا اسألة عامة او مطاطية من قبيل "أؤمن بكل ما هو موجود" أو "ما هو جميل وغير معروف"؛ بدلا من ذلك، أصروا على إله الكتاب المقدس الحقيقي، يمكن للمؤمنين أن يصلي إلى و في الواقع الحصول على إجابة من. وقال حوالي 40 في المئة من العلماء نعم إلى الاعتقاد في هذا النوع من الله عن نفس النسبة وجدت في استطلاع مماثل في عام 1916. فقط عندما ننظر إلى معظم العلماء النخبة - أعضاء الأكاديمية الوطنية للعلوم - نجد الغالبية العظمى من الملحدين والعلماء"[29].

ومن المفارقات ان هناك احتمال ان اعضاء "الاكاديمية الوطنية للعلوم" ربما لا يسمحون بالانضمام اليهم الا للعلماء الذين يكونون ملحدين، مما يؤدي الى ان غالبية اعضاء هذه الاكاديمية هم من الملحدين!! وهو نفس الامر الذي كان يجري في "الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق" الذي كان غالبية اعضاءه في فترة ما من الشيوعيين، حيث تأسس في 7 آيار سنة 1959م، أيام المد الشيوعي في العراق ومطالبتهم عبد الكريم قاسم بتولي السلطة معه! فكانوا لا يسمحون لغيرهم بالانضمام اليهم، ثم يظهرون للآخرين ان الشيوعيين هم الادباء والكتاب والمثقفون!!

ويميز بلوم بين نوعين من التعاليم الدينية، فيقول:

"ولكن هذا السيناريو يفترض حساب خاطئ من حيث تأتي أفكار خارقة للطبيعة. التعاليم الدينية بالتأكيد تشكيل العديد من المعتقدات المحددة التي نحملها؛ لا أحد ولد مع فكرة أن مهد البشرية هي حديقة عدن، أو أن الروح يدخل أو أن الشهداء سوف يكافأون بالاعتداء الجنسي على العشرات من العذارى، إلا أن هذه الأفكار يتم تعليمها، إلا أن المواضيع العالمية للدين لا يتم تعليمها، فهي تظهر كمنتجات ثانوية عرضية لأنظمتنا العقلية، جزء من الطبيعة البشرية "[30].

فيرى ان تعاليم وجود الروح ودخولها الجسد اثناء الحمل والحساب في اليوم الآخر وان الشهداء يحصلون على الحور العين هي تعاليم يتم تعلمها من قبل الانسان، اما (ولكن المواضيع العالمية للدين لم يتم تعلمها. فهي تظهر كمنتجات ثانوية عرضية لأنظمتنا العقلية. فهي جزء من الطبيعة البشرية.) على حد قوله! فهو يرى ان الدين الذي هو فكرة وجود خالق للكون وانبياء يبعثهم، هي فكرة تتكون كناتج عرضي، اما تعاليم الانبياء فهي قضايا يتعلمها الناس منهم!! هل مرّت عليكم اسخف من هذه الفكرة!؟ فإذا كان الانسان منذ طفولته يظهر الدين عنده كناتج عرضي فهو ناتج عرضي لأي شيء ؟ يقول لأنظمتنا العقلية!! والانبياء كيف نزل عليهم الوحي، وكيف تحققت المعجزات على يديهم؟!! فهو بدلاً من ان يعترف بأن تفكير الانسان بضرورة وجود إله وضرورة الدين هو قضية فطرية خلقها الإله تبارك وتعالى في العقل البشري منذ طفولته، وهو الذي نسميه الفطرة، أي ان الانسان يولد وهو مجبول على فكرة وجود إله خالق وان هذا الخلق ليس عبثاً ولذلك يجب ان يرسل وسطاء بين البشر والإله يبينون لنا مقاصده وينقلون لنا ما يريده منّا بصورة واضحة لا تقبل الخطأ ولذلك فالانبياء يكونون معصومين من الاخطاء. هذه الفطرة يسميها بلوم ناتج عرضي للعقل، ولكن اذا كان الدين ناتج عرضي فهما هو الناتج الرئيسي! هل ان للتفكير البشري ناتج عرضي؟ ولماذا ليس لتفكير الملحدين ناتج عرضي !! من الواضح ان مزاعم ان الدين هو ناتج عرضي للعقل البشري هي محض هراء!!

نعم يولد الطفل على الفطرة، حيث يولد وفي عقله قضايا فطرية اساسية لا تحتاج الى اثبات نسميها البديهيات، وهي التي يحكم عليها الوجدان بلا حاجة الى دليل ولا برهان، من قبيل ان الضدين لا يجتمعان وأنَّ الاثنين اكثر من الواحد، وان لكل معلول علّة، وهكذا. فلذلك يكون الدين جزء من الفطرة التي يولد الطفل عليها، فما دام لكل معلول علة فلابد من خالق للكون، والا فمن غير المعقول ان يظهر الكون بدون خالق له. طبعا نحن نقول من غير المعقول من الناحية الفطرية الانسانية، والا فإنَّ الملحدين خالفوا كل معقول، وخالفوا فطرتهم، بزعمهم امكانية ظهور الكون بدون خالق له. من هذا يتبين ان الدين له اسس فطرية في العقل البشري وان تعاليم الدين هي قضايا يتعلمها الانسان من خلال الانبياء (عليهم السلام). اما فكرة بلوم بأن الدين هو ناتج عرضي فمعناه ان الدين ليس هو المقصود بالظهور! معناه ان الفطرة الانسانية لا تقول بأن لكل معلول علّة! وبهذا يتم تحطيم اصل وأساس العلوم التجريبية وليس الدين فقط!!

يقول السيد محمد باقر الصدر في كتابه "فلسفتنا" عن المذهب العقلي:

"تنقسم المعارف البشرية في رأي العقليين الى طائفتين: احداهما معارف ضرورية أو بديهية. ونقصد بالضرورة هنا أن النفس تضطر إلى الاذعان بقضية معينة من دون أن تطالب بدليل أو تبرهن على صحتها, بل تجد من طبيعتها ضرورة الايمان بها ايمانا غنيا عن كل بينة واثبات, كايمانها ومعرفتها بالقضايا الآتية: (النفي والاثبات لا يصدقان معا في شيء واحد) (الحادث لا يوجد من دون سبب), (الصفات المتضادة لا تنسجم في موضوع واحد), (الكل أكبر من الجزء), (الواحد نصف الاثنين). والطائفة الأخرى معارف ومعلومات نظرية. فان عدة من القضايا لا تؤمن النفس بصحتها إلا على ضوء معارف ومعلومات سابقة فيتوقف صدور الحكم منها في تلك القضايا على عملية تفكير واستنباط للحقيقة من حقائق أسبق وأوضح منها كما في القضايا الآتية: (الأرض الكروية) (الحركة سبب الحرارة), (التسلسل ممتنع),(الفلزات تتمدد بالحرارة), (زوايا المثلث تساوي قائمتين), (المادة تتحول إلى طاقة) وما الى ذلك من قضايا الفلسفة والعلوم. فإن هذه القضايا حين تعرض على النفس لا تحصل على حكم في شأنها إلا بعد مراجعة للمعلومات الأخرى. ولأجل ذلك فالمعارف النظرية مستندة الى المعارف الأولية الضرورية, فلو سلبت تلك المعارف الأولية من الذهن البشري لم يستطع التوصل الى معرفة نظرية مطلقا ـ كما سنوضح ذلك فيما بعد إن شاء الله. فالمذهب العقلي يوضح. أن الحجر الأساسي للعلم هو المعلومات العقلية الأولية, وعلى ذلك الأساس تقوم البنيات الفوقية للفكر الانساني التي تسمى بالمعلومات الثانوية. والعملية التي تستنبط بها معرفة نظرية من معارف سابقة هي العملية التي نطلق عليه اسم الفكر والتفكير. فالتفكير جهد يبذله العقل في سبيل اكتساب تصديق وعلم جديد من معارفه السابقة. "[31].

... "ويؤمن المذهب العقلي لأجل ذلك بقيام علاقة السببية في المعرفة البشرية بين بعض المعلومات وبعض, فإن كل معرفة إنما تتولد عن معرفة سابقة وهكذا تلك المعرفة حتى ينتهي التسلسل الصاعد إلى المعارف العقلية الأولية التي لم تنشأ عن معارف سابقة, وتعتبر لهذا السبب العلل الأولى للمعرفة."[32].

 

ثم يتحدث السيد محمد باقر الصدر عن المذهب التجريبي الذي تقوم عليه العلوم الحديثة:

"إن نفس هذه القاعدة (التجربة هي المقياس الأساسي لتمييز الحقيقة) هل هي معرفة أولية حصل عليها الانسان من دون تجربة سابقة؟ أو أنها بدورها أيضا كسائر المعارف البشرية ليست فطرية ولا ضرورية؟ فإذا كانت معرفة أولية سابقة على التجربة بطل المذهب التجريبي الذي لا يؤمن بالمعارف الأولية, وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية بصورة مستقلة عن التجربة, وإذا كانت هذه المعرفة محتاجة الى تجربة سابقة فمعنى ذلك أنَّا لا ندرك في بداية الأمر أن التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق, فكيف يمكن البرهنة على صحته واعتباره مقياسا بتجربة ما دمت غير مضمونة الصدق بعد؟!.

وبكلمة أخرى, إن القاعدة المذكورة التي هي ركيزة المذهب التجريبي إن كانت خطأ سقط المذهب التجريبي بانهيار قاعدته الرئيسية, وإن كانت صوابا صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبيين يؤمنون بصواب هذه القاعدة, فان كانوا قد تأكدوا من صوابها بلا تجربة فهذا يعني أنها قضية بديهية وأن الانسان يملك حقائق وراء عالم التجربة, وإن كانوا تاكدوا من صوابها بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل لأن التجربة لا تؤكد قيمة نفسها"[33].

الى ان يقول:

"إن مبدأ العلية لا يمكن إثباته عن طريق المذهب التجريبي فكما أن النظرية الحسية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلية كفكرة تصويرية كذلك المذهب التجريبي يعجز عن البرهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة تصديقية. فإن التجربة لا يمكنها أن توضح لنا إلا التعاقب بين ظواهر معينة, فنعرف عن طريقها أن الماء يغلي إذا صار حاراً بدرجة مائة, وأنه يتجمد حين تنخفض درجة حرارته الى الصفر, واما سببية أحدى الظاهرتين للأخرى والضرورة القائمة بينهما فهي مما لا تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة ومهما كررنا استعمالها. وإذا انهار مبدأ العلية انهارت جميع العلوم الطبيعية كما ستعرف.

وقد اعترف بعض التجريبيين كـ (دافيد هيوم) و(جون ستيورات ميل) بهذه الحقيقة, ولذلك فسر (هيوم) عنصر الضرورة في قانون العلة والمعلول بأنه راجع الى طبيعة العملية العقلية التي تستخدم في الوصول الى هذا القانون)[34] ...

... "ونخلص من ذلك الى أن المذهب التجريبي يؤدي حتماً الى إسقاط مبدأ العلية, والعجز عن إثبات علاقات ضرورية بين الأشياء, وإذا سقط مبدأ العلية انهارت جميع العلوم الطبيعية باعتبار ارتكازها عليه كما ستعرف.

إن العلوم الطبيعية التي تريد التجريبيون إقامتها على أساس التجربة الخالصة هي بنفسها تحتاج الى اصول عقلية اولية سابقة على التجارب, ذلك أن التجربة انما يقوم العالم بها في مختبره على جزئيات موضوعية محددة, فيضع نظرية لتفسير الظواهر التي كشفتها التجربة في المختبر وتعليلها بسبب واحد مشترك, كالنظرية القائلة بأن سبب الحرارة هو الحركة استنادا الى عدة تجارب فسرت بذلك, ومن حقنا على العالم الطبيعي أن نسأله عن كيفية إعطائه للنظرية بصفة قانون كلي ينطبق على جميع الظروف المماثلة لظروف التجربة, مع أن التجربة لم تقع إلا على عدة أشياء خاصة, أفليس هذا التعميم يستند الى قاعدة وهي أن الظروف المتماثلة والأشياء المتشابهة في النوع والحقيقة يجب أن تشترك في القوانين والنواميس؟ وهنا نتساءل مرة أخرى عن هذه القاعدة, كيف توصل اليها العقل؟ ولا يمكن للتجريبين هنا أن يزعموا أنها قاعدة تجريبية بل يجب أن تكون من المعارف العقلية السابقة على التجربة, لأنها لو كانت مستندة الى تجربة فهذه التجربة التي ترتكز عليها القاعدة هي أيضا لا تتناول بدورها إلا موارد خاصة, فكيف ركزت على أساسها قاعدة عامة؟!

فبناء قاعدة عامة وقانون كلي على ضوء تجربة واحدة أو عدة تجارب لا يمكن أن يتم إلا بعد التسليم بمعارف عقلية سابقة.

وبهذا يتضح أن جميع النظريات التجريبية في العلوم الطبيعية ترتكز على عدة معارف عقلية لا تخضع للتجربة, بل يؤمن العقل بها إيمانا مباشرا وهي:

أولا: مبدأ العلية بمعنى امتناع الصدفة, ذلك أن الصدفة لو كانت جائزة لما أمكن للعالم الطبيعي أن يصل الى تعليل مشترك للظواهر المتعددة التي ظهرت في تجاربه.

ثانيا: مبدأ الانسجام بين العلة والمعلول الذي يقرر أن الأمور المتماثلة في الحقيقة لا بد أن تكون مستندة الى علة مشتركة.

ثالثا: مبدأ عدم التناقض الحاكم باستحالة صدق النفي والاثبات معاً.

فاذا آمن العالم بهذه المعارف السابقة على التجربة ثم أجرى تجاربه المختلفة على أنواع الحرارة وأقسامها, استطاع أن يقرر  نهاية المطاف نظرية في تعليل الحرارة بمختلف أنواعها بعلة واحدة ـ مثلا ـ وهذه النظرية لا يمكن في الغالب تقريرها بشكل حاسم وصورة قطعية, لأنها إنما تكون كذلك إذا أمكن التأكد من عدم إمكان وجود تفسير آخر لتلك الظواهر وعدم صحة تعليلها بعلة أخرى. وهذا ما لا تحققه التجربة في أغلب الأحيان, ولهذا تكون نتائج العلوم الطبيعية ظنية في أكثر الأحايين, لأجل نقص في التجربة وعدم استكمال الشرائط التي تجعل منها تجربة حاسمة.

ويتضح لنا على ضوء ما سبق أن استنتاج نتيجة علمية من التجربة يتوقف دائما على الاستدلال القياسي, الذي يسير فيه الذهن البشري من العام الى الخاص, ومن الكلي الى الجزئي كما يرى المذهب العقلي تماما فان العالم تم له استنتاج النتيجة في المثال الذي ذكرناه بالسير من المبادئ الأولية الثلاثة التي عرضنا (مبدأ العلية) (مبدأ الانسجام) (مبدأ عدم التناقض), الى تلك النتيجة الخاصة على طريقة القياس"[35].

ويتحدث السيد الصدر عن نظرية الانتزاع فيقول:

"فالتصورات الأولية هي الأساس التصوري للذهن البشري, وتتولد هذه التصورات من الاحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة. فنحن نتصور الحرارة لأننا أدركناها باللمس, ونتصور اللون لأننا أدركناه بالبصر, ونتصور الحلاوة لأننا أدركناها بالذوق, ونتصور الرائحة لأننا أدركناها بالشم. وهكذا جميع المعاني التي ندركها بحواسنا فإن الاحساس بكل واحد منها هو السبب في تصوره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري. وتتشكل من هذه المعاني القاعدة الأولية للتصور وينشئ الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية, فيبدأ بذلك دور الابتكار والانشاء, وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (الانتزاع) فيولد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأولية, وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحس وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدمها الحس إلى الذهن والفكر.وهذه النظرية تتسق مع البرهان والتجربة ويمكنها أن تفسر جميع المفردات التصورية تفسيرا متماسكا.فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت مفاهيم العلة والمعلول, والجوهر والعرض, والوجود والوحدة, في الذهن البشري. أنها كلها مفاهيم انتزاعية يبتكرها الذهن على ضوء المعاني المحسوسة, فنحن نحس مثلاً بغليان الماء حين تبلغ درجة حرارته مائة, وقد يتكرر احساسنا بهاتين الظاهرتين ـ ظاهرتي الغليان والحرارة ـ آلاف المرات ولا نحس بعلية الحرارة للغليان مطلقا, وإنما الذهن هو الذي ينتزع مفهوم العلية من الظاهرتين اللتين يقدمهما الحس إلى مجال التصور.ولا نتسطيع في مجالنا المحدود أن نعرض لكيفية الانتزاع الذهني وألوانه وأقسامه لأننا لا نتناول في دراستنا الخاطفة هذه إلا الاشارة الى خطوط العريضة"[36].

 

وبذلك يكون مفهوم العلة والمعلول منبثق عن القواعد الاولية المخلوقة في العقل البشري، ومن خلال هذا المفهوم، وغيره، تنبثق اهمية فكرة الدين في العقل الانساني من خلال حتمية وجود خالق يكون علة لوجود المخلوقات. ونحن هنا لا نتحدث عن العلة والمعلول من الناحية الفلسفية، بل من الناحية الاولية الدلالية البسيطة.

وبذلك اثبت ان القواعد الفطرية الراسخة في العقل الانساني هي اساس المذهب التجريبي الذي قامت عليه العلوم الحديثة. وهذا يعني ان العقل لا ينتج الدين كناتج عرضي بل ينتجه من صميم وظيفته الفكرية حيث ينطلق من الاسس الراسخة فيه.

ولذلك ليس من الصواب ان يقال ان الدين ناتج عرضي للعقل بل هو من صميم انتاج العقل الفكري، فإذا قلنا ان الإله هو خالق هذه القواعد الفكرية الاصلية البديهية في العقل كما هو الحق، ام ان الانتخاب الطبيعي كما يزعم داروين هم الذي يحفظ التمايزات ويركمها فيظهر التطور، او سواء كما يقول دوكنز بأن الانتخاب الطبيعي هو كصانع ساعات اعمى ينتج التطور ويصنعه بدون قصد مسبق للتصميم! فكل هذا يؤدي الى ان البديهيات العقلية هي نتيجة للتطور وفق فرضية التطور، وليست ناتجاً ثانوياً، ولذلك فإن الدين الذي يتشكل، اقل تقدير، من القواعد العقلية البديهية، هو هدف للتطور وليس ناتجاً ثانوياً له.

 

نعود الى كلام بلوم الذي اقتبسه دوكنز، فهو يميز البشر الى نوعين مثنوي ووحدوي! حيث يُلاحظ ان هذا التقسيم لم يراعي تطور الانسان والانتخاب الطبيعي، إذ كان يفترض بالانتخاب الطبيعي ان يحسم قضية هل ان الانسان مثنوي في تفكيره ام وحدوي، مثلما حسم كل قضايا التطور ليظهر الانسان على ما هو عليه الآن من الناحية الجسدية، بحسب مزاعمهم! فإذا كان دوكنز ومن قبله بلوم يريان ان الانسان وحدوي وان الروح هي مادية في حقيقتها، بينما يولد الاطفال ولديهم القابلية على ان يكون فكرهما مثنوي! ونحن نرى انه من السهولة ان يتم الانتقال في تفكير الانسان بين هذين الطريقين، أي ان البعض يكون تفكيره مثنوياً مؤمناً بوجود الروح في عالم الارواح والجسد في عالم المادة، وهم المؤمنون بوجود الإله، بينما هناك الوحدويون الذين يقولون بأن الروح الذي هو الوعي والمادة هما شيء واحد ينتمي الى عالم المادة، وهم الملحدون. فبعض البشر ينتقلون في تفكيرهم من الايمان المثنوي الى الالحاد الوحدوي، مثل دوكنز على سبيل المثال، والبعض ينتقل من الالحاد الوحدوي الى الايمان المثنوي، مثل انتوني فلو على سبيل المثال. فالقضية لا ترتبط بطبيعة الانسان ولا بتطوره عبر الانتخاب الطبيعي، بل هي قضية عقلية فلسفية، ولذلك تناقش غالباً ضمن القضايا الفلسفية منذ زمن افلاطون وارسطو والى الان، مروراً بديكارت وليبنتز ومالينبراخ وبافلوف Pvalov وغيرهم، وتسمى فلسفة العقل. فالموضوع لا يمكن تناوله بهذه الطريقة السطحية بمجرد القول ان للاطفال القابلية على المثنوية، وكأن الطفل حينما يكبر يتحول الى وحدوي! او ان الطفولة هي سبب نشوء المثنوية عند الكبار!! فلماذا تحول بعضهم الى وحدويين؟!! بل وحتى الوحدوية قد اختلفت بينها وتفرعت الى عدة مدارس منها: السلوكية (Behaviourism) والجسمانية (Physicalism) والوظيفية (Functionalism)، ولكل منها فلسفتها ونظرتها الخاصة.

وصدق الدكتور عدنان ابراهيم حينما يقول:

"وهذه هي مشكلة التطوريين حيث انهم تركوا العلم والبيولوجي Biology وجاءوا يتكلّمون في الفلسفات وفي اللاهوت وفي السوسيولوجي Sociology وحتى في علم النفس وفي الاخلاقيات، وهذا شيء غريب، ومن ثم أحدثوا مغالطات وخلطوا الاوراق كلها، ومن يتأثر بهم سيكون حاله الشيء نفسه، فالمسكين سيصبح مشوشاً لا يعرف له سبيلاً ولا يهتدي طريقاً"[37].

 

 

تقدم بهدوء انك تدوس على ميماتي:

هذا الموضوع مثال جيد ينبغي دراسته بعناية حول كيفية "صناعة الوهم" في عالَم الالحاد، وهو مرتبط بشكل ما بالمقولة الشهيرة لوزير الدعاية السياسية في عهد هتلر، الالماني غوبلز (Paul Joseph Goebbels) والتي اصبحت مبدأً اعلامياً مهماً وهو: "اكذب اكذب حتى يصدقك الناس"! وصناعة الوهم هذه المرّة يرتبط بفكرة ابتدعها دوكنز بواجهة علمية مكذوبة، وابتدأ نشرها ووجد لها مناصرون، وانتشرت حتى يجد المتلقي العادي ان هذه الفكرة تناولها بعض الباحثين من ذوي الالقاب والوظائف العلمية ولكن ما ان يتم الدخول في تفاصيل الفكرة واسسها وادلتها يصطدم بأن لا شيء هناك وان كل شيء هو مجرد خيال ووهم، وقد نرتقي به لنسميه خيال علمي يصلح لبعض الافلام! هذه الفكرة اطلق عليها اسم (الميم) !

إذن نظرية الميمات نموذج لصناعة الوهم لأنه لا يوجد أي شيء في العلم النظري او التجريبي اسمه (ميمات)، فدوكنز داعية الالحاد اخترع هذا المصطلح ليبرر وجود فطرة الانسان التي تؤمن بوجود إله خالق للكون عبر الاجيال الانسانية منذ آلاف السنين. وفي مناظرة دوكنز مع ديباك شوبرا وحينما ناقشا موضوع وعي الانسان وكيف يتشكل لم يتجرأ دوكنز على ذكر نظرية الميمات لانه كان سيفتضح اذ انها قضية ليس لها علاقة بالعلم. وعندما تحدث ريتشارد سيمون عن الذاكرة ووضع نظرية الاثر، فهو لم يتحدث عن توريث الذاكرة. بينما جاء دوكنز والظاهر انه استغل فكرة سيمون وطورها في ذهنه وصنع منها وهم توريث الميمات وانها كالجينات، وهذا يعني بشكل ما توريث للذاكرة من جيل الى جيل وإن لم يتطرق دوكنز في كلامه عن توريثها لانه يعرف انها من اسخف الافكار! بل اكتفى بإدعاء توريث "المعلومة" أو "الفكرة" من شخص لآخر كما تورث الجينات !! ومن قبله وقع داروين بنفس الخطأ من جهة اخرى عندما ظن ان الصفات المكتسبة تورث الى ان اثبت العلم الحديث ان الصفات المكتسبة لا تورث. وقد اعجبني مثال طريف ذكره احدهم، نذكره للتفكّه، وهو ان اليهود الشرقيين واجدادهم بنو اسرائيل اي منذ ما قبل حوالي 4000 سنة يختتنون فلماذا لم ينشأ جيل مختون!

نعود الى موضوع الميمات، حيث يقول موقع الويكيبيديا:

"علم التطور الثقافي أو علم الميميات Memetics هو أحد طرق النمذجة التطورية لانتقال المعلومات الثقافية بين أفراد المجتمع. أول من رسخ هذه المحاولة كان العالم ريتشارد داوكنز عام 1976، لكن تسجل محاولة سابقة عام 1904 على يد ريتشارد سيمون البيولوجي التطوري الذي ألف كتابا أسماه: Die Mnemische Empfindungen in ihren Beziehungen zu den Originalenempfindungen تمت ترجمته للإنكليزية باسم The Mneme وهو تحوير لكلمة إغريقية الأصل. عام 1976 استخدم ريتشارد داوكنز مصطلح قريب دعي ميم أو "ميمي" Meme ليصف الوحدة الأساسية للتطور الثقافي الإنساني معتبراً إياها المناظرة للجينات في الوراثة، معتبرا ان الانتساخ والانتقال يحدث بطريقة مشابهة وإن كانت غير متماثلة تماما. يناقش داوكنز في كتابه أن الميمي هي وحدة المعلومات في العقل البشري وهو المنسوخ الطافر خلال عملية التطور الثقافي. فهي النمط الأساسي القادر على التأثير على محيطه والقادر على الانتشار من فرد لآخر. كتاب داوكنز حمل اسم "الجينة الأنانية" The Selfish Gene وكان كتابا يركز أساسا على علم الوراثة ولم يشرح فيه كيف تؤثر الوحدة الأساسية للمعلومات في الدماغ على سلوك الإنسان وكيف تنتقل لتؤثر على الثقافة، وسرعان ما أطلقت هذه الأفكار جدالا ونقاشا عميقا بين أوساط علماء الاجتماع. مصطلح "ميمي" نفسه طرحه داوكنز عرضا ولم يقصد تقديم نظرية وافية حوله لذلك لم يتحدد المفهوم أو التعريف الدقيق للميمي أو "الوحدة الأساسية للمعلومات" بشكل دقيق وظلت تأخذ معان مختلفة حسب عالم الاجتماع الذي يستخدمها.

الحركة الميماتية الجديدة انطلقت من جديد في منتصف الثمانيات على يد دوغلاس هوفشتادر الذي كان يكتب حينها عمود "مواضيع فوق-سحرية" في مجلة ساينتفيك أمريكان، كان من أهم مميزات هذه الحركة الجديدة انها مختلفة عن النظرية التطورية الاجتماعية التقليدية وأن معظم ناشطيها كانوا من خارج إطار علم الاجتماع وعلم الإنسان بلإنهم حتى من غير الأكاديميين. كانت لشعبية كتاب داوكنز "الجينة الأنانية" دورا كبيرا في اجتذاب الكثير من المهتمين بهذه المواضيع لهذه الساحة الإبداعية الجدية وغير المستكشفة، في عام 1992 ظهر كتاب جديد حقق رواجا "الوعي مفسرا" لفيلسوف جامعة تينت دانيال دينيت الذي استخدم الميمي ضمن إطار نظرية مستفيضة حول الوعي والدماغ والعقل. في عام 1993 عاد ريتشارد داوكنز ليستخدم مصطلح "الميميات" Memetics في مقالته "فيروسات العقل" ليشرح ظاهرة المعتقدات الدينية وخواص الديانات المنظمة."[38].

وفي موضع آخر، نقرأ:

"الميم (meme بالإنجليزية وتلفظ [mi:m] مثل العربية، واللفظ مذكر كما في الفرنسية) لفظ أحدثه عام 1976 البيولوجي ريتشارد داوكنز، يشير هذا المصطلح إلى "وحدة المعلومات الثقافية" التي يمكن نقلها من عقل لآخر بطريقة مشابهة لانتقال الجينات من فرد لآخر خلال عملية التكاثر حيث تعتبر الجينات وحدة المعلومات الوراثية، سرعان ما ظهر لاحقا علم خاص يدعى علم الميميات يعنى بدراسة هذه الفكرة وتطبيقاتها.

أعطى داوكنز أمثلة عن الميمات: "النغمات، العبارات الملتقطة في الشارع، المعتقدات، الموضة وأنماط اللباس، طرق البناء، وصناعة الأقواس في البناء ".

الميم كما يقول تنتشر وتمتد لوحدها كوحدة للتطور الثقافي والانتشار - بطريقة مماثلة بعدة طرق لسلوك الجينات. تنتشر الميمات كمجموعات أو زمر متكاملة تعمل معا يشار لها بمعقد الميميات.

فكرة الميمات نفسها كانت برهانا على فكرة "الميم" بانتشارها السريع مما جعلها تحقق درجة من الاختراق في الأوساط الثقافية وفي الثقافة الشعبية قلما حققتها نظريات علمية حديثة.

بعض النظريات والأفكار تقترح أن الميمات تتطور من خلال اصطفاء طبيعي بطريقة مشابهة لأفكار تشارلز داروين فيما يخص التطور البيولوجي. باعتماد أفكار مثل التنوع، الطفرة، التنافس وأخيرا الوراثة ويمكن تفسير وتوقع نجاح تكرارية هذه الأفكار وانتشارها وتطورها. يمكن لفكرة أن تنقرض في حين أن أفكارا أخرى يمكن لها أن تنجو وتحيا وتنتشر وتطفر نحو الأفضل أو نحو الأسوء من خلال ما يطرأ عليها من تعديلات."[39].

إذن كل شي من البداية هو من اجل اختراع فكرة يتم الاتكاء عليها لتفسير اسباب انجذاب الفطرة الانسانية الى حقيقة وجود إله للكون وتناقل هذه الفطرة عبر الاجيال منذ آلاف السنين. فيراد من فكرة الميمات الوهمية مقاومة حقيقة الفطرة الانسانية التي تؤمن بوجود إله، حيث يزعمون ان الميمات تتطور وتنتقل من انسان الى آخر كما هو حال الجينات الوراثية، ولذلك تنتقل فكرة الدين ووجود الإله عبر الاجيال، ليتجنبوا حقيقة شعور الانسان من خلال فطرته بحتمية وجود الإله. هذا هو مختصر صناعة الوهم الذي انتجه دوكنز من خلال مصطلح الميمات.

ومن الجدير بالذكر ان ريتشارد سيمون (Richard Wolfgang Semon)، الواردة الاشارة اليه في النص السابق، هو "عالم حيوان وأحياء ألماني اعتقد في توارث الصفات المكتسبة وطبق ذلك على التطور (الثقافي- الاجتماعي)"[40]...

"في بداية القرن العشرين ظهرت أعمال ريتشارد سيمون Richard Semon خاصة كتابه: Di Mneme وفيه يعرف الذاكرة بأنها الأثر الذي تتركه خبرة ما في الدماغ. وقد كان "ريتشارد سيمون" أول من وضع الأساس لما يعرف "بنظرية الأثر"؛التي تقوم على فكرة مفادها أن التمثلات العقلية والبيولوجية للمثيرات مطابقة للأحداث الحقيقية"[41].

ويبدو انه هو الذي قدح فكرة الميمات التي اخذها دوكنز منه فيما بعد! وحيث ان العلم اثبت خطأ فكرة توارث الصفات المكتسبة وشكّل ذلك احد المرتكزات العلمية في نقض نظرية داروين، فجاء هؤلاء للالتفاف على الموضوع من الناحية التطورية البايولوجية فأحدثوا فكرة الميمات التي تعمل في الحيّز (الثقافي- الاجتماعي)!

 

ومن الواضح ان دوكنز نفسه غير مقتنع تماماً بصواب ما يكتبه لذلك تجده تارةً يتحدث عن الدين كنتاتج عرضي وتارة عن الاعداد النفسي للدين ثم يعود ليتحدث عما ذكره في كتابه (الجينة الانانية The Selfish Gene) سنة 1976 عن اختراعه لمصطلح وهمي هو الميمات! واذا كان دوكنز مختص في البايولوجي ويروّج لنظرية التطور من خلال اختصاصه هذا، فلماذا يقفز فجأة لقضايا إلحادية ويخترع مصطلحات ثقافية كمصطلحه (الميمات)! اليس هذا دجل بأسم العلم حينما يتلبس بلباس العلم ثم يتطرق الى مواضيع غير علمية بأسم العلم!! اليس من المضحك قوله:

(فما أرمي إليه تحديداً هو دراسة بيولوجيا الانانية وبيولوجيا الايثار. لابد من الاشارة الى ان الاهمية الانسانية لهذا الموضوع تبقى جلية، بمعزل عن منفعته الاكاديمية، فهو يلامس مختلف جوانب حياتنا الاجتماعية، وضمناً حبّنا وكرهنا، شجارنا وتعاوننا، اعطياتنا وسرقاتنا، جشعنا وكرمنا)[42]!!

ويقول دوكنز:

(الواقع انه يمكن اختصار معظم ما يُعتبر غير اعتيادي في ما يتعلق بالانسان، بكلمة واحدة هي "الثقافة". وأشير الى انني لا استخدم هذه الكلمة بمعناها الصلف وإنما بالمعنى الذي يعتمده رجل علم. والجدير ذكره في هذا الاطار ان الانتقال الثقافي يشبه الانتقال الجيني من حيث أنه قد ينشأ كشكل من أشكل التطور، وإن كان مقاوماً للتغيير في الاساس)[43].

ويقول:

"ويبدو أننا بحاجة الى اسم نطلقه على المتضاعف الجديد، اسم يجسده فكرة الوحدة القائمة على الانتقال الثقافي أو الوحدة القائمة على التقليد. وصحيح أن المصطلح (ميميم) Mimeme مشتق من جذر اغريقي ملائم، إلا أنني أود استخدام كلمة أحادية المقطع على قياس (الجينة). واتمنى ان يغفر لي أصدقائي الكلاسيكيون اختصار كلمة ميميم الى (ميم)"....

... "وأذكر من الامثلة عن الميمات الالحان والافكار والشعارات والأزياء وطريق صنع الاواني أو بناء القناطر. وتماماً كما تنتشر الجينات في الجمعية الجينية عبر القفز من جسد الى آخر بواسطة الحوينات المنوية أو البيوض، تنتشر الميمات في الجمعية الميمية عبر القفز من دماغ الى آخر بواسطة مسار يمكن تسميته بالمعنى الواسع (التقليد). فعلى سبيل المثال، ان قرأ عالم أو سمع عن فكرة جيدة، يعمد الى نقلها الى زملائه وطلابهن ويذكرها في مقالاته ومحاضراته. وإن لقيت الفكرة النجاح، أمكن القول انها تنتشر وتنتقل من دماغ الى آخر. وكما أوضح زميلي (أن. كاي. هامفري) N.K. Humphrey بإيجاز في مسودة سابقة لهذا الفصل، (ينبغي النظر الى الميمات باعتبارها بُنى حيّة ليس على مستوى التشبيه فحسب، إنما أيضاً من الناحية التقنية. فعندما تزرع ميماً خصباً في عقلي، تتطفل على دماغي وتحوله الى وسيلة لنقل الميم تماماً كما تتطفل جرثومة على الآلية الجينية للخلية المضيفة. وهذه ليست مجرد طريقة في الحديدث فحسب، فميم الايمان بالحياة بعد الموت على سبيل المثال، يتحقق مادياً ملايين المرات كبنية في الاجهزة العصبية للافراد من البشر في جميع انحاء العالم.

ولنأخذ مثالاً فكرة الله. نحن لا نعرف كيف نشأت هذه الفكرة في الجمعية الميمية. لكنها على الارجح عن (تحولات) مستقلة متعددة. الا انها في مختلف الاحوال تبقى فكرة قديمة. لكن كيف يتضاعف هذا الميم؟ هو يتضاعف بالكلمة المكتوبة والمسموعة، متعاوناً مع الموسيقى الرائعة والفن الباهر. والسؤال هو: ما الذي يجعل لهذا الميم هذه القيمة المهمة لجهة البقاء؟ تذكروا أن قيمة البقاء هنا لا تعني القيمة بالنسبة الى الجينة في الجمعية الجينية، وإنما القيمة بالنسبة الى الميم في الجمعية الميمية. والمقصود تحديداً بالسؤال هو الاتي: ما المميز في فكرة الله الذي يعطي هذه الفكرة الثبات والمقدرة على اختراق البيئة الثقافية؟ الواقع أن قيمة البقاء بالنسبة الى ميم الله في الجمعية الميمية تنشأ عن الاغراء النفسي المهم الذي تنطوي عليه. فهذا الميم يقترح جواباً مقبولاً ظاهرياً للأسئلة العميقة والمقلقة بشأن الوجود. وهو يقترح أيضاً أن الظلم في هذا العالم قد يصوّب في الحياة الثانية. (فاليد الخالدة) تؤمّن وسادة لمظاهر قصورنا وتبقى فعالة لأنها خيالية كما الدواء الغفل الذي يصفه الطبيب. وهذه بعض الاسباب التي تجعل الاجيال الكتعاقبة تنسخ فكرة الله من الادمغة الفردية، فالله موجود، سواء أكان ميماً بقيمة مهمة للبقاء، أو قوة يسهل نشرها في البيئة التي تؤمّنها الثقافة البشرية.

الواقع أن بعض زملائي أشار عليّ بأن هذا التفسير لقيمة البقاء المميزة لميم الله يشكل التفافاً على الموضوع. وهم كانوا خلال التحليل الاخير يرغبون دوماً في العودة الى (المنفعة البيولوجية). فهم لا يستحسنون الاكتفاء بالقول إن فكرة الله تنطوي على (إغراء نفسي مهم). هم يريدون أن يعرفوا سبب اشتمالها على هذا الاغراء النفسي تحديداً. ولا بد من الاشارة الى ان الاغراء النفسي يعني الاغراء للادمغة، والادمغة تتشكل بفعل الانتقائية الطبيعية للجينات في الجمعية الجينية. وهم من ثم يريدون العثور على طريقة تجعل امتلاك دماغ كهذا يحسّن من بقاء الجينة.

الجدير ذكره انني اتعاطف كثيراً مع هذا الموقف. ولا أشك في وجود منافع جينية لامتلاكنا الادمغة التي نمتلكها.لكنني على الرغم من ذلك اعتقد بان هؤلاء الزملاء سيكتشفون ان هم تمعنوا في أُسس فرضياتهم الخاصة، أنهم يلتفون على المواضيع بمقدار ما افعل انا ذلك. فالسبب الاساسي الذي يجعل محاولتنا تفسير الظواهر البيولوجية على مستوى المنفعة الجينية سياسة مفيدة، يُعزى الى ان الجينات تكوّن متضاعفات او نواسخ.فما ان يوفر الحساء البدائي الظروف الملائمة التي تسمح للجزيئات بأن تنتج نسخاً مطابقة لها حتى تتولّى المتضاعفات هذه المهمة)"[44].

ولقد اسهبنا في نقل كلام دوكنز المتهافت عن الميمات لتتضح مقاصده امام القاريء ولنكون منصفين معه حين نقده. ولنا ان نتسائل انه اذا كانت كلمة (الإله) تمتلك اغراءاً نفسياً جعلها تتسم بالثبات والمقدرة على اختراق البيئة الثقافية والذي اعترف دوكنز نفسه به، فلماذا نجد ان نفس الملحد لا تمتلك هذا الاغراء ! واذا كان وراء هذا الاغراء فوائد جينية مفترضة ومزعومة، فلماذا تخلى الملحدون عن تلك الفائدة؟!

والمدهش انه يعترف على نفسه انه يلتف على الموضوع! وهذا يكشف عن ان كلامه كله حول الميمات هو مجرد افكار شبيهة بقصص الخيال العلمي! اما الواقع العلمي فليس له نصيب منه، ولذلك لا تجد مناقشات في مجامع علمية رصينة لأفكار دوكنز!!

ونجد من المهم ان نوجه السؤال التالي لدوكنز وانصار الميمات! وهو ما هو الاثبات العلمي على وجود الميمات؟!!

ويحاول دوكنز بشدّة الدفاع عن فكرة (الميم) ويحاول دون جدوى اثبات انها مصطلح لشيء حقيقي وليس مجرد اصطلاح وهمي وضعه من نبات افكاره! فيقول في كتابه (الجينة الانانية):

(ينبغي النظر الى الميمات باعتبارها بُنى حيّة، ليس على مستوى التشبيه فحسب، إنما أيضاً على المستوى التقني. ... وإذا كانت الميمات في الدماغ شبيهة بالجينات، فلا بد من أن تكون بُنى دماغية تتضاعف ذاتياً، أو بتعبير آخر، نماذج فعلية من الاسلاك العصبية التي تعيد تكوين نفسها في دماغ تلو آخر. ولطالما شعرت بالانزعاج لإفصاحي عن هذه الفرضية علانية، باعتبار أنّ ما نعرفه عن الادمغة أقل بكثير مما نعرفه عن الجينات، مما يعني حتماً أنّ معرفتنا بالتركيبة الدماغية أقل بكثير مما نعرفه عن الجينات، مما يعني حتماً أنّ معرفتنا بالتركيبة الدماغية مبهمة. وقد تنفست الصعداء عندما تسلّمت أخيراً مقالة مثيرة للاهتمام كتبها خوان ديليوس Juan Dulius من جامعة كونتانز University of Konstanz في ألمانيا. وخلافاً لي أنا، لم يضطر ديليوس الى اتخاذ موقف المعتذر لأنه عالم متميّز في حين أنني لست كذلك. ومن ثم يسرني أنه يتمتع بالجرأة الكافية للحديث عن هذه المسألة عن طريق نشر صورة مفصلة عمّا يمكن أن تكون عليه القطعة العصبية الصلبة المكوّنة للميم. واذكر أيضاً من الامور الاخرى المهمة استكشاف الشبه بين الميمات والطفيليات بطريقة بحثية تفوق ما انجزته انا، ولمزيد من الدقة، باعتماد طيف تقع الطفيليات الخبيثة على أحد طرفيه، فيما تشغل "المتكافلات" الحميدة الطرف الآخر. وانا اولي اهتماماً شديداً لهذه المقاربة خصوصاً بسبب اهتمامي الخاص بمفاعيل "النمط الظاهري المتمدد" لجينات الطفيليات على سلوك المضيف)[45].

ورغم هذه التمويهات واستعمالات الخيال العلمي الذي لا واقع له، فالذي يكشف زيف موقف دوكنز ان الميم الذي هو وحدة الثقافة التي تقابل الجينات في الموروثات، هذا الميم يفترض به هو الذي يكوّن الوعي عند الانسان، باعتبار فرضية ان الميم هو اصغر وحدة للثقافة وللوعي! ولكن دوكنز نفسه يعود في مناظرته مع ديباك شوبرا لينكر اي معرفة علمية بطبيعة الوعي وكيف يتكون في دماغ الانسان! فلماذا لم يتحدث في تلك المناظرة عن الميمات التي توهمها واشاعها عبر كتابه السخيف (الجينة الانانية)! نعم ربما يمكن لدوكنز ان يتحدث عن الميمات في كتاب له هنا او هناك، لكنه لا يستطيع ان يجابه اي جهة علمية في مناظرة عن الميمات لأنها سيفتضح امره حينئذٍ! فدوكنز يدرك جيداً ان فكرة الميمات فكرة خيالية لا تصمد امام النقد العلمي.

ونؤكد من جديد ان دوكنز يتحدث مبيناً فكرته عن الانتخاب الطبيعي والذي من خلالها سنؤكد ما ذكرناه سابقاً من ان مفهوم الانتخاب الطبيعي عند دوكنز يختلف عما هو عليه عند داروين، فدوكنز جاء بمفهوم خاص به عن الانتخاب الطبيعي واطلق عليه نفس لفظ داروين (الانتخاب الطبيعي) للتدليس ولتمرير فكرته دون رقيب!

 

نعود الى هذه الفقرة في كتابه (وهم الإله)، حيث نجده يبتديء الفقرة بعبارة لـ (اوسكار وايلد) يقول فيها:

"في الشؤون الدينية فإن الحقيقة هي ليست أكثر من الاعتقاد الذي استطاع البقاء"[46].

وهو نفسه يقول في موضع آخر:

"إذا أردت أن تقول الحقيقة للناس فاجعلهم يضحكون، وإلا فسوف يقتلونك".

بمعنى ان تقول للناس ما يرضيهم حتى لو كان خلاف الحقيقة! وعلى ذلك يمكن أن نحمل كلامه عن الدين !! فلا يبقى لما استشهد به دوكنز من كلامه قيمة تذكر.

ومن جهة اخرى فحينما يستشهد بكلام شخص عن الدين عليه ان يأتي بشخصية اكثر اتزاناً من اوسكار وايلد المشهور بفضائحه الجنسية واللاأخلاقية واللواط !

ومن جهة ثالثة، فان الحقيقة في الدين هي القضايا المبنية على الادلة العقلية والقضايا الاعجازية، فالعقل من قبيل أن المادة لا يمكن ان تخلق نفسها وهي قد اتت من العدم حيث أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه. اما الاعجازية فمن قبيل تكلم المسيح (عليه السلام) في المهد، والذي اثبت بذلك ولادته الاعجازية المباركة. ومن قبيل القرآن الكريم المعجزة الإلهية الخالدة.

كان اوسكار وايلد بحاجة لفهم اعمق للدين، واذا كان يقصد الدين المسيحي فهذا امر يرجعنا للكلام عن التأثير السيء للدين المسيحي الذي حرّفه بولس على المسيحيين والذي تسبب في العصور المتأخرة بالارتداد عن الايمان المسيحي نحو الالحاد وبعضهم نحو العلمانية ورافق كل ذلك انحسار لدور الكنيسة الممتدة من زمن بولس الى عصرنا الحاضر.

اما دوكنز فيظن ان الفكر الديني يخضع ايضاً للتطور الدارويني !  فيقول:

"وجود أي شيء منتشر بكثر لدى جنس ما، مثل الدين، يجب ان يكون له فائدة وإلا لن يكتب له البقاء، لأن الانتخاب الطبيعي الدارويني يكره التبذير"[47].

ثم يستمر دوكنز الى ان يقول:

"بشكل عام يجب على الانتخاب الطبيعي ان يختار من بين المُستنسِخات المختلفة. المُستنسِخة هي قطعة من المعلومات المُشفرة التي تصنع نُسخاً مُطابقة لذاتها وقليلاً من النُسخ الغير مضبوطة تماماً أو ما يسمى (المُحورة). والنقطة التي نتكلم عنها هي داروينية هنا. أصناف المُستنسخات التي شائت الصدف وكانت جيدة لتُضاعف نفسها ويزداد عددها على حساب المُستنسخات الاخرى التي جودتها أقل في التضاعف. ذلك هو الشرح الاولي للانتخاب الطبيعي. والمُستنسِخ هنا هو المورثة، شريط للـ DNA يتضاعف، وبدقة بالغة وعلى أجيال لا عدد لها. السؤال المركزي في نظرية الميمات هي عما إذا كان هناك وحدات ثقافية تقليدية تسلك سُلوك المُستنسِخات، مثل المورثات. لا أقول هنا ان الميمات هي بالضرورة متشابهة مع المورثات، أقول فقط بأنه كلما اقتربت الميمات شبهاً بالمورثات فإن النظرية تعمل بشكل أفضل. والسؤال هنا هو فيما إذا كان بإمكان نظرية الميمات ان تعمل في تلك الحالة الخاصة المسماة بالدين"[48].

ويسترسل دوكنز ليقول:

"بنك الميمات أقل تنظيماً وترتيباً من مجموعة المورثات. برغم ذلك، فليس من السخف الكلام عن البنك الميمي والتي يكون لبعضها (تواتر) متغير كنتيجة للتفاعل بين ميمات بديلة.

البعض يتحفظ على التفسيرات الميماتية ولأسباب مختلفة تبنى غالباً على أن الميمات ليس تماماً كالمورثات. التركيب الفيزيائي للمورثات معروف (سلسلة الـ DNA) وتركيب الميمات ليس معروفاً، الميمات المختلفة تنتقل من وسط فيزيائي لآخر. هل توجد الميمات في الدماغ فقط؟ أو ان كل نسخة ورقية أو الكترونية لقصيدة فكاهية يحق لنا تسميتها بالـ (ميمة)؟ ومرة اخرى تتضاعف الجينات بدقة عالية جداً بينما فيما لو تضاعفت الميمات، ألن تفعل ذلك بدقة هابطة جداً؟

تلك المشاكل المزعومة عن الميمات مبالغ بها الى حد ما"[49].

وبالحقيقة فانه ليست هناك مبالغة، فحينما يكون الحديث عن امور وهمية مخترعة، كقصص العنقاء ودراكولا ومصاصي الدماء، فليست هناك مبالغة في انتقاد مثل هذه الامور من الناحية العلمية. وليس تركيب الميمات وحده غير معروف كما يزعم دوكنز، بل وجودها نفسه امر وهمي مفترض. اليس غريباً على رجل يدعي العلم ويتاجر بأسمه في كتبه ومحاضراته أن يلجأ لفكرة وهمية مخترعة ليس لها اي اساس من واقع او علم او منطق!!

وفي نهاية هذه الفقرة يبين دوكنز فكرته بوضوح فيقول:

"الاديان المنظمة يقوم عليها أشخاص: قسس ومطارين وحاخامات وأئمة وآيات الله. ولكن، ومرة اخرى للتأكيد على النقطة التي اريد توضيحها عن مارتن لوثر، ذلك لا يعني بأنها مصممة او مخلوقة من الافراد. حتى في حالة استغلال الدين ومعالجته لمصلحة بعض الافراد فإن الامكانية القوية تبقى بأن تفاصيل كل دين قد شذبت بطريقة تطورية لا واعية. ليس بالانتخاب الطبيعي الوراثي والذي هو بطيء جداً ليكون سبباً في التطور السريع والمتنوع للاديان. ودور الانتخاب الطبيعي الوراثي يقتصر على تأمين الدماغ بكل ميوله وانحيازه، كالجهاز والبرنامج البدائي والذي يخلق الخلفية للانتخاب الميمي. وبهذه الخلفية يبدو لي ان الانتخاب الطبيعي يشكل ما يؤمن تفاصيل التطور لدين ما بصورة معقولة. في الاطوار البدائية من تطور الدين وقبل ان يصبح منظما، تدين الميمات ببقائها لقيمتها المستقلة وجاذبيتها من الناحية النفسية البشرية. وهنا تلتقي نظريتيّ الميمات الدينية والدين كناتج عرضي نفسي. وفي المراحل اللاحقة، حيث يصبح الدين منظماً ومدروساً ومميزاً عن الاديان الاخرى. تشرح بشكل جيد نظرية المجاميع الميمية المركبة والمتميزات من الميمات المتكاملة. ذلك لا يلغي الدور الآخر الذي يلعبه القس والآخرون لتطويع الدين لمصالحهم. الاديان كما يبدو ولو بجزء ما مُصممة بذكاء، كما هو الحال في المدارس والموضة في الفن"[50].

فمن هذا النص يبين دوكنز ان هناك ركاكة في داخل نفسه في قناعته بنظرياته الوهمية تماماً، ابتداءاً من نظرية الدين كناتج عرضي، ومروراً بنظرية الميمات الوهمية! ولذلك تجده تارة يتحدث عن هذه وتارة عن تلك! ولسنا بحاجة الى بيان الجهد الكبير من الاوهام التي يحاول دوكنز المجانسة بينها لانتاج تركيبة فكرية يحاول ان يجعلها قابلة لخداع القاريء ليتقبل اوهامه!! ويكفينا اعترافه في السطر الاخير من النص المقتبس بأن الدين مصمم بذكاء، وهذا هو مصدر معاناة دوكنز وسبب كل الاوهام التي يسطرها ليحاول شرح كيف كان الدين مصمم بذكاء بدون وجود إله! كما يحاول من قبل ذلك شرح كيف ان الكون مصمم بذكاء بدون وجود الخالق !! اذن يا دوكنز ويا اتباع دوكنز رغم انكم لم تقدموا تفسيراً مقنعا لكيفية وجود تصميم ذكي للكون، فكذلك لم تقدموا تفسيراً مقنعاً لكيفية وجود تصميم ذكي للدين.

كل ما يقدمه دوكنز هو أوهام فوق اوهام، وظلمات فوق ظلمات، وبهذه الافكار يريد التغطية على السؤالين الحيويين: من اين اتت المادة التي يتكون منها الكون، ومن اين اتت الحياة التي يزعمون تطور كائناتها؟

 

 


 

[1] وهم الاله / دوكنز – ص163.

[2] أصل الانواع / تشارلس داروين / ترجمة مجدي محمود المليجي / المركز القومي للترجمة في القاهرة / الطبعة الثالثة ، 2014 – ص68.

[3] أصل الانواع / داروين – ص69.

[4] اصل الانواع / داروين – ص70.

[5] اصل الانواع / داروين – ص146.

[6] اصل الانواع / داروين – ص170 و171.

[7] والظاهر من عبارات دوكنز في كتابه انه احد الذين افتهموا "الانتقاء الطبيعي" بصورة خاطئة بنفس الطريقة التي نبه داروين على خطأها !

[8] اصل الانواع / داروين – ص171.

[9] اصل الانواع / داروين – ص171.

[10] اصل الانواع / داروين – ص205.

[11] صانع الساعات الاعمى / دوكنز – ص26.

[12] اصل الانواع / تشارلز داروين – ص171.

[13] مناظرة جون لينكس وريتشارد دوكنز، بعنوان (هل دفن العلم الله؟) مترجمة ومنشورة في موقع اليوتيوب.

[14] مجلة الملحدين العرب، العدد (2)، مقال بعنوان (الخلية الاولى)، ص34.

[15] وهم الإله / دوكنز – ص163.

[16] وهم الإله / دوكنز – ص163.

[17] وهم الإله / دوكنز – ص163.

[18] وهم الإله / دوكنز – ص164.

[19] وهم الإله / دوكنز – ص166.

[20] وهم الإله / دوكنز – ص167.

[21] وهم الإله / دوكنز – ص169.

[22] وهم الإله / دوكنز – ص171.

[23] اسم الكتاب (In Gods We Trust) بينما ترجم العبارة مترجم الكتاب بسام البغدادي بصورة رديئة حيث كتبه: (في الله نحن مؤمنون)! انظر وهم الإله / دوكنز – ص178.

[24] وهم الإله / دوكنز – ص178.

[25] وهم الإله / دوكنز – ص174و175.

[26] وهم الاله / دوكنز – ص177 و178.

[27] وهم الاله / دوكنز – ص181.

[28] مقال بعنوان (Is God an Accident?)، بقلم (PAUL BLOOM)، منشور في الموقع الالكتروني لمجلة (The Atlantic عدد ديسمبر 2005. الترجمة ذاتية، والنص الانجليزي الاصلي الذي ترجمناه هو:

"The United States is a poster child for supernatural belief. Just about everyone in this country—96 percent in one poll—believes in God. Well over half of Americans believe in miracles, the devil, and angels. Most believe in an afterlife—and not just in the mushy sense that we will live on in the memories of other people, or in our good deeds; when asked for details, most Americans say they believe that after death they will actually reunite with relatives and get to meet God. Woody Allen once said, "I don't want to achieve immortality through my work. I want to achieve it through not dying." Most Americans have precisely this expectation.

But America is an anomaly, isn't it? These statistics are sometimes taken as yet another indication of how much this country differs from, for instance, France and Germany, where secularism holds greater sway. Americans are fundamentalists, the claim goes, isolated from the intellectual progress made by the rest of the world.

There are two things wrong with this conclusion. First, even if a gap between America and Europe exists, it is not the United States that is idiosyncratic. After all, the rest of the world—Asia, Africa, the Middle East—is not exactly filled with hard-core atheists. If one is to talk about exceptionalism, it applies to Europe, not the United States.

Second, the religious divide between Americans and Europeans may be smaller than we think. The sociologists Rodney Stark, of Baylor University, and Roger Finke, of Pennsylvania State University, write that the big difference has to do with church attendance, which really is much lower in Europe"….

… "Most polls from European countries show that a majority of their people are believers. Consider Iceland. To judge by rates of churchgoing, Iceland is the most secular country on earth, with a pathetic two percent weekly attendance. But four out of five Icelanders say that they pray, and the same proportion believe in life after death.

[29] مقال بعنوان (Is God an Accident?)، بقلم (PAUL BLOOM)، منشور في الموقع الالكتروني لمجلة (The Atlantic عدد ديسمبر 2005. الترجمة ذاتية، والنص يحتاج الى ترجمة اكثر احترافية، والنص الانجليزي الاصلي الذي ترجمناه هو:

" A 1996 poll asked scientists whether they believed in God, and the pollsters set the bar high—no mealy-mouthed evasions such as "I believe in the totality of all that exists" or "in what is beautiful and unknown"; rather, they insisted on a real biblical God, one believers could pray to and actually get an answer from. About 40 percent of scientists said yes to a belief in this kind of God—about the same percentage found in a similar poll in 1916. Only when we look at the most elite scientists—members of the National Academy of Sciences—do we find a strong majority of atheists and agnostics.".

[30] مقال بعنوان (Is God an Accident?)، بقلم (PAUL BLOOM)، منشور في الموقع الالكتروني لمجلة (The Atlantic عدد ديسمبر 2005. الترجمة ذاتية، والنص الانجليزي الاصلي الذي ترجمناه هو:

"But this scenario assumes the wrong account of where supernatural ideas come from. Religious teachings certainly shape many of the specific beliefs we hold; nobody is born with the idea that the birthplace of humanity was the Garden of Eden, or that the soul enters the body at the moment of conception, or that martyrs will be rewarded with sexual access to scores of virgins. These ideas are learned. But the universal themes of religion are not learned. They emerge as accidental by-products of our mental systems. They are part of human nature".

 

[31] فلسفتنا / السيد محمد باقر الصدر / مطبعة الامير، الناشر دار الكتاب الاسلامي، الطبعة الثالثة 2004م - ص63 وما بعدها.

[32] فلسفتنا / السيد محمد باقر الصدر - ص65.

[33] فلسفتنا / السيد محمد باقر الصدر - ص68 وما بعدها.

[34] فلسفتنا / السيد محمد باقر الصدر – ص70 وما بعدها.

[35] فلسفتنا / السيد محمد باقر الصدر – ص73 وما بعدها.

[36] فلسفتنا / السيد محمد باقر الصدر - ص61 و62.

[37] خطبة للدكتور عدنان ابراهيم بعنوان (في سبيل اخوين او 8 ابناء عم)، منشورة في موقعه الرسمي، بتاريخ 13 فبراير/ شباط 2016م.

[38] الموقع الالكتروني ويكيبيديا الموسوعة الحرة، تحت عنوان (علم التطور الثقافي).

[39] ويكيبيديا الموسوعة الحرة، تحت عنوان (ميم (وحدة)).

[40] ويكيبيديا الموسوعة الحرة، تحت عنوان (ريتشارد سيمون).

[41] الرابط: http://cfijdida.over-blog.com/article-54404982.html

[42] الجينة الانانية / ريتشارد دوكنز / ترجمة تانيا ناجيا / دار الساقي في بيروت بالتعاون مع مركز البابطين في الكويت / الطبعة الاولى 2009 - ص10.

[43] الجينة الانانية / ريتشارد دوكنز / ترجمة تانيا ناجيا / دار الساقي في بيروت بالتعاون مع مركز البابطين في الكويت / الطبعة الاولى 2009 – ص309.

[44] الجينة الانانية / ريتشارد دوكنز / ترجمة تانيا ناجيا / دار الساقي في بيروت بالتعاون مع مركز البابطين في الكويت / الطبعة الاولى 2009 – ص (313 -315).

[45] الجينة الانانية / ريتشارد دوكنز / ترجمة تانيا ناجيا / دار الساقي في بيروت بالتعاون مع مركز البابطين في الكويت / الطبعة الاولى 2009 – ص325.

[46] وهم الإله / دوكنز – ص193.

[47] وهم الإله / دوكنز – ص193.

[48] وهم الإله / دوكنز – ص193 و194.

[49] وهم الإله / دوكنز – ص194 و195.

[50] وهم الاله / دوكنز – ص203.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
**************
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عداد الزوار ابتداءا من 8 / 7 / 2017م

 Flag Counter

 

وسيتم الاستمرار باضافة الملاحظات لاستكمال البحث إن شاء الله ، يرجى زيارتكم المتكررة للصفحة لمن هو مهتم بالموضوع.

 

 عودة للصفحة السابقة

عودة للصفحة الرئيسية