بسم الله الرحمن الرحيم

 

اشكاليات آية اكتمال الدين في الفكر السني

 

نبيـل الكرخي

قال الله سبحانه في سورة المائدة ، الاية (3): ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )).صدق الله العليّ العظيم

هل اكتمل الدين ونزل قوله تعالى: ((اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً )) بإعلان ولاية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) يوم الغدير ، كما يقول الشيعة ام نزلت هذه الآية يوم عرفة في حجة الوداع في سياق الآيات التي قبلها ، كما يقول السنة ؟

لو افترضنا ان الآية الكريمة نزلت بحسب الفكر السني في سياق الكلام الذي قبلها والذي يتضمن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير الى آخرها ، فهل ان تحريم هذه المحرمات هي التي تجعل الكافرين ييأسون من ابطال دين المسلمين وييئسون من الانتصار عليهم !؟ مع العلم ان تحريم هذه المحرمات كان قد نزل في آيات سابقة ومنذ الفترة المكية قبل الهجرة النبوية ، حيث نزل قوله تعالى:

ـ في سورة النحل المكية: (( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) ، ثم نزل التحريم في بداية الفترة المدنية بقوله تعالى:

ـ في سورة البقرة المدنية: ((إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )).

إذن هل هو قول مقبول ان نقول بأن الاسلام سينتصر على خصومه وان خصومه سييئسون من الانتصار عليه بسبب اعلان تحريم هذه المحرمات ! لاحظوا ان الآية تتحدث عن اعلان التحريم وليس عن التزام المسلمين بالتحريم ، بمعنى انه بمجرد اعلان تحريم هذه المحرمات يئس الكفار من النيل من دين المسلمين ولم تربط الآية الكريمة بين هذا اليأس وبين التزام المسلمين بتطبيقها. إذن في الفكر السني نجد انه بمجرد الاعلان عن هذه المحرمات يأس الكفار من دين المسلمين ، وهذا يقودنا للتساؤل:

ـ لماذا لم ييأس الكفار من دين المسلمين في الاعلان الاول عن هذه المحرمات في الفترة المكية في سورة النحل ؟ ولماذا لم ييأسوا من الاعلان الثاني لها في الفترة المدنية في سورة البقرة واعلن يأسهم في النزول الثالث لهذه المحرمات في سورة المائدة !!

ـ وهل أنَّ في واقع المسلمين نجد ان الكفار يائسين من دين المسلمين بسبب اعلان التحريم هذا ؟ الم يغزوا المسلمين في عقر ديارهم وسلبوا منهم اراضي اسلامية مهمة في الاندلس والهند والصين وفلسطين فقامت الآن دول كافرة في تلك الاراضي الاسلامية. وغزا المستعمرون بقية الاراضي الاسلامية وسيطروا عليها عقوداً طويلة ثم اقاموا فيها انظمة حكم علمانية بعيدة عن تطبيق الاسلام ، ونجحوا الآن في منع تطبيق الشريعة الاسلامية في معظم الدول التي تسمى بالدول الاسلامية ! فأين هو مظهر اليأس من دين المسلمين بحسب هذا التفسير السني !! مع ان الله هو أصدق القائلين.

واما التفسير الشيعي فيقول ان هذه الآية المباركة نزلت بعد اعلان ولاية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) يوم الغدير من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فتيكون ياس الكافرين بسبب وجود القيادة المعصومة الممتدة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث كان الكفار يظنون ان الاسلام سينتهي بوفاة مؤسسه ونبيه محمد (صلى الله عليه وىله) فكان اعلان امتداد القيادة الالهية لهذا الدين العظيم قد بث اليأس في قلوب الكافرين لأنه اذا مات محمد فبعده علي ثم الحسن ثم الحسين وتمتد السلالة والقيادة الالهية ، فلا سبيل للكافرين حينئذٍ من النيل من دين الاسلام.

ومن المؤسف ان المسلمين لم يلتزموا بهذه القيادة الالهية ونبذوها وقتلوها وحاربوها مما جرّ عليهم الويلات التي ما زالوا يعانون منها الى يومنا هذا.

فلنعد الى الآية الكريمة والى الجزء الذي يتحدث فيها عن اكتمال الدين ، ففي الفكر السني نجد ان الدين قد اكتمل بنزول هذه المحرمات (الميتة والدم ولحم الخنزير الخ) والتي سبق لبعضها ان نزل تحريمه مرتين كما بيناه ، مع ان السنة انفسهم يروون بأن هناك آيات اخرى نزلت بعد آية اكتمال الدين ! منها آية الربا ! فكيف اذن يزعمون ان الدين قد اكتمل بنزول تشريع تحريم هذه المحرمات !!؟

حسناً فلنفترض ان آية اكتمال الدين هي آخر آية نزلت في القرآن الكريم ، فنحن نعلم ان الشريعة الاسلامية تستند الى القرآن والسنة النبوية ، فإذا كان الدين قد اكتمل بنزول آخر آية فإن السنة ما زالت مستمرة ولم تكتمل الا بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليه فكيف سنفهم ان الدين قد اكتمل مع ان السنة غير مكتملة ؟ هل سيكون ذلك ذريعة للذين ينادون بإهمال السنة واهمال كونها مصدراً للتشريع وما سيبنى عليه من معاصي وضلال ؟!

ان اشكالية استمرارية تشريع السنة النبوية بعد نزول آية اكتمال الدين وكذلك وجود روايات تنص على نزول آيات قرآنية أخرى بعد آية اكتمال الدين تكشف بلا ريب من ان المقصود بإكتمال الدين هو اكتمال العقيدة وليس اكتمال الحلال والحرام ، اكتمال اصول الدين: التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد ، ولم تنزل آية اكتمال الدين الا بعد الاعلان التام والواضح ولأكبر عدد من المسلمين في اضخم تجمع لهم ، ففي يوم عرفة في حجة الوداع اعلن للمسلمين ان التمسك بالكتاب والعترة الطاهرة هو المنجي من الضلال وبعدها باسبوع وفي مفترق طريق الحجيج في غدير خم اعلن ولاية امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام).

ومن كل ذلك يتضح ان آية "اليوم اكملت لكم دينكم" لا يمكن فهمها بصورة تامة وحقيقية وواقعية الا بكونها تدل على الامامة وان الدين لا يكتمل الا بوجود الامامة في عقيدته السمحاء.

فنزول آية إكتمال الدين لم يحصل الا بعد تبليغ اصل الامامة ، واما الحلال والحرام فليس هو المقصود بالاكتمال ، ولعل هذا يكشف عن صحة قول الشيعة بأن هناك مسائل في الحلال والحرام استحفظها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الامام علي بن ابي طالب (علي السلام) والائمة من ذريته ولا يظهرونها الا بظهور حاجة المسلمين اليها بتطور الزمان ، فغرض الشريعة هو تزويد الناس بالاحكام الشرعية التي يحتاجونها في وقتها وليس حشو اذهان الناس بأحكام شرعية لا يحتاجونها الا بعد زمان طويل ، وهذا احد مقاصد وجود الامام القائد المنصوب من عند الله سبحانه والمستحفظ على الشريعة وامتداد القيادة الالهية في كل زمان متمثلة بأئمة آل البيت (عليهم السلام) لتزويد الناس بما يحتاجونه من احكام شرعية بتطور المدنية الانسانية وتقدم الزمان.


 

الصفحة الرئيسية