بسم الله الرحمن الرحيم

 

نفي تهمة القول بتحريف القرآن عن العلامة المجلسـي
 

 

نبيـل الكرخي

قال العلامة المجلسي في كتابه (مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول) ج12 ص525 ما نصّه: (وثق. وفي بعض النسخ عن هشام بن سالم موضع هارون بن مسلم، فالخبر صحيح ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسا بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر. فإن قيل: إنه يوجب رفع الاعتماد على القرآن لأنه إذا ثبت تحريفه ففي كل آية يحتمل ذلك و تجويزهم عليهم السلام على قراءة هذا القرآن و العمل به متواتر معلوم إذ لم ينقل من أحد من الأصحاب أن أحدا من أئمتنا أعطاه قرانا أو علمه قراءة، وهذا ظاهر لمن تتبع الأخبار، ولعمري كيف يجترئون على التكلفات الركيكة في تلك الأخبار مثل ما قيل في هذا الخبر إن الآيات الزائدة عبارة عن الأخبار القدسية أو كانت التجزية بالآيات أكثر و في خبر لم يكن أن الأسماء كانت مكتوبة على الهامش على سبيل التفسير و الله تعالى يعلم و قال السيد حيدر الآملي في تفسيره أكثر القراء ذهبوا إلى أن سور القرآن بأسرها مائة و أربعة عشر سورة و إلى أن آياته ستة آلاف وستمائة وست وستون آية و إلى أن كلماته سبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وسبع و ثلاثون كلمة، و إلى أن حروفه ثلاثمائة آلاف و اثنان و عشرون ألفا و ستمائة و سبعون حرفا و إلى أن فتحاته ثلاثة و تسعون ألفا و مائتان و ثلاثة و أربعون فتحة، و إلى أن ضماته أربعون ألفا و ثمان مائة و أربع ضمات و إلى أن كسراته تسع و ثلاثون ألفا و خمسمائة و ستة و ثمانون كسرة، و إلى أن تشديداته تسعة عشر ألفا و مائتان و ثلاثة و خمسون تشديدة، و إلى أن مداته ألف و سبعمائة و أحد و سبعون مده و إلى أن همزاته ثلاث آلاف و مائتان و ثلاث و سبعون همزة).
وهذا النص في مرآة العقول يستند اليه البعض في اتهام العلامة المجلسي بالقول بتحريف القرآن الكريم ، ولو تدبرنا كلام المجلسي في هذا النص لوجدنا انَّه لا يقول بتحريف القرآن بل اقصى ما قاله: (ولا يخفى أن هذا الخبر و كثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن و تغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى) ولكن هذا لا يعني تواتر احاديث التحريف بالنقيصة او التغيير لأن الاحاديث التي قصد بأنها متواترة معنى تشمل اربعة اصناف:

ـ الصنف الاول: الاحاديث التي تذكر حدوث التحريف بعنوانه. وهذا النوع من الاحاديث يقصد به تحريف معاني القرآن واحكامه كالوضوء والمواريث وغيرها.
ـ الصنف الثاني: الاحاديث التي تذكر التحريف نتيجة حذف التفسير والتاويل المكتوب داخل النص القرآني بإعتباره تفسير وتأويل منزل.
ـ الصنف الثالث: الاحاديث التي تذكر الاختلاف في القراءات ولعل الاختلاف في القراءات هو الذي حاز على تفكير العلامة المجلسي اكثر من غيره ويلاحظ في ذلك الاحاديث التي رواها في بحار الانوار ج98 ص60 ومنها على سبيل المثال والتوضيح قوله تعالى (( كنتم خير امة )) هكذا (كنتم خير ائمة) فهذا يدخل في اطار اختلاف القراءات وليس تحريف النص القرآني لأن الاصل القرآني واحد.
ـ الصنف الرابع: الاحاديث التي تدل على حدوث النقيصة في آيات القرآن ، وهي احاديث مهملة ويضرب بها عرض الحائط لأنها مخالفة للقرآن الكريم.

فمجموع هذه الاصناف الاربعة والتي تحوي على انواع مختلفة من التحريف هي التي قال عنها العلامة المجلسي بأنها متواترة معنى ، وفي الحقيقة فإن دعوى التواتر لا تصمد اذا فصلنا كل صنف من الاحاديث لوحده ، وهو الحق لأن مقاصدها مختلفة.
ويضاف لذلك فإن كلام العلامة المجلسي حول هذه الاحاديث في كتابه مرآة العقول اتبعه بأن نقل نصاً عن السيد حيدر الآملي في تفسيره ينص على ان سور القرآن الكريم (114) سورة وعدد آياته الشريفة (6666) آية وهذا يدل بصورة واضحة على ان العلامة المجلسي لم يكن يعتقد تحريف القرآن بالنقيصة او التغيير لأن عدد آيات القرآن الكريم اليوم هي (6666) آية بحسب تقسيم غير الكوفيين و(6236) آية بحسب تقسيم الكوفيين. وأيضاً يضاف لهذا أدلة اخرى توضح حقيقة ان العلامة المجلسي لم يكن يعتقد بتحريف القرآن الكريم نجدها في كتابه بحار الانوار وكالآتي:
- قال العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج 66 ص 308 : ({- نهج : قال عليه السلام في بعض خطبه : أين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه ، وقرؤا القرآن فأحكموه ، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ، وأخذوا بأطراف الارض زحفا زحفا وصفا صفا ، بعض هلك ، وبعض نجا ، لا يبشرون بالاحياء ، ولا يعزون عن الموتى مره العيون من البكاء ، خمص البطون من الصيام ، ذبل الشفاه من الدعاء ، صفر الالوان من السهر ، على وجوههم غبرة الخاشعين ، اولئك إخواني الذاهبون ، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الايدي على فراقهم}. بيان : كأن المراد بأحكام القرآن حفظ الالفاظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه ، وأهاجه أثاره ، والمراد به تحريصهم وترغيبهم إليه). انتهى موضع الحاجة من كلام العلامة المجلسي.
ـ نقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج 9 ص 113 عن تفسير مجمع البيان للعلامة الشيخ الطبرسي ما نصّه: (" إنا نحن نزلنا الذكر " أي القرآن " وإنا له لحافظون " عن الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف) فاقرّ هذا التفسير حيث لم يعترض عليه او يذكر ما يضعّفه.
- قال العلامة المجلسي في بحار الأنوار - ج 34 ص 34 : (وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يهتم لعشرة أشياء فآمنه الله منها وبشره بها : لفراقه وطنه ، فأنزل الله ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) ولتبديل القرآن بعده كما فعل بسائر الكتب فنزل ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ولامته من العذاب فنزل : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) ) الى آخر كلامه.
ولذلك فأنه من الواضح لدينا ان العلامة المجلسي لم يكن يقول بتحريف القرآن بخلاف ما يتهمه ويشنع به عليه خصومه.


 

الصفحة الرئيسية