بسم الله الرحمن الرحيم

 

الاثر الفكري لكلمة (قل) القرآنية

 

نبيـل الكرخي

 

الله سبحانه وتعالى هو ((العَلِيمُ الحَكِيمُ)) وهو ((العَزِيزُ الحَكِيمُ)) وهو ((الحَكِيمُ الخَبِيرُ)) ، ((وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ)).

ووصف الله تبارك وتعالى كتابه العزيز بقوله جلَّ شأنه: ((ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ)) ، و((الـر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ)) ، و((وَالْقُرْآنِ الحَكِيمِ)).

ومقتضى حكمته سبحانه انه لا يصدر عنه شيء الا وفق حكمة يعلمها هو جلَّ وعلا ، وربما اطلع بعض عباده ولا سيما الانبياء والاوصياء (عليهم الصلاة والسلام) على بعض جوانب حكمته. وهذه هي القاعدة الاولى التي نثبتها ونعتمد عليها في مقالنا هذا.

والقاعدة الثانية التي نعتمد عليها في بحثنا هذه هي ان القرآن الكريم حيث أنَّه كلام الله سبحانه وتعالى الذي خلقه وانزله على رسوله الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) فهو كتاب منظوم وفق الحكمة الالهية وفعلاً فقد وصفه الله عزَّ وجل بأنه كتاب حكيم وقرآن حكيم كما صدّرنا مقالنا بالآيات الكريمة الدالة على مرادنا.

بعد هاتين القاعدتين ننتقل الى قلب بحثنا وهو البحث في الصيغة القرآنية الحكيمة التي استعملت كلمة (قل) حيث يخاطب الله تبارك اسمه نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) بعبارة (قل) ، وكان يمكن وفق السياقات الطبيعية ان لا يخاطبه بهذه الصيغة وهذا اللفظ أي لفظ (قل) ويستعيض عنها بكلام بليغ معجز آخر. فعلى سبيل المثال نقرأ قوله تعالى: ((قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)) وكان يمكن ان تكون الاية هكذا: "يا ايها الذين آمنوا غضوا ابصاركم واحفظوا فروجكم" ! ولكن الصيغة القرآنية الحكيمة استعملت لفظ (قل) في دلالة عميقة وراسخة على المراد لا تحققها الصيغة التي اقترحناها.

فما هو المراد من استعمال لفظ (قل) في القرآن الكريم؟

ربما كانت كلمة (قل) القرآنية تعني ان القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وليس للنبي (صلى الله عليه وآله) سوى تبليغه فليس له دور في انتاجه وتشكيله كما يزعم بعض المنتمين للتصوف الحداثي (سروش وشبستري واتباعهما) والمستشرقين من خصوم الاسلام. فكلمة (قل) تظهر ان هناك متحدث يوجه كلامه للنبي (صلى الله عليه وآله) فهو غيره بكل تأكيد.

وربما ان الغرض منها هو اظهار الارتباط بالله سبحانه وتعالى.

وربما لكلمة (قل) دلالة اخرى تتضمن ان المخاطب بكلمة (قل) وهو المنصب التبليغي المعصوم الذي يمثله النبي (صلى الله عليه وآله) وليس المستفاد المنصب النبوي حيث ان النبوة قد ختمت بشخص النبي (صلى الله عليه وآله) فهو آخر الانبياء (عليهم السلام) في حين ان القرآن هو لكل العصور ولا يمكن من حيث الحكمة ان يموت الخطاب القرآني بكلمة (قل) بموت النبي (صلى الله عليه وآله) ، ورب قائل يقول ان الخطاب القرآني المذكور لا يموت لان القرآن محفوظ في كل عصر ، ونقول نعم هو محفوظ ولم يقع عليه تبديل ولا تغيير ، ولكن ليس المقصود من الخطاب بكلمة (قل) هو ان يكون خطاب لميت[1] وان كان ما خوطب به من احكام وتعاليم هي احكام وتعاليم حيّة. فليس المقصود بالخطاب هو شخص النبي (صلى الله عليه وآله) ولا منصبه النبوي بل المقصود هو منصبه التبليغي المعصوم ، وهذا ما تفيده كلمة (قل) اي بلّغ.

فلو افترضنا ان المقصود بكلمة (قل) هو شخص النبي (صلى الله عليه وآله) ومنصبه ، وان القرآن الكريم هو الحافظ للتعاليم وللخطاب المطلوب ، وان تلك التعاليم والاحكام المخاطبة بكلمة (قل) محفوظة بحفظ القرآن الكريم. فنقول نعم هي كذلك ولكن سؤالنا هو لماذا كان الخطاب بلفظ (قل) وما هي الحكمة من استخدامه في حين كان يمكن استخدام صيغة اخرى بليغة واعجازية غير هذه الصيغة؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يكشف لنا خطأ التفسير الحالي الذي يعلق لفظ (قل) بشخص النبي ومنصبه النبوي وصحة ما نذهب اليه من ان لفظ (قل) متعلق بالمنصب التبليغي المعصوم الذي لا يموت بموت صاحبه حيث إنَّ لكل نبي وصي ، وبعد كل وصي وصي ، والارض لا تخلو من حجة كما في الحديث الشريف.

وحيث ان الدين عند الله الاسلام كما في قوله تعالى: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)).

وحيث ان الله جلَّ وعلا قد بيّن انه ارتضى الاسلام للبشرية بقوله تعالى: ((اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)) ، وان هذه الآية الكريمة قد نزلت يوم الغدير بعد اعلان تنصيب الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) وصياً لرسول الله (صلى الله عليه وآله).

فيكون الاسلام الذي يرتضيه الله سبحانه هو الاسلام الذي يقوده المعصوم (عليه السلام) ، والمذهب الاسلامي الذي يمثل الاسلام المحمدي هو المذهب الذي ينتمي للمعصوم (عليه السلام) ، والدولة الاسلامية التي يريدها الله سبحانه وهي دولة الحق والعدل هي الدولة التي يقودها المعصوم (عليه السلام).

فالقرآن الكريم يكشف عن استمرار المنصب التبليغي المعصوم من خلال استخدام لفظ (قل) ، والله سبحانه يعلن انَّه يرتضي الاسلام الذي يقوده المعصوم (عليه السلام).

ولذلك لا يمكن ان يدعي احد ما غير معصوم احد انه يمثل الاسلام ، او تدعي دولة اسلامية لا يقودها المعصوم (عليه السلام) انها تمثل دولة الاسلام المحمدي. ومن هذا يظهر أن الرأي القائل إنَّ تأسيس الجمهورية الاسلامية في ايران قد حقق حلم الانبياء (عليهم السلام) يجانب الصواب فهو بخلاف النص القرآني لأن دولة الاسلام الذي ارتضاه الله عزَّ وجلَّ لا تكون الا بقيادة المعصوم (عليه السلام). والامتداد الشرعي لخط الامامة مهما بلغت عدالته لا يمكن ان يحل محل المعصوم (عليه السلام).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  او حيّ في عالم آخر (باعتبار ان النبي (صلى الله عليه وآله) توفي شهيداً والشهداء احياء عند ربهم بنص القرآن.

 

 

الصفحة الرئيسية

عودة للصفحة السابقة