بسم الله الرحمن الرحيم

 

القمي ودعوى التحريف فـي التفسير المنسـوب اليه !
 

نبيـل الكرخي

يقول السيد طيب الجزائري محقق كتاب تفسير القمي ، والمطبوع في مطبعة مؤسسة دار الكتب في قم المقدسة ، طبعة ثالثة 1404هـ ، وفي ج 1 ص 15 ما نصّه: (بقي شئ : وهو ان الراوي الاول الذي املا عليه علي بن ابراهيم القمي هذا التفسير على ما يتضمنه بعض نسخ هذا التفسير (كما في نسختي) هو أبو الفضل العباس ابن محمد بن قاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه السلام ، تلميذ علي بن ابراهيم ، وهذا الشخص وان لم يوجد له ذكر في الاصول الرجالية كما ذكره صاحب الذريعة إلا ان ما يدل على علو شأنه وسمو مكانه كونه من اولاد الامام موسى ابن جعفر عليه السلام ومنتهيا إليه بثلاث وسائط فقط ، وقد ذكره غير واحد من كتب الانساب كبحر الانساب والمجدي وعمدة الطالب ، ومما يرفع غبار الريب عن اعتبار الراوي ركون الاصحاب إلى هذا الكتاب وعملهم به بلا ارتياب فلو كان فيه ضعف لما ركنوا إليه).

واما كون العباس بن محمد بن القاسم قد حاز علو الشان والسمو في المكانة فهذا على فرض صحته فلا يعني وثاقته ، ولا ابتعاده عن الامام الكاظم (عليه السلام) بثلاثة وسائط كافية لتوثيقه ونحن نعلم الرواية التي تقول أنَّ ابن اخ الامام الكاظم (عليه السلام) هو الذي سعى بالامام الكاظم (عليه السلام) ووشى به عند الخليفة العباسي هارون الفاسق ، فكيف بمن يبتعد عن الامام الكاظم (عليه السلام) بثلاث وسائط !؟؟ كما انه مذكور في عمدة الطالب لإبن عنبة اتفاقاً حين ذكر نسب بنو سياه فقال ما نصه: (ومن بنى محمد بن القاسم بن حمزة بن الكاظم "عليه السلام" أحمد بن زيد الملقب سياه بن جعفر بن العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن الكاظم "عليه السلام" كان مقيما ببغداد وولد فيها أولادا منهم محمد المدعو بالزنجار ، له ولد يقال لهم بنو سياه ) ! وهكذا تجد النص في عمدة الطالب لا يحمل اي توثيق او سمو مكانة سوى الانتساب الكريم.

واما في المجدي للعمري فقد قال: (ومنهم أحمد بن زيد الملقب دنهشا بن جعفر بن العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى الكاظم) الخ ، والنص ايضاً لا يحمل اي توثيق ، كما ان النصين في عمدة الطالب والمجدي لا يحملان اي معنى يدل على تميز العباس بن محمد المذكور عن اقرانه في زمانه وانما ذكروه في سياق نسب لشخص آخر معروف في زمانه ! فهو مجهول الحال. وحتى ان ذكروه وذكروا اولاده واحفاده فهذا لا يعني توثيقه كما هو معلوم.

ومن جهة اخرى فإن علماء الرجال عند الشيعة اعرضوا عن العباس بن محمد بن القاسم فلم يذكروه مما يعني انه مجهول الحال رغم ان بعض العلماء قد رووا عنه في كتبهم مثل علل الشرائع للشيخ الصدوق وعيون اخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق ايضاً ، ووسائل الشيعة للحر العاملي وبحار الانوار للعلامة المجلسي ، فلم يتفرد ذكره في تفسير القمي بل ذكره آخرون كما بينا واعرض عنه علماء الرجال فلم يبينوا حاله ، فهو مجهول الحال.

وفي الحقيقة فليس العباس بن محمد المذكور هو الوحيد المجهول في سند رواية تفسير القمي ، بل نقرأ في التفسير نفسه ، ج1 ص27 ، ما نصَّه: (اقول تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حدثنى أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه السلام قال حدثنا أبو الحسن علي بن ابراهيم قال حدثني ابي رحمه الله عن محمد بن ابي عمير عن حماد بن عيسى عن حريث عن ابي عبد الله ( ع ) قال) الى آخر الرواية … ! فهذا النص يكشف عن ان هناك شخص آخر يروي عن العباس بن محمد المذكور هذا التفسير حيث قال: (حدثنى أبو الفضل العباس بن محمد) الخ ! فإذا كان التفسير فيه هذين المجهولين فكيف نثق بما ورد فيه من قضايا حساسة كالموقف من القرآن ودعوى وقوع التحريف فيه !؟ فهذه الدعوى لا يصح نسبتها الى مؤلف التفسير اصلاً لأنها مروية بطريق غامض فيه مجهولين !
ولا يشفع ان الاصحاب تقبلوا هذا التفسير بقبول حسن حيث لا نعلم هل انهم تقبلوا هذا التفسير من نفس الطريق ذي المجهولين ام كان عندهم التفسير بطريق آخر خالٍ من المجاهيل ، وهل ان التفسير الذي كان عندهم يحتوي على دعوى التحريف المذكورة ام انه كان خالياً منها ، ولذلك فلا يصح ان يكون تقبل الاصحاب لهذا التفسير دليلا على نقل التفسير لنا بنفس سلامة نقله لهم.

ولذلك تسقط دعوى ما ينسب للشيخ علي بن ابراهيم القمي المتوفى سنة 329هـ من قول بتحريف القرآن الكريم ، لعدم ثبوت صحة انتساب كل التفسير الموجود بين ايدينا اليوم إليه.

 

فائـدة:

كلام الشيخ جعفر سبحاني حول تفسير القمي في كتابه (كليات في علم الرجال) ، صفحة (312) ما نصّه:

{{ يروي التفسير عن علي بن إبراهيم ، تلميذه أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه السلام . ومع الاسف ، إنه لم يوجد لراوي التفسير ( العباس بن محمد ) ذكر في الاصول الرجالية ، بل المذكور فيها ترجمة والده المعروف بـ‍ " محمد الاعرابي " وجده " القاسم " فقط . فقد ترجم والده الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الامام الهادي عليه السلام بعنوان محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى العلوي . قال شيخنا الطهراني : " وترجم أبو عمرو الكشي جده بعنوان " القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر " وذكر أنه يروي عن أبي بصير ، ويروي عنه أبو عبد الله محمد بن خالد البرقي ". وأما العباس فقد ترجم في كتب الانساب ، فهو مسلم عند النسابين وهم ذاكرون له ولاعمامه ولاخوانه ولاحفاده عند تعرضهم لحمزة بن الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام . فقد ذكر شيخنا المجيز الطهراني أنه رأى ترجمته في المجدي ، وعمدة الطالب ص 218 من طبع لكنهو ، وبحر الانساب ، والمشجر الكشاف ، والنسب المسطر المؤلف في حدود 600 ، فعندما ذكر عقب محمد الاعرابي بن القاسم بن حمزة بن موسى عليه السلام ، ذكروا أن محمدا هذا أعقب من خمسة بنين موسى ، وأحمد المجدور ، وعبد الله ، والحسين أبي زيبة ، والعباس ، وذكروا من ولد العباس ، ابنه جعفر بن العباس ، ثم ابن جعفر زيدا الملقب بـ‍ " زيد سياه " . . وذكر مؤلف " النسب المسطر " ( المؤلف بين 600 593 ) أعقاب العباس . قال : " وأما العباس بطبرستان ابن محمد الاعرابي فله أولاد بها منهم جعفر وزيد والحسن ولهم أعقاب ، ويظهر من " النسب المسطر " أنه نزل بطبرستان ولاولاده الثلاثة أعقاب بها وكانت طبرستان في ذلك الاوان مركز الزيدية ".

التفسير ليس للقمي وحده:
إن التفسير المتداول المطبوع كرارا ليس لعلي بن إبراهيم وحده ، وإنما هو ملفق مما أملاه علي بن إبراهيم على تلميذه أبي الفضل العباس ، وما رواه التلميذ بسنده الخاص عن أبي الجارود من الامام الباقر عليه السلام . وإليك التعرف على أبي الجارود وتفسيره : أما ابو الجارود ; فقد عرفه النجاشي بقوله : " زياد بن المنذر ، أبو الجارود الهمداني الخارفي الاعمى ، . . كوفي ، كان من أصحاب أبي جعفر عليه السلام . وروى عن أبي عبد الله عليه السلام وتغير لما خرج زيد رضي الله عنه وقال أبو العباس ابن نوح : هو ثقفي ، سمع عطية ، وروى عن أبي جعفر ، وروى عنه مروان بن معاوية وعلي بن هاشم بن البريد يتكلمون فيه ، قاله البخاري " . وقال الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر عليه السلام : " زياد بن المنذر أبو الجارود الهمداني ، الحوفي الكوفي تابعي زيدي أعمي ، إليه تنسب الجارودية منهم " . والظاهر أن الرجل كان إماميا ، لكنه رجع عندما خرج زيد بن علي فمال إليه وصار زيديا . ونقل الكشي روايات في ذمه ، غير أن الظاهر من الروايات التي نقلها الصدوق ، رجوعه إلى المذهب الحق. وأما تفسيره فقد ذكره النجاشي والشيخ وذكرا سندهما إليه ، وإليك نصهما : فقال الاول : " له كتاب تفسير القرآن ، رواه عن أبي جعفر عليه السلام . أخبرنا عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن سعيد قال : حدثنا جعفر بن عبد الله المحمدي ، قال : حدثنا أبو سهل كثير بن عياش القطان ، قال : حدثنا أبو الجارود بالتفسير " . فالنجاشي يروي التفسير بواسطة عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة وهو أيضا زيدي . كما أن الشيخ يروي التفسير عن ابن عقدة بواسطتين . قال : " وأخبرنا بالتفسير أحمد بن عبدون ، عن أبي بكر الدوري ، عن ابن عقدة ، عن أبي عبد الله جعفر بن عبد الله المحمدي ، عن كثير بن عياش القطان وكان ضعيفا وخرج أيام أبي السرايا معه فأصابته جراحة ، عن زياد بن المنذر أبي الجارود ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام " . إذا عرفت هذا فاعلم أن أبا الفضل الراوي لهذا التفسير قد روى في هذا التفسير روايات عن عدة من مشايخه . 1 علي بن إبراهيم ، فقد خص سورة الفاتحة والبقرة وشطرا قليلا من سورة آل عمران بما رواها عن علي بن ابراهيم عن مشايخه . قال قبل الشروع في تفسير الفاتحة : " حدثنا أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليه السلام ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن ابراهيم ، قال : حدثني أبي رحمه الله ، عن محمد بن أبي عمير ، عن حماد بن عيسى ، عن أبي عبد الله عليه السلام " . ثم ذكر عدة طرق لعلي بن إبراهيم. وساق الكلام بهذا الوصف إلى الآية 45 من سورة آل عمران ، ولما وصل إلى تفسير تلك الآية ، أي قوله سبحانه : * ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يشترك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ) * أدخل في التفسير ما أملاه الامام الباقر عليه السلام لزياد بن المنذر أبي الجارود في تفسير القرآن ، وقال بعد ذكر الآية : " حدثنا أحمد بن محمد الهمداني ( المراد به أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة وهو زيدي من قبيلة همدان اليمن ) قال : حدثنا جعفر بن عبد الله ( المراد المحمدي ) قال : حدثنا كثير بن عياش ، عن زياد بن المنذر أبي الجارود ، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام " . وهذا السند بنفسه نفس السند الذي يروي به النجاشي والشيخ تفسير أبي الجارود ، ولما كان الشيخ والنجاشي متأخرين من جامع التفسير ، نقل النجاشي عن أحمد بن محمد الهمداني ( ابن عقدة ) بواسطة عدة من أصحابنا ، ونقل الشيخ عنه أيضا بواسطة شخصين وهما : أحمد بن عبدون وأبي بكر الدوري عن ابن عقدة . وبهذا تبين أن التفسير ملفق من تفسير علي بن إبراهيم وتفسير أبي الجارود ، ولكل من التفسيرين سند خاص ، يعرفه كل من راجع هذا التفسير ، ثم إنه بعد هذا ينقل عن علي بن إبراهيم كما ينقل عن مشايخه الاخر إلى آخر التفسير . وبعد هذا التلفيق ، كيف يمكن الاعتماد على ما ذكر في ديباجة الكتاب لو ثبت كون الديباجة لعلي بن إبراهيم نفسه ؟ فعلى ذلك فلو أخذنا بهذا التوثيق الجماعي ، يجب أن يفرق بين ما روى الجامع عن نفس علي بن ابراهيم ، وما روى عن غيره من مشايخه ، فإن شهادة القمي يكون حجة في ما يرويه نفسه ، لا ما يرويه تلميذه من مشايخه . ثم إن الاعتماد على هذا التفسير بعد هذا الاختلاط مشكل جدا ، خصوصا مع ما فيه من الشذوذ في المتون . وقد ذهب بعض أهل التحقيق إلى أن النسخة المطبوعة تختلف عما نقل عن ذلك التفسير في بعض الكتب ، وعند ذلك لا يبقى اعتماد على هذا التوثيق الضمني أيضا ، فلا يبقى الاعتماد لا على السند ولا على المتن .
}}.


 



 

 

الصفحة الرئيسية