بسم الله الرحمن الرحيم

 

قراءة في جمهورية عبد الرزاق الجبران

 

نبيـل الكرخي

 

"جمهورية النبي .. عودة وجودية" .. كتاب اراد مؤلفه عبد الرزاق الجبران ان ينقل ما في ذهنه من افكار الى الآخرين بعد ان يضع لها إطاراً إنسانياً ووجودياً ولكن احد الاخطاء التي وقع فيها أنَّ افكاره ليس لها واقع !!

صحيح ان الانسانية هي عامل مشترك يمكن ان يجذب به جميع الناس او غالبيتهم – بغض النظر عن مفهوم كل منهم للانسانية وابعادها - ولكن ان يقحم الوجودية في الواجهة ويحاول ايجاد خلطة بينها وبين الاسلام على حساب الاسلام وشريعته بحيث تكون  الصيغة الناتجة مفاهيم ممسوخة وغامضة اطلق عليها اسم "الوجودية الاسلامية" فهذا ايضاً جزء مما في ذهن المؤلف وحده وهو مما حاول ان ينقله من ذهنه الى الواقع الخارجي فلم يفلح في ذلك كما سنرى من خـلال نقدنـا هــذا ! فليس من الممكن ان تجمع بين الوجودية واللاوجودية في منهج واحد.

فمن نماذج عجز المؤلف عن نقل امنياته الذهنية الى الواقع بأبعاده العديدة قوله في إحدى امنياته الذهنية: (أمة الخير/ أمة المعنى ، مطلقة يستطيع أن يشترك بها المسيحي والمسلم والبوذي كما يشترك بها العربي وغيره .. وهذه هي امة محمد)[1] !! هل تكفي علامتنا فقط للتعجب ... حسناً اليكم نصاً آخر: (القانون لا يحقق عدلاً ناهيك عن انه لا يحقق جمالاً ، بينما النبي إن لم يجد جمالاً في العدل فلا يراه عدلاً وهذا اهم شيء مع النبي في اعتماده البعد الجمالي للاشياء وان الجمال حاكم على العدل)[2] !! ...

نص ثالث ننتقيه يقول: (أولئك الذين عبّر عنهم القرآن بـ (النبيين) فإذن استخدامه مفردة النبيين لم يكن يقصد بها الانبياء الرسميين وإنما اولئك الربيون .. إذ أن الموازاة اللغوية الخاصة بالنحت القرآني لها دلالتها المعرفية على الموازاة الواقعية والوجودية.. )[3] !!!

اما ابتداعه لمصطلحه السفسطائي "الوجودية الاسلامية" فقد بقي غامضاً حيث لم يتمكن المؤلف من بيانه كمفهوم له ابعاده وحدوده وطبيعته رغم محاولته غير المجدية في شرحه[4] ، كما اهمل بيان نقاط الالتقاء أو الافتراق بين "الوجودية الاسلامية" المفترضة وبين الوجودية الايمانية التي يمثلها كيركجارد والوجودية الالحادية التي يمثلها سارتر وهايدغر.

بل ان المؤلف لم يتمكن حتى على المستوى الذهني المجرد من بيان نقاط الارتباط بين الوجودية كفكرة ومفهوم يعطي للانسان الاولوية من حيث وجوده ويقدمه على ماهيته ، الوجودية التي تجعل للكيان البشري مركزية في تحقيق كل رغباته ونزواته بل وحتى سخافاته ... إرادة مطلقة ، وتقديمها على اية قيم اخلاقية أو مصلحة اجتماعية او مباديء او قيم جماعية أو إنسانية ! أقول لم يتمكن المؤلف من بيان نقاط الارتباط بين الوجودية وبين نظرته للاسلام تلك النظرة "الوجودية- الذهنية" ، فبقي مصطلح "الوجودية الاسلامية" غامضاً كمصطلح جديد بأبعاد يفترض انها تتناغم مع واقع المسلمين الديني والاجتماعي ، وبقي مصطلح "الوجودية الاسلامية" عبر صفحات الكتاب كلها لا يعني شيئاً آخر سوى مفهوم الوجودية نفسه ! إذن لماذا هذا العناء في ابتكار المصطلحات ما دام ذهن مبتكرها لا يعني بها سوى نفس المفهوم الموجود سلفاً !؟

وارتكب المؤلف خطأ فكرياً عميقاً حيث خلط بين وجود الشيء وماهيته ، بين وجود الانسان وماهيته فاعتبر انسانية الانسان من ركائزه الوجودية بينما هي من ركائزه الماهوية ، يقول: (الوجودية التي نسعى اليها إنما هي مزيج من ثقافات واتجاهات وتجارب وكلمات دينية واخلاقية وجمالية وصوفية وفلسفية وادبية على طول التاريخ ، انتجت (معنى) إنساني وجودي حياتي ، بمعاناتها الوجودية لا باوراقها .. ولان ذلك المزيج يجمع فقط ما يؤثر في الانسان كحياة كوجود وليس كمعبد وعلوم ، لذلك اخذ الحل الاسم الوجودي)[5].

فالمؤلف يخلط بين مفهوم الوجودية من حيث وجوديتها وبين ماهية الانسان وما يترتب عليها من ثقافات وتجارب ... والواضح من كلماته انه يريد ان يضع حدوداً للوجودية البشرية من حيث اقتراحه لتحديد خيارات الانسان بالمزيج الثقافي الذي ذكره ، ومهما كانت سمات ذلك المزيج ففيه تحديد لخيارات الانسان الوجودية ! وهذا يعني انه يتحرك ضد حرية الانسان وضد وجوده ، وهو نفس ما يتهمون الاسلام به ، اذن ....؟؟؟

... وبذلك تكون و"جوديته الاسلامية" التي يدعو اليها ايضا فيها تقييد لخيارات الانسان الوجودية كما هو في الاسلام ولكن بنسب متفاوتة ... فما هي فائدة كل ذلك !؟

ان المفهوم من كلامه انه يتقبل الاسلام اذا اسقط منه الفقه والشريعة فيكون المتبقي هو ما يدخله ضمن خلطته العجيبة التي اطلق عليها اسم "الوجودية الاسلامية" !

هــل فقط يريد ان يقول انـه يتقبـل الاســـلام اذا تخـلـــى عن فقهـه وشريعتــه ! ويقبـل ان تحـدد "الوجودية الاسلامية" وتضيّق خيارات الانسان وحريتــه !! هل هــذه هي "الوجودية الاسلامية" التي يدعو اليها ؟! اليست مشكلة الوجودية مع الاسلام هو في اطلاقها المنفلت للحريـات الشخصيــة ورفضهـــا اي تقييــد لحـريـة الانـسان وخياراتـه بخـلاف الاسـلام الـذي ينظـم ويهــذب الحريات الفردية والتصرفات الشخصية ! هل يقبـل عبد الرزاق الجبران ان يعلـن صراحة ذلك: انه يقبل بفرض قيود على حريـات الانسـان وتصرفاتـه من منطلـق "الوجودية الاسلامية" ؟!

نعود لتعارض الوجودية بمفهومها العام الذي نادى به كيركجارد وسارتر وهايدغر مع "الوجودية الاسلامية" التي ينادي بها المؤلف... فليس وجود الانسان وجود انساني بل هو وجود بشري ، فهناك انسان يختار على سبيل المثال ان لا يكون انسانياً ، ان لا يتفاعل مع المواقف الانسانية ، ومع ذلك فهو من حيث وجوده له خياراته الحرة في ان يكون ما يكون وهذه هي الوجودية. وما افترضه المؤلف من ربط بين الانسانية والوجودية هو خطأ معرفي جسيم.

نقطة اخرى تمثل احدى سمات اسلوب المؤلف وهو صياغته النثرية في إطار استثارة المخيلة لإستحواذها على الذهن من اجل تجميل القبيح وتقبيح الجميل .. مثلاً قوله حول الغانيات: (الغانية وحدها مسكينة بإسمها لأنها منحت اسوأ اسماء الناس رغم انها ليست الاسوأ بينهم. إذ المفروض ان يكون هناك تناسب في الاسماء حياتياً .. فلما يكون الاسم مع الغانية وهي لا تؤذي من البشرية إلا حالها .. بينما الاسوأ إطلاقاً في التاريخ لم يكن إلا رجال الدين والمثقفين .. المؤرخين تاريخياً هم المثقفون ، وهؤلاء ضاهوا ما فعله رجال الدين)[6].

وكقوله: (المتدينون بشر تابعين لمعبدهم بينما الخيرون بشر تابعين لإنسانيتهم .. والانسانية مطلقة على عكس المعبد في نسبته لجماعة ما ، يسورها عين محرابها عن الاخر ويمنعه عن صلاته فيه ..)[7]. فهو يصوّر ان المتدين بعيد عن الانسانية وان الفقه والدين هو جهة مقيدة الإنسانية !! لقد نسي ان "المعبد" هو الذي يقرأ فيه آيات الله سبحانه وتدرّس فيه ، ومنها قوله تعالى: ((لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ))[8]. فأي إنسانية اعظم مما جاء في تعليم هذه الاية المباركة...

انظر للشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب جواهر الكلام (توفي 1266هـ)  وهو من كبار فقهاء الشيعة وهو يقول بجواز الوقف للذمي أي اليهودي او المسيحي الذي يعيش في اوطان المسلمين ، فذكر استدلاله الفقهي ومما جاء فيه: ( ( و ) أما القول بجواز أن ( يقف ) المسلم ( على الذمي ولو كان أجنبيا ) فهو محكي عن التذكرة والتبصرة ، وموضع من التحرير والدروس وايضاح النافع ، بل لعله لازم للقائل بجواز الصدقة عليه الذى نسبه في المسالك إلى الاشهر ، بل في الكفاية إلى المشهور ، بل قيل لم يحك الخلاف فيه إلا عن الحسن ، ومنه ينقدح الاستدلال عليه بالنصوص الدالة على ذلك ، مضافا إلى عموم المقام ، بل وعموم الاحسان والمعروف وصلة الرحم وغيرها ، بعد قوله ( تعالى ) " لا ينهاكم الله . . . " ) الى ان يقول: (وبذلك يظهر لك الجواب عن الاستدلال بقوله ( عليه السلام ) " لكل كبد حراء أجر " وبآية " لا ينهاكم الله " إلى آخره فإن غايتهما الدلالة على ثبوت الاجر ، وعدم النهى عن المودة ، )... (يكفى في ذلك اطلاق ما دل على استحباب الوقف ، وأنه من الصدقة الجارية ، ضرورة عدم الفرق بين متعلقه ومتعلق أوامر الصدقة بين المسلم والذمي خصوصا بعد الخبر " أن لكل كبد حراء أجرا " وكذا ما دل على الامر بالاحسان وبالمعروف وفعل الخير ونحو ذلك ، بل قوله تعالى " لا ينهاكم الله " إلى آخره كاف في ثبوت الحث على برهم ، والاقساط إليهم بالمودة " فإن الله يحب المقسطين و المحسنين ، ويأمر بالاحسان " )[9].

-  وكتب ايضاً في سياق استدلاله على جواز التصدق على الذمي (اليهودي او المسيحي): (المسألة ( الثانية : يجوز الصدقة على الذمي ) وغيره من الكافر غير الحربي ( و إن كان أجنبيا ) على الاصح ( لقوله ( عليه السلام ) " على كل كبد حراء أجر " ولقوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم " وغير ذلك مما سمعته في الوقف ، فإن المسألة من واد واحد دليلا ، و خلافا والله العالم)[10].

-  وكتب السيد كاظم الطياطبائي اليزدي في العروة الوثقى احد اشهر كتب الفقه في العصر المتاخر في جواز الوقف والصدقة على اليهودي او المسيحي: (مسألة 3 : في جواز وقف المسلم على الكفار وعدمه فيما لا يكون اعانة على المعاصي ، ومع قطع النظر عن سائر الجهات أقوال ؟ ثالثها الجواز في الرحم دون غيره ، رابعها الجواز في الابوين دون غيرهما ، خامسها الجواز في الذمي دون الحربى ، والاقوى الجواز مطلقا للعمومات وما دل على الترغيب في البر والاحسان وما ورد من جواز الصدقة على الكافر ، مضافا إلى الآية الشريفة (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم )) مع عدم دليل على المنع إلا ما يتخيل من قوله تعالى (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم وابنائهم )) ، ولا دلالة فيه إذ المنع المستفاد منه انما هو عن الموادة من حيث كونها محادة لا مطلقا ، ولذا لا اشكال في عدم حرمة مجالستهم ومحادثتهم والاحسان إليهم والتعارف معهم ، بل ربما يكون راجحا إذا كان موجبا لتأليف قلوبهم ورغبتهم في الاسلام)[11].

وكتب السيد الخوانساري (وهو من العلماء والمراجع المتاخرين في ايران) في جامع المدارك: (وأما وقف المسلم للحربي ففيه أقوال والظاهر عدم الاشكال لما دل على جواز الصدقة عليه وللآية الشريفة " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم " وأما قوله تعالى " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم " فلا يظهر منه المنع لعدم الملازمة بين التصدق على الكافر والاحسان إليه وبين الموادة فان الآية الشريفة آبية عن التخصيص و لا إشكال في جواز اكرام الضيف الكافر والإحسان إليه كما حكي من عيادة اليهودي المريض وقد يقال : المنع المستفاد من الآية إنما هو عن الموادة من حيث كونها محادة لا مطلقا فلا تدل على المنع في المقام ، ويشكل من جهة أنه إذا قال المولى لعبده : لا تعاشر الفاسق فلا يستفاد منه النهي عن معاشرة الفاسق من حيث فسقه بل يظهر منه النهي عن المعاشرة مطلقا . نعم الظاهر من الآية السابقة " لا ينهاكم الله - إلى آخره " التقييد بعدم كون الكافر ممن يقاتل في الدين وممن يخرج المسلمين من ديارهم فيشكل الوقف على من يقاتل في الدين ويخرج المسلمين من ديارهم)[12].

وكتب ايضاً: (وأما جواز الوصية للذمي فهو مختار جماعة واستدل عليه بقوله عزوجل : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين - إلى قوله تعالى : - أن تبروهم " و الوصية بر . وما رواه المشايخ الثلاثة - قدس الله تعالى أرواحهم - عن محمد بن مسلم في الصحيح قال : " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أوصى بماله في سبيل الله فقال : أعطه لمن أوصى به وإن كان يهوديا أو نصرانيا إن الله تبارك وتعالى يقول : " فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ". وما رواه في الكافي والتهذيب بسند صحيح عن محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما السلام مثله بأدنى تفاوت . وما رواه المشايخ الثلاثة ، عن يونس بن يعقوب " إن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات وكان لا يعرف هذا الأمر فأوصى بوصية عند الموت وأوصى أن يعطي في سبيل الله ، فسئل عنه أبو عبد الله عليه السلام كيف يفعل به فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر ، فقال : لو أن رجلا أوصى أني أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما ، إن الله عز وجل يقول : " فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه " فانظروا إلى من يخرج إلى هذا الوجه - يعني بعض الثغور - ، فابعثوا به إليه ")[13].

-  وكتب السيد محمد صادق الروحاني (وهو من المراجع في ايران): (( الثانية : يجوز الصدقة على الذمي وان كان اجنبيا ) كما صرح به جماعة عن الاصحاب ، وعن ابن ابي عقيل : المنع من الصدقة على غير المؤمن ، وظاهر بعض الاصحاب : ان الخلاف في الصدقة على الذمي كالخلاف في الوقف عليه ، ويسأتي الكلام في الوقف عليه . تشهد للاول - مضافا الى اطلاق الادلة وقوله تعالى (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديار كم ان تبروهم )) جملة من النصوص ، لاحظ خبر عمر وبن ابي نصر : قلت لابي عبد الله ( عليه السلام ) : ان اهل البوادي يقتحمون علينا وفيهم اليهود والنصارى والمجوس فنتصدق عليهم ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم. ومرسل الصدوق عنه ( عليه السلام ) عن السائل ولا يدرى ما هو فقال ( عليه السلام ) : اعط من وقعت له الرحمة في قلبك. ونحوهما غيرهما)[14].

وقد اجاب السيد الخوئي عن هذا السؤال: (يتخذ بعض المسلمين بعض الكفار كشركاء في التجارة أو أصدقاء أو جيران فيحبونهم قلبيا ، فهل يجوز الحب والود لغير المسلم ؟) فاجاب بالتالي: ( قال الله تعالى (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين )) . صدق الله العلي العظيم). وأيضاً اجاب الشيخ جواد التبريزي: (إذا لم يكن الحب من جهة كفرهم فلا بأس)[15].

وفي الامالي للسيد المرتضى نقرأ كيف تربى الشيعة تربية انسانية فنقرأ ان ابو العيناء (الاديب المعروف وهو من اصحاب الامام العسكري عليه السلام[16]) قد قال له احدهم وقد رآه وهو يضاحك نصرانيا فقال يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء فقال أبو العيناء لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين[17].

وردّ السيد محمد حسين الطباطبائي دعوى ان الآية الكريمة ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين)) منسوخة كما هو شائع في الفقه الاموي ، فقال: (قوله تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم " الخ ، في هذه الآية والتي تتلوها توضيح للنهي الوارد في أول السورة ، والمراد بالذين لم يقاتلوا المؤمنين في الدين ولم يخرجوهم غير أهل مكة ممن لم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم من المشركين من أهل المعاهدة ، والبر والاحسان ، والاقساط المعاملة بالعدل ، و " إن تبروهم " بدل من " الذين " الخ ، وقوله : " إن الله يحب المقسطين " تعليل لقوله : " لا ينهاكم الله " الخ . والمعنى : " لا ينهاكم الله بقوله : " لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " عن أن تحسنوا وتعاملوا بالعدل الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم لان ذلك منكم إقساط والله يحب المقسطين . قيل : إن الآية منسوخة بقوله : " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " التوبة : 5 ، وفيه أن الآية التي نحن فيها لا تشمل بإطلاقها إلا أهل الذمة وأهل المعاهدة وأما أهل الحرب فلا ، وآية التوبة إنما تشمل أهل الحرب من المشركين دون أهل المعاهدة فكيف تنسخ ما لا يزاحمها في الدلالة)[18].

وفيما اوردناه رغم الاطالة في بعضه وتكراره لكن لعلماء مختلفين خير بيان على ان الفقه الشيعي هو فقه انساني ذو مديات واسعة وعظيمة ...

نعم الانسانية يمكن ان تكون مشتركاً عاماً بين الناس ، والجمال ايضاً من المشتركات العامة ، ولكن من يزعم ان الدين يخلو من هذه المشتركات فقد بهت الدين حقه ومكانته .. بل الدين هو الذي يحث على المشتركات ولكن بحقها الى جانب الحقوق الاخرى ، فلا يطغى حق على حق ، حق التوحيد وحق العبودية وحق النبوة وحق المجتمع وحق الحياة وحق الآخرة وحق الاسرة وحق الاقارب وحق الجيران ، منظومة كبيرة من الحقوق ، والاكتفاء بحق المشتركات الانسانية لا يحقق العدالة والموازنة داخل منظومة الحقوق الكبيرة هذه ... انه الدين وحده الذي يحقق الموازنة المذكورة ...

 

 

اهـداء كتابـه:

لعل ابرز سمات جمهورية عبد الرزاق الجبران تبرز في اهدائه الذي بدأ به كتابه ! ...

§       (الى المخدوعين بنسخة من الاسلام ما زالوا يرتلونها على انها لسان نبيهم بينما الحقيقة الاولى هي ان النبي ذهب بنسخته وبقينا لنسخة الكهنة والسلاطين ..

§       (الى علي شريعتي الذي كنتُ راحلاً لإسلام يكرهه فوجدتث نفسي بإسلام يرحل اليه ..

§       (الى سورين كريكجارد الذي علمني ديانة القلب بعد ان تعبتُ من ديانة الفقه .. طلّق المسيحية فوجدَ المسيح وطلّقتُ المسلمين فوجدتُ الاسلام)...

فلعله يزعم انه فهم اسلام الكهنة والسلاطين الذي يرتّله المسلمون وعثر على نسخة للاسلام تخالفها نسبها للنبي .. وكان الاجدر به ان يفرّق بين ما يسمى بإسلام الكهنة واسلام السلاطين وبين اسلام المظلومين الذين مورست ضدهم شتى انواع الاضطهادات عبر التاريخ لرفضهم الاسلام الاموي ولرفضهم اسلام الكهنة الذي تمخض عن الاسلام الاموي ... اسلام المظلومين الذين ينتمون الى آل النبي (صلى الله عليه وآله) والذي كان ابو ذر الغفاري ينتمي اليه بقوة وبشدة وبكبرياء وبعنفوان وبضمير حي اتسع للانسانية جميعها .. ابو ذر الذي لم يكن واقفاً الى جانب الفقراء ضد الاغنياء فحسب كما فهم المؤلف ذلك فقط من ابي ذر ! بل كان ابو ذر جبل الممانعة الشامخ ضد الاسلام الاموي وضد اسلام الكهنة ، كان ابو ذر الرافض لكل منكرات عصره ينادي بإسلام المظلومين بإسلام آل البيت (عليهم السلام) ومنه انطلق في وقوفه الى جانب الفقراء وضد التصرف العبثي بأموال المسلمين التي كان يجب ان توضع في مواضعها الصحيحة. لم يكن ابو ذر ضد الاغنياء لأنه يعرف ان الحياة فيها الغني والفقير وان الغني يجب ان يؤدي الضرائب المستحقة عليه بموجب القوانين الاسلامية. ولم ينقل عن ابي ذر انه كان ينادي بمحو طبقة الاغنياء والابقاء على طبقة الفقراء ! بل كان يريد توزيع اموال المسلمين في بيت مال المسلمين بينهم لكي يرتفع الفقر عن فقرائهم ، ولذلك وقف جبل الممانعة بشدّة ضد استئثار الخليفة عثمان الاموي في المدينة  والوالي معاوية الاموي في الشام بثروات بيت مال المسلمين واحتكارها من قبلهم هم والمقربون منهما من بني امية خاصة.

كان أبو ذر وكان عمار بن ياسر وكان حِجر بن عدي واصحابه وكان حبيب بن مظاهر وكان هانيء بن عروة وكان عبد الله الرضيع ... اقمار عديدة اضاءت تاريخ الانسانية كلما اشتدت حلكة الظلام الاموي .. اقمار استمدت نورها من شمس آل البيت عليهم السلام .. شمس الحقيقة النبـويــة حيث لا اسلام سلاطين ولا اسلام كهنة ولا اسلام حداثي بل اسلام محمدي اصيل قاد سفينته ائمة أهل البيت عليهم السلام وسار على نهجهم الصالحون من اتباعهم المخلصين من علماء ومفكرين واتقياء وورعين وعامة الناس الذين فضلوا شمس الحقيقة مهما تعرضوا بسببها للتقتيل والتهجير والاهمال الاجتماعي والمعاداة المادية والمعنوية من قبل السلطان وكهنته !

"ذهب النبي بنسخته من الاسلام"[19] هكذا يرسم المؤلف صورته الساذجة ، فلماذا جاء النبي (صلى الله عليه وآله) بتلك النسخة ولماذا ذهب بها ولماذا لم يضع الضمانات للحفاظ عليها غضة طرية لكل الاجيال كما فهم المؤلف ذلك خطأً ؟! الم يقل امامنا جعفر الصادق (عليه السلام) إنَّ النبي جاء بالاسلام لكل الاجيال (حلال محمد حلال أبداً الى يوم القيامة وحرامه حرام أبداً الى يوم القيامة ، لا يكون غيره ولا يجيء غيره)[20] اذن الا يبرز التناقض بين عظمة المنهج الذي جاء به النبي – حتى على فرض تعاليم جمهورية النبي التي يفترضها المؤلف - وبين الثغرة الخطيرة التي يزعم المؤلف انها موجودة فيه حين لا تكون هناك ضمانات لاستمرار المنهج النبوي العظيم واستمرار الاسلام النبوي ..

اليس في حديث الثقلين الضمان المنشود لاستمرار الاسلام المحمدي النبوي (ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا) .. الكتاب الشريف والعترة الطاهرة. الا تكفي هذه الضمانة ! بلى وربي لقد كفت ووفّت.

اما علي شريعتي الذي يظن الجبران انه وجد الاسلام الذي رحل اليه فقلما نجد مثقفاً درس علي شريعتي بموضوعية كما هو علي شريعتي لا كما يتمنى علي شريعتي أن يكون ! فمن المؤسف ان نجد ان علي شريعتي اصبح كعجينة العاب الاطفال (الطين الاصطناعي) الذي يحاول البعض تشكيله وفق اذهانهم ورؤاهم ووفق فهمهم الالتقاطي .. ! ويكفي للبدء بإستكشاف حقيقة علي شريعتي ان نذكر حقيقة واحدة كان علي شريعتي نفسه يصرّح بها ويتفاخر بها ومنها يمكـن ان ننطلـق لفهـم حقيقـي لعلي شريعتي بعيداً عن المتاجـرة الفكرية بأسمه ، لقد كان يفتخر بأنه مقلّد للسيـد الخمينـي ... هـل بدأتـم الان بإتجـاه الفهـم الحقيقـي لعلـي شريعتي .. ؟!

حسناً اليكم المزيد من كلمات علي شريعتي وموقفه من الفقهاء ومراجع الدين:

ـ قال شريعتي: (اؤمن بالتقليد بمعنى تقليد الناس للفقيه المتخصص في الفروع العلمية والاحكام الفقهية أو التقليد الفني والتخصصي والعلمي لا التقليد العقلي والفكري ولا التقليد في اصول الدين)[21].

ـ وقال شريعتي: (واؤمن بالمرجعية العلمية ونيابة الامام لتصدّي القيادة الفكرية والاجتماعية وتعبئة الطاقات وتوظيف القوى والامكانيات من أجل نصر الدين والاهتمام بحياة الناس وتأصيل ثقافتهم الدينية والتاريخية)[22].

ـ وقال شريعتي: (ذكرت في كتابي "تاريخ الاديان" أنّ علماء الشيعة هم انزه فئة أو طبقة روحانية بين جميع الاديان والمذاهب في الماضي والحاضر)[23].

كما ان موقف علي شريعتي من الحريات الفردية لم يكن ايجابياً فلم يكن يتفق مع الوجوديين في تقديم الحرية الفردية وتقديسها ! قال شريعتي: (الحرية الفردية أداة تخدير كبرى لإغفال الحرية الاجتماعية ، حيث النباهة الاجتماعية القضية ذات الاهمية الكبرى. انهم ينادون بالحرية الفردية ويدعونك لها من اجل تمويه الاذهان والغفلة عن طالنباهة الاجتماعية" ، حيث يرى الانسان نفسه حراً من الناحية الفردية في غذائه وشهواته)[24]...

... اذن عبد الرزاق الجبران داعية الوجودية ينسب نفسه الى علي شريعتي الذي كان يرفض الوجودية !!

واما سورين كريكجارد اول مفكري الوجودية Existentialisme بإتجاهها الايماني لا بإتجاهها الالحادي الذي يبرز فيه سارتر ... كريكجارد (1813- 1855)م اديب ولاهوتي دنماركي لم يتفق الجميع على تلقيبه بالفيلسوف[25]فلم يكونوا يرونه كذلك ! وقال د. عبد المنعم الحفني في موسوعته: (ولا يعترف البعض بكيركجارد فيلسوفاً غير أن مفاهيمه شاعت وكانت لها أصداء في الفلسفة الوجودية جعلته اصلاً لهذه الفلسفة)[26]. وربما لهذا السبب نجد ان وليم كلي رايت اعرض عنه فلم يذكره ضمن الفلاسفة في كتابه الشهير (تاريخ الفلسفة الحديثة) بل لم يذكر الوجودية كلها في هذا الكتاب واعرض عنها رغم معاصرته لها ولمنظريها في اشارة واضحة الى انه لا يعتبرها من ضمن الفلسفات الانسانية. ولعله نفس السبب في اعراض السيد محمد باقر الصدر عن نقدها وبيان تهافتها الفلسفي حيث لم يعترف بها ضمن الفلسفات المعتبرة وكان يقول عنها انها ليس لديها صورة برهان[27].

يقول فريتيوف برانت حول رأي كيركجارد عن لا معقولية المسيحية: (وينوه جوهانز كليماكوس[28] بنورانية شديدة انه ليس من الممكن البرهنة على حقيقة المسيحية تاريخياً أو بالتأمل ، فالمسيحية هي وسوف تظل دائماً مسألة ايمان لا معرفة. بل والاكثر من هذا أن جوهانز كليماكوس يظهر ان مسألة الايمان هذه مليئة بالتناقضات الظاهرية وأشكال العبث. ويعبّر كيركجرد في جملة تجريدية ومركزة عن "العبثية" الاساسية في الايمان المسيحي على النحو التالي: "تتقرر البركة الخالدة للفرد خلال الزمن من خلال علاقته بشيء تاريخي يكون تاريخياً ، بشكل انه في مكونه يكون متمثلاً على نحو غير تاريخي بسبب طبيعته ويجب أن يكون هكذا بسبب العبث")[29].

نعود للمؤلف وما قاله من ان كيركجارد علمه ديانة القلب ! ونحن نعرف موقف كيركجارد من الدين وفكرته الوجودية وقد رأيناه كيف يصف المسيحية انها غير معرفية أي غير عقلانية وان الايمان مبني على غير المنطق !! هل هذا ما تريده يا عبد الرزاق الجبران ان يكون ايمانك الديني غير منطقي !؟

تعلمتَ يا عبد الرزاق الجبران ديانة القلب ونحن المسلمون ايضاً تعلمناها ولكن تعلمناها بالاتجاه الصحيح فتعلمنا كيف نصلح سريرتنا ودواخلنا قبل الشروع بأي عملٍ صالح لأن الاعمال الصالحة تقبل اذا كانت النيات السليمة. تعلمنا ان نحب الله من خلال اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) وشريعته الخالدة[30]. تعلمنا التسامح وحب الخير ومساعدة الفقراء والمحتاجين. تعلمنا التنازل عن 20% من ارباح اموالنا من اجل الاخرين بإستحقاقها الشرعي ، فهل هناك منهج انساني يتمكن ان يجعل الانسان يتنازل طواعية عن هذه النسبة الكبيرة من امواله طواعيةً حباً لله سبحانه غير منهجنا وطريقنا الاسلامي المحمدي النبوي. لانه قلبنا الكبير المليء بالحب لله والحب للناس والحب في طلب المعرفة وتحصيل العلوم. فنبينا هو الرحمة للعالمين ، وامامنا امير المؤمنين هو باب مدينة العلم النبوي.  فواقعية ديانة القلب انما هي عندنا نحن اتباع القرآن العظيم الذي علمنا كيف نكظم الغيض ونتسامح ونتجاوز عن اخطاء الآخرين تجاهنا وندفع باللي هي احسن. ديانة القلب عندنا نحن انصار نهج البلاغة ودعاء كميل وصلاة الليل. فمن الاسلام المحمدي النبوي نتعلم ديانة القلب الحقيقية التامة لا ديانة القلب المفتعلة المضطربة التي تعزل نفسها عن العقل والمنطق كما هو رأي كيركجارد حول الايمان المسيحي وديانة القلب المفترضة عنده !! ديانة القلب الانسانية لا ديانة القلب الوجودية التي تعني ان يكون الانسان اسير وجوده ومشتهياته وغرائزه فالمهم في الوجودية هو وجود الانسان ، الوجود الكياني للانسان وان يقوم كل شيء على خدمة هذا الكيان البشري كل شيء الغرائز والشهوات  فلا محرمات ولا اخلاقيات الا اخلاقيات وجود هذا الكيان !

وفي نفس السياق يصرح المؤلف بالتالي: (البعد الكيفي/ الوجودي مفقودٌ في التراث الديني, سواء أكان فقهيا أو كلاميا. الصّورية تملك معظم زواياه، وهذا ما أرادت نسفه الصوفيةُ في اتجاهها الحقيقي ونجحت فيه كثيرا، وهو عينه ما جرّنا إلى فكرة الوجودية الإسلامية أو لنقل الدينية, لأنها لا تمنح أولوية لدين على آخر, طالما أنها جوهرية تبتعد عن الصورية, لذا تضع نصبَ عينيها مقولة "كيركجارد" مؤسس الوجودية الدينية: "ليس المهم ما نؤمن به, وإنما الكيفية التي نؤمن بها", وهي المقولة الأساس التي قامت عليها كل الأحكام الصّوفية التي خرجت بها على أحكام المعبد.. كما أنها المنطق الطبيعي لسنة النبي وحوارييه. وبهذا المنطق في التأسيس من جديد بين الشريعة والحقيقة, تخرج أحكام الوجودية الإسلامية)[31]...

اذن مشكلة المؤلف هي في الكيفية التي يؤمن بها ، فهو يريد لكيفيته ان تتبع وجوده ومطالبه الوجودية من رغبة وشهوة وتنافس وسيطرة واستحواذ ، فاذا اراد وجوده الزنى فيجب ان يخضع ايمانه لوجوده ! واذا اراد وجوده الربى وتنمية الاموال بالمضاربات والمعاملات الربوية فيجب ان يخضع ايمانه لوجوده ! واذا اراد وجوده قطع رحمه وعقوق والديه فيجب ان يخضع ايمانه لوجوده ! هذه هي الكيفية الايمانية التي يتحدث الجبران عنها متاثراً بكيركجارد !!

"ليس المهم ما نؤمن به" هذه هي مقولة كيركجارد التي يرددها المؤلف ، اذن ليس مهما ان نعبد وثناً او حجراً أو فاراً ! وليس مهما ان نكون مسلمين او مسيحيين او يهود او سيخ او هندوس فالكل سواسية بمنظاره ! كيف تساووا لا احد يمكنه معرفة ذلك لأنها فرضية قسرية يفترضها المؤلف وبقية الحداثيين رغم قلة المشتركات بين تلك الاديان ... وما بينها من مشتركات لا يؤهلها لأن تحمل صفة الدين ومفهومه.

فليس المهم ما يؤمن به الانسان بل المهم وجوده ، واذا كان وجود الانسان هو المهم فليس هناك معنى لاستحداث مفهوم "الوجودية الاسلامية" لأن اضافة كلمة "الاسلامية" الى كلمة "الوجودية" لن تفيد بشيء ، فـ "الوجودية" و"الوجودية الاسلامية" هما مفهومان لمعنى واحد هو معنى الوجودية. نعم لمفهوم الوجودية الاسلامية فائدة واحدة وهي انها ممكنة الاستخدام لخداع الاخرين بأنَّ اعتناقهم لهذه الفكرة (الوجودية الاسلامية) يبقيهم ضمن النطاق الاسلامي ولا يخرجهم عنها ما دامت وجوديتهم "إسلامية" وهو نفس معنى قول القائل بوجود "ربا اسلامي" و"زنى اسلامي" و"خمور مسكرة اسلامية" و"ومخدرات اسلامية" !!

وقال المؤلف شارحاً ابعاد مفهومه المستحدث: (الوجودية الاسلامية لاتريد الحاق الدين بالوجودية الغربية؛ الدينية طبعا.. بقدر مايريد ان يجعل من الدين وجودا انسانيا. لذا الوجودية التي نسعى اليها, ليست ذاك المذهب الديني في خط كيركجارد , وانما مزيج من ثقافات واتجاهات وتجارب وكلمات دينية واخلاقية وجمالية وصوفية وفلسفية وادبية على طول التاريخ, انتجت (معنى) انساني وجودي حياتي, بمعاناتها الوجودية لا باوراقها .. ولان ذلك المزيج يجمع فقط ما يؤثر في الانسان كحياة, كوجود, وليس كمعبد وعلوم, لذلك اخذ الحل الاسم الوجودي)[32] ، وهنا نشهد تراجعاً تناقضياً عند المؤلف فهو هنا يصرح بأنه لا يريد وجودية كيركجارد وهناك كان يصرّح بانه يسعى لوجودية كيركجارد !!؟

وهنا يقول ان الوجودية التي يبحث عنها مجرد ثقافات واتجاهات وتجارب وكلمات دينية واخلاقية وجمالية وصوفية وفلسفية وادبية لكن بدون "معبد وعلوم" ويقصد بدون فقه وشريعة وبدون علم المنطق الذي وقف صراحةً ضده بإعتباره اداة للفقهاء في استنباطهم الفقهي ! اذن وجوديته هي اي شي عدا الفقه والاحكام الشرعية والعقائد الاسلامية ! وطبعاً وجوديته ليست اخلاقاً ايضاً لأن الاخلاق التي يريدها هي الاخلاق الوجودية التي تكون في خدمة كيان الانسان ولا تقيد الانسان بحدود وتصرفات واعتبارات وقيم ومباديء ! فاخلاقه الوجودية ليس فيها الحشمة والوقار والغيرة والايثار واحترام الكبير والعطف على الصغير فيما اذا كان كيان الانسان لا يرغب بذلك !!

 وقال المؤلف ايضاً: (قد تكون الأحكام التي تخرج بها الوجودية الاسلامية غير مألوفة, ولكنها في عقيدتي تأخذ شرعيتها الاولى من عدم مألوفيتها بالذات, قبل أن تأخذها من أدلتها المركزية, لانها مسألة انقلابية, وتاريخ الفكر الإصلاحي هو تاريخ طلاق ليس إلا، لذلك فالوجودية الاسلامية تتجه إلى عدم أصالة الكثير من الأحكام التي اُعتبرت فروضا, كما أنها تتجاوز ما يُطرح من تغيّرات في الأحكام- والتي تعتبر طفيفة نسبة إلى ما تغيّره الوجودية الإسلامية- من قبيل شرعية الزواج من الكتابي بل وغير الكتابي, وإن كان بوذيا.. هذا يعتبر بسيطا الى ماتغيره الوجودية الاسلامية, كونها تمتد الى أبعد من القضايا الخلافية في الفقه, وكأنها تنحى المنحى الصوفي في طلاقه لمنظومة الفقهاء)[33]. هكذا بكل بساطة يؤسس لفكرته "الوجودية الاسلامية" التي يظن إصلاحيتها ، فالإصلاح عنده يتحقق بالطلاق مع الاحكام الشرعية التي اطلق عليها اسم "منظومة الفقهاء" ومن تهافت فكرته انه قد فاته ان منع زواج المسلمة من غير المسلم هو امر قرآني وليس من نبات افكار الفقهاء كما يحاول ان يصوّر ! قال تعالى: ((وَلاَ تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ))[34].

مشكلة المؤلف هي نفس نوع مشكلة سروش ونفس مشكلة شبستري ولكنها مشكلة مختلفة كلياً عن مشكلة علي شريعتي رغم انه يحاول الادعاء بغير ذلك ويحاول ان ينسب نفسه الى شريعتي بدون جدوى .. فكلماته تكشف عن اتجاه فكري مختلف ...

مشكلة المؤلف انه يريد استبدال الدين برؤية فكرية مبنية على التعددية الدينية ونبذ الاحكام الشرعية وإهمال الفقه واحكام القرآن واللجوء الى مفاهيم وجودية تتم ترقيتها الى مرتبة المقدسات دون تصريح بقدسيتها من قبله اذ ان منهجهم المعلن هو القضاء على قدسيـة المقدسـات ! هو يريد ان يروّج لمذهب الوجودية البائس الفاشل والذي اكل عليه الدهر وشرب في دياره هناك في الغرب في ظل الصحوة الدينية التي تكتسح امريكا واوربا اليوم ، وإذا بالجبران يحاول استيراده وانعاشه واطلاقه هنا من جديد بتلبيسه بعناوين اسلامية !!

ومهما يحاول المؤلف اللف والدوران للخروج من مأزق انتماءه للوجودية ومحاولة ابتكار وجودية مغايرة او على الاقل وجودية ذات خصوصية شرقية او اسلامية بزعم ان وجوديته تختلف عن وجودية كيركجارد فإن الناتج الذي سيحصل عليه لن تكون له علاقة بالاسلام المحمدي النبوي ، لا من قريب ولا من بعيد.

إذن ليست هناك وجودية اسلامية لأن الاسلام اسمى وارفع واعظم من ان يكون صفة لموصوف آخر بل هو الموصوف الاعظم فهو الاسلام العظيم الذي يرتقي من خلاله معتنقه بصفاته البشرية نحو الفضيلة والتكامل والرُقي.

وقال المؤلف: (الانقلاب من المعبد إلى الوجود, أي من أحكام المعبد إلى قيم الوجود ستُطرح فكرة الفقه الوجودي الخارج إنقلابيا على مباني الفقه الأرسطي وسيتحوّل التأصيل؛ من التأصيل الشرعي إلى التأصيل الوجودي, رغم أنه تأصيل يعود إلى الرسول في وجوديته بالأولوية على القران, لأن النبي ووجوده/ سنّته في عقيدتي هو أهم من الوحي والقرآن، ورؤيتي في ذلك هو؛ أنه ليس غاية الله في نبيه "إيصال الكتاب"، وانما غاية الله في كتابه "إيصال النبي". هذا المنطلق في الوجودية إلاسلامية؛ وجدتُ معظم نتائجه منتمية إلى روح الإسلام ووجوده، وهذا ما أحاول أن أخرج به في كتابي "جمهورية النبي")[35].

لاحظوا قوله (النبي ووجوده/ سنّته) فهو يعتبر سنّة النبي هي خيار وجودي للنبي نفسه ، بإعتبار الوجودية تعنى بخيارات الانسان الحرة بعيداً عن محددات خارجية ! ولكنه لم ينتبه الى ان النبي نفسه قد اختار القرآن الكريم منهجاً له ولأمته ، فالقرآن من نفس المنطلق هو ايضاً خيار وجودي للنبي في نفس الاطار. وبناءاً عليه فلم يكن المؤلف مصيباً بتفريقه في خيارات النبي بين سنته والوحي !

والمؤلف يقترف خطأ جسيماً بحق منهجه الوجودي نفسه حينما يصور للقاريء انه يريد تبني الوجود النبوي (اي سنّته) ، فالوجود النبوي هو الذي صدرت عنه احكام قتل المرتد ورجم الزاني المحصن وغيرها من الاحكام التي يعترض عليها هو وبقية اهل الحداثة. فهل يلتزم المؤلف بالوجود النبوي وبجمهورية النبي ام سيتخلى عنها هي الاخرى بخلاف ما يزعمه من انه يريد التخلي فقط عن المعبد وجمهوريته حصراً !

والنبي ليس غايةً كما توهم المؤلف ولا "الكتاب" كذلك بل التكامل الانساني هو الغاية التي من اجلها بعث الله سبحانه الانبياء وارسل الرسل وانزل الكتب.

 

 

مقدمة كتابـه:

استهل عبد الرزاق الجبران مقدمة كتابه بالمتاجرة بأسم علي شريعتي ، وليس هذا فحسب بل نسب اليه اموراً لا تمت الى منهجه بصله كما اسلفنا ... تعالوا نقرأ ماذا كتب المؤلف عن شريعتي: (كان علي شريعتي يعتمد مسالة الطبقية معياراً قبلياً في منهجه لتقييم الايديولوجيات والفصل بها مسبقاً قبل دراستها .. وهو ما اُعجِبتُ به وقتها كثيراً في منهج شريعتي ومن ثم اعتمدته لاحقاً بأن آخذ قيمة إنسانية كبرى لا خلاف عليها تنتمي الى الحسن والقبح الذاتيين قيمة تحمل حسنها وقبحها معها – واجعلها غربالاً أولياً لأي ايديولوجيا سياسية كانت او دينية او اجتماعية ..)[36] هذه الحديّة في التفكير تذكرني باتباع ابن تيمية المتزمتين برؤاهم رافضين الاطلاع على سواها أو مناقشة ما عداها ، فقط لأن عندهم معيار قبلي في منهجهم !! هذا التزمت هو الذي اوهم بعض الناس بمعايير قبلية غير حقيقية ، معايير مفترضة مبنية على رؤى التقاطية خالية من قاعدة رصينة تستند اليها ! وما نسبه الى علي شريعتي في هذا الاتجاه هي نسبة بعيدة عن واقع ومنهج شريعتي ، ولسنا هنا للدفاع عن منهج شريعتي او تبييض صفحته وفكره بل فقط نريد ان نؤكد ان عبد الرزاق الجبران فهم علي شريعتي بطريقة مغلوطة أي انه فهم شريعتي كما يريد لشريعتي ان يكون لا كما هي حقيقة شريعتي !!

فما هو المعيار القبلي الذي وضعه الجبران لنفسه والذي اصبح احد منطلقاته لمهاجمة الاسلام ؟ انها قضية العبودية والرق كما سنقرأ في كلماته التالية للنص السابق !

قال المؤلف: (لم يكن الاستعباد والعبيد وازمتهم هي فقط التي تجعلني أرى إن جمهورية المسلمين في التاريخ هي غيرها جمهورية النبي ، رغم ان ذلك يكفي لأن المسلمين كانوا قد انتجوا في جمهوريتهم اسوأ انواع الاستعباد حتى ان ظاهرة العبيد لا تجد مكانها التاريخي الاكبر إلا مع المسلمين وفي تاريخهم الديني بالذات قبل كل الديانات والشعوب)[37]. فالظاهر ان المؤلف يعتبر ان التاريخ الاسلامي هو نموذج تطبيقي للاسلام ، فيظن او يريد ان يظن الناس ان الاسلام الاموي ونهج معاوية ويزيد وخلفاء آل مروان همك تطبيق حقيقي لتعاليم الاسلام او على الاقل لتعاليم فقهاء الاسلام ولذلك يجب ان يتم شطب كل ذلك التاريخ وان يتحمل الاسلام او الفقه الاسلامي وزر انحراف الخلفاء الامويين والعباسيين والعثمانيين !!! فالمؤلف يمارس ازدواجية بحثية لاسيما وانه ينتمي لبيئة شيعية ومن افرازات مجتمع شيعي ، فلمصلحة من يعتبر ان نموذج الخلفاء الاويين او العباسيين هو النموذج الحقيقي للاسلام او لشريعة الفقهاء بينما يعرف جيداً النظرية الشيعية حول انحراف السلطة والحكم منذ ايام السقيفة وترعرع ذلك الانحراف منذ ايام عثمان وتفريط الخوارج بالطاعة وتفويتهم فرصة القضاء على معاوية في صفين ! الم يكن يجدر بالجبران ان يكون منصفاً بنقله لرؤيا اسلامية مخالفة لرؤية اسلام الخلفاء الامويين !؟ ام هي فرصة لمحاولة التخلص من الاسلام عبر تحميله كل اوزار الامويين والعباسيين !!

انظروا الى عباراته:

·       تاريخ السلاطين هو تاريخ الجواري والعبيد ...

·       الاسلام عينه كان عبداً للسلطان ...

·       اننا نملك معبداً يقرر الحقيقة بينما هو عينه لصها وناهبها وسجّانها لألف ونيف سنة .. وفي عين محرابه .. وكأن المعبد للاسف عاش على الكذب وليس على الصلاة ..

فما علاقة الاسلام المحمدي النبوي بكل هذا ؟! الم يعلم عبد الرزاق الجبران ان اسلام علي بن ابي طالب (عليه السلام) يختلف عن اسلام معاوية بن ابي سفيان ، وان اسلام الحسين (عليه السلام) يختلف عن اسلام يزيد ، وان اسلام آل البيت (عليهم السلام) يختلف عن اسلام آل مروان وآل العباس وآل عثمان ! فلماذا غض النظر عن هذه الحقيقة !؟

 

مشكلته مع النسخة الاموية من الاسلام:

حينما نقرأ افكار المؤلف في جمهوريته نجد انفسنا امام احد تقييمين لها:

ـ أما انه يستغل اخفاقات النسخة الاموية من الاسلام فيستخدمها لضرب كل الاتجاهات الاسلامية بما فيها اتجاه الاسلام المحمدي النبوي المتمثل بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) دون ان يصرّح بكتابه كله بأي شائبة تجاهه !

ـ أو انه فعلاً يرى ان المشكلة تقبع في النسخة الاموية من الاسلام بإعتبارها تمثل الاسلام الرسمي على المستوى العالمي نظراً لأن غالبية المسلمين من الناحية العددية يعتنقون هذا الاتجاه من الاسلام. فكان عليه والحال هذه ان لا يقوم بتعميم مشكلته لكل الاتجاهات الاسلامية لأنه يعرف ان هناك اتجاهاً اسلامياً يرفض المآسي والجرائم والويلات والنكبات التي تعرضت لها البشرية والمسلمون خاصة من جراء النسخة الاموية من الاسلام وهو اتجاه الاسلام المحمدي النبوي الذي مثل جبهة المعارضة على طول الخط مع الاسلام الاموي... على أية حال لم يكن المؤلف منصفاً مع الاسلام المحمدي النبوي !

ومما يؤكد ان مشكلة المؤلف هي مع النسخة الاموية من الاسلام حصراً أو بشكل رئيسي على أقل تقدير انه ينسب للاسلام وللفقهاء الويلات التي تسببت بها المؤسسة الفقهية الخاضعة للنظام الاسلامي الاموي بل والمنبثقة عنه. ويضاف الى ذلك انتقاده المباشر للاشعري ومبدأه في ان الحسن والقبح شرعيين وليسا عقليين. فيقول المؤلف: (يمكن عن طريق هذا الاس الاشعري "الشرع من يحدد الحقيقة" وبمعية الرواية إن يخبروك بامكان صنع جبنة من ضوء القمر)[38].

ويقول الجبران: (غب عن معبد معاوية تجد معبد النبي)[39]... (إذن نحن دين ارضي اسسته ارستقراطية وقبلية ابو سفيان وليس جناح جبريل)[40].

 

يتسائل عبد الرزاق الجبران:

§       (هل الدين أن تقيم صلاة في المعبد أم الدين هو ان تقيم إنساناً في الناس.

§       هل الدين هو أن تتعلم العبودية في المعبد أم هو أن تتعلم الحرية ولو في الحانة.

§       هذه الازائيات تنبع من عين الازائية بين ما يمكن تسميتها بـ (ديانة القلب وديانة الفقه) إذ لم يقتل الاسلام إلا الفقه تماماً كما لم يدمر المعبد إلا الكاهن في الاديان .. كما ان الحقيقة الاولى الذي افرزه ذلك الفقه في التاريخ هي إن الاسلام التاريخي دين الفقه وليس دين الاسلام .. وبالتأكيد هو دين الساسة والسلاطين والاعراف والمذهب والمدرسة والقومية وليس دين النبي .... ديانة النبي هي ديانة القلب فحسب. حيث شرع النبي طريقه الاول بمنطق كلمته الكبرى؛ (استفتِ قلبك وإن افتاك الناس وافتوك ..) .. وهي الكلمة التي لم يُقم لها الاسلاميون جميعهً وزنها الحقيقي الى يومنا هذا .. لا في اسسهم الفقهية ولا الكلامية بل ولا حتى على مستوى حشو المنبر).

هو يصور ان هناك تعارضاً بين اقامة الصلاة في المعبد وإقامة انساناً في الناس مع ان الانسان لا تكتمل انسانيته الا من خلال صقل وتهذيب الدين له ، الا من خلال تربية المسجد الذي يرمز له بلفظ (المعبد) ! فالمسجد والصلاة فيه هو الذي ينمّي في الانسان انسانيته فمن خلاله يتعلم بر الوالدين والصبر والايثار وصلة الرحم ومساعدة الفقير والعطف على اليتيم والعفو عن المسيء والجدال باللتي هي احسن والتفكر والتدبر في الكون والخلق والاهتمام لقضايا المجتمع والسعي في طلب العلم وتهذيب النفس الانسانية ... فإذا لم تكن كل هذه المطالب من اَسّسَ انسانية الانسان فما هي انسانيته اذن ! هل تقتصر انسانيته على ان يعتبر نفسه موجوداً وعليه ان يعمل كل ما يمليه عليه وجوده وان تكون كل حياته في خدمة وجوده فياكل ويشرب وينكح ويتعرى تلبيةً لمطالب وجوده !

إنَّ حياتي انا المسلم ليست في خدمة وجودي بل إنّ وجودي هو في خدمة إنسانيتي ... ولذلك اقيد وجودي بقيود الاخلاق الفاضلة وقيود الشريعة الخالدة حتى تنمو انسانيتي في ظل وجودي لا ان ينمو وجودي في ظل غرائزي وشهواتي. ولذلك فانا لستُ وجودياً ولا يهمني كيركجارد وتعاليمه من قريب او بعيد بل انا إنسان تتكامل انسانيتي كلما ازددت عبودية لله سبحانه فمن خلال هذه العبودية اعثر على وجودي الانساني لا وجودي الكياني. من خلال عبوديتي لله عز وجلَّ احيط وجودي بعوامل النمو الانساني على المستوى الشخصي والاجتماعي فيصبح كياني انسانياً لا غرائزياً.

ومن الملفت ان المؤلف يعمد الى تراث المعبد فيلتقط منه حديثاً يعتبره حجر الزاوية في دعوته الى ديانة القلب بدلاً من ديانة الفقه ! واعني به حديث (استفت قلبك وان افتوك) بإختلاف في لفظه وابعاده ... فإذا كان التراث الفقهي صالحاً يا عبد الرزاق الجبران لتأخذ منه الحديث الذي يرويه الفقهاء فلماذا لا تأخذ بفقههم وإن لم يكن كذلك فلماذا تلتقط منه ما يناسب هواك ولا تتركه برمته كما هي دعوتك الى نبذ كل ديانة الفقه !! هل ترى ان المنهج الالتقاطي يبني فكراً إنسانياً معتبراً ؟!

ومن المعلوم ان هذا الحديث (استفتِ قلبك...) مروي عن صحابي واحد اسمه (وابصة بن معبد الاسدي) أسلم سنة 9هـ وتوفي سنة 51هـ ودفن في دمشق وقيل في الرقّة ! وقد وصف القرطبي دعوة الاستفتاء هذه بانها دعوة زندقة وكفر[41].

فهل يصح ان نتبنى حديث واصبة ونترك حديث الثقلين المروي بطرق متواترة أي لا شك في صدوره وفي صحة صدوره والذي يبين لنا ان الامن من الضلال ليس بأن نستفتي قلوبنا وان افتونا بل بالتمسك بالثقلين القرآن الكريم والعترة الطاهرة. فما هي ارجحية حديث واصبة بن معبد على حديث الثقلين المتواتر سوى اتباع الهوى !

 

الناس والفقهاء:

قال المؤلف: (ولكن المؤسف هو أمر الناس في انصياعهم لهؤلاء لأنها ملّكت قلبها للفقهاء كما ملّكت عقلها ، وتحسب انه تسليم لله .. رغم انه تسليم للكهنة ليس إلا .. هذه هي مشكلة الناس ابداً ، الله يصب الانبياء والناس تشرب الفقهاء ...)[42].

اذا كانـت النـاس تـشرب الفقهاء فلـماذا تتـدخـل فــي خــياراتـهم ؟ الـم تعلـن نفســــك وجوديـــاً !؟ اليـس من الوجوديـة ان لا تتعـدى علـى حريـة الاخريـن وخياراتهـم ؟! فليشرب النـاس الفقهاء على فرض ما ذكرتَ فلماذا تتدخل في شؤونهم ؟! ألا يصح ان نقول رداً علـى مقولتك "الله يصب الانبياء": "الله يظلل بالانبيـاء واهل الحداثة يجلسون تحت لهيــب شمـس الصحـراء" .. !

ليس في الاسلام المحمدي النبوي كهنة ، وليس عندهم فقهاء يأتمرون بامر السلطان بل كانوا على طول الخط معارضين له جاهرين بمرضاة الله سبحانه وإنْ اسخطت السلطان ... وإنَّ ظهور بعض من تلبس بالدين وساند حكم الطاغوت القاجاري او البهلوي في ايران او الطاغوت العارفي او الصدامي في العراق فهؤلاء شواذ القاعدة ، وكما قيل لكل قاعدة شواذ ... والشذوذ يثبت القاعدة ولا ينفيها ...

إنَّ رجل الدين المسلم في اتجاه الاسلام المحمدي النبوي هو فرد من عامة الناس يفرغ نفسه لطلب وتحصيل العلوم الاسلامية والدرس والاجتهاد وتصبح عنده الملكة على الفتوى الشرعية. رجل الدين الذي يعيش معاناة الناس وهمومهم وما يسلط عليهم من ظلم وطغيان. اليس طلب العلم الشرعي واجب في الاسلام وجوباً كفائياً اذا تصدى له العدد الكافي من الناس سقط الوجوب عن الاخرين. فهؤلاء رجال الدين المسلمون انما يقومون بتكليفهم الشرعي وايضاً يساهمون في رفع التكليف بطلب العلوم الشرعية عن بقية المسلمين. وكل ذلك امتثالاً لقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ))[43].

ومقبولة عمر بن حنظلة : " انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضو به حكما" . والتوقيع الرفيع : " وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم وأنا حجة الله عليهم " . وخبر تحف العقول : " مجارى الامور والاحكام على أيدى العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه " . وخبر أبي خديجة : " أنظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه " وخبره الآخر : " إجعلوا بينكم رجلا ممن عرف حلالنا وحرامنا فانى قد جعلته قاضيا " . والمروى في الفقه الرضوي: "منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بنى إسرائيل"[44].

اذن تعاليم الله سبحانه في القرآن الكريم واحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) تحثنا على التمسك بالعلماء وفق الشروط التي وضعوها ، فلماذا اذن لا نشرب الفقهاء - على حد تعبير عبد الرزاق الجبران - بعد ان تبين لنا ان شرب الفقهاء هو امتداد لشرب الانبياء إنْ صح التعبير !

  

 

هل الدين الا الحب:

يعمد المؤلف الى حديث شريف فيقتطع منه ، من مضمونه ومعناه وابعاده ! فقال: (كان الامام جعفر الصادق يقول قبل الرومي بخمسة قرون: هل الدين الا الحب .. هنا التقى الفقه والتصوف حينما مر الدين بناصية الحب نفسه ..)[45].

نعم قال الامام الصادق (عليه السلام) ذلك ولكنه قال الى جانبه امراً آخر .. فلماذا هذا الالتقاط المرصود بضمير مغبون .. يعمد الى نص يأخذ منه ما يوافق هواه ويترك ما يصرخ في عقله وضميره بان الاساس في الحب هو العبادة !

روي في الكافي والعياشي عن الصادق ( عليه السلام ) هل الدين الا الحب ثم تلا هذه الآية ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))[46].

وفي كتاب الخصال عن سعيد بن يسار قال قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (هل الدين الا الحب ان الله تعالى يقول ( ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) )[47].

وقال الامام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): (ان الناس يعبدون الله تعالى على ثلثة أوجه : فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه ، فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع وآخرون يعبدون فرقا من النار فتلك عبادة العبيد وهى الرهبة ولكني اعبده حبا له فتلك عبادة الكرام ، وهو الأمن لقوله تعالى: ( وهم من فزع يومئذ آمنون ) ولقوله تعالى: ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) فمن أحب الله أحبه الله ومن احبه الله كان من الآمنين)[48].

قال الفيض الكاشاني: المحبة من العبد ميل النفس إلى الشئ لكمال أدركته فيه بحيث يحملها على ما يقربها إليه ومن الله رضاه على العبد وكشف الحجاب عن قلبه والعبد إذا علم ان الكمال الحقيقي ليس الا لله وان كل ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه الا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقر به إليه فعلامة المحبة ارادة الطاعة والعبادة والاجتهاد البليغ في اتباع من كان وسيلة له إلى معرفة الله تعالى ومحبته ممن كان عارفا بالله محبا إياه محبوبا له فان من هذه صفاته إنما نال هذه الصفات بالطاعة على الوجه المخصوص وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن يحذو حذوه فمن أحب الله لا بد له من اتباع الرسول في عبادته وسيرته وأخلاقه وأحواله حتى يحبه الله فان بذلك يحصل التقرب إلى الله وبالتقرب يحصل محبة الله تعالى إياه كما قال تعالى وإن العبد ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه[49].

فالظاهر ان وجودية المؤلف التقاطية استقطاعية كما يتبين من اسلوبه في اقتطاعه النصوص طلباً لمصلحة اهم ، ام تراه اصبح كما روّج له من استحسانه للسرقة بأسم الثورة واستحسانه للسرقة من اجل مساعدة الضعفاء والفقراء فهل انه يستحسن سرقة الحديث الشريف من اجل ترويج لفكرة يظن انها في صالح الانسانية ! فأي إنسانية بائسة تلك التي تبنى على السرقة واستقطاع النصوص والتقاط الافكار وغياب المنهج الواضح !!

 

اسوأ انواع التاريخ:

كتب المؤلف: (إننا امة نملك اسوأ انواع التاريخ ليس لأنه لم يثمر حضارة حقيقية ولكن لأنه التاريخ الاوحد الذي استعبد الناس بأسم الانبياء أكثر من غيره من مسيحيين ويهود وبوذيين ، وما زال كذلك .. إذ لكان الامر أهون واكثر وفاءاً للنبي لو اعترف المسلمون بأن ما كان من تاريخنا وصوره من حكوماته وفتوحاته وحروبه وتشريعه ليس من الاسلام بشيء وبالتالي إننا ليس أمة الاسلام لأن امة النبي غير محددة بجغرافية ما ومعبد ما وصلاة ما وانما هي امة الخير والقيم أينما كانت .. قد تكون بمعبد أو في حانة باريسية ، لأنها ليست امة سطحية تحدد صورتها المعابد ، وإنما يحددها فعلها الوجودي المنتمي الى النبي محمد وباقي الانبياء وكل الذين لم يؤذوا البشرية ومنحوها من جمالهم شيئاً سواء كانوا قساوسة أو شيوعيين أو مغنيين أو عشاق أو لصوص. هنا ايضاً تعود الوجودية الاسلامية قاعدة: الحقيقة ليست بعيدة .. الاسماء تبعدها)[50].

هل الوجودية تدعو لعدم الانصاف ! إذا لماذا نجد المؤلف بعيد عن الانصاف ؟! السنا نحن الشيعة الامامية نعلن ونصرح ونقول بأن السلطات الاموية والعباسية والعثمانية هي سلطات طاغوتية باطلة وقائمة على الظلم ، فلماذا لا ينصفنا المؤلف ويكشف للناس هذه الحقيقة بدلاً من محاولة تجاهلها وطمسها  !!

هل نحن مسؤولون عن اخطاء الامويين ؟! وهل إنَّ الاسلام وفقهاء الشيعة الامامية مسؤولون لأن سوق الجواري قد ازدحم في فترة ما في بغداد بسبب العباسيين وان سوق المغنين قد اصبح رائجاً بسبب هارون الرشيد وعائلته الشهيرة بالغناء (اخته واخاه على سبيل الاحتراف وهو وابوه واولاده على سبيل اقتراف الاستماع والترويج والدعم) ؟!

هل يتجرّأ عاقل على لوم الاسلام لأنه سمح بوجود تجارة للرقيق الى جانب تشجيعه على عتقهم. نعم هذا هو الدين المتوازن ، والا كيف يريدون ان يحلوا مشكلة الاسرى وهم بالالوف او المئات بعد كل معركة ، اين تذهب بهم الدولة ؟ هل يفضلون للدولة ان تقطع رؤوسهم ام يفضلون ان تقوم الدولة باطلاق سراحهم وارجاعهم الى دولهم لكي يعيدوا الكرّة بقتال المسلمين من جديد ! ام ان تطلق سراحهم داخل حدود الدولة ليصبحوا عيوناً وجواسيس عليها او يصبحوا طبقة سكانية جديدة فقيرة ومعدمة يتكفكفون الناس ولا يجدون ما يسترهم او يشبع جوعهم وفيهم النساء والرجال ! ام يفضلون ان يتجهون بهم نحو البغاء ودور المنكر لكي يلوثوا المجتمع بسبب وجودهم ؟ هل الهدف هو انتقاد الاسلام فقط دون ايجاد حلول واقعية للمشكلة ! نعم ليست هناك حلول واقعية سوى الحلول التي جاء بها الاسلام وهو ان يصهرهم في المجتمع بهدوء فيجدون الملاذ الامن والملبس والطعام وكافة الاحتياجات ثم يشجع على عتقهم فيكونون افراداً صالحين في المجتمع الجديد الذي اصبحوا ينتمون اليه أو يرجعوا بعد العتق الى مجتمعهم الاصلي الذي ولدوا فيه.

نحن نتحدث عن اصل تقبل الاسلام لوجود ظاهرة الرق وليس عن الجرائم التي ارتكبت بأسم الاسلام من خلال استرقاق من لا يجوز استرقاقه ...

 

 

اتهامات ... !

قال المؤلف: (قامت دولة الاباطرة الاموية والعباسية على فقه قرشية الدولة .. وحورب النصارى بفقه الذمة .. وتأسس مفهوم الحريم واستعباد النساء بفقه الاماء .. وقُتِلَ المسلمون بفقه الخوارج .. واستلبت الاموال بفقه الخراج .. واحتلت الدول ونهبت واستعبدت بفقه الفتوحات ..)[51].

اما الحقيقة فهي شيء آخر ، فقد كان ابو حنيفة يفتي بجواز تولي غير العربي فضلاً عن غير القرشي للخلافة وهو الامر الذي دفع العثمانيين لتبني فقهه واطلقوا عليه اسم "الامام الاعظم" لكي يتمكنوا من تولي الخلافة من خلال نظره الفقهي ...

وفقه اهل الذمة هو الذي صان دماء اليهود والمسيحيين واعراضهم واموالهم واعطاهم الامان في بلاد المسلمين .. وإلا فهل يتخيل المؤلف مصير المسيحيين واليهود في المجتمع الاسلامي لولا وجود فقه يصون دمائهم واموالهم ؟

اما فقه الاماء فقد نظّم حياتهن حتى لا يعبث بها عابث يريد ان يزعم ان كيانه الوجودي يريد فرض واجباتٍ فوق ما عليهن من واجبات او يريد أن يحرمهن من حقوقهن ... اذن فقد كان فقه الاماء الى جانب الاَمة وليس ضدها ! فلولا فقه الاماء لتعرضن الى ابشع معاملة ولهتكت حقوقهن جملةً وتفصيلا ... فالاسلام هو الذي حفظ للاماء الاطار الذي تمكنّ فيه من العيش في المجتمع بصورة آمنة وان يكن لهن دور ايجابي فيه.

واما قوله بقتل المسلمين بفقه الخوارج فهو يرمز الى التكفير الذي يمارسه بعض التكفيريين ضد عموم المسلمين ... فهل يتحمل المسلم عبء تكفير المكفِّر له ؟! السنا نحن الشيعة الامامية اكثر الناس تعرضاً للتكفير بفقه الخوارج ؟! ... ومع ذلك فليس فقه عموم المسلمين يكفر الآخر ، وليس كل من يكفر الاخر يستحل دمه ، وليس كل من يستحل دم الاخر ينفّذ استحلاله في ارض الواقع ... اذن التهمة جاهزة والمقترفون معروفون ، ونحن الضحايا يحملنا عبد الرزاق الجبران مسؤولية جريرتهم وجريمتهم ... !!

واما الخراج فهو ضريبة تفرضها الدولة كما هو شأن الدول المتحضرة اليوم ، الا يؤمن المؤلف وبقية الوجوديين بالتحضر وبضرورة وجود سياسة اقتصادية للدولة ؟!

واما حديث المؤلف عن الدول التي تم احتلالها بفقه الفتوحات فهي نظرة تقهقرية عجيبة ... فهو يريد محاكمة التاريخ بمعايير الحاضر !! انه لا يميز بين طبيعة الدول وطبيعة النظام العالمي الذي كان يقوم آنذاك واختلافها عن طبيعتها اليوم ! لقد كان من الطبيعي ان تتحارب الدول ويحتل بعضها بعضاً وتحدث النزاعات لاسباب عديدة ، فلم تكن حدود دولية ولا معايير محددة لحقوق الانسان ... ولكن.. لنا ان نتسائل: اليس من حق جند الله حمل رسالة الله الى المعمورة اينما وجدتْ اذا قاوم الجبابرة والدول الطاغوتية العظمى الانتشار السلمي للاسلام وللدعوة السلمية اليه في بلادهم ؟ ومع  ذلك فلم تخلُ حروب الفتوحات من انتهاكات خطيرة اساءت الى الاسلام المحمدي وعكست صورة وحشية وقاسية عنه غير اصيلة في فكره ولا في تشريعاته. ولكن هل يتحمل تبعات تلك الانتهاكات الاسلام المحمدي النبوي ام الخلفاء الذين امروا بتلك الفتوحات ولم يعاقبوا المسيئين فيها بحيث انطبعت صورة في اذهان غير المسلمين في ان الاسلام هو المسؤول عن تلك الانتهاكات. ولا يخفى ان انتهاكات الحروب الاسلامية لم تقتصر على حروب الفتوحات بل سبقتها في حروب الردة حيث قتل وسبي المئات من المسلمين بدعوى ارتدادهم بسبب خلافهم السياسي وعدم اعترافهم بإعطاء اموال الضرائب (الزكاة) الى الخليفة الجديد. لقد قتل مالك بن نويرة واغتصبت زوجته وسبيت وسبي قومه في ظل ما اطلقوا عليه حروب الردة ومع ذلك لم تعاقب الخلافة الاسلامية خالد بن الوليد الذي صدرت عنه تلك الانتهاكات بل اطلقت يده بدعوى انه سيف من سيوف الله (تعالى عما يصفون) فنسبت بذلك كل جرائمه الى الله عز وجل والى الاسلام ! لقد نجح ابو بكر في تأسيس منهج السياسة البراغماتية للدولة الاسلامية غير ان الخطأ الجسيم لاتباعه انهم اعتبروا ان البراغماتية المذكورة جزء من الدين الاسلامي ، فحمّل الاسلام اوزار افعاله وسياساته الاجرامية بحق الآخرين ، تلك السياسة الاجرامية التي استندت الى ذريعة الابقاء على كيان الدولة الاسلامية قائماً ، في ظل غياب واضح لكل مفاهيم العدالة ومعانيها.

 

 

أبو ذر الغفاري رضوان الله عليه:

اراد المؤلف استخدام اسم سيدنا الصحابي ابي ذر الغفاري (رضوان الله عليه) كما اراد استخدام اسم علي شريعتي فتبين لنا سوء استخدامه في كلا الحالتين ...

قال المؤلف: (يتوجب العودة الى أبي ذر الغفاري كأول حامل لمعول النبي بعده ، وإن كان معوله عظماً لجملٍ ذبحته ارستقراطية المعبد حينها. أبو ذر بقي دون مذهب وفي هذا كانت عظمته إذ أن جميع المذاهب تقف خلاف أبي ذر في وجوده الديني دون استثناء. الشيوعيون وحدهم من اعادوا قيمته ، ولكن هذا ما أضاف له تهمة اخرى ! وفي الحقيقة كان الشيوعيون اقرب الى الله من الاسلاميين في ذلك ، سواء قالوا بالله أم نفوه معرفياً ..)[52] ، وقال في موضع آخر: (لم يقف ابو ذر مع شريعة الفقهاء في التحديد القانوني الفقهي لمفهوم الثروة الزائدة (زكاة وفقط كل ما على المؤمن) وهو امر منطقي كـ (نص) نبوي ، ولكنه لم يكن منطقياً كـ (معنى) نبوي ، أو بعبارة اخرى لم يكن ذلك الحكم نبوياً كمعنى ، وهو ما أراده ابو ذر الغفاري الذي ليس فقط مشى وحده ومات وحده كما أنبأ عنه النبي بل بقي برأيه وحده) الى ان يقول: (الشيعة تخلو عن رأي ابي ذر لأنه يمس اموالهم الذي تقوم عليه مؤسستهم ، والسنة تخلو عنه ايضاً لأنه يمس قبيلتهم ورؤوسها)[53].

لم يفهم المؤلف ابا ذر وحركته ضد النهج الاموي ، فنسب الى ابي ذر سلوكاً ومنهجاً بخلاف حقيقة سلوكه الايماني. لم تكن مشكلة ابي ذر الغفاري اموال الظالمين فقط وإنْ دار حولها الحدث الابرز في حياته والذي تسبب بنفيه وتشريده ... لقد كانت مشكلة ابي ذر هي اقامة الاسلام المحمدي الذي عرفه وسمعه من نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) ... ولذلك فقد وقف ابو ذر بشدّة ضد الذين حاولوا ان يغيروا في الدين ويدخلوا فيه ما ليس منه .. فنجد ان ابا ذر كان ينادي بين الناس بأحقية آل البيت عليهم السلام بالاتباع والرئاستين الدينية والدنيوية ومن موقفه هذا تفرّعت مناداته ومطالباته بأن تذهب اموال بيت مال المسلمين الى المسلمين وليس الى بني امية وآل مروان الذين سلطهم الخليفة عثمان على رقاب الناس واموالهم يكنزونها عندهم ولا ينفقونها في مكانها الصحيح ...

عن حنش الكناني قال سمعت اباذرّ رضى الله عنه يقول وهو آخذ بباب الكعبة  يقول: (من عرفني فانا من عرفني ومن انكرني فانا أبو ذر سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول الا ان مثل اهل بيتى فيكم مثل سفينة نوح من قومه من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق)[54].

وعن معاوية بن ثعلبة عن ابي ذرّ رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من اطاعني فقد اطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن اطاع عليا فقد اطاعني ومن عصى عليا فقد عصاني)[55].

وعن معاوية بن ثعلبة عن ابي ذرّ رضى الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وآله: (يا علي من فارقني فقد فارق الله ومن فارقك يا علي فقد فارقني)[56]

وعن ابي عبد الله الجدلي عن ابي ذر رضى الله عنه قال: (ما كنا نعرف المنافقين الا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات والبغض لعلي بن ابي طالب)[57].

هذه كانت القضية الاساسية لأبي ذر الغفاري ، وحينما استبد عثمان بعد وصوله الى السلطة – وهو لا يستحقها اصلاً بحسب الاسلام الذي يعرفه ابو ذرّ – واخذ يغلّب اقاربه من بني امية على رقاب الناس وبدأوا هم وكبار اعوانه من بعض الصحابة بجمع ثروة فاحشة[58] فوقف ابي ذر بوجههم بشدّة كانت السبب في نفيه وتغريبه.

ومن المفارقات الواضحة دفاع عبد الرزاق الجبران عن موقف ابي ذر الغفاري ، مع مناداته في كتابه بالوجودية التي تتعارض مع فكر ابي ذر ومع الاسلام ! الوجودية تعني ان يتصرف كل انسان بحسب متطلبات وجود كيانه بينما كان ابو ذر يطالب بإخضاع الانسان الى قواعد مالية شرعية تتجاوز وجودية الانسان ومطاليبه الشخصية. وهذا ما يكشف بوضوح غياب منهج المؤلف في كتابه هذا وضبابية رؤيته للاسلام وموقف ابي ذر من جهة وضبابية رؤيته للوجودية ولمصطلحه الغامض "الوجودية الاسلامية" !!

 

الارتداد عن الدين:

جزم المؤلف فقال: (لا يملك حكم الارتداد اصلاً شرعياً حقيقياً نبوياً كان أو قرآنيا)[59] ! ولكنه لم يذكر ضوابط ان يكون للحكم الشرعي اصل نبوي اذا كان يعتبر الروايات والفقه كله من انتاج الفقهاء و"المعبد" !! إنّ غياب المنهجية له اثره الواضح في تهافت فكرة المؤلف.

واستمر المؤلف في سرده الى ان نجده يقول: (طالما ان للقرآن حاكميته المعرفية في الموضوع فرأي القرآن يعاكس ذلك تماماً وليس يخلو منه فحسب .. إذ هذا الحكم يمثل نكوصاً كبيراً عن آية (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) والتي هي أهم في الحرية الدينية من آية (لا إكراه في الدين) التي اعتيد تمثيلها في الاتجاه التنويري لهذه الاشكالية ، لجهة انها تمنح الحرية أكثر من الآية الثانية على اعتبار أنها توازي دلالياً تعبير (اتركوا الناس وشأنهم) ، وإن كفروا ..)[60].

غير ان قوله تعالى ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) لا يحمل المعنى الذي فهمه المؤلف حيث ظن ان معناها: (اتركوا الناس وشأنهم) !! فالاية الكريمة لم تتحدث عن ترك الناس في شؤونهم بل تحدثت عن ان الله سبحانه لم يخلق الناس مجبورين في افعالهم على اختيار الايمان او الكفر فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... فليس فيها حث على ترك الناس وشأنهم. بل ليس في الاسلام مفهوم ترك للناس وشأنهم ، وعلى خلاف ذلك نقرأ قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))[61].

مــاذا يعني الارتداد عن الديــن ؟ بعيداً عن اثبات الحكـم الشرعـي لقتـل المرتـد وصوابـه فلنتسائل عن ابعـاد قيام المرء بالارتداد عن الاســـلام ... ولننظر الـى الموضوع من زاويـة أخرى ... فلنفترض جدلاً ان الاسلام لم يكن فيه تشريع لقتل المرتد ، فماذا سيكون حال المجتمع الاسلامي حينئذٍ ؟

لقد كان سلاح الارتداد احد الاسلحة المهمة التي اراد بها اعداء الاسلام مواجهة الاسلام منذ البداية ، في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) استخدموا سلاح الارتداد للنيل من الاسلام ولمواجهة المد الاسلامي ولايقاف الزحف الايماني على قلوب الناس ! لقد اعلن بعض الاشخاص اعتناقهم للاسلام ثم بعد فترة وبعد ان توهم الناس والمسلمون انهم اصبحوا جزءاً من حوزة المسلمين ومن مجتمع المؤمنين اعلن اولئك المنتمون كذباً الى الاسلام تركهم له بدعوى انهم اكتشفوا ان فيه خدعةً ما او كذبةً ما او جانباً غير اصيل فيه يكشف عن عدم انتمائه لله سبحانه على حد زعمهم فيثيروا الفزع والبلبلة في المجتمع الاسلامي ويزلزلوا قلوب المؤمنين وكما قال تعالى:

((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ))[62].

فكيف يمكن للمؤمنين مواجهة هذه الحالة الكيدية التي يتعرضون لها .. ان يعلن شخص اسلامه ثم بعد فترة يتنصل منه ويعلن ان هذا الدين لا يستحق الاعتناق وانه ليس بدين سماوي من اجل زلزلة عقيدة الناس ... كيف يمكن مواجهة هذه الحالة ؟! هل يتركونه بدوافع العفو والتسامح والذي يعني ان يبقى باب الكيد للاسلام مفتوحاً من قبل اولئك المخادعين بلا قصاص ؟! أن يبقى باب الافساد في الارض مفتوحاً ليعبث من خلاله العابثون ؟! وكم من عابث يمكن ان يدخل الى الاسلام ويسيء اليه من هذا الباب لا سيما اذا علمنا ان الجهات المعادية للاسلام يمكنها ان تدفع اموالاً طائلة من اجل اعداد حالات الخداع هذه واشاعتها بين الناس وربما يطورون الامر الى خروج مخادع جماعي للاسلام مدبّر له منذ البداية ، فيخرج ناس ظاهرياً من دين الله افواجاً كما دخلوا اليه افواجاً ... ! والاعلام في كل زمان سلاح فعّال بيد من يستخدمه استخداماً ماكراً قائماً على المال المتوفر دائماً بيد اعداء الاسلام ...

اليس الدين منسجماً مع فطرة الانسان ومع المباديء العقلية الاولية التي يؤمن بها كل الناس كحب الخير وكره الظلم والدفاع عن المظلوم وحب البقاء...

ثم .. اليست ضرورة الحفاظ على المكتسبات هي مهمة كل الحركات الثورية في العالم سواء كانت حركات فكرية او سياسية ؟

يقول سبينوزا: (إننا نفضل إذا ما اهتدينا بالعقل خيراً أعظم في المستقبل على خير أقل في الحاضر ، وشراً أقل في الحاضر على شرّ أعظم في المستقبل)[63] ، نعم نفضل حكم قتل المرتد في الحاضر لمنع شر اعظم قد يحدث في المستقبل نتيجة عدم الحكم بإرتداده .. وهذا هو ما يحكم به العقل ...

اليس من العدل الذي يحكم به العقل الانساني ان تكون العين بالعين والسن بالسن ... اليس من يحاول قتلي في عقيدتي وطمس معالم ديني وتهشيم مجتمعي وتفتيته ان ارد له الفعل بمثله ؟ فما هو جزاء من يفعل ذلك سوى قتله وتهشيم قضيته الارتدادية وطمس معالم ارتداده ؟! فالعين بالعين والسن بالسن ...

فهل يكفي ان يُسجَن المرتد لتكون قضيته حية في كل وقت  ، قضية أنَّ هناك شخص مسجون لأنه يقول انه لم يجد الحق في هذا الدين ؟! فيكون السجن بوتقة اعلامية لقضية ارتدادية تساهم في الاساءات المذكورة بل في زيادتها وتناميها ... قتل العقيدة وطمس الدين وتهشيم المجتمع ... اذن السجن ليس هو الحل المناسب لقضية الارتداد لأنه يبقيها حيّة ...

ام نقول فلنترك المرتد وحاله إذ لا إكراه في الدين ... نعم صحيح لا اكراه في الدين ، فنحن لم نجبر احداً على اعتناق الاسلام ومن يعتنقه فقد اعتنق الالتزام بكل احكامه ومن ضمنها حكم الارتداد ، فمن العدل ان يطبق حكم الارتداد على الشخص الذي اعلن منذ البداية قبوله بتطبيق هذا الحكم عليه عندما اعلن قناعته بهذا الدين واعتناقه له. وقد يقال فما هو حال من يولد على الاسلام ويربيه اهله على اعتناق هذا الدين ، فهو لم يعتنقه اختياراً منه له بل بسبب التربية والتلقين المبكر له في طفولته ، فكيف يصح تطبيق حكم الارتداد عليه اذا اعلن عدم قناعته به !

اذا كانت عقوبة من يعتنق الاسلام ثم يرتد عنه عادلة فان عقوبة من يولد على الاسلام ثم يرتد عنه اشد عدالة لأن المولود على الاسلام هو اكثر انسجاماً مع الاسلام اذ يتلقاه منذ نعومة اظفاره ويتعلمه ويتشرب به في سنين حياته فإذا اعلن بعد ذلك انه لم يجد الحق فيه فذلك يعني اما انه منحرف يتآمر عليه ويخادع الناس من اجل مصلحة دنيوية فيصطف الى جانب اعداءه وهو يماثل اقترافه للخيانة العظمى في القوانين الوضعية ، او انه يمتلك تفكيراً وقناعة مرضية لم تمكنه ان يكون بمستوى الايمان بصحة العقيدة الاسلامية ، فلا يمكن اصلاحه ولا يمكن السكوت عنه وتجاهله.

العديد من الناس قد يمتلك اسئلة في ذهنة عن عقيدته الدينية ويحاول البحث عن اجوبتها وربما في زحمة الحياة ومشاغلها يتمكن ان يحصل على بعض الاجوبة ... ولكن ان يقرر الانسان فجأة بسبب بعض الاسئلة في ذهنه وبعض الشبهات التي لم يقنع باجوبتها لسبب يعود لنفسيته وتفكيره ان يترك دينه ويستبدله فهذا يعني وجود فكر بلغ درجة من المرض وتهديد سلامة المجتمع بما لا يمكن غض النظر عنه او التغافل عن وجوده ... يقول الدكتور علي الوردي: (من النادر ان نجد شخصاً بدّل عقيدته من جراء تفكيره المجرد وحده فلابد ان يكون هناك عوامل اخرى نفسية واجتماعية تدفعه الى ذلك من حيث يدري او لا يدري)[64] ... اذن كلام عالم الاجتماع العراقي هذا يؤيد ان مشكلة الارتداد ليست مشكلة فكرية ولا علاقة لها بحرية المعتقد بل هي مشكلة نفسية عميقة حتمت عليه اعلان ارتداده ومن يكون هذا حاله فليس له علاج سوى التخلص منه لكي لا يكون كالمرض المعد في المجتمع لكيلا يكون مصدراً للفتنة الاجتماعية وزعزعة الاستقرار الايماني بين بسطاء الناس وما اكثرهم في المجتمع.

ورب قائل متسائل لماذا لم يرد حكم القتل في القرآن الكريم وورد في السنة النبوية ؟! ولعلَّ الحكمة في ذلك – والله أعلم – ان حكم الارتداد هو حكم لا يسيء الى الاسلام من حيث ان الاسلام هو دين الله عز وجل وعظمة الاسلام من عظمة إلاله ، بل إنَّ الارتداد يسيء للمجتمع الاسلامي وللناس جماعاتٍ وافراداً ويهدد استقرارهم وأمنهم الاجتماعي وربما لذلك كانت حكمة الله سبحانه ان يكون مصدر التشريع عن طريق النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يمثل قمة التكامل الانساني واعظم الكائنات وسيد الخلق ، فالحكم عليكم ايها الناس صدر من سيدكم خير الخلق بأنَّ المرتدين يستحقون الموت الجسدي بعد ان نالوا الموت الروحي بإرتدادهم. انه خليفة الله في ارضه اعلن الاحكام التي يجب ان يسير عليها الناس في ظل مجتمع الاستخلاف الانساني. انها الحرية التي اعطاها الله سبحانه للبشر ليحكموا انفسهم ولكن ليس بقوانين قاصرة تضعها عقولهم المتباينة في نضجها وتكاملها وتذبذبها بين السطحية والعمق وبين الجهل والحكمة ، بل بقوانين حكيمة ناضجة صادرة عن العقل الكامل عقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ... العقل الكامل الذي جعله الله سبحانه مصدراً تشريعياً للناس فقال تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ))[65]. فقرنت الآية الكريمة بين طاعة النبي وتقوى الله. وكأن الله سبحانه يريد ان يقول للناس انه دينكم الذي اكملته لكم وانتم المعنيون بالدفاع عنه وانتم المعنيون بوضع عقوبة من يحاربه ويزيّف للناس انه دين باطل. انتم ايها المسلمون بعضكم اولياء بعض فمن يسيء منكم لمعتقدكم فانتم المعنيون بعقوبته ... والنبي الذي هو اولى بالمؤمنين من انفسهم هو من اصدر الحكم وعليكم التنفيذ. انها حوزة المسلمين التي تمتنع عن تدخّل الآخرين بشؤونها وفي ذلك مصدر قوة وعزة لها ونبع كبرياء شامخ لها لا يدانيها فيه احد. انتم جميعاً ايها المسلمون مسؤولون عن عقيدتكم والمرتد يتهمكم بأنكم جميعاً على باطل رغم وضوح حجتكم وادلتكم وتناغمها مع الفطرة الانسانية وقد كان بالامس بينكم له الامن والامان من قبلكم. خانكم وتمرد على عقيدتكم واعلن استخفافه بعقولكم جميعاً وانكم على باطل وضلال.

ولذلك كان حكم الارتداد قد صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) لتكون الإدانة صادرة عن نفس حوزة المسلمين ولكنها إدانة تشريعية واعية صادرة عن العقل الكامل دفاعاً عن الدين الكامل فلا يدافع عن الكامل الا الكامل ، وهو حكم تشريعي ليكون في حياة النبي وبعد وفاته (صلى الله عليه وآله) الى يوم القيامة ، فهو خاتم النبيين ودينه خاتم الاديان.

واذا نظرنا نظرة اوسع للوطن الاسلامي والضرورات المعيشية التي يجب ان تتوفر فيه نجد ان ضرورة الامن الاجتماعي (والذي يشكل الامن الديني جزءاً منه) هو في مقدمة الاحتياجات الانسانية التي يجب على الدولة توفيرها لشعبها. يقول الدكتور محمد عمارة: (ان تكريم الله سبحانه للانسان لا يمكن ان يكتمل إلا اذا تحقق لهذا الانسان الامن الاجتماعي على الكفاية من حاجات المعاش .. وعلى ما تزدهر به إنسانيته من حقوق ..)[66]، ويشكل الامن الديني احد ابرز اركان الامن الاجتماعي حين يكون الانسان آمناً على عقيدته وايمانه وممارساته في مجتمعه ، فإن ظهر من يريد ان ينتهك هذا الامن ويثير الاضطراب بين الناس فجدير بالسلطة ان تضع حداً لكل من تسول له نفسه ذلك ولا سيما اذا كان يريد إحداث شرخ في الامن الديني للمجتمع. ولا يوجد حل للمرتد كما بيناه الا بقتله والقضاء على فتنته.

ونحن نعيش اليوم في مجتمعاتنا تبدو الصورة اكثر وضوحاً من ذي قبل وإنْ كان الحق واحداً دائماً ، فاليوم يتكون المجتمع من مسلمين مختلفين في درجة ووعيهم ويقين عقيدتهم وقد اُشرِبوا من الافكار العلمانية والليبرالية والماركسية ولكن احداً لم يتهمهم بالارتداد لأنهم لم يتصدوا لإعلان رفضهم لأحد ضروريات الدين وبذلك لم يتعرض لهم احد ولم يتهمهم احد بالارتداد ولم يتعرض لهم احد بالاذى ، فمن هذا يتبين ان قتل المرتد يعني ارتكابه اموراً اكبر بكثير من مجرد اعتقاده بأفكار معينة ، انها قضية ابعد من حدود الحرية الفكرية ولذلك لا يحق لمن يتذرع بحرية الفكر والعقيدة ان يستند لهذه الحرية في المطالبة بمنع قتل المرتد. فالشخص لو اعتنق ما يشاء من افكار وهو في المجتمع الاسلامي ثم لا يصبح بؤرة لنشر فكرة الارتداد ولا يروّج له ولا يدعو الآخرين اليه ولا يعرض الامن الاجتماعي للزعزعة والاضطراب فلن يتعرض له احد بسوء ... كما هو حال العلمانيين والماركسيين اليوم  ... ولكن المرتد عادة يحرص على اعلان ارتداده بإنكاره احدى ضروريات الدين (كالنبوة والمعاد على سبيل المثال) وحرصه على مهاجمة الاسلام وعلى اشاعة الشبهات والفتنة بين الناس بخصوص الاسلام ولذلك يضع نفسه في مواجهة الاسلام كخصم ... ليست خصومة فكرية فقط والا لهان الخطب بل خصومة اجتماعية وسياسية قد تهدد حياة قطّاع واسع من ابناء الشعب في البلد المسلم.

وهنا يبرز سؤال لكل من يتظاهر بالدفاع عن الحرية الفكرية – وكأننا لا نطلبها أيضاً - ويريد منع قتل المرتد بدعوى الدفاع عنها ، لماذا لا يترك المرتد البلد الاسلامي الذي يعيش فيه وهو يعلم انه اذا بقي سوف يتعرض للقتل ! اليس في بقاءه في بلده وقد اعلن ارتداده واصبح داعية له (وإنْ كان داعية بصمت) تعريض لنفسه للقتل والهلكة وهو يعلم ان النظام القانوني الاسلامي يحكم عليه بالقتل ؟ اليس في بقاءه والحال هذه فيه تحدي للاسلام وللنظام القانوني الاسلامي الذي يجرّم فعله ؟ فمثل هذا الشخص اذا ارتد واعلن ارتداده ثم جاءه العقاب العادل بقتله فلا يلومن الا نفسه ... فبلاد الله واسعة ويمكنه ان يسافر ليعيش في اي بلد آخر يمارس فيه ما يعتقده بحرية بل وبدعم وشهرة – ولا سيما في زمننا هذا حيث أنَّ هناك العديد من الدول تفتح ابوابها لمنح اللجوء الانساني لمثل هذه الحالات خاصة - فلماذا يفضل البقاء بين المسلمين ليشيع الاضطراب في مجتمعهم ثم يطمع بأن يغضوا النظر عنه ولا يطبقـوا عليه حكم الله سبحانه بقتلـه !!؟

 

الفقه واهمية الوجود الانساني:

اتهم المؤلف الفقه الاسلامي بأنه يقدم مصلحة الدين على مصلحة الانسان ! وهي تهمة تكشف عن قراءة سطحية والتقاطية للفقه الاسلامي بل تكشف عن عدم اهلية المؤلف لإطلاق الاحكام الموضوعية في مختلف القضايا.

لقد كان الفقه الاسلامي دائماً في خدمة وجود الانسان والى جانبه ومدافعاً عن مصالحه - بالاضافة الى خدمة المجتمع - فعلى سبيل المثال نقرأ الفتوى الفقهية التي تقول (لا يصح الصوم من المريض ، ومنه الارمد ، اذا كان يتضرر به لإيجابه شدته أو طول برئه او شدة المه ، كل ذلك بالمقادر المعتد به ، ولا فرق بين حصول اليقين بذلك والظن والاحتمال الموجب لصدق الخوف ، وكذا لا يصح من الصحيح اذا خاف حدوث المرض ، فضلاً اذا علم ذلك)[67].

وهذه فتوى اخرى تبين ان الانسان اذا خاف من الصيام فيجوز له الافطار حتى ان قال له الطبيب ان لا خوف عليه ، فهي فتوى تقدم الانسان ووجوده ومع ذلك يتهم المؤلف الفقه بأنه لا يهتم بوجود الانسان ! تقول الفتوى: (واذا قال الطبيب لا ضرر في الصوم وكان المكلف خائفاً وجب الافطار)[68].

وايضاً فإنَّ من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن عمق اهتمام الفقه الاسلامي بالانسان ودفاعها عنه وعن مصالحه المتعلقة بوجوده ومنافعه هي قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) الموجودة في مختلف المدارس الفقهية الاسلامية بتعدد مذاهبها ، والتي تعني ان لا يسمح بأن يصيب الانسان ضرر ولا ان يقوم هو بإضرار سواه من الناس. ومن فوائدها الكثيرة الاحكام التالية التي تتعلق بوجود الانسان:

ـ تحريم الاحتكار الضار بضروريات الناس كإحتكار الطعام.

ـ تحريم التصدق بمال يحتاجه هو او من تلزمه نفقته.

ـ جواز إجهاض الجنين إذا كان في بقائه تلف أمه، إذا شهد بذلك أطباء ثقات ، لأن أمه أحق بالبقاء منه.

فالاسلام يهتم بالانسان كما يهتم بالمجتمع ويوازن بين الاهتمامين فلا تميل كفة على اخرى الا بما تكون المصلحة فيه للفرد والمجتمع .. للفرد في مجتمعه وللمجتمع من خلال افراده.

 

 

اخطاء معرفية عند عبد الرزاق الجبران:

§     في صفحة 31 قال ان بلال الحبشي كان عبداً لأبي لهب بينما هو كان عبداً لامية بن خلف.

§     في هامش صفحة 32 يقول ان اهم اركان الصوفية هو التنازل عن الجنة ! وهذا الامر لا وجود له الا في ذهن المؤلف !!

§     في صفحة 42 قال ان المسيح صلب وهو خلاف صريح القرآن الكريم !!

§     في صفحة 15 قال ان الدين يحث على الثورة ولو في السرقة ، واضاف في الهامش: (كان يحث على هذا المنطق كثير من الصوفية ضمن ما جرى مع الظاهرة الروبنهودية في الاسلام مع العيارين والشطار وعموم المهمشين ضد الارستقراطية الدينية والسياسية). وهذه الافكار لا وجود لها الا في ذهن المؤلف فليس هناك ظاهرة روبنهودية في الاسلام ولا في المجتمع الاسلامي عبر القرون  !! وربط المؤلف القسري بين الشطار والعياريين من جهة والتصوف من جهة ثانية هو ربط في ذهن المؤلف وحده ليس عليه شاهد من لغة او تاريخ او واقع اجتماعي. يقول د. محمد رجب النجار: (الشاطر لغوياً: من اعيا اهله خبثاً ، ويقال شطر على اهله بمعنى نزح عنهم وترك موافقتهم واعياهم خبثاً ولؤماً. والشطارة: الانفصال والابتعاد. والشاطر هو الذي عصا اباه أو ولي امره وعاش في الخلاعة)[69]. وقال ازَبيدي في تارج العروس: (الخليع هنا ( الشاطر ) وهو مجاز سمى به لانه خلعته عشيرته وتبرؤا منه أو لانه خلع رسنه ويقال خلع من الدين والحياء)[70]... (والعياره لغوياً: الكثير التجوال والطواف ، الذي يتردد بلا عمل ، يخلي نفسه وهواها)[71].

 

فالشاطر هو الخليع وهو من خلع رسنه ويقال خلع من الدين والحياء ، والعيّار هو كثيـر التجوال الذي لا عمل له الذي يخلي نفسه وهواها ... فأين التصوف من كل هذا يا عبد الرزاق الجبران !!

 

 

 

الخاتمـــة:

اردنا في هذا النقد بيان اهم المرتكزات الفكرية عند عبد الرزاق الجبران واخطاءه الفكرية والمنهجية والتاريخية التي ظهرت عنده في كتابه مدار النقد. ولو اردنا نقـد كل افكاره في الكتاب المشار اليه لتطلب منّا ذلك كتاب نقـدي ضخم في عدد صفحاته وهو ما لا نرى له مزيد فائدة عن المختصر النقدي الذي بين ايدينـا الان ...

رؤية عبد الرزاق الجبران هي رد فعل على المظالم التي نشات بسبب الاسلام الاموي وما اقترفه في حق الامة والانسانية من جرائم. والمؤلف نفسه يشير الى ذلك بقوله: (فالاسلام المتوحش اليوم له مبرراته في جذور الامس. إذ أن الخروج عن جمهورية النبي كان مبكراً جداً ، قبل أن يبرد تراب النبي في قبره .. )[72]. ويؤيد ذلك بشدّة قوله: (إذ يمكن للمتدين (المتخلف) أن يجتمع بالملحد (الواعي) على نسق نيتشة لإيجاد (تجديناً واعياً) .. أي يُنتج في قلب ذلك التضاد ، نيتشة إسلامي ، أو لنقل (نيتشة معمم) رغم إني اتساهل هنا ، فقد اطمح الى (كيركجارد مسلم) على اعتبار ان الثاني كان يحارب المسيحية بالمسيح ، بينما الاول كان يحارب المسيح والمسيحية ، حسب الظاهر .. أي ان تحارب الدين بنبيه  .. كما حاربه الحسين في كربلاء وكما حاربه أبو ذر والحلاج وآخرين. هؤلاء حاربوا الدين بنبي الدين عينه ..)[73].

اما نحن في إطار رؤيتنا الاسلامية المحمدية النبوية القائمة على التمسك بالثقلين الكتاب الكريم والعترة الطاهرة فلا نجد ان جمهورية عبد الرزاق الجبران تعنينا او يمكنها ان تحل محل ديننا العظيم الذي ضحى أئمة آل البيت الاطهار (عليهم السلام) من اجل نشره وقيامه في المعمورة كلها ...

بل لا يمكن لجمهورية المؤلف ان تحل مشاكلنا ولا ان تساهم في تقدمنا ... لأن لدينا معايير للتقدم مستندة الى خصوصياتنا الدينية والفكرية والتاريخية ومنظومة قيمنا الاجتماعية.

الوجودية ليست امراً مخالفاً للاسلام وليست هي الاسلام كما انها ليست امراً يراد له ان يتناغم مع الاسلام كما يحاول المؤلف قسر ذلك !! الوجودية هي ما يريد الانسان ان يكونه ... ولذلك يمكنني ان اقول انني في اسلامي المحمدي امارس وجوديتي حيث اخترت العبودية لله سبحانه ، اخترتها بمحض ارادتي واستجابة لأوامر خالقي ...

امارس وجوديتي بتديني كما يمارس الاخرون وجوديتهم بعريّهم والحادهم ... هذه هي الوجودية ان يعبر الانسان عن ارادة حرّة في اختيار ما يريد ان يكون ...

يقول سارتر: (والانسان ليس سوى ما يصنعه هو بنفسه ، هذا هو المبدأ الاول من مباديء الوجودية)[74]. ولذلك اقول انني انا المسلم اخترت وجودياً ان انتمي الى الاسلام ... اليس من حقي هذا ؟ اليس من حق الاخرين ان يتعروا بحسب وجوديتهم فلماذا لا يكون من حقي ان اتديّن بحسب وجوديتي؟ لماذا لا يكون من حقي ان امارس عباداتي وشعائري وطقوسي استناداً الى الوجودية التي اطلقوها هم والزموا انفسهم هم بها ؟! الستُ إنساناً مثلهم ! الى تنطبق عليَّ قوانين الوجود كما تنطبق عليهم ، ام انها وجودية عنصرية تنطبق على شرائح وفئات معينة من البشـر دون سواهـم ؟!

انا اسلامي في وجودي إنْ اختار الاخرون ان يكونوا ملحدين في وجودهم ، ومن وجوديتي ينبع التدين والقيم الخلاقية المحافظة كما ينبع من وجوديتهم الالحاد والتعري والانفلات الاخلاقي ، فأي فرق بيننا لكي يحق لهم ان يكونوا ملحدين ولا يحق لي ان اكون متديّن !

فلماذا يحق لهايدغر ان يكون وجودياً ونازياً في نفس الوقت ولا يحق لي ان اكون وجودياً واسلامياً في نفس الوقت ! لماذا يحق لهيدغر ان يرى ان عنصره الآري افضل العناصر البشرية ولا يحق لي ان ارى ان فكري الدين افضل الافكار البشرية ، وشتان بين الحالتين ، فالعنصرية لا تستند الى واقعية علمية او اخلاقية بخلاف الدين والعقيدة التي تستند الى اساس فكري واقعي بإعتباره إلهي المصدر.

لماذا يحق لجون لوك ان يرفض التسامح مع الملحدين[75] ولا يحق لي رفض التسامح مع المرتدين ! اليست هذه ازدواجية في فكرهم الغربي المستند تارة الى دعوى الحرية الفكرية وتارة الى الحرية الوجودية !! لقد كان جون لوك الذي ابتدأ به عصر التنوير في اوربا لا يسمح بإكثار الآراء التي تناقض المجتمع البشري أو تلك التي تناقض القواعد الاخلاقية الضرورية لحفظ المجتمع المدني[76]، فلماذا يعترضون علينا إن اردنا تطبيق مباديء عصر التنوير نفسه بحفظ المجتمع من الآراء التي تثير فيه التناقض والاختلاف والتي تتعارض مع القواعد الاخلاقية العامة السائدة في مجتمعنا !

واذا كان عبد الرزاق الجبران يريد ان تكون الوجودية منطلق للانسان لكي يرفض الفقه الاسلامي فهكذا يفعل العصاة والمذنبون ، فما الجديد في الموضوع !! واذا كان يريد ان تكون له "روح اسلامية" تغلف اختياراته الوجودية الرافضة للشريعة فكذلك يفعل العديد من الناس الذين يظنون ان بعض عمل الخير ومساعدة الناس يمكن ان يكون بديلاً عن طاعة الله والالتزام بشريعته ! فما هو الجديد الذي جاء به عبد الرزاق الجبران ؟! .. لا شيء ... !!

فلسنا بحاجة الى المفهوم الغامض الذي اطلقه عبد الرزاق الجبران واقصد به مفهوم "الوجودية الاسلامية" الذي ليس له ابعاد محددة او مفهومة !

لن نكون فوضويين ولا التقاطيين ولا غامضين كما هي صفات "الوجودية الاسلامية" التي يريد عبد الرزاق الجبران لها ان تبصر النور – ولن تبصره – بل منهجنا واضح وافكارنا متسلسلة وفلسفتنـــا معروفة ، فلا فوضوية ولا غموض ولا منهج التقاطي عندنا ...

لقد انزل الله سبحانه الدين لتحقيق المنفعة للانسان وللانسانية افراداً وجماعات. قال تعالى: ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ))[77]. فالدين هو مصدر الخيرات للبشرية وليست غاية الدين هي الدين نفسه ... فليس الدين للدين بل الدين لخير الانسانية

 

[1] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص44.

[2] المصدر السابق – ص58.

[3] المصدر السابق – ص61 و62.

[4] انظر: المصدر السابق – ص189.

[5] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص189.

[6] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران - ص68.

[7] المصدر السابق - ص46.

[8] سورة الممتحنة الآية 8.

[9] جواهر الكلام ، الشيخ محمد حسن النجفي المعروف بالجواهري ت1266هـ ، تحقيق الشيخ عباس القوجاني ، نشر دار الكتب الاسلامية ، مطبعة خورشيد ، الطبعة الثالثة - ج82 ص31.

[10] المصدر السابق - ج82 ص130.

[11] تكملة العروة الوثقى ، السيد كاظم الطباطبائي اليزدي ، مكتبة داورى ، قم - ج1 ص213.

[12] جامع المدارك ، السيد الخوانساري (ت1405هـ) ، تحقيق علي أكبر غفاري ، مكتبة الصدوق ، طهران ، الطبعة الثانية 1355هـ - ج4 ص16.

[13] المصدر السابق - ج4 ص59.

[14] فقه الصادق (عليه السلام) ، السيد محمد صادق الروحاني ، مؤسسة دار الكتاب ، قم المقدسة ، الطبعة الثالثة 1412هـ - ج2 ص299.

[15] صراط النجاة ، الميرزا جواد التبريزي ، الناشر دفتر نشر بركزيده ، الطبعة الاولى 1416هـ - ج2 ص429.

[16] محمد بن القاسم أبو العيناء : الهاشمي ، مولى عبد الصمد بن علي عتاقة . روى عن أبي محمد العسكري عليه السلام ، وروى عنه إسحاق بن محمد النخعي). انظر: معجم رجال الحديث ، السيد ابو القاسم الخوئي ، الطبعة الخامسة 1413هـ - ج81 ص161.

[17] الأمالي ، الشريف المرتضى (ت436هـ) ، تحقيق محمد بدر الدين النعساني ، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، الطبعة الاولى 1325هـ - ج1 ص219.

[18] تفسير الميزان ، السيد محمد حسين الطباطبائي (ت1402هـ) ، مؤسسة النشر الاسلامي - ج91 ص233.

[19] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران - الاهداء

[20] الاصول من الكافي ، ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي ، تحقيق علي أكبر غفاري ، مطبعة الحيدري ، الطبعة الثالثة 1388هـ - ج1 ص58.

[21] دين ضد الدين ، د. علي شريعتي ، ترجمة حيدر مجيد ، دار الامير ، بيروت ، الطبعة الاولى 2003م – ص181.

[22] المصدر السابق – ص181.

[23] المصدر السابق – ص197.

[24] النباهة والاستحمار ، علي شريعتي ، الدار العالمية ، بيروت ، الطبعة الاولى 1984م - ص88.

[25] الموسوعة الفلسفية المختصرة ، نقلها عن الانجليزية فؤاد كامل وجلال العشري وعبد الرشيد الصادق ، دار القلم بيروت ، منشورات مكتبة النهضة في بغداد 1983 – ص365.

[26] الموسوعة الفلسفية ، د. عبد المنعم الحفني ، دار ابن زيدون – ص387.

[27] قال الفيلسوف المعاصر السيد عمار ابو رغيف: (سألت الشهيد محمد باقر الصدر يوما، وكنت لم أتجاوز بعدُ العقد الثاني من عمري، قلت له سيدنا: هل لديكم بحث حول الوجودية؟ فأجابني بلهجة توحي بعدم الاهتمام، أن هناك مقالات متناثرة نشرت في بعض الاصدارات، من دون ان يذكر اسمها، فسألته عن بواعث عدم الاهتمام هذا؟ فقال: ان الوجودية لا تمتلك صورة برهان، اي ـ والكلام لي ـ لم تطرح فكرها عبر نظام نظري محدد المعالم). من مقال بعنوان (الأسس المنطقية للاستقراء واشكاليات الحداثة) للفيلسوف عمار ابو رغيف ، انظر الرابط: http://www.aladwaa.nl/modules.php?name=News&file=article&sid=3651

[28] جوهانز كليماكوس هو الاسم المستعار لكيركجرد في كتابه (حاشية غير علمية) والذي نشره سنة 1846م.

[29] كيركجرد ، فريتيوف برانت ، سلسلة أعلام الفكر العالمي ، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ، الطبعة الاولى 1981 – ص107.

[30] قال تعالى في سورة آل عمران الآية (31): ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )).

[31] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص188.

[32] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص189.

[33] المصدر السابق - ص192.

[34] سورة البقرة الآية 221.

[35] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – 191.

[36] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص8.

[37] المصدر السابق.

[38] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص108.

[39] المصدر السابق - ص115.

[40] المصدر السابق - ص114.

[41] فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ابن حجر العسقلاني ت852هـ ، دار المعرفة في بيروت ، الطبعة الثانية – ج1 ص196.

[42] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص12.

[43] سورة التوبة الاية 122.

[44] العروة الوثقى ، السيد كاظم الطباطبائي اليزدي ، مطبعة الحيدري 1378هـ ، طهران - ج3 ص6

[45] المصدر السابق – هامش ص34.

[46] التفسير الصافي ، محسن الفيض الكاشاني (ت1091هـ) ، تحقيق الشيخ حسين الاعلمي ، مؤسسة الهدى ، قم المقدسة ، الطبعة الثانية 1416هـ - ج1 ص326.

[47] تفسير نور الثقلين ، الشيخ عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي (ت1112هـ) ، تحقيق السيد هاشم الرسولي المحلاتي ، مؤسسة اسماعيليان ، الطبعة الرابعة 1412هـ - ج1 ص327.

[48] تفسير نور الثقلين ، الشيخ عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي (ت1112هـ) ، تحقيق السيد هاشم الرسولي المحلاتي ، مؤسسة اسماعيليان ، الطبعة الرابعة 1412هـ – ج1 ص327.

[49] التفسير الصافي ، محسن الفيض الكاشاني (ت1091هـ) ، تحقيق الشيخ حسين الاعلمي ، مؤسسة الهدى ، قم المقدسة ، الطبعة الثانية 1416هـ - ج1 ص326 و327.

[50] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص37.

[51] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص43.

[52] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص182.

[53] المصدر السابق - ص32و33.

[54] المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري (ت405هـ) ، تحقيق د. يوسف المرعشلي ، دار المعرفة ، بيروت - ج3 ص150و151. أيضاً: نفس المصدر - ج2 ص343.

[55] المصدر السابق - ج3 ص121. وقال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، يقصد البخاري ومسلم.

[56] المصدر السابق - ج3 ص123. وقال الحاكم في المستدرك: صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، يقصد البخاري ومسلم.

[57] المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري (ت405هـ) ، تحقيق د. يوسف المرعشلي ، دار المعرفة ، بيروت - ج3 ص129. وقال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، يقصد البخاري ومسلم.

[58] قال المسعودي: وذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القُرَى وحُنَيْن وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خَيْلاً كثيراً وإبلاً.

وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضِّيَاعَ والحور: منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة، وهي الكوفة في هذا الوقت- وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة- نزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضاً دوراًً بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية.

وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس، وألف عبد وأمة، وخططاً بحيث ذكرنا من الأمصار.

وكذلك طلحة بن عبيد اللّه التيمي: ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكُنَاسة بدار الطلحيين، وكان غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجرِّ والجِصِّ والساج.

وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته رُبُعُ ثمنِ مالِهِ أربعةً وثمانين ألفاً.

وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها، ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شُرُفَاتِ.

وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.

أنظر: مروج الذهب ، ابو الحسن علي بن الحسين المسعودي ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الخامسة 1973م - ج2 ص341 و342.

[59] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص165.

[60] المصدر السابق - ص166.

[61] سورة التوبة الآية 71.

[62] سورة البقرة الايات 8-16.

[63] علم الاخلاق ، سبينوزا ، ترجمة جلال الدين سعيد ، دار الجنوب للنشر- ص331.

[64] مهزلة العقل البشري ، علي الوردي ، دار كوفان ، لندن ، الطبعة الثانية 1994م – ص43.

[65] سورة الحشر الآية 7.

[66] الاسلام والامن الاجتماعي ، د. محمد عمارة ، دار الشروق ن القاهرة ، الطبعة الاولى 1998م - ص121.

[67] منهاج الصالحين ، السيد الخوئي ، دار الغدير ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1973م – ص276 (مسالة 60) في الفصل الرابع: شرائط صحة الصوم.

[68] المصدر السابق – ص276 و277 (مسالة 63) في الفصل الرابع: شرائط صحة الصوم.

[69] الشطار والعيارين ، د. محمد رجب النجار، سلسلة عالم المعرفة - ص12.

[70] تاج العروس من جواهر القاموس ، محمد مرتضى الزبيدي ، مكتبة الحياة ، بيروت - ج5 ص321.

[71] الشطار والعيارين ، د. محمد رجب النجار، سلسلة عالم المعرفة - ص12.

[72] جمهورية النبي عودة وجودية ، عبد الرزاق الجبران – ص83.

[73] المصدر السابق - ص86.

[74] الوجودية مذهب إنساني ، جان بول سارتر ، ترجمة عبد المنعم الحفني ، مطبعة الدار المصرية ، القاهرة ، الطبعة الاولى 1964م - ص14.

[75] كان جون لوك يرى وجوب عدم التسامح مع الملاحدة على الاطلاق فهم ينكرون وجود الله. انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة ، وليم كلي رايت ، ترجمة محمود سيد احمد ، التنوير للطباعة والنشر ، بيروت ، الطبعة الاولى 2010م – ص176.

[76] المصدر السابق – ص175.

[77] سورة المائدة الآية 48.

 

 

الصفحة الرئيسية