بسم الله الرحمن الرحيم

 

هـل الكافـي كـافٍ للشيعــة ؟!

 

نبيـل الكرخي

هناك مقولة منسوبة للامام الحجة بن الحسن (عجل الله تعالى فرجه الشريف) انه اطلع على كتاب الكافي الذي جمع احاديثه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني فقال عنه: (كافٍ لشيعتنا). وهذه المقولة لم ترد في مصدر معتبر في كتب الشيعة وهناك رأي معتد به عند علماء الشيعة انها من مصدر مجهول وغير معتبرة ، ولو كانت هذه المقولة صحيحة النسبة للامام (عجل الله تعالى فرجه الشريف9 لعلمها علمائنا الاوائل ولما احتاجوا الى تأليف المؤلفات التي تلته مثل من لا يحضره فقيه والتهذيب والاستبصار وغيرها.

وفيما يلي بعض اقوال العلماء في هذه الرواية:
ـ قال الشيخ النوري في خاتمة المستدرك ج 3 ص470 : (وليس غرضي من ذلك تصحيح الخبر الشائع من ان هذا الكتاب عرض على الحجة ( عليه السلام ) فقال : " إن هذا كاف لشيعتنا " فإنه لا أصل له ، ولا أثر له في مؤلفات أصحابنا ، بل صرح بعدمه المحدث الاسترآبادي الذي رام أن يجعل تمام أحاديثه قطعية ، لما عنده من القرائـن التي لا تنهض لذلك ، ومع ذلك صرح بانه لا أصل له).

ـ قال هاشم معروف الحسيني في كتابه (دراسات في الحديث والمحدثين) ، ص 126 وما بعدها ، عن الشيخ الكليني: (كان من ابرز الفقهاء والمحدثين في عصره ، ومن المساهمين بجد ونشاط واخلاص في تدعيم الدين ونشر الثقافة الاسلامية من جميع نواحيها . ونظر إليه الشيعة بعين الاحترام والتقدير في جميع الادوار التي مروا بها واشتهر من بين مؤلفاته الغنية بالفوائد كتابه الجليل الكافي ، ذلك الكتاب الذي تحرى فيه اقصى ما لديه من جهد لتصفية الاحاديث الصحيحة عن غيرها كما نص على ذلك في مقدمة كتابه ، حتى تم له تأليفه بعد جهاد ورحلات استمرا نحوا من عشرين عاما يجوب فيها البلدان من بلدة إلى بلدة في البحث عن الحديث ومذاكرة المحدثين في الحديث واصنافه ومصادره ، والتنقيب عن الاصول الاربعمائة التي الفها تلامذة الائمة في الحديث ، وعن مؤلفات القميين وغيرهم التي جمعوها في اواخر القرن الثاني من مرويات اصحاب الامامين جعفر بن محمد وابيه الباقر ( ع ) وقد ذكرنا في الفصل السابق ان القميين والاشعريين والبعض من الكوفيين قد تطوعوا لجمع الاحاديث وتصفيتها ، والفوا في علمي الرجال والدراية ووضعوا اصول هذين العلمين خلال النصف الاول من القرن الثالث ه‍ ومهدوا الطريق للطبقة الثالثة التي برز فيها الكليني والف كتابه الجامع ونال اعجاب العلماء والمحدثين على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم . ورجح جماعة من المؤلفين الاعلام انه كان على اتصال بسفراء الامام محمد بن الحسن الذين كانوا يتصلون به . كما نص على ذلك المحدث النيسابوري في كتابه منية المراد والسيد علي بن طاووس وغيرهما ، وانطلق هؤلاء من هذه المرحلة إلى ان الكافي قد عرضه سفراء الامام عليه واقر العمل به ، وتمسكوا بما جاء عنه ( ع ) انه قال : ( الكافي كاف لشيعتنا ) ، واضافوا إلى ذلك ان بعض الشيعة من البلدان النائية كلف الكليني بتأليف كتاب في الحديث يجمع مختلف المواضيع ، لكونه على اتصال دائم بالسفراء الذين كانوا يتصلون بالامام ، ويروون عنه ، فألفه اجابة لطلبهم في عشرين عاما ، ولا بد وان يكون قد راجعهم فيما اشتبه عليه امره . ولكن المؤلفات التي تعرضت للكليني وكتابه ليس فيها ما يؤيد هذا الادعاء ونص جماعة من المحدثين وغيرهم على عدم صحة الحديث المروي عن الامام ( ع ) حول هذا الموضوع ، نظرا لان الرواة له لم تتوفر فيهم شروط الاعتماد على هذه الرواية هذا بالاضافة إلى ان الامام ( ع ) في الغيبة الصغرى لم يكن الاتصال به ممكنا الا في الضرورات وليس منها تمحيص مرويات الكافي لامكان التوصل إلى معرفة الصحيح من غيره بالرجوع إلى اصول علم الدراية واحوال الرجال ، على ان بعض مرويات الكافي لو عرضت على الامام محمد بن الحسن ( ع ) لا يمكن ان يقره عليها كما سنتعرض لبعضها في الفصول الاتية ولو افترضنا ان الامام ( ع ) قال في تقريضه ( الكافي كاف لشيعتنا ) كما تنص على ذلك الرواية ، لو افترضنا ذلك فلا يستفاد من هذه الجملة انه صحيح بكل محتوياته ، لجواز كونه كافيا لشيعتهم من حيث اشتماله على كمية من الاحاديث في الفروع والاصول صادرة عن الائمة ( ع ) ومما لا ريب فيه ان المرويات الصحيحة والمقترنة ببعض القرائن المؤكدة لصدورها بين مرويات الكافي سواء في ذلك ما ورد منها لبيان الاحكام وما ورد في الاخلاق والآداب والسنن وغير ذلك هذه الاصناف لو طبقها الشيعة لكانت كفيلة بان تجعلهم في القمة بين اصناف الناس ومهما كان الحال فليست الرواية نصا في ان جميع مروياته صادرة عنهم ( ع ) ).

ـ ونختم -وختامه مسك- بكلام السيد مرتضى العسكري في كتابه (معالم المدرستين) ، ج 3 ص 283 : (أما ما قيل من أن المهدى ( ع ) قال : ان الكافي كاف لشيعتنا ، فانه قول مجهول راويه ولم يسم أحد اسمه ، ويدل على بطلانه تأليف مئات كتب الحديث بمدرسة اهل البيت بعد الكافي مثل : من لا يحضره الفقيه ، ومدينة العلم والتهذيب والاستبصار والبحار ووسائل الشيعة وجامع أحاديث الشيعة ، إلى غيرها).

ولا يخفى ان علمائنا المحققين اعلى الله مقامهم لم يقولوا بأن كل ما في الكافي صحيح بل هم يعمدون الى تدقيق وتمحيص رواياته فيصححون الصحيح ويضعّفون الضعيف.

 

 

الصفحة الرئيسية