بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مكتبة المعرض الدائم للعتبة الكاظمية المقدسة وانحيازها الى العرفان

 

 

نبيـل الكرخي

كلمة العرفان على المستوى الشعبي تعني في اذهان الناس رجل الدين الممتليء بالتقوى والورع ، ورغم ان المفهوم الشعبي للعرفان هو مفهوم اولي ساذج ، حيث ان حقيقة العرفان هي أنَّه منتج صوفي مرتبط بالغنوصية التي نشأت في الحضارات القديمة الهندية والفارسية واليونانية ويُعنى بالبحث عن المعرفة بعيداً عن الوحي ، وقد حاول بعض المسلمين اسلمة هذا المنهج وهذا الهدف الغنوصي فاخترعوا مصطلحي العرفان و"الكشف والشهود" وخلطوه مع التمسك بالشريعة وتسمّوا بالصوفية والعرفانيين او العرفاء ، فاختلط الحابل بالنابل ، واصبح يطلق على كبار علمائنا الابرار (رضوان الله عليهم) اسم "العارف" بدلاً من التقي والورع ! وقبل اختراق التصوف للتشيّع كان يطلق احياناً على الشيخ المفيد (قدس سره) وصف (المتألّه) لشدة ورعه وتقواه ولم يوصف بالعارف او العرفاني ، حيث لم يكن قد تسرب الى التشيّع مصطلح العرفان آنذاك  !

وقد تناولنا في بحثنا (لكي لا يكون ابن عربي امامي) موضوع اختراق الغنوصية والتصوّف والعرفان للتشيّع بصورة تفصيلية وبيّنا كيف تسللت هذه المفاهيم الى التشيّع الامامي. كما بيّنا هناك كيف ان المرجعيات الشيعية وكبار العلماء قد تصدوا في وقت مبكر لذلك التسلل العرفاني الغنوصي. فأهل العرفان يقترفون ما يمكن ان نطلق عليه "الشرك بالامامة" إنْ صح التعبير ، ففي الجاهلية كان الشرك بالتوحيد وهو أن يجعل الانسان مع الله شريك من اصنام واوثان وهو ما حاربه الاسلام وقضى عليه ، اما في ظل الاسلام فقد ظهر"الشرك بالامامة" بأن يخلطوا المعارف العقائدية المستمدة من الائمة الاثني عشر الاطهار (صلوات الله عليهم) بمصادر معرفية عقائدية أخرى باطلة مستمدة من تراث ابن عربي الصوفي ، وهو ما يقترفه اهل العرفان.

ومن المعلوم ان السمة العامة للحوزة الدينية في النجف الاشرف وحوزة مشهد المقدسة هي محاربتها للأفكار الصوفية العرفانية وتراها افكار دخيلة على التشيّع ، بينما تمسكت حوزة قم المقدسة بالعرفان والترويج له. ومن المؤسف ان نجد ان مكتبة معرض الجوادين للكتاب الدائم في باب المراد والتابع للعتبة الكاظمية المقدسة تروّج لكتب اهل العرفان رغم ما تحتويه بعض تلك الكتب من اخفاقات عقائدية وروائية وفكرية. وكان يفترض بإدارة العتبة الكاظمية المقدسة الالتزام بمنهج المرجعيات العامة المتتالية في النجف الاشرف في تجنب تصوف ابن عربي واهل العرفان الباطل المرتدي لعباءة التقوى والورع ظاهراً و"المشرك بالامامة" واقعاً !

وكنموذج على بعض ما تروّج له المكتبة المذكورة - الكائنة في باب الصحن الكاظمي الشريف المعروف بأسم "باب المراد" - من كتب اهل العرفان ، نجد كتيب صغير جداً اسمه (السير الى المعبود) ومكتوب على غلافه (قبسات عرفانية لسماحة حجة الحق العارف بالله الشيخ جواد الملكي التبريزي) ، ومما جاء فيه في صفحة (139) قوله: (وتأمل في الحديث القدسي عن الله تعالى: "لو علم المدبرون عنّي كيف انتظاري بهم وشوقي الى توبتهم لماتوا شوقاً إليّ ولتفرّقت أوصالهم من أجل محبتي")... وهذا الحديث لم اعثر عليه لا في كتب الشيعة ولا كتب اهل السنة ! ولا يُعرف مصدره !!

ثم ذكر بعده حديث آخر حيث قال: (وقوله: "عبدي بحقك عليّ انّي احبك ، فبحقي عليك احبّني") ، وهذا الحديث ذكره الديلمي في ارشاد القلوب ، وهو كتاب مواعظ وارشاد ولا توجد فيه احاديث مسندة ، ولم يروِ هذا الحديث مصدر آخر لا من مصادر الشيعة ولا مصادر اهل السنة. فكيف يجزم بأن الله سبحانه وتعالى قد قال ذلك ؟؟!

ثم ذكر حديثاً ثالثاً فقال: (وقوله بلسان الملك الداعي: "انا جليس من جالسني ، انا ذاكر من ذكرني ، انا غافر من استغفرني ، انا مطيع من اطاعني) ، وهذا الحديث مروي في اقبال الاعمال لأبن طاووس بدون سند ، وابن طاوس يقول ، في الفصول الخاصة باعمال شهر رجب ، انه نقله من كتب الدعوات !! بدون تحديد للمصدر بصورة دقيقة !

ويقول ذلك الكتيب المشار اليه وهو يتحدث عن (شرائط قراءة القرآن) ، في صفحة 42 ، ما نصّه: (في مصباح الشريعة عن الامام الصادق (عليه السلام) ) الخ ، مع ان كتاب مصباح الشريعة قد اثيرت حوله علامات استفهام من قبل بعض علمائنا تدل على انه لا يوجد فيه اي حديث للامام الصادق (عليه السلام) ، ومما قالوه عنه:

·        يقول العلامة المجلسي (قده): (وكتاب مصباح الشريعة فيه بعض ما يريب اللبيب الماهر ، واسلوبه لا يشبه سائر كلمات الائمة وآثارهم ، وروى الشيخ في مجالسه بعض أخباره هكذا: اخبرنا جماعة عن أبي المفضل الشيباني بإسناده عن شقيق البلخي عمن أخبره من اهل العلم. هذا يدل على أنه كان عند الشيخ رحمه الله وفي عصره وكان يأخذ منه ولكنه لا يثق به كل الوثوق ولم يثبت عنده كونه مروياً عن الصادق (عليه السلام) وان سنده ينتهي الى الصوفية ولذا اشتمل على كثير من اصطلاحاتهم وعلى الرواية عن مشائخهم ومن يعتمدون عليه في رواياته)[1].

·        يقول الحر العاملي (قده): (كتاب مصباح الشريعة المنسوب الى الصادق عليه السلام فإنّ سنده لم يثبت ، وفيه اشياء منكرة مخالفة للمتواترات)[2].

·        وقال صاحب رياض العلماء عند ذكر الكتب المجهولة: ومن ذلك مصباح الشريعة في الاخبار والمواعظ ، كتاب معروف ومتداول ، الى ان قال: بل هو من مؤلفات بعض الصوفية كما لا يخفى[3].

·        ويقول السيد الخميني: (واما رواية مصباح الشريعة الدالة على التفصيل بين وصول الغيبة الى صاحبها وعدمه: فلا تصلح للاستناد اليها لعدم ثبوت كونها رواية فضلاً عن اعتبارها بل لا يبعد أن يكون كتابه كله من استنباط بعض اهل العلم والحال ومن انشاءاته)[4].

·        والسيد حسن الصدر (رحمه الله) له رسالة في ان مؤلف مصباح الشريعة انما هو سليمان الصهرشتي تلميذ السيد المرتضى (قده)[5] ، مع العلم ان سليمان المذكور له كتاب (اصباح الشيعة) وهو فيما يقال شرح لكتاب مصباح الشريعة[6] !

·        وقال السيد محسن الامين (قده) في اعيان الشيعة: (وعن مصباح الشريعة للشيخ أبي الحسن سليمان بن الحسن الصهرشتي من مشاهير تلاميذ شيخ الطائفة أن الربيع كان يضع قرطاساً بين يديه فيكتب ما يتكلم به ثم يحاسب نفسه في عشيته ما له وما عليه ثم يقول آه نجا الصامتون)[7].

وقد تبين لنا أنَّ كتاب (مصباح الشريعة) يحتمل قوياً أنّه من كلام المتصوّف شقيق البلخي ، وقد حققنا ذلك في بحثنا المنشور والمشار اليه (لكي لا يكون ابن عربي إمامي).

وهكذا يتم الترويج لأحاديث لا وجود لها في مصادر الحديث المعتبرة ، كل ذلك بأسم الدين والتشيّع !!

ويقول في ذلك الكتيب العرفاني ، في صفحة 33: (لان العطر يقوي الدماغ ويحفظه من الفساد) ولا اعرف ما هو المستند الشرعي او العلمي لكلامه هذا ؟؟؟

فهذه نماذج مما جاء في ذلك الكتيب الصغير من كتب اهل العرفان الذين من ميزاتهم انهم يغلب عليهم الاعتماد على احاديث مجهولة المصدر او ضعيفة ، وإنَّ اشاعة تلك الاحاديث بين الناس هو امر لا يرضى الله سبحانه وتعالى ولا رسوله الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) ولا أهل البيت الاطهار (عليهم السلام). بالاضافة الى خلطهم للعقيدة المستمدة من آل البيت الاطهار (عليهم السلام) مع العقائد الصوفية المستمدة من تراث ابن عربي ! اما لو تتبعنا ما جاء في المؤلفات والكتب الكبيرة الاخرى في تلك المكتبة المشار اليها وهي كتب ومؤلفات تخص أهل العرفان والمملوءة غالبيتها بالمخالفات لمذهب آل البيت (عليهم السلام) لأحتاج ذلك الى سلسلة مقالات لبيان الاخفاقات العقائدية والدينية التي تكتنفها !

واما رفض المرجعيات الشيعية لمنهج اهل العرفان فمعروف في الحوزة العلمية في النجف الاشرف ولعل المواقف الصريحة والواضحة لفضيلة الشيخ اسحاق الفياض (مُدَّ ظِلّه) اشهر من ان ندل عليها ، وقد تطرق فضيلته في مناسبتين بتسجيل صوتي مهم وصريح وبحزم الى التحذير منه. وكذلك موقف السيد محمد سعيد الحكيم (مُدَّ ظِلّه) الصريح والحاد والحازم ضد اهل العرفان واتباع تراث ابن عربي وملا صدرا.

وقد وُجّه السؤال التالي الى سماحة المرجع الاعلى السيد علي السيستاني (دام ظلّه الوارف) ، وباللغة الفارسية وترجمته: {استناداً الى ما نشرته بعض مواقع الانترنيت من موضوعات منسوبة لسماحتكم من انكم تؤيدون (عرفان صاحب الفصوص) نرجو منكم ممتنين بيان رأيكم المبارك بهذا الخصوص} ، فكان جوابه (دامت بركاته): {انا اؤكد اعتقادي الراسخ بالمعارف العقائدية حسب طريقة تفكير كبار علماء (وفقهاء) الامامية (قدس الله سرهم) التي هي بالتاكيد تتطابق مع آيات القرآن الكريم واحاديث ائمة اهل البيت المعصومين (عليهم السلام) اما بالنسبة لطريقة التفكير (العرفان) المذكورة اعلاه فانا لا اؤيد ابداً. السيد علي الحسيني السيستاني 8 محرم الحرام 1433هـ}.

وقال السيد شهاب الدين ابو المعالي محمد حسين المرعشي النجفي (1315- 1411)هـ  فى تعليقته على احقاق الحق للشيخ نور الله التستري: (وعندي أن مصيبة الصوفية على الإسلام من أعظم المصائب, تهدمت بها أركانه وانثلم بنيانه وظهر لي بعد الفحص الأكيد والتجول في مضامير كلماتهم والوقوف على ما في خبايا مطالبهم والعثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم أن الداء سرى إلى الدين من رهبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري والشبلي ومعروف وطاووس والزهري وجنيد ونحوهم ثم سرى منهم إلى الشيعة حتى رقى شأنهم وعلت راياتهم بحيث ما ابقوا حجراً على حجر من أساس الدين , أولوا نصوص الكتاب والسنة وخالفوا الأحكام الفطرية العقلية والتزموا بوحدة الوجود , بل الموجود وأخذ الوجهة في العبادة والمداومة على الأوراد المشحونة بالكفر والأباطيل التي لفقتها رؤساؤهم والتزامهم بما يسمونه بالذكر الخفي القلبي شارعاً من يمين القلب خاتماً بيساره معبراً عنه بالسفر من الحق إلى الخلق تارة, والتنزّل من القوس الصعودي إلى النزولي أخرى وبالعكس معبراً عنه بالسفر من الخلق إلى الحق والعروج من القوس النزولي إلى الصعودي أخرى فيالله من هذه الطامات ... ورأيت بعض من كان يدعى الفضل منهم , يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزى إليهم (عليهم السلام)"لنا مع الله حالات فيها هو نحن ونحن هو"وما درى المسكين في العلم والتتبع والتثبت والضبط أن كتاب مصباح الشريعة وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير مما لفقتها أيادي المتصوفة في الأعصار السابقة وأبقتها لنا تراثاً... ثم أن شيوع التصوف وبناء الخانقاهات كان في القرن الرابع حيث أن بعض المرشدين من أهل ذلك القرن لما رأوا تفنن المتكلمين في العقائد فاقتبسوا من فلسفة (فيثاغورس) وتابعيه في الإلهيات قواعد وانتزعوا من لاهوتيات أهل الكتاب والوثنيين جملاً وألبسوها لباساً إسلاميا فجعلوها علماً مخصوصاً ميزوه باسم علم التصوف أو الحقيقة أو الباطن أو الفقر أو الفناء أو الكشف والشهود.وألفوا وصنفوا في ذلك كتباً ورسائل وكان الأمر كذلك إلى أن حل القرن الخامس وما يليه من القرون, فقام بعض الدهاة في التصوف فرأوا مجالاً رحباً وسيعاً لأن يحوزوا بين الجهال مقاماً شامخاً كمقام النبوة , بل الإلوهية باسم الولاية والغوثية والقطبية بدعوى التصرف في الملكوت بالقوة القدسية,فكيف بالناسوت, فوسّعوا فلسفة التصوف بمقالات مبنية على مزخرف التأويلات والكشف الخيالي والأحلام والأوهام فألفوا الكتب المتظافرة الكثيرة ككتاب التعرف والدلالة والفصوص وشروحه والنفحات والرشحات والمكاشفات والإنسان الكامل والعوارف والمعارف والتأويلات ونحوها من الزبر والاسفار المحشوة بحكايات مكذوبة وقضايا لا مفهوم لها البتة... فلما راج متاعهم وذاع ذكرهم وراق سوقهم ,تشبعوا فرقاً وأغفلوا العوام والسفلة بالحديث الموضوع المفترى :"الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق" وجعل كل فرقة منهم لتمييزها عن غيرها علائم ومميزات بعد اشتراك الجميع في فتل الشوارب وأخذ الوجهة والتجمع في حلقات الأذكار عاملهم الله وجزاهم بما فعلوا في الاسلام. وأعتذر من إخواني الناظرين عن إطالة الكلام حيث إنها نفثة مصدور وتنفس صعداء و شقشقة هدرت غصص وآلام وأحزان بدرت، عصمنا الله وإياكم من تسويلات نسجة العرفان وحيكة الفلسفة والتصوف وجعلنا وإياكم ممن أناخ المطية بأبواب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعرف سواهم آمين آمين)[8].

فعلى العتبة الكاظمية المقدسة ان تتخلص من ادران تراث ابن عربي الصوفي وملا صدرا "الشيعي" وتتوقف عن الترويج لأهل العرفان تبعاً لرفض مناهجهم من قبل المرجعيات الشيعية العامة المتتالية التي تتبوّأ منزلة النيابة العامة عن امامنا الحجة بن الحسن (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

 


 

[1] بحار الانوار / العلامة محمد باقر المجلسي (قده) / مؤسسة الوفاء في بيروت ، الطبعة الثانية المصححة ، 1983م - ج1 ص32.

[2] هداية الامة الى احكام الائمة (عليهم السلام) / الحر العاملي / مجمع البحوث الاسلامية في مشهد المقدسة / الطبعة الاولى 1414هـ - ج8 ص550.

[3] الامام الصادق (عليه السلام) علم وعقيدة / رمضان لاوند / دار مكتبة الحياة في بيروت- ص112.

[4] المكاسب المحرمة / السيد الخميني / مؤسسة اسماعيليان في قم المقدسة ، الطبعة الثالثة ، 1410هـ - ج1 ص320.

[5] نهاية الدراية / السيد حسن الصدر ت1351هـ / تحقيق ماجد الغرباوي / مطبعة اعتماد في قم المقدسة – مقدمة المحقق ص54.

[6] الذريعة الى تصانيف الشيعة / الشيخ آقا بزرگ الطهراني / دار الاضواء في بيروت ، الطبعة الثالثة - ج14 ص68.

[7] اعيان الشيعة / السيد محسن الامين (قده) / تحقيق السيد حسن الامين/ دار التعارف للمطبوعات في بيروت- ج6 ص456.

[8] شرح احقاق الحق / الشيخ نور الله التستري / تعليقات السيد شهاب الدين النجفي المرعشي / منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي في قم المقدسة – ج1 التعليق في هامش ص183.

 

 عودة للصفحة السابقة

عودة للصفحة الرئيسية