بسم الله الرحمن الرحيم

 

الوهابية وقصة "فصل الخطاب"

 

نبيـل الكرخي

يقول الوهابي محمد حبيب في مقدمة كتاب (فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب الارباب) المطبوع طبعة حديثة ما نصّه: (في ربيع الثاني من عام 1388هـ الموافق لشهر تموز (يوليو) 1968م ومن مكتبة (شفيعي) في السوق (البازار) الواقع قرب ساحة ميدان الشاه (سابقاً) في مدينة اصفهان إحدى كبريات مدن ايران ، حصلت على نسخة نادرة من كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الارباب) ودفعت الثمن للبائع العجوز الذي تردَّد مرات قبل ان يسلمني هذه النسخة النادرة لأكثر من سبب. وعدت بعدها أدراجي إلى متزلي وكأني أحمل عرش بلقيس أو كنوز كسرى أنوشروان).

حيث يجمع الشيعة الامامية على عدم تحريف القرآن ويؤمنون بصيانته وان الله تعالى تعهد بحفظه بقوله تعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )). ثم قام احد المحدّثين واسمه الشيخ حسين النوري الطبرسي (متوفى 1320هـ) فألف كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الارباب) وطُبِعَ هذا الكتاب طبعة حجرية قديمة وما ان نزل الى التداول بين ايدي الناس حتى انبرى علماء الشيعة الى الرد عليه وفندوه مدافعين عن القرآن وقدسيته وصيانته من التحريف ، وانتهت القصة ولم يفلح الكتاب بإحداث أي تغيير في الفكر الشيعي حيث يجمع الشيعة على عدم حدوث التحريف في القرآن الكريم فضلاً عن ان الشيخ حسين النوري هو محدّث يجمع الروايات ويرويها فلم يعرف عنه تحقيق للروايات ولا مؤلفات في العقيدة او الفكر الشيعي ، بل كان محدثاً الف احد الكتب المهمة في الحديث وهو مستدرك الوسائل ، كما ان البخاري صاحب الصحيح عند اهل السنة هو محدث وليس صاحب عقيدة ، والعلماء الشيعة المحققون هم الذين يمكنهم الاستفادة من الروايات وفهمها واستنباط العقيدة منها ، وهو الامر الذي كان يفتقر الشيخ النوري له. فحتى ان افترضنا ان الشيخ النوري كان فعلاً يقول بالتحريف الى ان توفى فذلك لا يضر بالمذهب لأنه رأي شخصي لقائله ولا يعبر عن رأي عموم الشيعة ، فلا كتاب فصل الخطاب من كتب العقائد ولا الشيخ النوري هو من العلماء المحققين في العقيدة عند الامامية. وكتب العقائد المعتبرة عند الشيعة اهمها:

ـ كتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق (المتوفى 381هـ).
ـ كتاب (الاعتقادات في دين الامامية) للشيخ الصدوق ايضاً.
ـ كتاب (المسلك في اصول الدين) للمحقق الحلي (المتوفى 726هـ).
ـ كتاب (تجريد العقائد في التوحيد) للخواجة نصير الدين الطوسي (المتوفى 672هـ).
ـ كتاب (شرح تجريد الاعتقاد) للعلامة الحلي (المتوفى 726هـ).
ـ كتاب (حق اليقين) للسيد عبد الله شبّر (المتوفى 1242هـ).
ـ كتاب (عقائد الامامية) للشيخ محمد رضا المظفر (المتوفى 1383هـ).
 

وفشل كتاب (فصل الخطاب) وفشلت فكرته ولم يعاد طبعه ابداً حتى اصبح كتاباً نادراً كما يعترف الوهابي نفسه في النص الذي نقلناه عنه.

ويبدو ان بعض الوهابية سائهم تمسك الشيعة بالقرآن وايضاً تمسكهم بالعترة الطاهرة وترديدهم في كل حين حديث الثقلين ، فسعوا لإبطال هذا المظهر الشيعي القوي والمهم ، وسمعوا بوجود كتاب عند الشيعة يزعم تحريف القرآن ففتشوا عنه وعثروا على نسخة واحدة منه فطبعوها طبعة حديثة ونشروها بين الناس ليقولوا للمسلمين ان الشيعة يؤمنون بتحريف القرآن !! وطبعاً لم يتحرك ضمير الوهابية تجاه القرآن الكريم وهم ينشرون بين الناس شبهات تفيد الطعن فيه ، وقد استفاد اعداء الاسلام كثيراً من نشر هذا الكتاب من قبل الوهابية بحيث ان النسخة الاكترونية التي نقلنا عنها هذا النص والماخوذة عن طبعة حديثة طبعها الوهابيون للكتاب قد حصلنا عليها من منتدى الكنيسة النصراني وهم قد نشروا هذه النسخة في منتدياتهم لكي يطعنوا في صحة القرآن الكريم في سلامته ، فهنيئاً للوهابية انهم سلموا اعداء الاسلام هذه الشبهة السخيفة.
ويبدو ان الوهابية يتاسفون لأن الشيعة لا يقولون بالتحريف ويتمنون لو ان الشيعة يقولون بذلك فعلاً لكي تكون اقوى الذرائع عندهم للطعن بمذهب الشيعة والذي هو مذهب آل البيت عليهم السلام.

وقد نقل الشيخ اغا بزرك الطهراني في كتابه (الذريعة الى تصانيف الشيعة) ، ج61 ص231 ، كلام الشيخ النوري حيث قال: ("ليس مرادى من التحريف التغيير والتبديل ، بل خصوص الاسقاط لبعض المنزل المحفوظ عند اهله ، وليس مرادى من الكتاب القرآن الموجود بين الدفتين ، فانه باق على الحالة التى وضع بين الدفتين في عصر عثمان ، لم يلحقه زيادة ولا نقصان ، بل المراد الكتاب الالهى المنزل" . وسمعت عنه شفاها يقول : "انى اثبت في هذا الكتاب ان هذا الموجود المجموع بين الدفتين كذلك باق على ما كان عليه في اول جمعه كذلك في عصر عثمان ، ولم يطرء عليه تغيير وتبديل كما وقع على سائر الكتب السماوية ، فكان حريا بان يسمى ( فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب ) فتسميته بهذا الاسم الذى يحمله الناس على خلاف مرادى خطأ في التسمية ، لكنى لم ارد ما يحملوه عليه ، بل مرادى اسقاط بعض الوحى المنزل الالهى ، وان شئت قلت اسمه ( القول الفاصل في اسقاط بعض الوحى النازل").
وقال اغا بزرك ايضاً في ج1 ص221 قول الشيخ النوري: (أن المراد بالتحريف الواقع في الكتاب غير ما حملت عليه ظاهرا للفظ اعني التغيير والتبديل والزيادة والتنقيص وغيرها المحقق والثابت جميعها في كتب اليهود وغيرهم ، بل المراد من التحريف خصوص التنقيص فقط اجمالا ، في غير آيات الاحكام جزما وأما الزيادة فالاجماع المحقق الثابت من جميع فرق المسلمين والاتفاق العام من كل منتحل للاسلام على عدم زيادة كلام واحد في القرآن المجموع فيما بين هاتين الدفتين ولو بمقدار اقصر آية يصدق عليه كلام فصيح بل الاجماع والاتفاق من جميع أهل القبلة على عدم زيادة كلمة واحدة في جميع القرآن بحيث لا نعرف مكانها . فاين التنقيص الاجمالي المراد لنا عما حملت عليه ظاهر اللفظ ، وهل هذا الا مغالطة لفظية).
اذن كان الشيخ النوري يجزم بانه ليس في القرآن الموجود اليوم اي زيادة او تغيير بل الموجود هو كما انزل ، ولكنه توهم ان هناك آيات قرآنية تم اسقاطها ، والذي ساعده على هذا الوهم هو وجود العشرات من الآيات المروية من طرق السنة ايضاً وهي تدل على سقوط آيات قرآنية لم تثبت في المصحف ، وهي روايات كان يجب ان تضرب عرض الحائط لحفظ القرآن الكريم بدلالة قوله تعالـى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) ولتواتر حديث الثقلين الذي يدل على امكانية تمسك المسلم في كل زمن بالكتاب والعترة وذلك يعني ان الكتاب اي القرآن الكريم موجود في كل زمان بتمامه لأنه مع العترة يمنع المسلم من الضلال.

فالوهابية قد دفعهم طموح اضعاف مذهب الشيعة الى تحريف اسم الكتاب والكذب على الناس من اجل هدفهم هذا ! وعندهم قاعدة فقهية تقول: "حكم الوسائل حكم غاياتها" بمعنى ان الغاية تبرر الوسيلة ! فعندهم ان وسيلة الكذب والتدليس في اخفاء وتغيير الاسم الاصلي للكتاب مشروعة ما دام الهدف هو تشويه مذهب التشيع لآل البيت (عليهم السلام) !!

وفي المقابل فإنَّ الوهابية يغضون النظر عن كتاب الفرقان الذي ألّفه الخطيب سنة 1948م وهو من علماء أهل السنة في مصر واستند فيه الى روايات اهل السنة حول نفس الموضوع وهو يزعم تحريف القرآن ايضاً وقد وجدت هذا الكتاب ايضاً في احد مواقع النصارى !
فانظر ايها القاريء المنصف كيف ان اهل السنة بتأليفاتهم وتصرفاتهم غير المسؤولة يسيئون للقرآن الكريم ويعملون على اشاعة شبهة التحريف ضده وتسليم خصوم الاسلام واعدائه الذرائع ضده !!

 

الصفحة الرئيسية