بسم الله الرحمن الرحيم

الاستاذ حامد الحمداني ومجازر آذار / مارس 1959م

نبيـل الكرخي 

بعد أن نشرت مقالي حول عبد الكريم قاسم ومسؤوليته التاريخية عن مجازر الموصل في آذار / مارس 1959م ، قام الاستاذ حامد الحمداني بالرد على مقالي المذكور بمقال آخر اتهمني فيه بالـ (محاولة لتزوير التاريخ ، وتسفيه ثورة 14 تموز المجيدة والطعن بقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم ، وتشويه الحقائق حول تلك الأحداث) ثم سرد أفكاره وما ادعاه من معايشة للاحداث في تلك الفترة بدون ان يشير لمواضع التزوير في مقالي واكتفى بالاتهامات المجردة ، في محاولة عقيمة منه لتلميع صورة الحزب الشيوعي ، واستمر في سرد افكاره ورؤيته لأحداث تلك الفترة ، حتى تفاجأت به وإذا به يشترك معي في رؤية تحميل عبد الكريم قاسم مسؤولية المجازر التي وقعت في آذار / مارس 1959م ! ويروي نفس الافكار والمعلومات التي ذكرتها أو أشرتُ اليها في مقالي المذكور !؟ دون ان يذكر ما يثبت دعوى التزوير التي اتهمني بها في بداية مقاله !!

وسوف انقل بعض عباراته في مقالاته طلباً لتوثيق رأيه في مقاله الذي ابتداه بإتهامي بالتزوير وانهاه بتأييدي في النتيجة !

ـ قال في مقاله المذكور ما نصّه: (لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين إلى السلطة ، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية ، ولا عسكرية ، فقد وقف فوج الهندسة التابع للواء القائم بالحركة ، بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ اللحظة الأولى ، وقاومه بقوة السلاح ، أما الجنود وضباط الصف ، الذين كانوا بإمرة الانقلابيين ، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم ، فسرعان ما انتفضوا على ضباطهم المتآمرين وانضموا إلى جانب السلطة ،ومقاومة الانقلاب) ، وهو نفس ما أشرنا اليه في مقالنا بقولنا: (وقد واجه تحرك الشواف الفشل منذ بدايته ، ومظاهرها تدل على انها كانت عملاً لم يدرس بنضج وأنها جرت بتسرّع) ، واضفنا : (وزعم جمال عبد الناصر بعد ذلك ان الفشل السريع لتحرك الشواف هو الذي منع وصول المساعدات اليهم من الجمهورية العربية المتحدة) ، وقلنا أيضاً : (ولم يسيطر المتمردون إلا على الوضع في الموصل ، وحتى في الموصل فقد كانت هناك عناصر كثيرة موالية لعبد الكريم قاسم عملت على إخماد الثورة في نفس يوم إنطلاقها ، ولذلك نجد حنا بطاطو يقول :"فقد كان بإستطاعة المتمردين أن يشعروا مع هبوط ليل 8 آذار / مارس بالقدر المشؤوم الذي يواجهونه". وقد بلغ سوء حال المتمردين في اليوم التالي لتحركهم ، أن قائد الحركة عبد الوهاب الشواف قد قتل في صبيحة اليوم التالي لتمرده ، كما أنَّ جنوداً من فوج الهندسة في الموصل مسلحين بالعصي والقضبان الحديد اقتحموا السجن العسكري في معسكر الحجرية ففتحوه عنوة ! رغم افتقارهم للسلاح العسكري !! واطلقوا سراح الضباط وكل المعتقلين الشيوعيين ! كما ان مطار الموصل العسكري أصبح موالياً لعبد الكريم قاسم والطائرتان اللتان انطلقتا منه وقصفتا وزارة الدفاع في بغداد عند عودتهما وجدتا المطار تحت سيطرة انصار عبد الكريم قاسم فألقي القبض على الطيارين ! وكذلك فقد أعلن كثير من رجال المدفعية والمشاة في معسكر الغزلاني انحيازهم الى جهة عبد الكريم قاسم وبدأوا يظهرون تأييده. وتبعت ذلك صدامات دموية. ورغم أن تمرد الشواف لم يستمر اكثر من يوم واحد ، فقد بدأت حشود الميليشيات المؤيدة لعبد الكريم قاسم بدخول مدينة الموصل ، وهذه الميليشيات مكونة بالاضافة الى المقاومة الشعبية التي يترأسها عبد الكريم قاسم نفسه من "حشود اليزيديين وقبائل البرزاني الكردية والفلاحين الآراميين الآتين من تلكيف من الريف الى مدينة الموصل استجابة لنداءات بغداد ورموا بانفسهم في المعمعة. وسارت عناصر من الكتيبة الثالثة بقيادة الملازم الثاني الشيوعي غازي جميل وهاشم قاسم الى ترسانة السلاح ووزعتها على الشيوعيين وأبناء الشعب" !) ، فقد اتفقنا مع الاستاذ حامد الحمداني على أن حركة الشواف تفتقر للدعم الشعبي وانها فشلت سريعاً !

ـ وقال الاستاذ حامد الحمداني أيضاً : (وخلال المعارك التي دارت بين الانقلابيين ، والقوى المساندة للسلطة ، سقط من بين الانقلابيين (47) فرداً ، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب العدلي ،وأكده المقدم يوسف كشمولة ،أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل ،إحياء لذكرى انقلاب الشواف ، بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام 63 ، وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم ، كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8شباط ، قد أكد العدد المذكور) ، إنَّ سقوط (47) قتيل فقط بين الانقلابيين يدل على ان المحاولة الانقلابية للشواف في حقيقتها ذات تأثير محدود وان المصادمات التي وقعت بين الانقلابيين والقوات الموالية لعبد الكريم قاسم هي مصادمات محدودة ، وقد تم قمعها في أقل من 48 ساعة كما اشرنا الى ذلك في مقالنا.

ـ وقال الاستاذ حامد الحمداني أيضاً: (وهكذا فشل تمرد الشواف ،وتمت السيطرة على المدينة خلال أقل من 48 ساعة،وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين ،فيما هرب البعض الآخر إلى سوريا ،وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فرداً من الجنود الذين ساهموا في قمع الانقلاب) ، وهو يؤيد السيطرة السريعة لقوات قاسم على الاوضاع في مدينة الموصل. وبذلك يسقط المبرر للمجازر التي ارتكبت فيما بعد ضد المدنيين الابرياء في مدجينة الموصل ، فالانقلاب قد فشل في أقل من 48 ساعة ، وقائد الانقلاب قد قتل ، وانصاره في بغداد قد تبرأوا منه كما هو حال الزعيم ناظم الطبقجلي.

ـ وقال الاستاذ حامد الحمداني أيضاً: (لا أحد يستطيع أن ينكر وقوع أحداث ، وتصرفات ، وأخطاء ، ما كان لها أن تحدث ، قامت بها عناصر معينة ، أساءت إساءة كبرى للحزب الشيوعي ، فقد جرى قتل وسحل عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية ، وجرى نهب ،وحرق بيوتهم ، وكان ذلك عمل لا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال ، وهو بعيد كل البعد عن الروح الإنسانية ،ولا تتفق والمبادئ الشيوعية .لقد وقف الحزب الشيوعي مكتوف اليدين على ما يجري ، ولم يبذل الجهد اللازم لإيقاف تلك الأعمال والسيطرة على الوضع . كما أقترف الحزب خطاً أكبر ، عندما نصّبَ عدد من كوادر الحزب أنفسهم حكاماً ، وقاموا بمحاكمة عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية ، وحكموا على (17) منهم بالإعدام ، ونفذ الحكم ، في منطقة الدملماجة ، في ضواحي الموصل ، وهذا أمرٌ لا يمكن قبوله إطلاقاً. لقد كان الأجدى بأولئك القادة اعتقال هؤلاء المتآمرين ، وتسليمهم للسلطة الشرعية لتحيلهم بدورها إلى المحاكم المختصة لمحاكمتهم ، والحكم على من يثبت مشاركته في المحاولة الانقلابية ، فليس من حق أحد أن يمارس السلطة القضائية ويصدر ، وينفذ الحكم دون تخويل . كما أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه ، الذي جرى تحذيره ،كما ورد سابقاً ،من حدوث ما لا يحمد عقباه ،ولكنه صمّ أُذنيه عن سماع التحذير، ورفض اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع الكارثة ،في حين كان بإمكانه أن يفعل ذلك . والأنكى من كل ذلك فأن قاسم نفسه ، اتخذ فيما بعد من تلك الأحداث ذريعة ليصفي نفوذ الحزب الشيوعي في العراق ، موجهاً الاتهامات له، ولاصقاً الجرائم ، به بعد أن كان قد أستقبل وفداً من قيادة الموصل للحزب ، بعد قمع انقلاب الشواف ، وخاطبهم قائلا بالحرف الواحد : بارك الله فيكم ، وكثّر الله من أمثالكم من المخلصين لهذا البلد).

وهذه شهادة من الاستاذ حامد الحمداني بأن عبد الكريم قاسم كان راضياً عن دور الحزب الشيوعي في المجازر التي وقعت في آذار / مارس 1959م. وبهذه الشهادة نكتفي بعد أن بات واضحاً إننا ـ والحمد لله ـ لم نزوّر التاريخ ، ومن اتهمنا بالتزوير عاد ليساندنا في الرأي ! كما أنَّ مقالنا مستند لمصادر معروفة ومطبوعة وفي متناول أيدي الباحثين.

 


 

الصفحة الرئيسية