مقال عن الحجاب

 

نبيـل الكرخي

 

ليس هناك شك بأهمية الحجاب في الحياة ولذلك جاءت التشريعات الاسلامية عبر القرآن والعترة الطاهرة واضحة تؤكد عليه وتبين شروطه ومواصفاته كقواعد عامة. اما تفاصيل الحجاب فهي متروكة للمرأة بحسب تقاليد مجتمعها وظروفها ، فالاسلام سمح بمرونة معقولة في تعامله مع قضايا الحياة ولاسيما مع القضايا الشخصية.

وسماحة الاسلام هي من الخواص التي تبرز عظمته واصالته وانه فعلاً انما جاء دين رحمة وحضارة وليس دين قتل واخضاع ولا مبالاة لمشاعر معتنقيه.

وتميز مذهب آل البيت الاطهار (عَلَيْهِ السَلامٌ) انه يريد تحبيب الحجاب الى المرأة وتخفيف وطأته عليها وجعله امراً طبيعياً في حياة الانسان بصورة هادئة وسلمية وراقية. ولذلك لا نعثر في موضوع الحجاب على احاديث تهدد بالنار وجهنم من تتهاون عن حجابها بخلاف مذهب اهل السنة الذي يحتوي على احاديث عديدة مليئة بالتهديد والوعيد والضغط النفسي على المرأة والرجل من اجل فرض الحجاب بقوة تخويف وهيلمان المجتمع والسلطة الدينية المفترضة التي تتمثل بالخلافة الوراثية التي ابتدعوها بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتحت سوط النصوص الدينية التي ينفردون بروايتها !

ففي مذهب آل البيت الاطهار(عَلَيْهِمُ السَلامٌ) نجد ان الكتاب الكريم وهو الثقل الاكبر ينطق بأهمية الحجاب وضرورة التزام المراة به ، وكذلك احاديث الثقل الاصغر الاطهار (عَلَيْهِ السَلامٌ) تبين وجوب اتخاذ الحجاب للمراة عن غير محارمها وتبين حدوده وطبيعته. وفيما عدا ذلك لم يرد في الكتاب ولا في سُنّة الاطهار (عَلَيْهِ السَلامٌ) اي وعيد او ترهيب لا بنص قرآني ولا بحديث شريف فيما يخص موضوع الحجاب. اللهم عدا حدث واحد فقط عثرت عليه في كتاب عيون اخبار الرضا (عَلَيْهِ السَلامٌ) وسنده ضعيف غير معتبر. والحديث يرويه الشيخ الصدوق (قُدّسَ سِرّهُ الشَريفْ) وهو:

[حدثنا علي بن عبد الله الوراق رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن سهل بن زياد الأدمي عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن محمد بن علي الرضا عن أبيه الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قال دخلت أنا و فاطمة على رسول الله (ص) فوجدته يبكي بكاءً شديدا فقلت فداك أبي و أمي يا رسول الله ما الذي أبكاك فقال يا علي ليلة أسري بي إلى السماء رأيت نساء من أمتي في عذاب شديد فأنكرت شأنهن فبكيت لما رأيت من شدة عذابهن و رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلى دماغ رأسها و رأيت امرأة معلقة بلسانها و الحميم يصب في حلقها و رأيت امرأة معلقة بثدييها و رأيت امرأة تأكل لحم جسدها و النار توقد من تحتها و رأيت امرأة قد شد رجلاها إلى يديها و قد سلط عليها الحيات و العقارب و رأيت امرأة صماء عمياء خرساء في تابوت من نار يخرج دماغ رأسها من منخرها و بدنها متقطع من الجذام و البرص و رأيت امرأة معلقة برجليها في تنور من نار ورأيت امرأة تقطع لحم جسدها من مقدمها و مؤخرها بمقاريض من نار و رأيت امرأة يحرق وجهها و يداها و هي تأكل أمعاءها و رأيت امرأة رأسها رأس الخنزير و بدنها بدن الحمار و عليها ألف ألف لون من العذاب و رأيت امرأة على صورة الكلب و النار تدخل في دبرها و تخرج من فيها و الملائكة يضربون رأسها و بدنها بمقامع من نار فقالت فاطمة (ع) حبيبي و قرة عيني أخبرني ما كان عملهن و سيرتهن حتى وضع الله عليهن هذا العذاب فقال يا بنيتي أما المعلقة بشعرها فإنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال و أما المعلقة بلسانها فإنها كانت تؤذي زوجها و أما المعلقة بثدييها فإنها كانت تمتنع من فراش زوجها و أما المعلقة برجليها فإنها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها و أما التي كانت تأكل لحم جسدها فإنها كانت تزين بدنها للناس و أما التي شد يداها إلى رجليها و سلط عليها الحيات و العقارب فإنها كانت قذرة الوضوء قذرة الثياب و كانت لا تغتسل من الجنابة و الحيض و لا تنتظف و كانت تستهين بالصلاة و أما الصماء العمياء الخرساء فإنها كانت تلد من الزناء فتعلقه في عنق زوجها و أما التي كانت تقرض لحمها بالمقاريض فإنها كانت تعرض نفسها على الرجال و أما التي كانت تحرق وجهها و بدنها و هي تأكل أمعاءها فإنها كانت قوادة و أما التي كان رأسها رأس الخنزير و بدنها بدن الحمار فإنها كانت نمامة كذابة و أما التي كانت على صورة الكلب و النار تدخل في دبرها و تخرج من فيها فإنها كانت قينة نواحة حاسدة ثم قال (ع) ويل لامرأة أغضبت زوجها و طوبى لامرأة رضي عنها زوجها].

وبمراجعة مصادر علم الرجال نجد ان هناك اثنان من رواة الحديث احدهما مجهول وهو (علي بن عبد الله الوراق) والاخر ضعيف ومتهم بالكذب وهو (سهل بن زياد الآدمي) كما في معجم رجال الحديث للسيد الخوئي (قُدّسَ سِرّهُ الشَريفْ).

وفيما خلا هذا الحديث لم اعثر على اي حديث آخر يتوعد بجهنم او العذاب من لا تلتزم بالحجاب الشرعي وفي هذا دلالة اخرى على عدم اعتبار هذا الحديث الشريف لاهمية الموضوع ولو كان المطلب صحيحاً ويأمر به الشرع لوجدنا العديد من الاحاديث التي تبينه وتوضحه للامة. فمن غير المعقول ان يكون هناك امر تؤدي مخالفته الى عذاب جهنم ولا يبينه المعصوم (عَلَيْهِ السَلامٌ) بحيث يكون حجة على الامة.

نعم إنَّ على المسلم ان يلتزم بجميع ما ورد عن آل البيت الاطهار (عليهم السلام) من اوامر ونواهي ، فيكفي الامر العام لهم بفعل شيء ليكون ملزماً للامة الاسلامية. ولكن من حيث تقسيم المعاصي الى كبائر وصغائر فلا نجد ان هناك ما يدعم فكرة ان يكون عدم الالتزام بالحجاب من الكبائر ، فكما يعرّف الفقهاء الكبيرة هي كل ما ورد الوعيد عليها بالنار. وكما قدّمنا آنفاً فلم نعثر على آية قرآنية او حديث شريف معتبر يتوعد بالنار من لا تلتزم بالحجاب الشرعي. وتبقى قضية واحدة وهي ان عدم الالتزام بالحجاب وإن كان من الصغائر كما هو ظاهر الا ان الاصرار على الصغرة تعد كبيرة كما في بعض الاحاديث الشريفة.

وهناك قضية اخرى ينبغي تسليط الضوء عليها من خلال السؤال التالي: هل ان الحجاب هو جزء من بيضة الاسلام؟ فهذا السؤال يحدد هل يكون موضوع الحجاب رئيسياً بل ومحورياً في حياة المسلم والمجتمع الاسلامي ام لا. فنحن نعرف ان كل شيء يّضحَى به من اجل الحفاظ على بيضة الاسلام ، المال والنفس. فما هي بيضة الاسلام؟ هي المظاهر الاسلامية في المجتمع التي بقائها يعني بقاء الاسلام كدين له وجوده وملاكه الطبيعي في المجتمع. فما هي تلك المظاهر؟ هي وجود المساجد وارتفاع الأذان واحترام المقدسات الاسلامية. ولذلك فان موضوع الحجاب ليس من المواضيع التي ترتكز عليها بيضة الاسلام ووجوده ، بدليل ان العراق اجتاحته موجه عارمة من السفور في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته ولم نسمع احداً قال أنَّ بيضة الاسلام مهددة فيه.

إذن الحجاب فرض ديني ولكن التعامل معه لا يجب ان يتم بتلك الطرقة التعسفية التي تتم الآن في بعض الدول الاسلامية او في بعض المجتمعات المسلمة. فالحجاب يجب ان يروّج له بطريقة محببة باعتباره جزءاً من الشخصية الاسلامية وليس جزءاً من القانون الاسلامي ، فهل يجوز ان يقوم القانون بفرض امر يتعلق بشخصية الانسان لا بأفعاله وتعامله مع الاخرين ! وربما يؤيد هذا خبر عباد بن صهيب قال : (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : لا بأس بالنظر الى رؤوس نساء أهل تهامة ، والأعراب ، وأهل السواد ، والعلوج ، لأنهم إذا نهوا لا ينتهون) ، والحديث مروي في وسائل الشيعة {الوسائل باب: ١١٣ من أبواب مقدمات النكاح حديث: ١} وربما يتضح من عبارة (إذا نهوا لا ينتهون) أنه ليس هناك اجبار على الحجاب بل نهي وتوضيح للحكم الشرعي ثم يتركون لخيارهم.

فعندما تكون المرأة مخيرة بين ان ترتدي الحجاب او تتركه ، لكن ان تعرف انها حينما ترتديه فانما تنضم الى الاسلام برغبتها الطوعية وقناعتها الكاملة ، وإنْ تركته فهي ترغب ان تبقى محايدة بن الاسلام وغيره ولكنها بحيادها هذا تخسر رضوان الله تعالى لانها ترتكب مخالفة لاوامره. وعليها ان تفكر ماذا سيكون موقفها يوم القيامة وهي تقابل ربها وهي عاصية لاوامره. وهذا تحقيق لقوله تعالى: ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)). فلا تفرضوا الحجاب على النساء بل دعوهن يخترنه بمليء ارادتهن او يتركنه بمليء ارادتهن ، وهذا لا يعني التعايش مع السفور. فالامر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم في جميع الاحوال.

مقالنا هذا ليس للتساهل في امر الحجاب ولا دعوة لذلك بل هو دعوة لتحبيب الحجاب للنساء وليكون موضوعاً محبباً في المجتمع.  

ونختم مقالنا هذا بالتذكير بقوله تعالى في سورة الانشقاق:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

[[يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (15)]]

صَدَقَ اللَّهُ العَلِيُّ العَظِيمُ

 

 

الصفحة الرئيسية

عودة للصفحة السابقة