بسم الله الرحمن الرحيم

 

هل تُرجِمَ الكتاب المقدس الى العربية قبل الاسلام ؟

 

نبيـل الكرخي

جاء في موقع (بيت الله) تحت عنوان (ترجمات الكتاب المقدس) قولهم: (إن أول ترجمة للكتاب المقدس إلى اللغـة العربية ظهرت في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي ، عندما قام يوحنا أسقف أشبيلية في أسبانيا بترجمة الكتاب إلى العـربية نقلاً عن ترجمة إيرونيموس اللاتينيـة. وكانت ترجمته محدودة فلم تشمل كل الكتاب ، كما لم يكن لها الانتشار الكافي)[1]. وهو كلام صحيح من حيث عدم وجود اي مخطوطة عربية للكتاب المقدس في الجاهلية قبل الاسلام اي قبل القرن السابع الميلادي.

ولكن يحاول بعض المسيحيين لي عنق الكلمات للادعاء بأن هناك ترجمات عربية للكتاب المقدس قبل الاسلام وان هذه الترجمات كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام ! ورغم ضحالة الادلة التي يذكرونها فإنَّ البعض مُصِرٌ على ترديد هذه المزاعم الخاطئة.

يقول الأب سهيل قاشا: (هل ترجم الإنجيل (والكتاب المقدّس عامّة) قبل الإسلام؟؟ هذا موضوع شائك وقد تضاربت الآراء فيه. ومعلوم أنّه لم تصل إلينا أي ترجمة عربيّة سابقة للإسلام إلاّ أنّ هذا الواقع ليس دليلاً على عدم ترجمة الكتاب في الجاهليّة[2]. وإليك عرض سريع لأهمّ الآراء:

ـ أمّا الأب لويس شيخو، فقد دافع عن وجود ترجمة في الجاهليّة، مؤيّداً رأيه بأدلّة عديدة [لويس شيخو، النصرانيّة وآدابها بين عرب الجاهليّة، قسم 1، ص 20-22، 295-300، 304-306، 313-322]. وتبعه عبد المسيح المقدسي، في مقال قيّم ظهر في مجلّة "المشرق" [عبد المسيح المقدسي، نقل الكتب المقدّسة إلى العربيّة قبل الإسلام، (المشرق 31(1933) ص 1-12)].

ـ ثمّ أخذ المستشرق أنطون باومشتارك (Baumstark) ينشر العديد من المقالات، ابتداءً من سنة 1929 حتى سنة 1938 لإثبات الرأي نفسه.

ـ أمّا جورج جراف (Graf)، فقد أثبت أنّ الترجمات العربيّة التي وصلت إلينا لا ترجع إلى أيام الجاهليّة، ولكنّه يفترض وجود ترجمة عربيّة للكتاب المقدّس (أو لأجزاء منه) قبل الإسلام.

ـ ثمّ ذكر الفريد جليوم (Guillaume) نصّاً من "السيرة النبويّة" لابن اسحق يستدلّ به على وجود ترجمة عربيّة لإنجيل يوحنّا في بداية القرن السابع الميلاديّ.

ـ وعالج آرثر فوبس (Vôôbus) الموضوع باختصار، فتوصّل إلى النتيجة ذاتها التي كان قد توصّل إليها جورج جراف.

ـ وكذلك فعل رابين (Rabin) في مقالة عن "اللغة العربيّة" التي كتبها لدائرة المعارف الإسلاميّة الجديدة. فأكّد أنّ بعض أجزاء الكتاب المقدّس كانت متداولة في الجاهليّة، وأنّ واضعيها من النصارى لا من اليهود.

ـ وقدّم يوسف هننجر (Henninger) نظرة سريعة عن بعض الآراء، وأيّد أخيراً رأي جورج جراف.

ـ ثمّ جاء يوشع بلاو (Blau)، فأنكر وجود ترجمة عربيّة للكتاب المقدّس سابقة للإسلام، اعتماداً على أدلّة لغويّة، وردّاً على رأي أنطون باومشتارك.

بعد هذا العرض لأهمّ الآراء [راجع بهذا الخصوص بحث الأب سمير خليل في مجلّة "دراسات إسلاميّة مسيحيّة"، 1982] ، نرى أن نختمه بتقديم رأي الدكتور جوّاد علي لإحاطته بموضوع الجاهليّة: "ويظهر من بعض روايات الأخبارييّن أنّ بعض أهل الجاهليّة كانوا قد اطّلعوا على التوراة والإنجيل، وأنّهم وقفوا على ترجمات عربيّة للكتابين. أو أن هذا الفريق كان قد عرّب بنفسه الكتابين كُلاّ أو بعضاً، ووقف على ما كان عند أهل الكتاب من كتب في الدين. فذكروا مثلاً أن (ورقة بن نوفل) "كان يكتب الكتاب العبراني. ويكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب". وقالوا: "وكان امرؤ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العربيّ، ويكتب من الإنجيل بالعربيّ ما شاء الله أن يكتب". وذكروا مثل ذلك عن (آميّة بن أبي الصلت). فقالوا أنّه كان قد قرأ الكتب المقدّسة، وقالو مثل ذلك عن عدد من الأحناف" [د. جوّاد علي، المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 680:6]. وبعد ذكر هذه الأمثلة، ابدى المؤلّف رأيه قال: "ولا يُستَبْعد وجود ترجمات للكتاب المقدّس في الحيرة، لما عُرف عنها من تقدّم في الثقافة وفي التعلّم والتعليم، ولوجود النصارى المتعلّمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عدداً من الأطفال يتعلّمون القراءة والكتابة وتدوين الأناجيل؛ وقد برز نفر منهم، وظهروا في علوم اللاهوت، وتولّوا مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق. فلا غرابة إذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجيل وشرحها للناس للوقوف عليها. وقد لا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولاسيّما بالنسبة إلى طلاّب العلم المبتدئين، وقد لا يُستبعد أيضاً توزيع بعض هذه الترجمات والتفاسير إلى مواضع أخرى، لقرائتها على الوثنيّين وعلى النصارى للتبشير" [جوّاد علي 681:6] )[3].

اما ما استند اليه الفريد جليوم من وجود نص في سيرة ابن اسحاق (المتوفى سنة 151هـ) ترجمه عن انجيل يوحنا فهذا لا يعني ان هناك ترجمة عربية في الجاهلية للكتاب المقدس حيث ان ابن اسحاق كان قد عاش بعد ظهور الاسلام في القرن الثاني الهجري ، والترجمة التي نقل منها انْ وجدت فهي في عصره فهي بعد ظهور الاسلام وليس في الجاهلية. ومع ذلك فإنَّ وجود ترجمة جملة أو نص لا يعني وجود ترجمة كاملة لكل الكتاب المقدس حيث ان شخصاً يعرف العبرية والعربية او السريانية والعربية يمكن ان يترجم نصاً واحداً او عبارة واحدة لغرض الاستشهاد بها ولا يعني ذلك حتمية ترجمة كل الكتاب المقدس.

نعم قد ذكرنا في بحث سابق[4] انه كان هناك مشروع يهودي لترجمة الكتاب المقدس معاصراً لظهور الاسلام وبعد الهجرة النبوية المباركة كرد فعل على انتشار الاسلام واعتناق العديد من اليهود العرب له وتركهم لليهودية ، ولكن هذا المشروع اليهودي قبر في مهده ولم يرَ النور بفضل فطنة النبي (صلى الله عليه وآله) وتسديده الالهي ، وينبغي ان نلتفت الى ان وجود مشروع الترجمة في عصر النبوة لا يخدم اهداف القائلين بوجود ترجمات عربية للكتاب المقدس في الجاهلية لأن هدف هؤلاء هو القول بأن القرآن الكريم قد اقتبس بعض القصص والحوادث من الكتاب المقدس من خلال الاطلاع على هذه الترجمات العربية للكتاب المقدس وان المسيحية كان مصدراً من مصادر الثقافة العربية في الجاهلية ! بينما القول بوجود مشروع ترجمة بعد الهجرة النبوية لا يخدم هذه الفكرة الخاطئة كما هو واضح.

ولم يقدم الدكتور جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام في النص المذكور آنفاً الذي نقله الاب سهيل قاشا اي ادلة مقنعة وانما مجرد ظنون واحتمالات وافتراضات خاوية ، فبالنسبة لورقة بن نوفل فان الرواية التي ذكرها حوله وهي (ويكتب من الإنجيل بالعربيّ ما شاء الله أن يكتب) هي جزء من رواية في صحيح مسلم حيث روى مسلم عن ام المؤمنين عائشة انها قالت: (كان اول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة) الى ان تقول الرواية: (حتى اتت به ورقة بن نوفل بن اسد بن عبد العزى وهو ابن عم خديجة اخي ابيها وكان امرءاً تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الانجيل بالعربية ما شاء الله ان يكتب وكان شيخاً كبيراً قد عمى). وهذا هو الجزء الكامل للرواية وقد نقله الدكتور جواد علي مبتوراً من مصدر آخر غير صحيح مسلم !! وهذا النص فيه ملاحظات كثيرة منها اهمها ان ورقة بن نوفل كان رجلاً اعمى حين ظهور الاسلام فكيف يمكن ان يكتب ويُعلِّم !!؟ ومنها ان قولها انه كان يكتب الانجيل بالعربية لا يعني انه كان يترجمه بل هو كان يكتبه بحروف عربية وبلفظه الارامي ، حيث لم يدل اي دليل على وجود ترجمات عربية للانجيل. ففي رواية البيهقي: (فانطلقت خديجة رضي الله عنها الى ورقة بن نوفل وكان رجلاً قد تنصر شيخاً أعمى يقرا الانجيل بالعربية)[5]، اي يقرأه بحروف عربية ولفظ آرامي.

ومسالة كتابة لغة بحروف لغة اخرى ليست امراً مبتدعاً من قبلنا او مفترضاً بدون ان تكون عليه شواهد بل كان امراً معروفاً لأسباب يتعلق بإختلاف اللغات وصعوبة استعمال ابجديات لغة اخرى ، فمثلاً في هكسبلة اوريجانس وهي مخطوطة باللغة اليونانية تحتوي ستة اعمدة في العمود الاول كتبوا التوراة العبرية بحروف عبرية وفي العمود الثاني كتبوا التوراة العبرية بحروف يونانية ، وفي هذا الصدد يقول الاب بولس الفغالي: (الهكسبلة عمل جبّار قام به أوريجانس اللاهوتي الكبير والمؤّول الإسكندراني الذي وُلد حوالي سنة 185 وتوفي بعد سنة 251. بدأ عمله في الإسكندرية قبل سنة 220 وأتمّه بعد سنة 245 في قيصرية. وهكذا يكون قضى ثلاثين سنة في هذا العمل مع الأشخاص الذين عاونوه. بدت هذه التوراة المسدَّسة ازائية في ستة عواميد تسير من الشمال إلى اليمين. في العمود الأوّل: نص التوراة العبري في حروف عبرية. في العمود الثاني: النص العبري في حروف يونانية)[6].  

ومثال آخر على استعمال حروف لغة في كتابة لغة اخرى في مخطوطات الكتاب المقدس هو الترجمة السورية الفلسطينية للملكيّين حيث يقول الاب بولس الفغالي:(إنّها ترجمة العهد القديم والعهد الجديد. كُتبت بحروف سريانية ولكنّها ألّفت في لهجة أرامية "غربية". استعملها المسيحيون الفلسطينيون في العصور الأولى للمسيحية)[7]. حروف سريانية ولهجة آرامية غربية. وللوقوف على وجود اختلافات معتد بها بين اللهجات الارامية نقرأ ما كتبته الدكتورتان سميرة يوحنا وأزهار الاطرقجي حيث جاء في مقالهما : (إن الاختلافات اللغوية في الآرامية موجودة منذ بدايات انتشارها في العراق والشام، في الالف الاول ق. م. حيث انقسمت منذ البداية الى (آرامية شرقية عراقية) و(آرامية غربية شامية)، وبينها اختلافات ثانوية في الكتابة والتلفظ. ولكنَّ هذه الاختلافات تعمقت مع السريانية المسيحية، وتعمق الخلاف بين أتباع كنيسة النساطرة العراقية وكنيسة اليعاقبة الشامية. ونلمس ذلك جلياً واضحاً في مدرستَي الرها ونصيبين، وللبطريرك اغناطيوس افرام الرحماني للسريان الكاثوليك بحث مستفيض لا يزال القسم الأكبر منه مخطوطاً (بشهادة الأب اسحاق أرملة) )[8].

ومثال ثالث حيث يقول الاب بولس الفغالي بخصوص ترجمة الدياتسرون السريانية: (يبدو أنّ أقدم ترجمة للأناجيل هي الدياتسارون، وقد قام بها طاطيانس في النصف الثاني من القرن الثاني) ...(ضاع نصّ الدياتسارون في السريانيّة، ولم يبق لنا منه إلاّ المقاطع التي ذكرها افرام في تفسيره. ولكنّه وُجد في العربية وقد نشره الآب مرمرجي الدومينيكاني منطلقًا من خمس مخطوطات معروفة (الفاتيكان: القرن الثاني عشر، الفاتيكان أيضاً: القرن الرابع عشر، بطريركية الأقباط في القاهرة: سنة 1795، حلب سنة 1797، المكتبة الشرقية في بيروت سنة 1332). ووُجد كاملاً في اللغة الفارسية، كما وُجدت مقاطع منه في الأرمنية وفي لغات أخرى)[9]. فمن الواضح ان معنى الدياتسرون في العربية ان النص السرياني مكتوب بحروف عربية ولفظ سرياني ، كما ان الدياتسرون بالارمني معناه ان يكتب اللفظ السرياني بحروف ارمنية ، والدياتسرون بالفارسي معناه ان يكتب بحروف فارسية وهي مشابهة للعربية عدا حرفي (چ) و(گ).

كما ان هناك مثال حديث من القرن السابع عشر الميلادي حيث (نصب السريان أول مطبعة لهم بالحروف السريانية في لبنان سنة 1610 حيث طبع كتاب (المزامير) في حقلين متقابلين أحدهما في اللغة العربية بحروف كرشونية (حروف عربية وبلغة سريانية) والآخر باللغة السريانية)[10].

ومن الادلة على ان ورقة بن نوفل كان يكتب الانجيل الارامي بحروف عربية هو قوله تعالى: ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)) وكذلك كان ورقة يقرأ الانجيل بلسان اعجمي وحروف عربية. صحيح ان سبب نزول الاية الكريمة هو ان المشركين قالوا ان الذي يعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) القرآن الكريم هو قين بمكة نصراني اسمه بلعام وقيل اسمه بشر غلام المغيرة وقيل اسمه بشر عبد لبني الحضرمي وقيل اسمه جبر وهو عبد لأبن الحضرمي وقيل هما غلامان اسم احدهما يسار واسم الاخر جبر وقيل هو سلمان الفارسي (رضي الله عنه)[11] ، ولكن عموم اللفظ لا يخصص سبب النزول كما هو معلوم ، ولذلك فالاية الكريمة عامة لكل من ينسبون له انه علَّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) القرآن الكريم ، وحيث ان خصوم الاسلام اليوم يتهمون ان القرآن الكريم هو من تعليم ورقة بن نوفل نجد ان الآية الكريمة تشمل ايضاً هذا المورد وحيث ان ورقة كان عربياً فذلك يعني ان ما كان يقرأه في الانجيل كان لفظه غير عربي (آرامي) وإنْ كانت حروفه عربية ، فهو لسان اعجمي ((لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)).

ولو كان ورقة بن نوفل يعلِّم النبي (صلى الله عليه وآله) القرآن الكريم او قصص الانبياء السابقين (عليهم السلام) لما احتاجوا لإتهام بلعام او بشر او جبر او يسار او سلمان الفارسي على اختلاف الروايات كما اشرنا اليهم آنفاً بانهم مصدر القرآن المجيد ، ولقالوا حين نزلت الاية الكريمة ((لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ)) انها آية غير صحيحة لأننا لا نتهم اعاجم بل نتهم ورقة بن نوفل العربي الفصيح الذي كان يترجم الانجيل الى العربية ويقرأه بلسان عربي ، ولكن ذلك لم يحدث ، حيث ان ورقة بن نوفل توفي في وقت مبكر بعد بدء الرسالة الاسلامية ونزول الوحي المبارك بينما استمر نزول الآيات القرآنية تباعاً وفي اوقات متعددة وفقاً لأسباب نزول في احيان كثيرة وفي اوقات مختلفة وعبر سنين طويلة ولأنهم يعلمون ان ورقة بن نوفل كان يقرأ الانجيل والاسفار المقدسة بلغتها ولسانها الاعجمي المكتوبة به وان كان يستعمل لكتابة اللفظ الاعجمي حروف عربية.

ومن الادلة على ان ورقة بن نوفل لم يكن من المسيحيين اتباع بولس بل كان نصرانياً من اتباع المسيح عليه السلام وبطرس والحواريين ما نقرأه في مجمع الزوائد للهيثمي: (وعن اسماء بنت ابي بكر ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة فقال يبعث يوم القيامة أمة وحده. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح)[12]، مما يعني ان ورقة بن نوفل لم يكن يعتنق الديانة المسيحية ، وهو إنْ كان نصرانياً فهو من القلة القليلة المتبقية من اتباع بطرس والحواريين الذين انشق عنهم بولس فاسس عقيدته الجديدة المسماة (الديانة المسيحية) ولذلك جاء الحديث بأن ورقة بن نوفل يبعث امة وحده لأنه لم يكن ينتمي للمذاهب المسيحية السائدة والموجودة في ذلك الوقت. ولذلك فمن المستبعد ان يكون يملك نسخة من الكتاب المقدس والاناجيل والاسفار الاخرى كرسائل بولس كما هي معروفة اليوم لأنه لا يعترف الا بدين المسيح عليه السلام التوحيدي الخالص فإنْ افترضنا جدلاً ان ورقة بن نوفل قد ترجم اسفار مقدسة الى العربية فهي ليست هذه الاسفار التي يمتلكها المسيحيون اليوم.

اما قول الدكتور جواد علي: (ولا يُستَبْعد وجود ترجمات للكتاب المقدّس في الحيرة، لما عُرف عنها من تقدّم في الثقافة وفي التعلّم والتعليم، ولوجود النصارى المتعلّمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عدداً من الأطفال يتعلّمون القراءة والكتابة وتدوين الأناجيل؛ وقد برز نفر منهم، وظهروا في علوم اللاهوت، وتولّوا مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق. فلا غرابة إذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجيل وشرحها للناس للوقوف عليها. وقد لا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولاسيّما بالنسبة إلى طلاّب العلم المبتدئين) ، فمن المعروف ان علماء المسيحية لم يكونوا يترجمون اسفار الكتاب المقدس الى اللغات الحية والتقليد عندهم هو ان يقرأوها بلغاتها التي يعرفونها فيقرأون التوراة بالعبرية والآرامية ويقراون الاناجيل وبقية اسفار العهد الجديد باليونانية ، فلم تبدأ حركة الترجمة الى اللغات الحية الشائعة الا في القرون الوسطى ، نعم اليهود ترجموا التوراة الى اليونانية فقط ولم يترجموها الى اية لغة اخرى والمسيحيون ترجموا الكتاب المقدس الى اليونانية واللاتينية والسريانية والقبطية والحبشية ، ولكن جميع هذه الترجمات كانت تحصل بسبب وجود مجتمعات كاملة من المعتنقين لها فتحصل هناك ضغوطات واقعية تحتم الترجمة الى تلك اللغات لغرض اشاعة تداولها في الكنائس من قبل الرهبان والقساوسة ، وفي هذا الصدد قال أدولف سافير حول الترجمة اللاتينية: (وفي بدء المسيحية لم تكن هناك حاجة ماسة إلى تلك الترجمة إذ كانت اللغة اليونانية سائدة بين متعلمي القسم الشمالي من حوض البحـر الأبيض لكن إذ انتشرت المسيحية بين الشعوب الفقيرة لا سيما شمال أفريقيا أصبحت الحاجة ملحة إلى ترجمة الكتاب بلغة التخاطب اليومي، أي اللغة اللاتينية)[13].

اما اللغة العربية فقد كان عدد العرب المعتنقين للمسيحية في الجاهلية قليلاً فلم تنشأ في شبه الجزيرة العربية مجتمعات مسيحية ولم تظهر قبائل مسيحية بل انتشرت المسيحية بين افراد في قبائل عربية معينة وعلى نحو محدود لذلك لم تفكر اي كنيسة بترجمة الكتاب المقدس الى اللغة العربية لأنها خطوة غير مجدية فضلاً عن انه لم يظهر علماء مسيحيين متضلعين في دراسة اللغات القديمة وفهمها من بين العرب ليتمكنوا من ترجمتها الى العربية كما ان علماء مسيحيين من قوميات اخرى لم يكونوا يتقنون اللغة العربية فلم يتمكنوا من ترجمتها على النحو المزعوم. فمجرد وجود اشخاص عرب تدرجوا في سلك الكهنوت فذلك لا يعني انهم يتقنون اللغات القديمة وانهم يتمكنون من ترجمة النصوص بشكل حرفي. ولا ننسى ان اغلب الكنائس المسيحية التي كانت في العراق وبلاد الشام هي من الكنائس النسطورية واليعاقبة والمانوية من الذين يمتلكون تفسيرات خاصة لنصوص الكتاب المقدس وبما يتعارض مع تفسيرات الكنائس الكبيرة الكاثوليكية والآرثوذكسية والقبطية فلذلك لم يكن هناك توجه من قبل الكنائس المذكورة الكبيرة لدعم عمليات الترجمة الى اللغة العربية في تلك الفترة. فما ذكره من وجود كنائس مسيحية في الحيرة فهي كانت تعتنق النسطورية والمانوية واليعاقبة. كما ان التوجه قديماً في الكنائس المسيحية كان في ان يتعلم طالب العلوم المسيحية اللغات القديمة ليتمكن من دراسة اسفار الكتاب المقدس وكتب العلوم اللاهوتية القديمة لعلماء المسيحية بلغاتها القديمة العبرية واللاتينية واليونانية والسريانية بدلاً من ترجمتها جميعاً الى لغات حية قليلة العدد من حيث معتنقيها. والى يومنا هذا  يتحتم على طلبة علوم الاهوت والناسوت المسيحية تعلم اللغات القديمة لغرض دراسة نصوص اسفار الكتاب المقدس ومؤلفات كبار علماء المسيحية في علوم اللاهوت والناسوت. اذن ما استند اليه الدكتور جواد علي من افتراض ترجمة الاناجيل لشرحها للناس هو امر بعيد عن الواقع ومخالف للتقليد المسيحي ولطريقتهم في دراسة دينهم.

 

اذن من الادلة على عدم وجود ترجمات للكتاب المقدس قبل الاسلام:

1.    كل ما قيل عن وجود ترجمات عربية للتوراة او الاناجيل او بقية اسفار الكتاب المقدس هو مجرد ظنون لا ترقى الى مرتبة الدليل.

2.    لا توجد اي مخطوطة عربية للكتاب المقدس ولا جزء من مخطوطة ولا صفحة واحدة من مخطوطة عربية تعود لفترة الجاهلية. كما لا يوجد نص صريح عند مؤرخي المسيحية وعلمائهم بوجود ترجمة عربية لأسفار الكتاب المقدس.

3.     لم ترد كلمة انجيل في اشعار العرب قبل الاسلام الا مرة واحدة على لسان عدي بن زيد[14] وهو من المعاصرين للنعمان بن المنذر اي بعد ظهور الاسلام[15]

4.    لم تصل الينا اي مخطوطة عربية للكتاب المقدس من عصر الجاهلية ولم يذكر احد من علماء المسيحية قديماً رؤيته او عثوره او قراءته لترجمة عربية للكتاب المقدس فكيف يزعمون ان هذا الامر قد حدث فعلاً !!؟

5.    هناك كنائس مسيحية عربية نسطورية أو يعاقبة ورغم ان هناك عرباً ينتمون اليها من قبائل عربية كتغلب واياد والى يومنا هذا الا ان احداً منهم لم يملك في يومٍ ما ولم يذكر وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس مكتوبة في عصر الجاهلية.

 

 


 

[1]  منشور في شبكة الانترنيت العالمية من خلال الرابط التالي:

http://www.baytallah.com/insp/insp6.html

[2]  ان كلامه هذا شبيه بمن يقول انه برغم عدم وجود وعدم وصول ترجمة للكتاب المقدس باللغة الصينية في القرن المسيحي الاول الا ان ذلك لا يمنع حدوث هذه الترجمة !! فوا عجباً اذا لم تصل الينا اي مخطوطة عربية للكتاب المقدس من عصر الجاهلية ولم يذكر احد من علماء المسيحية قديماً رؤيته او عثوره او قراءته لترجمة عربية للكتاب المقدس فكيف يزعمون ان هذا الامر قد حدث فعلاً !!؟

[3]  مقال بعنوان (هل تُرجم الإنجيل إلى العربية قبل الإسلام؟) للاب سهيل قاشا منشور في موقع كنيسة القديسة تيريزا بحلب ، عبر شبكة الانترنيت العالمية من خلال الرابط:

http://www.terezia.org/section.php?id=687

[4]  بحث بعنوان (هل كان عمر بن الخطاب يهودياً ؟) ، نبيل الكرخي ، منشور في الموقع الشخصي ، من خلال الرابط: http://nabilalkarkhy.net/2010/new_page_137.htm

[5]  السنن الكبرى للبيهقي ـ ج7 ص51.

[6]  موقع مؤلفات واعمال الخوري بولس الفغالي ، المدخل الى الكتاب المقدس ج1 ، في شبكة الانترنيت العالمية ، من خلال الرابط:

http://www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=154&page_id=882

[7]  موقع مؤلفات واعمال الخوري بولس الفغالي ، المدخل الى الكتاب المقدس ج1 ، في شبكة الانترنيت العالمية ، من خلال الرابط:

http://www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=154&page_id=882

[8]  مقال بعنوان (تاريخ الآراميين ـ السريان) للدكتورة سميرة يوحنا والدكتورة أزهار الاطرقجي ، منشور في شبكة الانترنيت العالمية من خلال الرابط:

http://www.mesopot.com/default/index.php?option=com_content&view=article&id=219

[9]  موقع مؤلفات واعمال الخوري بولس الفغالي ، المدخل الى الكتاب المقدس ج1 ، في شبكة الانترنيت العالمية ، من خلال الرابط:

http://www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=154&page_id=882

[10]  مقال بعنوان (تاريخ الآراميين ـ السريان) للدكتورة سميرة يوحنا والدكتورة أزهار الاطرقجي ، منشور في شبكة الانترنيت العالمية من خلال الرابط:

http://www.mesopot.com/default/index.php?option=com_content&view=article&id=219

[11]  جامع البيان لأبن جرير الطبري – ج14 ص234.

[12]  مجمع الزوائد للهيثمي – ج9 ص416.

[13]  منشور في شبكة الانترنيت العالمية من خلال الرابط: www.tellthing.com/blog_file.php?id=5461201

أيضاً: موقع (بيت الله) ، مقال بعنوان: (ترجمات الكتاب المقدس) ، شبكة الانترنيت العالمية ، من خلال الرابط:

http://www.baytallah.com/insp/insp6.html

[14]  المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، د. جواد علي – ج6 ص680.

[15]  روى البخاري في تاريخه ج2 ص63 عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: (يوم ذي قار اول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا).

 

 

الصفحة الرئيسية