بسم الله الرحمن الرحيم

 

افتراء اهل السنة على الامام علي السجـاد (عليه السلام) بدعوى البخل المقيتة !

 

نبيـل الكرخي

من مفتريات رواة اهل السنة بحق آل البيت الاطهار (عليهم السلام) الذي قال الله عزَّ وجل فيهم: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )) ، هو ما عثرنا عليه من انَّ بعض رواة اهل السنة وعلمائهم يروجون لفرية تنال من مكانة الامام السجاد علي بن الحسين (عليهما السلام) حيث نسبوا له التظاهر بالبخل من جل الانفاق في السر ! وهي فرية عظيمة وتستحق وقفة شديدة اذ انها قد تكشف عن نصب بعض رجال اهل السنة الذين يروون ايضاً الحلال والحرام لأتباعهم !

 
تعريف النصب:
قال حسن بن فرحان المالكي في كتابه (نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي) ص 289 : (فأما النصب فهو ( كل انحراف عن علي وأهل البيت ) سواء بلعنه أو تفسيقه كما كان يفعل بعض بني أمية أو بالتقليل من فضائله كما يفعل محبوهم ! ! أو تضعيف الاحاديث الصحيحة في فضله ! ! أو عدم تصويبه في حروبه ! ! أو التشكيك في شرعية خلافته وبيعته !! أو المبالغة في مدح خصومه ! ! فهذا وأمثاله هو النصب).
فإتهام الامام السجاد (عليه السلام) بالبخل هو جزء من سياسة النصب التي سار عليها بعض رواة وعلماء اهل السنة. والتي يجب على كل مسلم معرفتها ومعرفة القائمين عليها ليحذرهم ويامن شرهم وفتنتهم إنْ شاء الله سبحانه.
 
ذم البخل في الاسلام:
لكي نطلع على ابعاد الجريمة الفكرية التي يرتكبونها بإتهام الامام علي السجاد (عليه السلام) بالبخل لا بد من ان نعرف موقف الاسلام من البخل وذمه له في العديد من الآيات والاحاديث الشريفة مع تأليف العلماء للعديد من الكتب التي تضمنت ذمه والتنفير عنه ، ثم ياتي هؤلاء وبدوافع خفية يعلمها الله تعالى فيتهمون الامام السجاد (عليه السلام) به !
ومن ابرز ما جاء في ذم البخل في مصادر المسلمين نذكر هنا نماذج منها:
ـ قال محيى الدين النووي في المجموع ، ج 6 ص 243 – 244: (في ذم البخل والشح والحث على الانفاق في الطاعات ووجوه الخيرات:
قال الله تعالى ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )
وقال تعالى ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك )
وقال عز وجل ( وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه )
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فان الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " رواه مسلم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم اعط منفقا خلفا ويقول اللهم اعط ممسكا تلفا " رواه البخاري ومسلم
وعنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى أنفق ينفق عليك " رواه البخاري ومسلم
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا توكي فيوكي عليك " رواه البخاري ومسلم
وعن عائشة رضي الله عنه " انهم ذبحوا شاة فقال رسول الله عليه وسلم ما بقي منها قالت ما بقي منها إلا كتفها قال بقي كلها غير كتفها " رواه الترمذي وقال حديث صحيح ومعناه تصدقوا بها الا كتفها فقال بقيت لنا في الآخرة الا كتفها
وعن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو الا عزا وما تواضع أحد لله تعالي الا رفعه الله " رواه مسلم
).
 
ـ قال الرازي في تفسيره ، ج 9 - ص 112 – 114: ( (( ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والارض والله بما تعملون خبير )) . اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة شرع ههنا في التحريض على بذل المال في الجهاد ، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ببذل المال في سبيل الله) الى ان يقول: (المسألة الثالثة : اعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات والمنافع ، وذلك الخير يحتمل أن يكون مالا ، وأن يكون علما . فالقول الأول : ان هذا الوعيد ورد على البخل بالمال ، والمعنى : لا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شر لهم ، وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم ، وهو المراد من قوله : (( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة )) مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم وهذا هو المراد بقوله : (( ولله ميراث السماوات والأرض )). والقول الثاني : أن المراد من هذا البخل : البخل بالعلم) ثم يقول بعد ذلك: (واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى قال : (( سيطوقون ما بخلوا به )) ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمل المجاز في تفسير هذه الآية ، ولو فسرناها بالمال لم نحتج إلى المجاز فكان هذا أولى . الثاني : أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك ترغيبا في بذل المال في الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن ، ولو حملناها على أن اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم ، إلا على سبيل التكلف ، فكان الأول أولى).
بل ان السيوطي في الدر المنثور ، ج 6 ص 197 ، ينقل عن البيهقي حديثاً رواه الامام السجاد (عليه السلام) نفسه في ذم البخل فقال: (وأخرج البيهقي وضعفه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده { وجده هو الامام السجاد عليه السلام } قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة والبخل شجرة من شجر النار أغصانها متدليات في الدنيا من أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى النار).

وايضا روى ابن عساكر في تاريخ دمشق ، ج 14 ص 408 ، حديثاً عن الامام علي السجاد (عليه السلام) نفسه في ذم البخل فروى بسنده عن ابي حمزة الثمالي عن الامام محمد الباقر (عليه السلام) (قال قال لي أبي يا بني انظر خمسة لا تحادثهم ولا تصاحبهم ولا ترمعهم في طريق قلت يا أبة جعلت فداك فمن هؤلاء الخمسة قال إياك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة وأقل منها قلت يا أبة وما أقل منها قال الطمع فيها ثم لا ينالها قلت يا أبة ومن الثاني قال إياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه قلت يا أبة ومن الثالث قال إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب منك البعيد ويباعد منك القريب قلت يا أبة ومن الرابع قال إياك ومصاحبة الأحمق فإنه يحضرك يريد أن ينفعك فيضرك قلت يا أبة ومن الخامس قال إياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإنه وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع في الذين كفروا " فهل عسيتم إن توليتم " إلى آخر الآية وفي الرعد " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه " الآية وفي البقرة " إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا " إلى آخر الآيتين).

وهذا الحديث ايضاً رواه الشيخ الكليني رحمه الله في الكافي بسنده عن الامام أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) عن أبيه الامام محمد الباقر (عليه السلام) قال : (قال لي علي بن الحسين ( صلوات الله عليهما ) : يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق فقلت : يا أبه من هم ؟ قال : إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويباعد لك القريب وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك باكلة أو أقل من ذلك وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه وإياك ومصاحبة الاحمق فانه يريد أن ينفعك فيضرك . وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعونا في كتاب الله عز وجل في ثلاث مواضع : قال الله عز وجل : " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض و تقطعوا أرحامكم * اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم " وقال : " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار " وقال في البقرة : " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اؤلئك هم الخاسرون " ).

وفي تحف العقول لابن شعبة الحراني ، ص 282 نقرأ قول الامام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام): (إن الله ليبغض البخيل السائل الملحف).
فكيف يزعمون ان الامام علي السجاد (عليه السلام) ينهى عن البخل ثم يرتكبه او انه يتظاهر بارتكاب القبيح من الفعل والعمل وحاشاه من ذلك كله ، ليس لأنه في معتقد الشيعة امام معصوم بل وحتى من منطلق اهل السنة بأنه رجل صالح من اهل البيت (عليهم السلام) فإن عظيم منزلته التي يعرفه اهل السنة بها تمنع احداً منهم ان يتقبل ان يكون الامام السجاد (عليه السلام) مرتكباً لما ينهى عنه ولما ينهى عنه الاسلام.

وايضاً مما رواه الشيعة عن ائمة آل البيت (عليهم السلام) في ذم البخل:
ـ الشيخ علي النمازي الشاهرودي في مستدرك سفينة البحار ، ج 1 - ص 289 ، قال: (أمالي الصدوق : قال الصادق ( عليه السلام ) : عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه ، أو يبخل بها وهي مدبرة عنه ، فلا الإنفاق مع الإقبال يضره ، ولا الإمساك مع الإدبار ينفعه .
وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : خصلتان لا تجتمعان في المسلم : البخل وسوء الخلق ، وقال : لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا .
وفي الروايات أن الشح من الموبقات ، والجنة حرام على الشحيح ، وأنه أهلك جمعا كثيرا .
ويأتي في " شيع " : أنه لا يكون في الشيعة بخيل .
عن الصادق ( عليه السلام ) شاب سخي مرهق في الذنوب أحب إلى الله عز وجل من شيخ عابد بخيل .
 نهج البلاغة : البخل جامع لمساوي العيوب ، وهو زمام يقاد به إلى كل سوء).

ثم يقول: (علل الشرائع : عن أبي بصير قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : كان رسول الله يتعوذ من البخل ؟ فقال : نعم يا أبا محمد في كل صباح ومساء . ونحن نتعوذ بالله من البخل ، الله يقول : (( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )) وسأخبرك عن عاقبة البخل ، إن قوم لوط كانوا أهل قرية أشحاء على الطعام ، فأعقبهم البخل داء لا دواء له في فروجهم).
ومع ذلك ياتي هؤلاء الرواة والعلماء من اهل السنة فينسبون للذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً انهم يبخلون او يظهرون البخل امام الناس ، فبدلاً من ان يكونوا ائمة عدل وخير وطاعة لله سبحانه فإذا بهؤلاء الرواة والعلماء السنيون يظهرونهم وكأنهم يرشدون الناس الى البخل وهو ما يسخط الجبار تعالى عمّا يصفون.


مصادر اهل السنة التي ذكرت هذه الفرية:
اقدم مصدرين عثرنا عليهما وقد رددا هذه الفرية هما:
ـ الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (المتوفى 230هـ).
ـ كتاب الزهد المنسوب لاحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241هـ).
 فأما محمد بن سعد (المتوفى 230هـ) في كتابه "الطبقات الكبرى" ج 5 ص 222 فقال: (قال أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال حدثنا جرير عن شيبة بن نعامة قال كان علي بن حسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة في السر قالوا وكان علي بن حسين ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا).
 

فاما اسحاق بن ابي اسرائيل فقد قال الرازي عنه في كتابه "الجرح والتعديل" ج 2 ، ص 210: (إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل … سئل أبو زرعة عنه فقال كان عندي انه لا يكذب فقيل له ان ابا حاتم قال ما مات حتى حدث بالكذب ، فقال حدث بحديث منكر ، وترك الحديث عنه).
واما جرير فقد نص الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام" ج 6 ص 433 انه جرير بن عبد الحميد ، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" ج 2 ص 65 – 66: (ع ( الستة ) جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الرازي القاضي ) الى ان يقول: (عن سليمان الشاذكوني حدثنا عن مغيرة عن إبراهيم في طلاق الأخرس ثم حدثنا به عن سفيان عن مغيرة ثم وجدته على ظهر كتاب لابن أخيه عن ابن المبارك عن سفيان عن مغيرة قال سليمان فوقفته عليه فقال لي حدثنيه رجل عن ابن المبارك عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم) !! ثم قال: (قلت: إنْ صحت حكاية الشاذكوني فجرير كان يدلس وقال أحمد بن حنبل لم يكن بالذكي اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز فعرفه . نقله العقيلي ) ثم قال: (وقال البيهقي في السنن نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ وذكر صاحب الحافل عن أبي حاتم أنه تغير قبل موته بسنة فحجبه أولاده وهذا ليس بمستقيم فإن هذا إنما وقع لجرير بن حازم فكأنه اشتبه على صاحب الحافل).
انظر الى محاولة ابن حجر صرف تغير حفظ جرير بن عبد الحميد في آخر عمره الى شخص آخر هو جرير بن حازم رغم ان البيهقي في سننه قد نص على تغير جرير بن عبد الحميد في آخر عمره الى سوء الحفظ ! حتى ان الذهبي نفسه قال في "ميزان الاعتدال" ج 1 ص394 : (جرير بن عبد الحميد [ ع ] الضبي . عالم أهل الري . صدوق يحتج به في الكتب . قال أحمد بن حنبل : لم يكن بالذكي في الحديث ، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول ، حتى قدم عليه بهز فعرفه . وقال أبو حاتم ، صدوق ، تغير قبل موته وحجبه أولاده ، وكذا نقل أبو العباس البناني هذا الكلام في ترجمة جرير بن عبد الحميد ، وإنما المعروف هذا عن جرير بن حازم كما قدمناه ، لكن ذكر البيهقي في سننه في ثلاثين حديثا لجرير ابن عبد الحميد قال : قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ). فالظاهر ان كلاهما اي جرير بن حازم وجرير بن عبد الحميد قد اصابهما سوء الحفظ في آخر عمرهما.
وقال المزي في "تهذيب الكمال ج 4 - ص 547: (قال : سمعت سليمان بن داود الشاذكوني يقول : قدمت على جرير ، فأعجب بحفظي وكان لي مكرما ، قال : فقدم يحيى بن معين ، والبغداديون الذين معه ، وأنا ثم ، قال : فرأوا موضعي منه ، فقال له بعضهم : إن هذا إنما بعثه يحيى وعبد الرحمان ليفسد حديثك عليك ، ويتتبع عليك الأحاديث ، قال : وكان جرير قد حدثنا عن مغيرة عن إبراهيم في طلاق الأخرس ، قال : ثم حدثنا به بعد عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم ، قال : فبينا أنا عند ابن أخيه يوما ، إذ رأيت على ظهر كتاب لابن أخيه : عن ابن المبارك ، عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم . قال : فقلت لابن أخيه : عمك هذا مرة يحدث بهذا عن مغيرة ، ومرة عن سفيان عن مغيرة ، ومرة عن ابن المبارك عن سفيان عن مغيرة فينبغي أن تسأله ممن سمعه ؟ قال سليمان : وكان هذا الحديث موضوعا . قال : فوقفت جريرا عليه ، فقلت له : حديث طلاق الأخرس ممن سمعته ؟ فقال : حدثنيه رجل من أهل خراسان عن ابن المبارك . قال : فقلت له : فقد حدثت به مرة عن مغيرة ، ومرة عن سفيان عن مغيرة ، ومرة عن رجل عن ابن المبارك ، عن سفيان عن مغيرة ، ولست أراك تقف على شئ ، فمن الرجل ؟ قال : رجل كان جاءنا من أصحاب الحديث . قال : فوثبوا بي ، وقالوا : ألم نقل لك ، إنما جاء ليفسد عليك حديثك ، قال : فوثب بي البغداديون . قال : وتعصب لي قوم من أهل الري ، حتى كان بينهم شر شديد . قال عبد الرحمان بن محمد : فقلت لعثمان بن أبي شيبة : حديث طلاق الأخرس ، عمن هو عندك ؟ قال : عن جرير عن مغيرة ، قوله . قال عبد الرحمان : وكان عثمان يقول لأصحابنا : إنما كتبنا عن جرير من كتبه ، فأتيته فقلت : يا أبا الحسن كتبتم عن جرير من كتبه ؟ قال : فمن أين ! ؟ ، قال : وجعل يروغ ، قال : قلت له : من أصوله ، أو من نسخ ؟ قال : فجعل يحيد ويقول : من كتب . قلت : نعم ، كتبتم على الأمانة من النسخ ؟ فقال : كان أمره على الصدق ، وإنما حدثنا أصحابنا أن جريرا قال لهم حين قدموا عليه ، وكانت كتبه تلفت : هذه نسخ أحدث بها على الأمانة ، ولست أدري ، لعل لفظا يخالف لفظا ، وإنما هي على الأمانة) !
 

واما شيبة بن نعامة فقد قال علماء الجرح والتعديل عند اهل السنة عنه:
ـ قال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان ، ج 3 ص 159: (ضعفه يحيى بن معين ….. وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به ….. وفي الثقات لأبن حبان ايضاً شيبة بن نعامة الضبيفكأنه غفل عن ذكره في الضعفاء لعادته وقد ذكره في الضعفاء ايضاً ابن الجارود. وقال البزار كانت عنده اخبار وهو لين الحديث).
ـ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ج 4 ص 224: (شيبه بن نعامة وهو ضعيف) ، وفي موضع آخر من نفس الكتاب ، ج 9 ص 173: (… وفيه شيبة بن نعامة ولا يجوز الاحتجاج به).

ـ قال الذهبي في"تاريخ الإسلام" ج 9 ص 174: (شيبة بن نعامة . أبو نعامة الضبي الكوفي ….. قال ابن معين : ضعيف الحديث). وقال في " ميزان الاعتدال" ج 2 ص 286: (شيبة بن نعامة . أبو نعامة الضبي …. وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به).
ـ قال الرازي في "الجرح والتعديل" ج 4 ص 336: (عن يحيى بن معين قال قال : شيبة بن نعامة ضعيف الحديث).
ـ قال ابن حبان في "كتاب المجروحين" ج 1 ص 362(شيبة بن نعامه ، يروى عن أنس روى عنه أبو معاوية الضرير ; ممن يروى عن أنس مالا يشبه حديثه وعن غيره من الثقات ما يخالف [ حديث ] الاثبات لا يجوز الاحتجاج به).
فهذا هو الحديث الذي اورده واعتمده ابن سعد في طبقاته يرويه راوٍ يخلط عن رأوٍ مدلس عن راوٍ ضعيف لا يحتج به !!؟
 
واما في كتاب "الزهد" المنسوب لاحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241هـ) فقد روي هذا الحديث ، كالتالي: (حدثنا عبد الله حدثنا ابو معمر حدثنا جرير عن شيبة بن نعامة قال كان علي ابن الحسين عليه السلام يبخل فلما مات وجدوه يعول مائة اهل بيت بالمدينة قال جرير في الحديث أومن قبل انه حين مات وجدوا بظهره اثارا مما كان يحمل الجرب بالليل للمساكين).
فأما عبد الله فهو عبد الله بن احمد بن حنبل (متوفى 290هـ) بدلالة ما رواه ابو نعيم الاصفهاني في حلية الاولياء كما سيأتي ذكره ، ومعنى ذلك ان عبد الله بن احمد في كتاب الزهد هذا لا يروي هذه الرواية عن ابيه احمد بن حنبل بل عن ابي معمر ، مما يشكك في ان احمد بن حنبل قد الف او جمع هذا الكتاب الموسوم "الزهد" ! ويبدو من مقدمة الكتاب ان كتاب الزهد من تاليف ابو بكر القطيعي او عبد الله بن احمد بن حنبل !
ومن الملفت ان احمد بن حنبل لم يخرج لشيبة بن نعامة في مسنده حيث اراد ان يروي ما يصح ان يحتج به فقط ، مما يدفعنا للتساؤل عن السبب الذي جعل ابنه عبد الله يروي عن شيبة في كتابه هذا ؟!
فعلة هذه الفرية الحديث قد تكمن في جرير بن عبد الحميد الذي اشتهر بالتدليس فنسب هذا الحديث الى شيبة بن نعامة بإعتباره احد اصحاب الامام علي السجاد (عليه السلام) كما نصت على ذلك بعض مصادر الشيعة الامامية (انظر: نقد الرجال للتفرشي ج 2 ص 401) ، وإنْ كان الشيعة الامامية يقولون عن شيبة بن نعامة انه مجهول الحال (انظر: المفيد من معجم رجال الحديث للشيخ محمد الجواهري ، ص 280) ، وقد تكمن العلة في شيبة بن نعامة نفسه وهو مجهول كما ذكرنا.
 
وبعد الطبقات الكبرى لابن سعد في والزهد المنسوب لاحمد بن حنبل ، نقل العديد من علماء السنة هذه الرواية عن شيبة بن نعامة ، وما فيها من افتراء على الامام علي بن الحسين السجاد (صلوات الله عليه) بإتهامه الباطل بالبخل او التظاهر به ، من ابرزهم:
ـ ابو جعفر ابن جرير الطبري (المتوفى 310هـ) في "المنتخب من ذيل المذيل" قال: (وقال إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا جرير عن شيبة ابن نعامة قال كان علي بن حسين عليه السلام يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة في السر) !
ـ أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني (المتوفى 356هـ) في " الأغاني ". ولكن سنده في الاغاني مختلف عن بقية مصادر اهل السنة حيث قال: (حدثني محمد قال حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدثنا جرير بن المغيرة قال: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة) ! وجرير بن المغيرة تابعي مجهول الحال فلم يذكروه في كتب الجرح والتعديل عند اهل السنة ؟! وقد ذكر الرازي في الجرح والتعديل ، ج9 ص731 ان يوسف بن موسى القطان روى عن جرير بن عبد الحميد ، فلعل هناك خطأ في سند رواية الاغاني فابدلوا جرير بن عبد الحميد بجرير بن المغيرة والله اعلم.
ـ حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني (المتوفى 430هـ) في "حلة الاولياء" ، قال: (حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن احمد بن حنبل قال حدثني أبو معمر ثنا جرير عن شيبة بن نعمامة قال كان علي بن الحسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة قال جرير في الحديث أو من قبله إنه حين مات وجدوا بظهره آثارا مما كان يحمل بالليل الجرب الى المساكين). فالظاهر ان ابن نعيم الاصفهاني ينقل عن كتاب الزهد المنسوب لأحمد بن حنبل وهو من تاليف ابنه عبد الله او ابي بكر القطيعي.
ـ ابن عبد البر (المتوفى 463هـ) في "التمهيد" قال: (قال أبو عمر وكان ذا عقل وفهم ( وعلم ) ودين وله أخبار صالحة حسان تركتها خشية الإطالة منها ما روى جرير عن شيبة بن نعامة قال كان علي بن حسين يبخل فلما مات وجدوه يعول مائة بيت بالمدينة في السر).
ـ عساكر (المتوفى 571هـ) في " تاريخ مدينة دمشق" قال: (أبو محمد بن طاوس حدثني أبي أنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الزهري الفقيه أنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي نا محمد يعني أبا أحمد بن عبدوس بن كامل السراج نا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم نا جرير عن شيبة بن نعامة قال كان علي بن حسين يبخل فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة). وابن عساكر له سنده الخاص لهذه الرواية غير انه ينتهي ايضا الى جرير عن شيبة بن نعامة مما يعني انه لم ينقل عن المصادر التي سبقته وليس كما هو حال من سبقه ممن نقلوا هذه الرواية.
ـ الفرج ابن الجوزي (المتوفى 597هـ) في "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" قال: (وقال شيبة بن نعامة الضبي : كان علي بن الحسين رضي الله عنهما يبخل ، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت) ، وايضاً في "صفة الصفوة" قال ابن الجوزي: (وعن شيبة بن نعامة قال كان علي بن الحسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة).
ـ ابن منظور (المتوفى 711هـ) في "مختصر تاريخ مدينة دمشق" قال: (قال شيبة بن نعامة : كان علي بن الحسين يبخل مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة).
ـ المزي (المتوفى سنة 742هـ) في "تهذيب الكمال" قال: (وقال جرير أيضا ، عن شيبة بن نعامة : كان علي بن حسين يبخل ، فلما مات وجدوه يعلو مائة أهل بيت بالمدينة).
ـ الذهبي (المتوفى 748هـ) في"تاريخ الإسلام" ، ج6 ص433 ، قال: (وقال جرير بن عبد الحميد ، عن شيبة بن نعامة : قال : كان علي بن الحسين يبخل ، فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة). ثم نجده في سير اعلام النبلاء (ج 4 ص 394) يتبنى هذه الفرية ولا يرويها !! فيقول: (وقال شيبة بن نعامة: لما مات علي وجدوه يعول مئة أهل بيت. قلت: لهذا كان يبخل ، فإنه ينفق سرا ويظن أهله أنه يجمع الدراهم) ، فلم يروِ عن شيبة بن نعامة اتهام البخل بل روى اعالته لمائة بيت ثم نسب الذهبي الى نفسه القول بإتهام الامام السجاد (عليه السلام) بالبخل !؟ مع ان الذهبي نفسه قد ذكر في "تاريخ الاسلام" نفسه وكذلك في كتابه "ميزان الاعتدال" ان شيبة بن نعامة ضعيف ولا يحتج به فقال في"تاريخ الإسلام" ج 9 ص 174: (شيبة بن نعامة . أبو نعامة الضبي الكوفي ….. قال ابن معين: ضعيف الحديث). وقال في " ميزان الاعتدال" ج 2 ص 286: (شيبة بن نعامة . أبو نعامة الضبي …. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به) ، ولكنه تساهل هنا في الرواية لأنها تستهدف الطعن في ائمة آل البيت (عليهم السلام) !!
 

 

الخلاصـة:
البخل مذموم وقد حث الاسلام على تنفير الناس عنه. وجوهر قضيتنا ان الذين نسبوا للامام السجاد (عليه السلام) قالوا بأنه ظاهرياً كان يظهر البخل حال حياته الشريفة بينما في الخفية يتصدق !! أي بمعنى ان الامام كان يظهر للناس انه يرتكب اخلاقاً سيئة نهى عنها الاسلام وهي البخل ، وهذا مزعم مخالف لأخلاق اهل البيت (عليهم السلام) السمحة والتصاقهم بالاسلام بل تمثيلهم الواقعي له ، بل ان هذه المزاعم لا تصب الا في سياسة النواصب وبغضهم ومحاولة إلصاقهم كل ما هو سيء بأهل البيت الاطهار (عليهم السلام) فإن لم يكن هؤلاء الرواة السنة والعلماء الذين رووا هذه القضية من النواصب فهم يروجون لأفكار النواصب بل قد استغفلهم النواصب لترويج مثل هذه الافكار !!
 

 


 

الصفحة الرئيسية