بسم الله الرحمن الرحيم

فوضى واخطاء وأكاذيب في سرد أحداث ثورة العشرين

نبيـل الكرخي 

المحور الثالث: المطالبة السلمية بالاستقلال (1918- 1920)م

 

تشويه موقف السيد اليزدي (قده) من المطالبة بالاستقلال :

ذكر السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه (الثورة العراقية الكبرى) أن بلفور بعد ان دعى علماء النجف وزعماء عشائر الشامية وأبو صخير والوجوه والاشراف للاجتماع بهم واستفتائهم عن أجوبة الاسئلة الثلاث ـ وهي: 1. هل يرغبون في دولة عربية واحدة تحت الوصاية البريطانية تمتد من الحدود الشمالية لولاية الموصل حتى الخليج الفارسي؟ 2. هل يرغبون في هذه الحالة في رئيس عربي بالاسم يرأس هذه الدولة الجديدة ؟ 3. من هو الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة ؟[1] ـ طلب المذكورون منه مهلة الى اليوم التالي فأمهلهم ، فذهبوا الى المرجع السيد كاظم اليزدي (قده) فعرضوا عليه الاسئلة ، فأجابهم : (إنَّ الامر لخطير جداً ، ولكل أحد حق إبداء الرأي ، سواء أكان تاجراً أم بقالاً ، زعيماً ام حمالاً) ، ونصحهم بالاجتماع والمداولة وموافاته بالنتيجة ، فعادوا الى النجف ، واتفقوا على اختيار ملك لعرش العراق من أنجال الشريف حسين ، وفي اليوم التالي رجعوا الى السيد كاظم اليزدي (قده) وطلبوا منه إبداء الرأي فتراجع وقال: إنَّه كرجل ديني لا يعرف غير الحلال والحرام ولا دخل له بالسياسة مطلقاً ، فلما ذكروه بما قاله بالامس ، قال : (اختاروا ما هو أصلح للمسلمين)[2]. ولم يذكر عبد الرزاق الحسني المصدر الذي نقل عنه هذا الكلام المنسوب للسيد اليزدي (قده) !

ثم جاء وميض عمر نظمي ونسب نفس الكلام للسيد اليزدي (قده) ذاكراً أنَّ مصدره هو (الثورة العراقية الكبرى) لعبد الرزاق الحسني[3] ! متجاهلاً أنَّ الحسني قد ذكر هذا الكلام بدون أن يذكر مصدراً له !!

وكذلك فإن حسن العلوي أيضاً قد نقل هذه العبارة دون أن يذكر لها مصدراً !؟ وزاد الطين بلّة حين أتهم السيد اليزدي (قده) بأنه (أحاط نفسه بعدد من الاشخاص كان ثلاثة منهم من العاملين النشطين في تنفيذ السياسة البريطانية)[4]!؟ غير أن حسن العلوي لم يذكر مصدر إتهامه الجديد ولا أسماء الاشخاص الثلاثة المزعومين ، وبقي كل شيء مبهماً عنده عدا الاساءة غير المشروعة للسيد اليزدي (قده) وللمرجعية الدينية في النجف الاشرف. وسنعود في الفقرات القادمة ان شاء الله لتسليط المزيد من اضواء على الاخطاء والاتهامات التي كالها حسن العلوي للمرجعيات الدينية في النجف الاشرف.

وقال علي البازركان : (ثم يذكر المؤلف ـ أي فريق مزهر الفرعون ـ في موضع آخر أن السيد كاظم اليزدي قد ابتعد عن الحركة أدبياً والتزم منها موقفاً سلبياً ولكنه لم يتوسع في هذه النقطة الاخرى إذ أنه مرَّ بها مرَّ الكرام فلم يذكر لماذا أبتعد السيد اليزدي عن الحركة التي تتوقف على نجاحها آمال العراقيين خاصة والعرب بصورة عامة ؟ ولماذا لم يستأجر الاهالي الحوانيت والخان الذي شيده اليزدي في قصبة الكوفة فبقيت خالية ؟)[5].

وبالاضافة الى أن السيد اليزدي (قده) لم يبتعد عن الحركة بل لعل الحركة هي التي إبتعدت عنه ! نتيجة إختلاف رؤية بعض القوميين عن الرؤية الاسلامية للمرجعية الدينية التي ارادت الاستقلال التام للعراق وتأسيس مجلس تأسيسي منتخب من قبل العراقيين ثم يقوم المجلس المذكور بإنتخاب النظام الذي يحكم العراق ، بينما كانت مطالب القوميين في النجف الاشرف تتركز على إنتخاب ملك من أنجال الشريف حسين ! بالاضافة للحكومة العربية ولم يتم التطرق في الوثيقة التي وقعوها ـ بعد زعمهم رفض تدخل السيد اليزدي (قده) ـ لمطلب الاستقلال التام للعراق[6] !!

ويؤيد ما ذهبنا إليه أن الاستاذ حسن الاسدي في كتابه (ثورة النجف على الانكليز) ذكر انه بعد عدّة إجتماعات تم الاتفاق وبإشارة من السيد اليزدي على مضبطة تطالب بحكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب[7]. وقد رفضت السلطات البريطانية تسلّم المضبطة المذكورة ، وبعد يومين دعت قوات الاحتلال الزعماء المذكورين للحصول على رأيهم[8] فقدموا مضبطتهم المذكورة المشار إليها والتي تخلو من أي ذكر للاستقلال التام الناجز !!

كما أنَّ السيد محسن أبو طبيخ في مذكراته حينما تطرق للاجتماع المذكور وأجوبة الاسئلة الثلاثة التي طلبت بريطانيا إجابتها قال : (وبعد إجتماعنا بولسن جرت عدّة إجتماعات في النجف والكوفة بين الرؤساء ومع علمائنا الاعلام والسيد اليزدي قدس الله سره استمرت ثلاثة أيام كان نتيجتها الاتفاق على كتابة مضبطة جاء بمضمونها رغبتنا التي أشرت إليها آنفاً وذلك ان يترأس حكومة العراق ملك من أنجال الشريف حسين ملك الحجاز وانتدبنا الشيخ محمد رضا الشبيبي لإيصال هذه المضبطة الى الشريف حسين وبسط رأي الشعب العراقي ورغبته هذه لدى جلالته)[9] ، فلم ينسب للسيد اليزدي (قده) ما نسبه اليه الآخرون حيث زعموا له كلاماً وموقفاً يبتعد فيه عن حركة المطالبة بالاستقلال !

واما موضوع الخان الذي ادعى علي بزركان ان السيد اليزدي (قده) قد شيده وانه بقي فارغاً فيرد عليه أبنه حسان بن علي البازركان إذ يقول : (قد يتبادر الى الذهن ان الخان يعود ملكاً للسيد اليزدي والصحيح كان يجلس فيه للتدريس فنسب إليه)[10]. مما يكشف التجني الذي كان علي البازركان قد اقترفه ضد المرجعيات الدينية في النجف الاشرف ، ويعكس حالة من التعصب الاعمى التي كانت تنتابه وهو الامر الذي سنناقشه إن شاء الله في فقرات قادمة.

 

فوضى التوقيع على عرائض المطالبة بالاستقلال !

حيث وجدنا أن هناك العديد من الاسماء التي وقعت على مضابط توكيل مندوبي النجف الاشرف لمندوبيهم الذين يمثلونهم لغرض ان يطالبوا قوات الاحتلال البريطاني بالاستقلال ، حيث ورد في المضابط المذكورة اسماء أشخاص مجهولين ولا توجد عنهم اي معلومات ، في حين ان هناك أشخاص لديهم خدمات جليلة ومعروفين على مستوى النضال الوطني لم ترد اسمائهم ضمن الموقعين ، ولعل أحدهم هو عبد الحميد الزاهد الذي له دور مشهود في أحداث ما قبل ثورة العشرين.

والاشخاص المغمورون الذين وقعوا على مضبطة توكيل المندوبين عن النجف الاشرف لمطالبة قوات الاحتلال بالاستقلال هم :

1.     أحمد الحبوبي.
2.     راضي الاعسم. وقد عدّه الاستاذ حسن الاسدي في كتابه (ثورة النجف) ص369-370 من الـ"ناشئين المجددين" ومن أهم ادوات تنفيذ المقررات[11] ! ومع ذلك فقد كان من الموقعين على المضبطة المذكورة رغم حداثة سنّه !
3.     الشيخ سعد ملا علي.
4.     الحاج سعد الدعمي.
5.     عبد الهادي الحياوي.
6.     ..... الفياض / مجهول الاسم !
7.     محسن الغروي الحسيني.
8.     مجيد عرب.

هذا الامر يخل بمصداقية تمثيل المضابط لأهل النجف ، وان هناك محسوبيات تدخلت في امر التوقيع على المضابط. ويدعم هذه الاستنتاج ان هناك مضبطة تم توقيعها اولاً ولكنها رفضت وتم توقيع هذه المضبطة بدلاً عنها[12] !

 

الشك في صحة محتوى رسائل اهل النجف للامير فيصل :

أورد الاستاذ كامل سلمان الجبوري ثلاث رسائل مرسلة من رجال دين وادباء وزعماء العشائر في النجف الاشرف والشامية الى الامير فيصل بن الشريف حسين يخولونه فيها مطالبة مؤتمر السلام وجمعية الامم المتحدة باستقلال العراق وترشيح اخيه الامير عبد الله ملكاً للعراق[13] ! ومطالعة صور النسخ الاصلية للوثائق المذكورة تبعث على الشك والريبة في صحة صدورها ، بل قد يكون هناك قطع بعدم صدورها ، فالوثائق المذكورة تخلو من الاختام الى جانب اسماء الموقعين كما هو حال بقية وثائق الثورة وكما هو الشائع في التواقيع في ذلك الزمن. كما أن الوثائق مكتوبة جميعها بخط واحد كما هو ظاهر ، مما يعني ان هناك شخصاً واحداً قد كتبها جميعاً رغم ان الموقعين مختلفين فالوثيقة الاولى تحتوي على اسماء علماء وأدباء وزعماء محلات النجف الاشرف المحليين ، بينما الوثيقة الاخرى تحتوي على تواقيع المرجع شيخ الشريعة الاصفهاني (قده) وعدد من العلماء ورجال الدين ـ وهي خالية من ذكر ترشيح عبد الله لعرش العراق ـ والوثيقة الثالثة وقعها رؤساء قبائل الشامية و"رؤساء عرب فرات النجف والكوفة" كما هو وصف الوثيقة نفسها. فكيف يتفق استخدام شخص واحد فقط في كتابتها ! إنَّ هذا الامر يبعث على الريبة الشديدة.

 

معظم وثائق ترشيح ملك من أنجال الشريف حسين بلا مصداقية :

حيث أن معظم الوثائق والمصادر التي تذكر رغبة البعض بترشيح أحد انجال الشريف حسين أو تعيين أبنه عبد الله مرشحاً لعرش العراق هي وثائق حاوية على نقائص تخل بمصداقيتها ، وكالآتي :

1.     الرسالتان المرسلتان الى الامير فيصل من قبل بعض رجال الدين وزعماء العشائر والمذكورتان في الفقرة السابقة وقد ذكرنا آنفاً أنها خالية من الاختام الى جانب اسماء من يفترض انهم وقّعوها ! كما انها مكتوبة بخط واحد وهو امر يبعث على الريب والشك بمصداقيتها.

2.     مضبطة اهالي كربلاء ، وقد نصت على إنتخاب احد أنجال الشريف حسين بدون تعيين لأسمه[14] ! وهي خالية من التواقيع ، مما يطعن بمصداقيتها.

3.     مضبطة اهالي الكاظمية ، وقد نصت كسابقتها على إنتخاب احد أنجال الشريف حسين بدون تعيين لأسمه[15] ! ولا ادري كيف اتفق اهالي كربلاء وأهالي الكاظمية على صيغة واحدة لمضبطتهم !! والطريف ان السيد عبد الرزاق الحسني ذكر هذه الوثيقة في كتابه (الثورة العراقية الكبرى) وذكر في هامش صفحة (70) ان مصدرها هو كتاب آخرمن تأليفه ايضاً أسمه (العراق في دوري الاحتلال والانتداب) !! فيكون هو نفسه مصدراً لنفسه !!

4.     مضبطة اهالي بغداد ، وقد نصّت كسابقتيها على إنتخاب احد أنجال الشريف حسين بدون تعيين لأسمه[16] !! وبذلك يكون اهالي بغداد وكربلاء والكاظمية قد ذكروا صيغة واحدة موحدة لطلبهم في مضابطهم ! وهو أمر غير مقنع على الاطلاق. وهذه المضبطة قد ذكرها السيد عبد الرزاق الحسني وهي خالية من اي توقيع !! وأورد في كتابه نفسه مضبطة ثانية لأهل بغداد ! وبدون ان يذكر مصدراً لها ! تطلب أيضاً أحد أنجال الشريف حسين ليكون ملكاً على العراق ، وهي موقّعة من عشرة أشخاص جميعهم من السنة ولا يوجد بينهم أي شيعي ! ولا أدري ما هو سبب ان يكون لبغداد مضبطتين بينما بقية المدن لديها مضبطة واحدة ! مع ان المضبطة الاولى لأهالي بغداد تنص على انها موقعه من قبل السنة والشيعة حيث ورد فيها النص التالي : (فإننا ممثلوا الاسلام من الشيعـة والسنة من سكان مدينة بغداد وضواحيها) إلخ... ، فما هو سبب المضبطة الثانية إذا وهي متفقة مع المضبطة الاولى في الاهداف ؟

5.     كلام الشيخ عبد الواحد الحاج سكر في زعماء العشائر المجتمعين بعد لقائهم بالسيد اليزدي (قده) وفيه : (نحن عرب فيجب ان نختار أميراً عربياً وحيث ان بيت الشريف في مكة أكبر بيت في العالم العربي فإننا نرغب ان تكون لنا حكومة عربية مستقلة يرأسها احد أنجال جلالة الملك حسين)[17] ، وقد ذكره كامل سلمان الجبوري نقلاً عن (الثورة العراقية الكبرى) للسيد عبد الرزاق الحسني ، وهذا بدوره نقله عن كتاب (الثورة العربية الكبرى) لأمين سعيد والطبوع في القاهرة سنة 1935م. ولسنا متأكدين من حيادية هذا الكتاب ووثاقته في نقل الاحداث ! وقد قال فريق مزهر الفرعون أن أمين سعيد كان في مصر وقت الثورة وقد كتب كتابه وهو خارج العراق ايضاً[18] ! كما ان علي البازركان في كتابه (الوقائع الحقيقية) يورد كلام الشيخ عبد الواحد المذكور آنفاً[19] نقلاً عن كتاب الشيخ فريق المزهر الفرعون واسمه (الحقائق الناصعة في ثورة 1920) والمطبوع أيضاً في العهد الملكي. وقد اورد علي البازركان إشكالاً ملفتاً للنظر على صحة الكلام المنسوب للشيخ عبد الواحد الحاج سكر فقال ما نصّه : (وأخيراً أريد ان أسأل الشيخ فريق المزهر هل في العرف العشائري حينئذٍ أن يبتّ الصغير في أمر خطير مع وجود من هو اكبر منه سنّاً من أعمامه وذويه ؟ إن جوابه سيكون لا ... ولا ادري على أي عرف عشائري استند مؤلف الحقائق الناصعة حينما اخترع كلاماً على لسان الشيخ عبد الواحد الحاج سكر مع وجود أعمامه مجبل ومزهر ومبدر آل فرعون وكذلك الكلام المخترع على جانب كبير من الخطورة وهو "ترشيح ملك.." أليس كان الواقع يقضي أن يتكلم أعمامه حول ذلك ، والقاريء الذي يعرف التقاليد العشائرية في العراق سيدرك كنه كلامنا)[20].

6.     بعد أن انتهى الاجتماع الذي ذكر فيه الشيخ عبد الواحد الحاج سكر كلامه المشار اليه في الفقرة ( 5 ) آنفاً تم تشكيل مضبطة ذكروا فيها مطالبهم وهي (حكومة عربية اسلامية مقيدة بقانون اساسي .... تحت ظل ملك عربي هو احد أنجال الشريف حسين)[21]. ولم يتم ذكر اسماء الموقعين على هذه المضبطة ، وتمت الاشارة الى ان مصدرها هو كتاب الشيخ فريق مزهر الفرعون المشار إليه آنفاً ، والمطبوع في العهد الملكي كما أسلفنا. وذكر تقرير بريطاني أنَّ هناك مضبطة اخرى لأهالي النجف وقع عليها واحد وعشرون شخصاً تجاهلت فكرة الوصاية البريطانية وطالبت بأمير عربي من دون تحديد هويته إلا انها اشترطت أن يكون محمدياً[22].

7.     هناك نص في منهاج جمعية حرس الاستقلال ، والتي تأسست سنة 1919م ، حيث ورد في الفقرة (ثالثاً) من المنهج المذكور ما نصّه : (تعترف الجمعية بإسناد منصب الملوكية في هذه البلاد الى أحد أنجال جلالة الملك حسين ، على ان يكون ملكاً دستورياً ديمقراطياً) ، ومن المؤسف أن السيد عبد الرزاق الحسني حين أورد هذا النص[23] لم يذكر لنا مصدره ، فبقيت صحة النص مثار تساؤل !

 

مس بيل أيضاً تريد أحد أنجال الشريف حسين لعرش العراق !

ذكر السيد عبد الرزاق الحسني كلام المس بيل حول نتائج ما وصل إدارة الاحتلال من مضابط[24] ، فكانت النتائج التي زعمتها كالآتي :

ـ الحلة – استمرار الادارة البريطانية !
ـ ستة مناطق أخرى : طلب بقاء الحكومة البريطانية من فوق أمير عربي !
ـ تسعة مناطق اخرى : ترشيح السر برسي كوكس مندوباً سامياً !
ـ اعتراضان على انتخاب أمير من أسرة الشريف حسين
ـ بغداد وسكان بلدة بعقوبة : طلبوا اميراً من أسرة الشريف حسين !
ـ قبائل بعقوبة : بقاء الادارة البريطانية !
ـ الشامية والنجف : قالت ما نصّه : (الرأي العام كانت له عدة أوجه ، لكنه كان من الممكن أن يستنتج أن الناس هناك كانت تفضل تنصيب أمير مسلم يستظل بالحماية البريطانية ، وقد ذكرت أسرة الشريف بهذه المناسبة) !
ـ كربلاء والكاظمية : قال ما نصّه : (وقد حرّم المجتهدون في كربلاء والكاظمية على المسلمين ان يصوتوا لغير تشكيل حكومة إسلامية)
ـ البصرة : قالت ما نصّه : (وعسير معرفة الآراء في البصرة) ، وزعمت أنَّ كبار رجالها (يجمعون على الحكم البريطاني المباشر على أن تكون غايته كما هي في الهند تدريب العرب على فن الحكم) ! ثم قالت : (وهم يرون أن تعيين أمير عربي ياتلف والمصالح العربية ، إلا أنَّ الامير غير ميسور) !

ومن الواضح ان هناك عدد معتد به من الاكاذيب والاخطاء في كلام المس بيل إذ انها لم تتحدث عن الذين أرادوا استقلال العراق بملك وبدون تبعية للبريطانيين. كما انها نسبت للمجتهدين الشيعة تحريمهم اي نظام عدا تشكيل حكومة اسلامية وما افتى به المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي (قده) هو تحريم تولي غير المسلمين للامارة والسلطنة على المسلمين[25] ، وليس ما ذكرته المس بيل.     

كما أنها ذكرت أن رأي أهالي البصرة هو أن الملك العربي لعرش العراق غير ميسور مع أن أحد اقوى المرشحين لعرش العراق والذين نافسوا فيصل في تولي العراش كان طالب النقيب وهو من أهالي البصرة ونفوذه القوي هناك ، كما ان البصرة قريبة من المحمرة وشيخها الشيخ خزعل وهو أحد المنافسين على عرش العراق.

وقد إعتاد الساسة البريطانيون الكذب والخداع فيما يكتبونه عن العراق ، والسيد عبد الرزاق الحسني يذكر في صفحة (81) من كتابه (الثورة العراقية الكبرى) فصلاً بعنوان : (ولسن يشوه الحقائق) ، وقد ذكر فيه أن الكولونيل ولسن أبرق (نتائج الاستفتاء الى حكومته البريطانية مدعياً "أن الاكثرية في العراق لا ترغب في تبديل الحكم القائم وأن الاقلية ترغب في أمير عربي تحت الهيمنة الانكليزية") ! والثورة العراقية الكبرى هي أبرز دليل على كذبه وتشويهه للحقائق. ويشير تقرير بريطاني إلى أن السلطات الانكليزية انزعجت من مضمون مضبطة كربلاء رفضت إدراجها في النشرة الرسمية عن نتائج الاستفتاء[26] ! وهو نموذج آخر للكذب والخداع الذي مارسته الادارة البريطانية في العراق.

 

كتابات مغلوطة لحسن العلوي :

تناول حسن العلوي الشأن الشيعي في كتابه (الشيعة والدولة القومية) ، وبقدر ما كان منصفاً في بعض الجوانب التي كشفت تمذهب الدولة القومية في العراق (1920-2003)م إلا أنه كان بعيداً عن الانصاف في بعض التفاصيل التي تخص الحوزة العلمية في النجف الاشرف ، وربما يعود ذلك لعدم إطلاعه الكافي على الفكر الديني الشيعي ودور المرجعية الدينية ومكانتها الحقيقية الواقعية ، فذهبت به الطرق الى الاساءة لمراجع الدين والطعن فيهم مرتكزاً لأدلة واهية او فهم خاطيء !

ففي معرض إنتقاده للحوزة العلمية النجفية وانتقاده للسيد كاظم اليزدي (قده) المرجع الديني العظيم الذي توفي سنة 1919م نجد حسن العلوي يقول تحت عنوان (كاظم اليزدي) ما نصّه : (مع ان الفقيه اضعف من المعصوم فإن المؤسسة الدينية الشيعية لم تخضع الفقهاء لنقد ديني فقهي أو سياسي. فالعالم الفقيه لا يناقشه إلا عالم فقيه. وحتى في هذه الحالة كان ممكناً للمعنيين في الحركة الدينية أن يسجلوا نقاطاً على هذا الفقيه أو ذاك كي لا يظهر الثائر منهم والقاعد على درجة واحدة ، ولكي لا يكون العالم الخارج الى منازلة الكفار وجهاً لوجه كالعالم والفقيه الذي يتواطأ مع إدارة الاحتلال) ويضيف : (إنّ عدم إخضاع الفقيه لقواعد النقد الديني والنظر إليه كما لو كان معصوماً قد أفاد فئة العلماء المتواطئة مع السلطة وأضر بفئة العلماء الثائرة عليها. فالجميع من وجهة النظر هذه : (( سادتنا وعلمائنا ومراجعنا )) وقد تطرف بعض المثقفين الاسلاميين في التمسك بهذا الموقف حتى صار جميع معتمري العمائم سواسية. فإذا اخطأوا فليس للناس حق محاسبتهم)[27].

وهذا النص فيه عدد كبير من المغالطات ، أهمها أنَّ حسن العلوي يستكثر على ذوي الاختصاص ممارسة اختصاصاتهم ويريد من كل شخص ان يتدخل في اي اختصاص بعيد عنه ، فلماذا يمكن للمهندس ان لا يناقشه الا مهندس من نفس اختصاصه ، وكذلك الطبيب والفيزيائي والفلكي ، بينما يتم فتح الباب واسعا من قبل حسن العلوي لكل أحد ليناقش الفقيه ويتدخل في استنباطاته الفقهية ؟! أليس الفقه إختصاص دقيق يحتاج لسنوات كثيرة من الدرس والبحث والمثابرة ، حتى يصل الفقيه لملكة الاجتهاد ويتمكن من الفتوى وقيادة المجتمع. فلماذا يتم الحجر على حق الفقيه في ان يمارس اختصاصه ضمن حقل الفقهاء ولا يتم الحجر المماثل على الاطباء والمهندسين ؟! وهل تعرفون مقدار الفوضى التي ستحصل لو تدخل أي إنسان غير مختص في تشخيص الطبيب وعلاجه وكذلك في عمل المهندس أو الفلكي وغيرهم من ذوي الاختصاصات ! ونفس الفوضى ستحصل لو تدخل الانسان في الفتوى الفقهية وهو ليس من ذوي الاختصاص بالفقه.

واما إتهام حسن العلوي للشيعة بأنهم لا يخضعون الفقيه لقواعد النقد الديني ويعتبرونه معصوماً فهو كلام متهافت ومردود من جوانب عديدة فقهية وتاريخية ، فمن الجانب الفقهي نجد الفقهاء انفسهم يرشدون مقلديهم لمراقبة الفقهاء الذين يقلدونهم والتدقيق في سلوكهم الديني والدنيوي لأن شرط عدالة الفقيه هو أحد اهم شروط التقليد والفقيه الذي يزل عن جادة الشريعة المقدسة ويرتكب ما يوجب الاخلال بعدالته يحرم على مقلده الاستمرار بتقليده. فالسيد كاظم اليزدي (قده) نجده يشترط في مرجع التقليد ان يكون عادلاً[28]. ويعرّف السيد اليزدي (قده) العدالة بأنها : (ملكة اتيان الواجبات وترك المحرمات وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً او ظناً)[29]. ويقول أيضاً : (إذا قلد مجتهداً ثم شك أنه جامع للشرائط أم لا وجب عليه الفحص)[30]، فهو يحث المقلدين أي الناس على الفحص في سلوك مرجعهم ومراقبته ومجرد الشك في سلوكه يوجب الفحص عن حقيقة حاله والتأكد من استمرار إنطباق شرط العدالة عليه.

كما أن السيد اليزدي (قده) يشترط في حالة تساوي الفقيهين أن يتم تقليد الاورع بينهما[31] ، طبعاً هناك فقهاء آخرون يخالفونه في هذا الشرط ، والمسألة على العموم فقهية يتم الرجوع فيها لمرجع التقليد.

فهكذا نجد ان الفقهاء لم يدّعوا لأنفسهم مكانة معصومة بل هم أنفسهم يرشدون أتباعهم الى مراقبة حالهم والتدقيق فيه. فهل هناك حرية مماثلة عند الاحزاب القومية أو اليسارية المستبدة ؟!

وأما من الناحية التأريخية فقد كان الناس دوماً يراقبون سلوك الفقيه وينتقدونه ويقفون معه او ضده تبعاً لتفكيرهم وثقافتهم ، وهناك نماذج عديدة على هذا الحال نذكر منها ما حصل في الخلاف حول المشروطة بين المرجعين الشيخ كاظم الخراساني (قده) والسيد كاظم اليزدي (قده) ، فنجد أن الناس يقفون الى جانب أحد الطرفين ويخطّئون الطرف الآخر[32] ، مع كونهما مرجعين محترمين ومعتبرين ، فلم يكن الناس يزعمون وجود منزلة معصومة لفقهائهم ومراجعهم ، بل كانوا يؤيدون من يرونه الاصلح والاحق بالمرجعية. وهذا هو حال الشيعة في كل عصر.

 

وقال حسن العلوي ما نصّه : (وعلى اية حال فلم يستفد فقيه من هذه القاعدة كما استفاد السيد محمد كاظم اليزدي الذي جنحت إليه المرجعية الاولى في العقد الثاني من هذا القرن ، فبقي تاريخه السياسي بعيداً عن ان يكون موضوعاً لنقد المجتمع. إلا ان ما كتب عن ثورة النجف وما حصل عليه الباحثون من وثائق بريطانية وما نشره الاداريون الانكليز عن تلك الفترة وضعت العلامة اليزدي في مأزق صعب فقد أشارت سكرتيرة المندوب السامي البريطاني والتي توصف بكونها مسؤولة الاستخبارات البريطانية في العراق الى أن السيد اليزدي كان من المتعاونين مع الادارة البريطانية. يؤكد تقرير بريطاني آخر أن اليزدي موال لبريطانيا ويكره الدستوريين. وهي إشارة الى تزعمه الفريق الداعي الى الاستبداد في مواجهة دعاة الدستورية الذين تزعمهم الشيخ كاظم الخراساني والقائلين بضرورة تحديد الصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها كل من السلطان العثماني والشاه الايراني ، وقد افتوا بأن معاداة الدستور معاداة للاسلام)[33].

وقد بيّنا آنفاً كيف ان السياسيين البريطانيين في العراق كانوا يكذبون في تقاريرهم المرفوعة الى حكومتهم البريطانية ، وما نسبوه للسيد اليزدي (قده) من موالاة لبريطانيا أو تعاون إن صحّت النسبة فما هي إلا بعض أكاذيبهم المفضوحة ومزاعمهم غير القائمة على دليل.

ولم يذكر حسن العلوي مصادر وثائقه البريطانية ولا نصوصها الانكليزية لنتأكد من صحة ما نسبه للسيد اليزدي (قده) من جهة ومن صحة الترجمة لتلك الوثائق من جهة اخرى ، إذ أن بعض المغرضين يقومون في الغالب بالكذب في الترجمة من اجل تشويه النص الاصلي الذي ينقلون عنه. ونموذج الطبعة الاردنية المحرفة لكتاب كشف الاسرار للسيد الخميني (قده) من أشهر الكتب التي تم التحريف في ترجمتها ، وقد كشف التحريف في ترجمتها العربية المطبوعة في الاردن الاستاذ د. ابراهيم الدسوقي شتا[34]رئيس قسم اللغات الشرقية وآدابها في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وقد نشر مقاله الموسوم  («كشف الاسرار» بين اصله الفارسي و الترجمة الاردنية) في مجلة الراصد – تموز/يوليو 1991م.

ومن جهة اخرى فهناك خشية من قيام البعض بإقتطاع جزء من النص والتغافل عن أجزاء اخرى من النص نفسه يخالف بمضمونه الجزء المقتطع ، وهو أسلوب آخر نحذر القرّاء من الإنخداع به.

ولو تنزلنا عن ذلك كله ، فما هو الدليل على ان كاتب الوثائق البريطانية كان مستوعباً لطبيعة عمل وأداء المرجعيات الدينية الشيعية بحيث يتمكن من التفريق بين كون رؤية السيد اليزدي (قده) في التعامل مع الاحتلال هي رؤية نابعة من مبدأ المطالبة السلمية بالحقوق قبل اللجوء للقوة ، وهو المبدأ الذي لا يفهمه الكثير من الناس ومن ضمنهم حسن العلوي الذي لم يفهمه وقد لا يعرفه ولذلك كال التهم والتشنيع على السيد اليزدي (قده) فكيف نتوقع من كاتب بريطاني لا يعرف شيئاً عن المرجعية ان يحسن فهمها وفهم تحركها السلمي الذي يسبق عادةً تحركها العسكري. فإذا توهم بريطاني في الحكومة البريطانية ان السيد اليزدي (قده) كان متعاوناً مع الاحتلال فلا عجب فبعض المسلمين من قوميين وضيقي النظر قد أصيبوا أيضاً بهذا الفهم السقيم !

والتقرير الذي اشار اليه حسن العلوي ـ كما نقلناه آنفاً ـ بقوله : (يؤكد تقرير بريطاني آخر أن اليزدي موال لبريطانيا ويكره الدستوريين) هو نقل غير دقيق والصواب هو ما كشفه السيد سليم الحسني من أن هذه العبارة تخص تقريراً ذكره عمر وميض نظمي في كتابه (الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية) ونص ما جاء في التقرير البريطاني هو : (إنّه في قرارة نفسه موال لبريطانيا ومناويء جداً للاتراك ... ولا شك أنّه في قرارة نفسه يكره الدستوريين ويؤيد الملكية بشدّة)[35]ويعلق السيد سليم الحسني على هذه العبارة : (ان هذا التقرير لا يمتلك قيمة علمية لأنه قائم على اساس التحليل النفسي)[36] ، فمن اين علم كاتب التقرير بقرارة نفس السيد اليزدي (قده) ؟! وقد نبهنا آنفاً على ان السيد اليزدي (قده) كان من الدعاة الى تكوين نظام برلماني في العراق. والبريطانيون لا يتمكنون من فهم رؤى المرجعية الدينية بل يفهمون قشور تحركاتها وتصريحاتها ! فقد ذكرنا آنفاً في الفقرات السابقة كيف ان السيد اليزدي (قده) كان يطالب (بحكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب)[37] ، وهو الامر الذي يتعارض والرؤية البريطانية ، فكيف يصح بعد ذلك ان يقول قائل بأنه (قده) كان موالياً أو حتى متعاوناً مع الاحتلال !؟

وفي هذا الصدد نجد رشيد خيون يقول كلاماً فيه شيء من الانصاف وهو : (لا تفسر علاقة اليزدي بالانكليز بانها ضرب من العمالة مثلما اشاعه البعض ، لكنه يرى في الاستقرار وبناء الدولة من العدم ، والعدالة في التعامل بين المذاهب ، على خلاف ما كانت تتعامل به الدولة العثمانية ، الافضلية على الثورة ومحاربة قوة يصعب دحرها)[38].

ومن الاخطاء الفاحشة التي يرتكبها الباحثون هو تداولهم للوثائق البريطانية وكانها وثائق مقدسة لا تتحمل الخطأ وكان الذين كتبوها هم قديسون منزهون عن الاهواء والمغريات والفهم الخاطيء للامور والرغبة في التحريض وتشويه سمعة الخصوم والاعداء !! وقد وجدنا أن في العديد من الوثائق البريطانية أخطاء وإتهامات بعيدة عن حقائق التاريخ. 

ويصف ويلسون المرزا الشيرازي (قده) في مذكراته بأنه مثل البابا ليو التاسع قديس بسيط ذو مزاج ميال لتضليل نفسه والعالم وانه كثيراً ما يفعل بأسم التقوى والدين أفعالاً بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين[39]. وأرسل ويلسون في 11 حزيران / يونيو 1919م رسالة الى لندن يصف فيها الشيرازي بقوله : (إنَّ المجتهد الرئيس في كربلاء مرزا محمد تقي الشيرازي في سن الخرف ومحاط بعصابة من طلاب المال الذين ليس لديهم ضمير والذين ياملون أن يكسبوا الثروات قبل موته... وهم يعملون ضد الانكليز)[40]. ثم أتهم ويلسن المرزا الشيرازي ـ في رسالته التي بعثها لشيخ الشريعة (قده) معزياً له بوفاة المرزا الشيرازي (قده) ـ بانه سبب المصائب التي حلت بالعراقيين نتيجة الثورة[41] ، فرد عليه شيخ الشريعة الاصفهاني (قده) بقوله : (فنفيتم وقتلتم وسجنتم وأخفتم وأضمرتم العداء الذي أظهرتم آثاره وطلبتم نفوس أولئك المتظلمين وأموالهم وما يجب الدفاع عنه من حرمهم ، فدافعوكم قياماً بواجبهم ، وهاجمتموهم شبعاً لهوى نفوسكم ، فوقفوا موقفاً حذرناكم عاقبته ، وأنذرناكم سوء منقلبه أنا والسلف المرحوم آية الله الشيرازي ، الذي سقتم مساق تعزيتي بفقد نفسه الزكية بنسبة المصائب التي انتابت الى آرائه المقدسة ، كأنكم ما وقفتم على كتاباته الى جميع الجهات ، وإلزام العموم بلزوم الهدوء والسكون ، والمطالبة السلمية بحقوقهم المشروعة ، فجرحتم بتلك النسبة عاطفتي خصوصاً وعواطف المسلمين عموماً ، وجئتم بها نكراء بلغ سيلها الزبى)[42].

وهناك تقرير بريطاني يشير الى "أنَّ المجتهد الكبير المرزا محمد تقي الشيرازي أصدر فتوى مفادها أنَّ البلاشفة يجب إعتبارهم أصدقاء الاسلام"[43] !؟ وذكرت المس بيل في كتابها (فصول من تاريخ العراق القريب) : "إنَّ أسم أبن الشيرازي ـ أي الشيخ محمد رضا بن المرجع المرزا محمد تقي الشيرازي (قده) ـ ورد في برقية صدرت من البلاشفة في رشت تذكر عنه بأنه يشتغل للدعوة البلشفية في كربلاء"[44]. وقد انتبه الدكتور علي الوردي للخدعة فقال منتقداً بعض التقارير البريطانية ، فقال وهو يتحدث عن المرجع المرزا محمد تقي الشيرازي (قده) : (والواقع أنَّ هذا الرجل قام بدور مهم جداً في إثارة الناس على الانكليز وقد اتهمه الانكليز لذلك بأنه كان على إتصال سري بالبلاشفة وأن أبنه يقبض منهم الاموال)[45].

فقد أنتبه الدكتور علي الوردي الى عدم صحة ما ورد في التقارير البريطانية بخصوص المرجع المرزا الشيرازي (قده) وأن ذلك مدفوع بأسباب معينة. لكن المؤسف أنَّ الدكتور علي الوردي لم ينتبه الى أن الانكليز لديهم أغراض خاصة جعلتهم يذكرون السيد اليزدي (قده) بنوع من المديح وإدعاء التعاون معه ، بنفس الطريقة التي تهجموا فيها على المرزا الشيرازي (قده). فأتّبع الدكتور الوردي معيارين مزدوجين في التعامل مع تقييم التقارير البريطانية للمرجعين النجفيين.

لقد عاصر السيد اليزدي (قده) الاحتلال الانكليزي ـ بإعتباره مرجعاً أعلى للمسلمين وزعيماً للحوزة النجفية ـ في فترة تختلف في متطلباتها عن الفترة التي عاصرها المرزا الشيرازي (قده) في نفس المنصب المشار إليه ، فالسيد اليزدي (قده) عاصر الفترة التي كانت الادارة في النجف مستقلة عن العثمانيين وعن الانكليز (1915- 1917)م ، ثم حدثت الاضطرابات بسبب سوء تصرف بعض الزعماء النجفيين مما مكن الانكليز من السيطرة عسكرياً على النجف الاشرف وإدارتها بصورة مباشرة ، ثم حدثت ثورة الحاج نجم البقال في آذار / مارس 1918م والتي صبّت الويلات على النجفيين دون مبرر شرعي وبدون مقبولية من أية جهة دينية او عشائرية أو قومية ، وكانت الحرب العالمية الاولى ما زالت مستمرة ، والمعارك بين العثمانيين والانكليز في داخل العراق مستمرة ، وقد أظهر الانكليز الشراسة وعدم المبالاة بأرواح الناس ، مما دفع السيد اليزدي (قده) لمحاولة الحفاظ على قدسية المدينة المقدسة والمحافظة على أرواح الناس الابرياء ، لا سيما وقد رأى عدم تجاوب العشائر مع تحرك الحاج نجم البقال ضد الانكليز ، وعدم تجاوب الحركات القومية والوطنية معها ، فامتنع عن الإفتاء بالجهاد ضد الانكليز بعد سنة 1917م وركّز جهوده كلها في المطالبة السلمية بالاستقلال وخروج الاحتلال ، ووجّه النجفيين للمطالبة بالاستقلال التام الناجز في المضبطة التي رفعوها لحكومة الاحتلال ، وقابل ذلك بالجفاء تجاه البريطانيين وقياداتهم كما اسلفنا ، لذلك نرى أنَّ السر في وجود بعض العبارات في التقارير البريطانية في ذلك الزمان تصف السيد اليزدي (قده) بالتعاون او الموالاة يكمن في محاولة الإداريين البريطانيين في العراق التخلص من التوبيخ الذي قد يصبه مسؤوليهم عليهم نتيجة فشلهم في إخضاع المرجعيات الدينية في النجف الاشرف ! فقد إصطدم الانكليز لأول مرة في تاريخهم الاستعماري بقوة المرجعية الدينية في النجف الاشرف التي أبت الخضزع والاستكانة لمخططاتهم الاستعمارية وحرصت على المطالبة المستمرة بالاستقلال إستقلالاً تاماً وحقيقياً ، وهو الامر الذي أحرج الضباط والاداريين البريطانيين في العراق أمام مسؤوليهم في لندن نتيجة عجزهم عن إيجاد الطريقة المناسبة لتحطيم المرجعية الدينية أو تحجيم قوتها ! لذلك لجأوا أمام رؤسائهم لكذبة التعاون والموالاة المزعومة بين قوات الاحتلال وبين المرجعيات الدينية في النجف الاشرف بغية التخلص من توبيخهم ولومهم والعقوبات التي قد تلحق بهم نتيجة ذلك العجز ! ثم جاء الكتّاب القوميون والعلمانيون واستغلوا التقارير البريطانية المكذوبة واعتبروها وثائق مقدسة لا يمكن الطعن بها أو إتهامها بالكذب !! وبدأوا يسددون سهامهم المسمومة للمرجعيات الدينية في النجف الاشرف ! 

ومن الجدير بالذكر أن المرزا محمد تقي الشيرازي (قده) كان يرى نفس رأي السيد اليزدي (قده) في المطالبة السلمية بالحقوق وتجنب سفك دماء المسلمين لا سيما مع عدم توفر القدرة على هزيمة الانكليز عسكرياً[46].

 ولو نظرنا الى المسالة نظرة فيها بعض الانصاف لوجدنا أن السيد اليزدي (قده) لم يكن يحتاج الى الانكليز او لنقل الى "العمالة" للانكليز كما يصفه بعض خصومه ، إذ لاتوجد أي فائدة من عمالته لهم ، فإن كان هدف العمالة هو المنصب ، فالسيد اليزدي (قده) لديه أعلى منصب مرموق بين المسلمين كافة ، وهو منصب النيابة العامة للامام (عجل الله فرجه الشريف) ، وتحت طاعته الملايين من المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ، وإن كانت الاموال هي الهدف ، فهو لديه ما يكفيه مما ليس بعده حاجة. ونحن وجدنا أن السيد اليزدي (قده) لم يطلب لنفسه منفعة من الانكليز يوماً ما ، وكذلك فقد كان يحتقر قادة الانكليز ويستقبلهم استقبالاً مهيناً يليق بهم كمحتل لبلد مسلم[47]، وهو ما سنذكر تفصيله بعد قليل بمشيئة الله سبحانه.

ونحن المسلمون الشيعـة نعلم جيداً أنَّ منصب المرجع العام أو المرجع الاعلى للمسلمين لا يناله المرجع إلا بعد أن يتصف بصفات عالية من جهاد النفس والتقوى ، وأنَّ هذا المنصب هو في رعاية الامام المنتظر (عجل الله فرجه) ، فلا يمكن لأي شخص أن ينال هذا المنصب ما لم يكن مرضياً عليه من صاحب الامر (ارواحنا لمقدمه الفداء). وأنَّ هناك أموراً غيبية إلهية تتحكم في وصول المرجع لمنصب المرجع العام ، وهذه الامور الغيبية الالهية هي التي حفظت مذهب الشيعـة طيلة الاربعة عشر قرناً الماضية رغم ما واجهوه من تقتيل وفتك وإضطهاد من الحكومات الجائرة المتعاقبة عبر التاريخ.

 

إنَّ للسيد اليزدي (قده) مكانة عالية ومرموقة من قبل المراجع العظام للحوزة العلمية في النجف الاشرف وخارجها ، وهم يكنون له كل الاحترام والتقديس ، فلو كان قد أقترف ما يوجب سقوط عدالته من قبيل التعاون مع الكافر المحتل أو الموالاة له لكان المراجع العظام هم اول من يقف بوجهه ، وسنذكر عدّة امثلة على شدة احترام المراجع له ، فهذا السيد محسن الحكيم (قده) يصفه بقوله : (سيدنا الاعظم فخر الفقهاء المحققين المرحوم المبرور السيد محمد كاظم الطباطبائي أعلى الله مقامه)[48] ، وهذا السيد ابو القاسم الخوئي (قده) يصفه بقوله : (سيدنا الاعظم آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي قدس الله رمسه)[49]. ويصفه في موضع آخر بأنه (فقيه الطائفة)[50]. وأما الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) الذي لا يختلف إثنان بين مختلف الاضداد على مكانته المحترمة فيقول واصفاً السيد كاظم اليزدي (قده) بأنه كان (صعب المراس شديد الشكيمة في غاية الحذر وسوء الظن لا يُغرّ ولا يُخدع)[51] ، وقال ايضاً وهو يتحدث عن الانكليز المحتلين : (وبالغوا مكراً وخديعة في إكرام العلماء الروحانيين رؤساء الدين خاصة للسيد الاستاذ (قدس سره) ـ أي السيد اليزدي (قده) ـ مع شدّة إحتقاره لهم وتجافيه عنهم) ، ويضيف قائلاً : (كان السير برسي كوكس الشهير يكثر من زيارته ـ أي زيارة السيد اليزدي (قده) ـ في الجسر وفي النجف ، فيجلس على الحصير المتقطع المتلاشي ويبقى بالانتظار مدّة ألى أن يخرج السيد ثم يجلس معه قليلاً ، ويقوم قبل زائره ، ولا يكلمه إلا بضع كلمات)[52]. هكذا كان السيد اليزدي (قده) لا يقدم للمحتل فراشاً خاصاً ولا يقدره أي تقدير خاص ، فلا يستقبله حين حضوره ولا يجلسه الا على ما يجلس عليه بقية الناس ، ويقوم قبل المحتل كدلالة على ناتهاء وقت الزيارة وأن بقاءه فترة أطول غير مرغوب فيه.

فهذا هو السيد اليزدي (قده) الذي افترى عليه خصومه تلك الفريات التي لا تصمد أمام النقد السليم والتدقيق بظواهر الامور وبواطنها.

 

واما قضية المشروطة والاستبداد فقد بيّنا في فقرات البحث المتقدمة أن الخلاف حول المشروطة والمستبدة هو خلاف فقهي ، وهو متعلق بظرف البلد ، فالسيد اليزدي (قده) الذي كان يرفض المشروطة في ايران نجده يطالب بـ (بحكومة مستقلة إستقلالاً تاماً ناجزاً برئاسة ملك عربي مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب[53]) ، فهل يقال له بعد ذلك انه كان يرفض المشروطة في العراق ! وفي المقابل نجد ان الشيخ النائيني (قده) كان من أبرز الداعين للمشروطة والّف كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) مدافعاً عن فكرة المشروطة ، في حين انه كان من القائلين بولاية الفقيه العامة[54] ! أي انه يرى أن الحكم في عصر الغيبة الكبرى هو للفقيه الجامع للشرائط وليس للشاه أو السلطان ، فكيف يمكننا فهم تلك المواقف المتعارضة في ظاهرها ؟ إن فهم تلك المواقف يكون بأن نعرف أن الفقهاء حين يقررون أن المصلحة في أمرٍ ما فإنما يلحظون المسألة من جوانبها المتعددة ، ومن تلك الجوانب الظروف السياسية المحيطة بالبلد الذي يتناولونه بالفتوى ، فحين تكون الفتوى لقضية في إيران فإنها تختلف عمّا إذا كانت تخص قضيةً في العراق ، وهكذا ، وهو الامر الذي يعسر على القوميين أو غير الاسلاميين عموماً إداركه.

والحقيقة في الخلاف بين المؤيدين للمشروطة والرافضين لها هو أن الرافضين لها كانوا يخشون من ان يتمكن أعداء الاسلام من التسلل الى البرلمان وإقرارهم لدستور وقوانين تخالف الشريعة الاسلامية. وأن يملؤوا مفاصل الدولة بأتباعهم ومؤيديهم الذين سيعملون على تعطيل العمل بالقوانين التي تكون مستمدة من الشريعة الاسلامية. وأما المؤيدين للمشروطة فقد كانوا يظنون أن وجود الدستور سوف يقلص من تفرد الملك والسلطان بالحكم دون الرجوع للشعب وإرادته ، فكان وجود الدستور والمجلس النيابي يعني المزيد من الانعتاق من التسلط الملكي على الشعب المسلم. ومن الملاحظ أنه في وجود دولة ظالمة فإن كل شيء يمكن أن يكون مزيفاً ، فالمجلس النيابي والدستور كله يمكن أن يصبح مجرد شكليات يتم تنسيقها وتوزيع الادوار فيها لكي ترضي الملكية الحاكمة ، ولعل النموذج الملكي العراقي كان خير دليل على وجود دستور ومجلس نيابي مزيف.

ولعل هذا هو السبب الذي دفع الشيخ النائيني (قده) الى الامر بجمع نسخ كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) الذي كان قد الّفه دعما للمؤيدين للمشروطة وإتلافها. بعد ان عاصر إنحراف حكم رضا بهلوي في إيران وفيصل الأول في العراق. لكي لا يستعمل كتابه في إعطاء شرعية مزيفة لمثل هذه الانظمة المستبدة.

 

ونقل حسن العلوي نصاً من كتاب (الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية) لوميض عمر نظمي ونصّه  : (وفي آيار/مايو 1918م زار حاكم الشامية البريطانية "بلفور" السيد اليزدي الذي شكا إليه بمرارة من المحاولات التي يقوم بها بعض العلماء لجره الى موقف معاد لبريطانيا. ويقول تقرير بريطاني "أن من الصعب تقدير المساندة المتواصلة التي قدمها لنا اليزدي حق قدرها"). وبالمناسبة فإنَّ وميض عمر نظمي هو "أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد" في عهد الطاغية صدام ، ولا يتولى هذا المنصب عادةً إلا البعثيون الغارقون في الفكر العفلقي ! وبعد الاحتلال أصبح الناطق الرسمي لما يسمى بـ " المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي" الذي يضم في عضويته حارث الضاري وجواد الخالصي واحمد البغدادي !! فضلاً عن أنه حفيد الوزير عمر نظمي الذي أصبح وزيراً لـ (21) مرة في العهد الملكي[55] ابتداءاً من وزارة نوري السعيد بتاريخ 25 / 1 / 1938م[56] وقبل ذلك كان متصرفاً في كركوك[57] ! وأبو وميض المذكور هو جمال عمر نظمي وقد كان متصرفاً في أربيل في العهد الملكي سنة 1944م[58] ثم أصبح وزيراً في وزارة علي جودت الايوبي بتاريخ 17 / 6 / 1957م[59] ، فوميض عمر نظمي من عائلة غارقة في الولاء للنظام الملكي المقبور المعادي لثورة العشرين ولقياداتها المرجعية ، فضلاً عن كونه ينتمي للتيار القومي العدو التقليدي للمرجعية الدينية في النجف الاشرف. وميض عمر نظمي هذا يدعي إعتماداً على تقرير بريطاني ان السيد اليزدي (قده) يشكو لبلفور من ضغوط العلماء عليه ! فيا لها من مفارقة وقحة يشيعها القوميون لا يصدقها إلا من يستخف بعقله و"يستغبي" نفسه ! وحينما يقول عبد الله النفيسي بأن السيد اليزدي (قده) "بذل جهوداً كبيرة في السر لزعزعة السلطة البريطانية"[60] فإن وميض عمر نظمي يقول عنه أنه "إدعاء غير مؤكد"[61] ؟! فحينما يكون الكلام في طور الاتهام للسيد اليزدي (قده) نجد وميض عمر نظمي يتقبله ويروّج له ، وحينما يكون الكلام بضد ذلك نجد انه يرفضه ويشكك فيه ! وهو نموذج للتعامل المزدوج ضد الشيعة من قبل بعض الباحثين !؟

 

وفضلاً عن ذلك فقد تفاعل السيد اليزدي (قده) مع الثوار في الحركة الثورية النجفية التي انطلقت في آذار / مارس 1918م لدرجة أن تبنى مطالبهم وأظهرها كأنها مطلبه الشخصي[62] ، فكيف بعد ذلك يقال بانه كان مسانداً للبريطانيين بصورة متواصلة كما يدعي وميض عمر نظمي ؟!!

إنها مكيدة العدو التي تريد شق صفوف المسلمين ! وقد بيّنا آنفاً كيف كان البريطانيون في العراق يضطرون للكذب فيصفون السيد اليزدي (قده) "بالمتعاون والموالي لهم" في التقارير التي يرفعونها لحكومتهم في لندن حرصاً على عدم توبيخهم أو معاقبتهم نتيجة عجزهم في تطويع المرجعية الدينية النجفية وفشلهم في إخضاعها.

 

علي البازركان وحسن العلوي يفتريان على السيد اليزدي (قده) :

قال حسن العلوي : (وشكا السيد محمد علي بحر العلوم زعيم ثورة النجف من موقف اليزدي هذا)[63] ويقصد الموقف المنسوب للسيد اليزدي (قده) الذي زعموا انه قال فيه : (أنا رجل لا اعرف بالسياسة وان معلوماتي منحصرة في الحلال والحرام)[64] ! وقد ذكر حسن العلوي أن ما نسبه للسيد محمد علي بحر العلوم مصدره هو (علي البزركان ، الوقائع الخفية في الثورة العراقية)[65]، وفي الحقيقة فإن اسم كتاب علي البزركان هو (الوقائع الحقيقية) وليس (الوقائع الخفية) ، على أية حال فحين راجعنا الكتاب المذكور لعلي البازركان وجدناه يتحدث عن لقاء زعمه مع السيد محمد علي بحر العلوم وحديثه معه ، فقال : (وكم كان عجبي كبيراً حينما قال لي : أما النجف والفرات الاوسط فلا تأملوا منهما عملاً ما لم يأت رجل لتوحيد أعمالهم وجمع صفوفهم ولم شملهم إذ ان انسحاب السيد اليزدي قد امات الروح الوطنية وبعثر جهود العاملين وجمد اعمالهم فهم الان على غير عمل مجد) ثم ان علي البازركان أخبره بقدوم الشيخ محمد تقي الشيرازي (قده) الى كربلاء أو النجف ، ثم يذكر علي البزركان بعد ذلك بأنه بتاريخ 2 جمادي الآخر سنة 1337هـ = 15 آذار / مارس 1919م علم بقدوم الشيخ الشيرازي (قده) الى الكاظمية في طريقه الى كربلاء[66] ، وهنا تتكشف الحقائق ففي هذا الوقت الذي يزعم علي البازركان فيه أنه ألتقى بالسيد محمد علي بحر العلوم في بغداد كان السيد المذكور منفياً في المحمرة بسبب أحداث الحركة الثورية النجفية في آذار / مارس 1918م ، حيث حكم عليه بالاعدام في آيار / مايو 1918م ثم تم تخفيف الحكم الى النفي بتدخل مباشر من السيد اليزدي (قده). ولبث في المحمرة سنة وثلاثة أشهر عاد بعدها للعراق[67].

ومن جهة أخرى فإن السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة ذكر في كتابه (كربلاء في التاريخ) أن الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) قصد كربلاء المقدسة للاستقرار فيها بتاريخ 18 صفر 1336هـ[68] أي ما يوافق 4 كانون الاول / ديسمبر 1917م أي أن ذلك قد تم قبل فترة طويلة قبل زمن الحادثة التي نسبوا فيها أن السيد اليزدي (قده) قد قال ما قاله فيها ؟ وهو أيضاً ينسف صحة القصة التي ذكرها البزركان عن السيد محمد علي بحر العلوم ، لأنه في زمن حدوث تلك القصة المزعومة فقد كان الميرزا الشيرازي (قده) مستقراً في كربلاء المقدسة قبل أشهر عديدة ! فلا معنى لها حينئذٍ !

وقد ناقشنا في فقرات سابقة من هذا البحث أن هذه العبارة المنسوبة للسيد اليزدي (قده) ليس لها أصل ولم يروها مصدر معتبر بطريق موثوق !

وهكذا تتكشف أكاذيب خصوم الاسلام والمرجعيات الدينية ، وليأت بعد ذلك كتّاب قليلوا خبرة في البحث التاريخي أو مغرضون ليروّجوا لتلك الاكاذيب وليرسلوها ارسال المسلّمات !!

 

حسن العلوي ومحمد علي كمال وكلامهما الفوضوي:

ومن شدّة تعصّب البعض ضد السيد اليزدي (قده) انهم أصبحوا لا يفقهون ما يتهمونه به ، فنجد حسن العلوي ينقل عن محمد علي كمال الدين قوله :(عندما توفي الامام كاظم اليزدي فقدت سلطة الاحتلال سنداً قومياً لها تستعين به على العوام الذين وجدوا فيه الامام المطاع. غير أن المخلصين من الرجال والمدركين خطر الاستعمار استطاعوا القضاء على نفوذه الديني بترشيح من اعتمدوا عليهم)[69]. فماذا كان يقصد بقوله (سنداً قومياً لها) ! فالسيد اليزدي (قده) لم يكن من أصول إنكليزية حتى يكون سنداً قومياً للانكليز ، ولا الانكليز هم من أصول عربية حتى يكون السيد اليزدي (قده) سنداً لهم ! وأما دعوى أن نفوذه الديني يصب في مصلحة الاستعمار فهو خطأ كبير لا يعكس عدم فهم لما حصل في تلك الحقبة التاريخية المهمة فحسب بل أيضاً نشخّصه بأنه إنكار لجهود المرجعية الدينية في الجهاد ضد الاستعمار الانكليزي ومحاولتها المستميتة في تثبيت أركان الدولة العثمانية في العراق[70] ومنع الاحتلال البريطاني من الاستيلاء عليه.

ومن هم الذين رشحوهم ممن يعتمد عليهم ؟!

إنَّه مجرد كلام فوضوي ليس له مصداقية.

 

حسن العلوي ومحمد الخالصي:

وينقل حسن العلوي عن الشيخ محمد الخالصي قوله بان وفاة السيد اليزدي كانت عوناً للحركة الاستقلالية[71] ! وعلى فرض صحة الكلام المنسوب للشيخ محمد الخالصي فهو تقدير خاطيء لمجريات الاحداث من قبله ، وقد رأينا كيف أنَّ السيد اليزدي (قده) ـ وقد أفتى لصالح اسناد العثمانيين حينما كانوا يحكمون العراق من اجل منع البريطانيين من الاستيلاء عليه ـ كان يريد تأخير إنطلاق الثورة النجفية التي سبقت ثورة العشرين لأنه لم يكن يريد أن يعود العثمانيون لحكم العراق بعد الهزيمة المفترضة للانكليز في الثورة ـ فضلاً عن ضرورة إستكمال الثورة لعناصر نجاحها ـ لأن السيد اليزدي (قده) كان يريد إستقلال العراق إستقلالاً تاماً ناجزاً[72]. وهذا القول المنسوب للشيخ محمد الخالصي يكشف لنا عن انه حتى بعض رجال الدين الذين كانت لهم بصمة معينة في الاحداث ـ من شاكلة محمد الخالصي المذكور ـ لم يكونوا على مستوى كبير من الوعي والفهم لمتطلبات المشروع الاسلامي في التحرر من الاستعمار ، ويتصورون أن مجرد رفع السلاح بلا تخطيط ولا تحضير ولا إعداد للقوة ومستلزماتها هو المطلوب في الاسلام للتخلص من الاحتلال حتى لو ادى الى خسائر ارواح بريئة كان يمكن المحافظة عليها من خلال الاعداد الجيد والتحضير الذكي للتخلص من الاستعمار بإستخدام الوسائل المتاحة والمؤثرة والفعالة.

وإذا أردنا الحديث بمنطق الشيخ محمد الخالصي نفسه نجد أنَّ علي البازركان أيضاً قد اتهم الشيخ مهدي الخالصي (قده) (والد الشيخ محمد الخالصي المذكور) بأنه كان ضد الاستقلال وبانه أفتى ضد المجلس التأسيسي الذي هو جزء من عملية استقلال العراق واحد اهم مطالب العراقيين !!!!! فذكر من أسباب نفي الشيخ مهدي الخالصي : (إصداره فتوى للاهالي بعدم الاشتراك في انتخابات المجلس التأسيسي الذي طالب الشعب العراقي في تكوينه قبل الثورة العراقية وفي أثنائها)[73]، متجاهلاً أنَّه كان يراد من المجلس المذكور ان يكون بوابة لتكبيل العراق بمعاهدة جائرة ضد مصلحة الشعب العراقي ! ويبدو أن مصطلح الاستقلال والحركة الاستقلالية أصبح لعبة يشكلها كل من يريد بحسب هواه !!

 

إختلاف في تاريخ انتقال الميرزا الشيرازي (قده) الى كربلاء :

قال علي البازركان في كتابه أنه في 2 جمادي الآخر 1337هـ = 15 آذار / مارس 1919م علم بقدوم الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) من سامراء حيث كان يسكن سابقاً الى الكاظمية في طريقه الى كربلاء حيث قرر أن يستقر هناك[74].

في حين نجد أنَّ الدكتور علي الوردي ذكر بأن تاريخ إنتقال الميرزا الشيرازي (قده) الى كربلاء كان بتاريخ 23 شباط / فبراير 1918م[75].

وهناك رأي ثالث ذكره السيد عبد الرزاق الوهاب آل طعمة ذكر في كتابه (كربلاء في التاريخ) بأنَّ الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) قصد كربلاء المقدسة للاستقرار فيها بتاريخ 18 صفر 1336هـ[76] أي ما يوافق 4 كانون الاول / ديسمبر 1917م.

واتمنى ان يبذل الباحثون المزيد من الجهد للعثور على مرجح لإعتماد التاريخ الحقيقي من بين هذه التواريخ المذكورة او ربما يكون التاريخ الحقيقي هو تاريخ آخر !

 

خطأ في تسلسل تاريخي عند الاستاذ كامل سلمان الجبوري :

ذكر الاستاذ كامل سلمان الجبوري ان الحاكم الملكي العام في بغداد بعث بتاريخ 26 رمضان 1338هـ = 16 حزيران / يونيو 1920م بكتاب الى المندوبين[77] ، ثم ذكر ان (قامت في النجف بعد ذلك عدّة مظاهرات واحتجاجات خصوصاً بعد ان أوفدت السلطة حاكم الحلة السياسي "الميجر بولي" على رأس قوة كافية وأمرته بالقبض على الميرزا محمد رضا نجل الامام الحائري وعلى بعض رجالات كربلاء الذين أقاموا حفلات المظاهرات هناك)[78] ، ثم قال بعد ذلك (وقد اثير في الاوساط خبر مفاده أن الامام الحائري قرر مغادرة العراق وسيترك قيادة الثورة وعلى أثر قيام الانكليز بهذه الاعمال الوحشية)[79] ، ثم ذكر نص رسالة بعثها (علماء النجف الى سماحته) وهي مؤرخة في 12 ذي القعدة سنة 1337هـ[80] = 9 آب / أغسطس 1919م ! مما يعني وجود خلل في التسلسل التاريخي كما هو واضح. وتجدر الاشارة الى أن اعتقال الشيخ محمد رضل أبن الامام محمد تقي الحائري الشيرازي (قده) كان بتاريخ 5 شوال 1338هـ = 22 حزيران / يونيو 1920م[81] .

وإصلاح الخلل في التسلسل المذكور يكمن في معرفة أن سبب قرار المرجع الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي (قده) بالهجرة من كربلاء ليس اعتقال البريطانيين لأبنه الشيخ محمد رضا بل اعتقالهم لستة من أبناء كربلاء ،  والذي ساءه إعتقالهم كثيراً[82].

 

رسالة ضائعة منسوبة للشيخ محمد تقي الشيرازي (قده) :

ذكر الاستاذ كامل سلمان الجبوري نص رسالة جوابية من الشريف حسين الى المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي (قده) ، ولكنه لم يذكر نص رسالة الشيخ الشيرازي (قده)[83] !

وذكر الاستاذ الجبوري في هامش صفحة 45 أن مصدر رسالة الشريف حسين المذكورة هو كتاب (الثورة العراقية الكبرى) للسيد عبد الرزاق الحسني ، وحينما راجعنا الكتاب المذكور لم نعثر على تلك الرسالة ضمن صفحات الكتاب !! كما لاحظنا ان الرسالة المرسلة الى الشريف حسين والمذكورة في صفحة 163 والموقعة من قبل الشيخ محمد رضا الشبيبي لم يتم ذكر مصدرها !!

 

إختفاء جزء من الاحداث في رواية السيد عبد الرزاق الحسني :

قال السيد عبد الرزاق الحسني ما نصّه : (ذهب الميجر "تيلر" الى كربلاء ودعا رهطاً من تجارها ووجوهها وأهل الراي فيها الى إجتماع عقده في سراي الحكومة أعرب فيه عن رغبة حكومته البريطانية في إيفاء العهود التي قطعتها للعرب عامة وللعراقيين خاصة ، وطرح الاسئلة الثلاثة ـ موضوعة البحث ـ طالباً إبداء الرأي حولها ، فنهض السيد عبد الوهاب آل الوهاب وقال : "إن هذه الجمعية لا تمثل مدينة كربلاء تمثيلاً صحيحاً وان هناك طبقات مختلفة يجب ان تستشار في هذا الموضوع)[84]إلخ...

والملاحظ هو بدء تحدث السيد عبد الوهاب آل وهاب عن "جمعية" مع أن سياق الاحداث لم يتم التطرق فيه الى أي جمعية ! ومن الواضح ان هناك إقتطاع نص من رواية الاحداث ، ونحتمل بصورة جدية أن هناك معارضة من قبل اهالي كربلاء لتنصيب احد أنجال الشريف حسين ملكا على العراق ، وان اقتطاع هذا النص حدث بتأثير من سلطة العهد الملكي لا سيما والكتاب مطبوع أول مرة سنة 1935م. ونحتمل ان الجمعية المشار اليها هي جمعية حرس الاستقلال التي ينص أحد بنود منهجها على إسناد منصب الملوكية الى أحد أنجال الشريف حسين[85].

 

الرؤية المرجعية لمطلب إستقلال العراق :

ذكر ولسن في كتابه عن الثورة العراقية 1920م أنَّ الاتصالات التي أجراها مع الحكومة البريطانية انتهت الى "تشكيل حكومة ملكية مؤقتة تقوم بعبء الادارة الى أن تتم مذاكرات الحكومة مع الاهالي ، وبوضع نظام ثابت للحكومة الجديدة. وقد طبعت الادارة الملكية هنا دستور هذه الحكومة المؤقتة الذي كانت رفعته الى حكومة جلالة الملك"... "إنَّ ما ننويه هو تشكيل مجلس للامة برئاسة رئيس عربي يتولى الرئاسة ألى أن يرفع دستور العراق الاساسي الى المجلس التشريعي المنوي أيضاً تشكيله. ونعتقد بضرورة إعطاء البلاد متسعاً الى أن تستقر أمورها ، وإعطاء الاهالي فرصة لتأسيس فكرة صحيحة تنشر بواسطة المجلس التشريعي بعد تشكيله ، وليس هناك خير يرجى من التسرع[86].

وأما الحكومة الملكية التي اشار اليها ولسن فهو يعني بها كما ذكر في نفس المصدر في موضع آخر : "تشكيل مجلس تشريعي مركزي يكون المندوب السامي رئيساً له ـ حينما يصل ـ ويتولى أعضاؤه العرب أعمال مختلف الدوائر مع سكرتيرية بريطانيين"[87]. ويضيف ولسن في موضع آخر : "ومن المحتمل بالنسبة للمزاج الحالي أن يقابل الاقتراح بوجوب خضوع البلاد ولو لمدة محدودة لدستور مؤقت لم يكونوا قد استُشيروا به بإعلان للاستقلال من قبل الوطنيين"[88].

إذن هذه هي خطط إدارة الاحتلال البريطاني تجاه العراق قبل إندلاع ثورة العشرين الخالدة :

1.      1. دستور مكتوب من قبل الاحتلال في ظل الانتداب[89].

2.     2.  تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة المندوب السامي برسي كوكس وعضوية عراقيين لإدارة البلاد ، تسمى بالمجلس التشريعي المركزي[90].

3.      3. تشكيل مجلس شورى برئاسة رئيس عربي[91].

هذا التخطيط البريطاني لمستقبل العراق لم يكن يرضي المرجعيات الدينية العراقية التي ترفض الاحتلال وتسعى للحصول على الاستقلال التام الناجز برئاسة ملك عربي مقيد بدستور ومجلس تشريعي منتخب[92] ، وموقف المرجعيات الدينية في النجف الاشرف كان واضحاً برفضها تولي أي شخص عرش العراق قبل الاستقلال التام وإنهاء الانتداب وتشكيل حكومة مستقلة مقيدة بدستور ومجلس نيابي قبل الخوض في مسالة تولي عرش العراق[93].

فيتضح ان التسلسل الذي ارادته المرجعية الدينية في النجف الاشرف هو كالتالي:

  1. إعلان إستقلال العراق وإنهاء الانتداب.
  2. إنتخاب مجلس تشريعي[94].
  3. كتابة دستور للعراق من قبل المجلس المنتخب.
  4. تشكيل حكومة مستقلة.
  5. انتخاب ملك لعرش العراق.

وهكذا اختلفت الارادتان ، إرادة القيادة الاسلامية في النجف الاشرف ، وإرادة المحتلين ، مما ادى للاصطدام بينهما مرتين ، الاولى تمثلت بإندلاع ثورة العشرين الخالدة ، والثانية تمثلت بنفي العلماء وسفر المراجع الى خارج العراق سنة 1923م.

 

تحليل خاطيء للسيد عبد الرزاق الحسني:

قال السيد عبد الرزاق الحسني ما نصه : (كان السيد كاظم اليزدي غير مؤيد للنظام البرلماني ولا لحكم الشعب نفسه بنفسه ، وكان موقفه من المشروطة والانقلابات السياسية في الاستانة وطهران سنة 1908م موضع أخذ ورد بين المثقفين والمتعلمين ، ولما احتل الانكليز بغداد في عام 1917م جعلوا السيد اليزدي موضع ثقتهم واعتمادهم رغبة في الافادة منه في حكم العراق حكماً مباشراً فأساؤوا بذلك الى منزلته في النفوس والى أنفسهم أيضاً من حيث يشعرون أو لا يشعرون)[95].

وقد خلط السيد عبد الرزاق الحسني في موقف السيد اليزدي (قده) من نظام ملكي يتم فيه فرض برلمان ينتخب من الشعب بدون ضابطة شرعية وما قد يشكله ذلك من خطر في تشريع قوانين مخالفة للاسلام ومن تسلل أعداء الاسلام لشغل المناصب البرلمانية ، وبين موقفه من تأسيس دولة حديثة ليس فيها لا ملك ولا برلمان ولا دستور ، دولة تريد أن تتشكل حديثاً وما يمكن أن يكون في تشكيلها من ضوابط موافقة للاسلام وشريعته الخالدة.

فأما موقف السيد اليزدي (قده) من الدولة التي تريد أن تتشكل حديثاً في العراق فقد بيّناه آنفاً من خلال مطالبته بتشكيل مجلس تشريعي منتخب ودستور يقيد الملك[96]. وهو بخلاف موقفه من رفض المشروطة[97] في ايران وذلك لأختلاف ظروف كل بلد والعوامل المحيطة بالموضوع. وهو الامر الذي لم يلحظه السيد عبد الرزاق الحسني فأخطأ في نسبته عدم تأييد السيد اليزدي (قده) لحكم الشعب لنفسه !

وقد ذكرنا آنفاً أنَّ الشيخ النائيني (قده) وهو أحد أبرز الذين كانوا من المؤيدين للمشروطة في ايران ـ بخلاف موقف السيد اليزدي (قده) منها ـ والّف في اسناد هذه القضية كتابه (تنبيه الامة وتنزيه الملة) سنة 1908م عاد فيما يبدو ليسحب دعمه لهذه القضية بعدما رأى من مساويء الحكم البرلماني الذي اقترفه رضا بهلوي في بدايات حكمه ، وهو ما يرجح أن يكون سبباً في حرص الشيخ النائيني (قده) على تتبع نسخ كتابه المذكور وإتلافها[98]، وقد يضاف إليه ما رآه من مساويء الحكم البرلماني الصوري في العراق في عهد فيصل الاول لا سيما بعد تسخير فيصل الاول والانكليز للمجلس الدستوري في المصادقة على المعاهدة الجائرة مع بريطانيا سنة 1923م.

واما الخطأ الآخر الذي اقترفه السيد عبد الرزاق الحسني ـ غفر الله له ـ فهو قوله: " ولما احتل الانكليز بغداد في عام 1917م جعلوا السيد اليزدي موضع ثقتهم واعتمادهم رغبة في الافادة منه في حكم العراق حكماً مباشراً" وهو خطأ فادح ، لأن الانكليز كانوا يخافون السيد اليزدي (قده) ويخافون من الخطر الذي قد تشكله معارضته لخططهم في العراق.

ويؤيد قولنا هذا أن ولسن بعد أن اجتمع بزعماء النجف والشامية وابي صخير ووجه اليهم الاسئلة الثلاثة المذكورة سابقاً وطلب منهم الاجابة ، فقد أصر عليهم أن يجيبوه عليها في الحال ، وعندما طلب عبد الواحد الحاج سكر أن يمهلهم ولسن لغرض التشاور مع العلماء أظهر ولسن غضبه وطلب من الحاضرين إعطاء رأيهم خلال الاجتماع ، لكن الحاضرين أصروا على أخذ رأي العلماء فأضطر ولسن الى الموافقة[99]. وفي هذا الصدد يقول السيد سليم الحسني : "إنَّ إصرار ويلسن على الحصول على رأي سريع وغضبه على إقتراح الرجوع للعلماء لتداول الامر معهم يشير بوضوح الى خوفه من موقف مراجع الدين الشيعـة وأنهم سيعطون رأياً يتعارض مع رغبة السياسة البريطانية. لقد كانت مخاوف ويلسن حقيقية ولها مبرراتها الفعلية ، حيث ذهب الشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ محمد جواد الجواهري وعبد الواحد الحاج سكر وعلوان الياسري الى السيد كاظم اليزدي وعندما أخبروه بما حدث قال لهم : (عجيب لقد كان ـ ويلسن ـ عصر أمس عندي ولكنه لم يكلمني بهذه الصراحة ، وعلى كل حال فالقضية مهمة ولكل عراقي حق فيها ، فيجب ان تعقدوا إجتماعاً عاماً يحضره الجميع من جميع الطبقات) وذكر لهم أنَّ كل فرد له الحق في إبداء الرأي سواء أكان تاجراً أم بقالاً زعيماً أم حمالاً "[100].

فهل يمكن أن ينسب للسيد اليزدي (قده) القول بأنه لم يكن يؤمن بالنظام البرلماني ! أو الادعاء بان الانكليز حصلوا على منافع وأنَّ السيد اليزدي (قده) مكنهم من حكم العراق حكماً مباشراً ! بعد أن علمنا أن مطالبه كانت بإيجاد مجلس تشريعي منتخب والاستقلال التام الناجز للعراق ، وأخذ رأي جميع العراقيين بإختلاف طبقاتهم كما بيّنا هذا سابقاً !

 

إجتماع (15) شعبان في بيت الميرزا الحائري الشيرازي (قده):

في 5 آيار / مايو 1920م = 15 شعبان 1338هـ ، عقد إجتماع سري في دار السيد أبو القاسم الكاشاني في كربلاء المقدسة ، حضره العديد من رجال الدين وزعماء العشائر تداولوا فيه أمر القيام بالثورة المسلحة ، فمنهم من يرى ذلك ومنهم من يعترض ، وتم الاتفاق على إحالة هذه القضية الى الامام الحائري الشيرازي (قده) وأخذ رأيه فيها ، فانتدبوا خمسة منهم لمقابلتهم ، وقد حدثت مناقشات حامية عبّر عنها أحّد الباحثين بالـ "أخذ والرد" مع الامام الميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي (قده)[101]، ثم اختلفوا في نتائج هذا الاجتماع :

ـ قال السيد عبد الرزاق الحسني: (فدارت بين المجتمعين مداولة ترمي الى إصلاح الحالة العامة ، وتعرض بعضهم الى موضوع الثورة ، فانتبه الامام الحائري فقال : "إنَّ الحمل ثقيل وأخشى أن لا تكون للعشائر قابلية المحاربة مع الجيوش المحتلة". فأكد له الزعماء أن فيهم الكفاية التامة لهذا العمل الخطير ، وأن الثورة أمر لا بد منه وإن كانوا هم لا يريدون الحرب ولا يرغبون فيها. ولكن الامام تردد في إعطاء الجواب الحاسم اعتقاداً منه أن الحمل ثقيل ، فأجابهم بقوله : "أخشى أن يختل النظام ويفقد الامن فتكون البلاد في فوضى وأنتم تعلمون أن حفظ الامن أهم من الثورة بل وأوجب منها". فأجابه الحضار أن قابليتهم على حفظ الامن والنظام يجب أن لا يرتقي الشك إليها وإنه لا مناص من إعلان الثورة ، وأكدوا له أنهم سيبذلون كل ما في وسعهم لحفظ النظام واستتاب راحة العموم. فلما رأى الامام أن الرؤساء ضايقوه من كل جانب لم يرَ بداً من القول: "إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم ، فالله في عونكم". وعلى هذا الاساس فارق الزعماء المرجع الديني الكبير ، واجتمعوا ليلة 16 شعبان 1338 في الحضرة الحسينية فعاهدوا الله ورسوله وفرقانه المبين على أنهم لا يذخرون وسعاً في تحقيق آمال البلاد الوطنية ، وأنهم سيلفظون آخر نفس في سبيل إنقاذ بلادهم من الحكم الاجنبي ، ثم قرروا الشروع في إعلان الثورة في مواضع مختلفة وفي يوم واحد ليتمكنوا من مشاغلة القوات الانكليزية في ميادين مختلفة ، وكلفوا الشيخين: شعلان أبو الجون وغثيث الحرجان أن يستعدا للقاء في السماوة وأن يحرضا بقية الرؤساء على الانضمام تحت هذا اللواء المقدس)[102].

وأبرز المآخذ على هذا النص أن السيد عبد الرزاق الحسني ذكره بدون أن يشير لمصدره ! كما إنَّ النص يركز على شخصيتي الشيخين شعلان أبو الجون وغثيث الحرجان ولم يركز على زعماء الشامية وغيرها من مناطق العراق الفراتية أو المنتفك أو غيرها ، فكأنما يريد النص أن يوحي للقاريء بأن الحركة التي قام بها هذان الشيخان يوم 30 حزيران 1920م حينما أطلق غثيث سراح شعلان أبو الجون من سجنه وإشتعال نار الثورة إنما هو جزء من مخطط متفق عليه بين الجميع ! وفي تقديرنا فإنَّ هذا النص إنما كتب ليبرز هذه الفكرة.

ويجب ان نعلم أن الثورة لم تشتعل في عدة مناطق وفي وقت واحد كما هو مخطط له بحسب هذا النص ، بل بقيت الثورة مستعرة في الرميثة وحدها لمدة أسبوعين قبل أن تنضم لها باقي عشائر الفرات الاوسط[103] ولا سيما عشائر الشامية الذين حضر عدد من زعمائهم الاجتماع المذكور في بيت الامام الحائري الشيرازي (قده)[104] دون أن يحركوا ساكن حين إنطلاق شرارة الثورة.

 

ـ نقل الدكتور علي الوردي في كتابه (لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث) هذا النص نقلاً عن السيد عبد الرزاق الحسني في مصدره المذكور في الفقرة السابقة ، ولكنه لم ينقل إجتماع الزعماء يوم 16 شعبان وما تلاه ربما لعدم قناعته فيه ! بل استبدله بنص يذكر أن الشيخ محمد رضا نجل الامام الحائري (قده) أخبر الزعماء حين خروجهم من الاجتماع أن كلمات الامام الحائري (قده) تدل على الافتاء بالثورة ، وقد ذكر د. علي الوردي أنه نقل هذا القول عن كتاب (ثورة النجف) لحسن الاسدي. ثم أعقبه بأن ذكر أن الزعماء حينما إجتمعوا في الليلة التالية أتفقوا على أن يستمروا في المطالبة بالاستقلال بالطرق السلمية فإذا أصر الانكليز على رفض مطالبهم فإنهم حينئذٍ يلجأون للثورة المسلحة. ثم ذهبوا الى ضريح الامام الحسين (عليه السلام) وأقسموا على إنجاز ما اتفقوا عليه[105]. وذكر الدكتور علي الوردي أن مصدر هذا الاتفاق هو كتاب (كربلاء في التاريخ) لعبد الرزاق الوهاب ، والمطبوع سنة 1935م.

ومن الواضح أن ما ذكره الدكتور علي الوردي يختلف كثيراً عما ذكره السيد عبد الرزاق الحسني ، ومن الملفت للنظر ان الزعماء ـ في النص الذي نقله الدكتور علي الوردي ـ رغم أنهم علموا ان كلام الامام الحائري (قده) يدل على الافتاء بالثورة كما أكده لهم أبنه الشيخ محمد رضا إلا أنهم في اليوم التالي إجتمعوا وأتفقوا على المطالبة السلمية أولاً ، وهي مفارقة ذات معاني عميقة !!

 

ـ أما كامل سلمان الجبوري فقد ذكر النص نقلاً عن (الثورة العراقية الكبرى) للسيد عبد الرزاق الحسني وكتاب (ماضي النجف وحاضرها) للشيخ جعفر باقر محبوبة المطبوع سنة 1954م. غير انه لم يذكر تعليل الامام الحائري (قده) لرفضه للثورة طلباً للحفاظ على الامن العام للناس بل بتر النص الذي ذكره السيد عبد الرزاق الحسني وابتدأه بقوله :( وبعد مداولات وأخذ ورد مع الامام الشيرازي تردد في إصدار فتوى بها الصدد وإنما اكتفى بقوله لهم : "إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم" ، ثم ذكر أن الزعماء اجتمعوا في اليوم التالي وقرروا الاستمرار في المطالبة السلمية على النحو المذكور في الفقرة السابقة ، ثم مسألة القسم في ضريح الامام الحسين (عليه السلام)[106]. وهو بذلك إنما يريد القول كما هو ظاهر بأن المطالبة السلمية للزعماء وعدم إشعال نار الثورة في حينها إنما كان نتيجة التردد في الفتوى !

ثم أنَّ هذا التردد المزعوم لا ينسجم مع العبارة التي نسبها إليه : (إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم) ، فما هي نياتهم ؟ وما هي تعهداتهم ؟ لقد ترك الجبوري هذين السؤالين في الاذهان دون أن يذكر ما يجيب عليهما أو يشير الى جوابهما !!

 

ـ ولعل النص الذي ذكره فريق مزهر الفرعون هو الاقرب للصواب ، حيث قال : (وقد اجتمع الخمسة مع الشيخ الشيرازي طويلاً فأسفرت مداولاتهم على أن يقاوموا الحكومة البريطانية مقاومة سلمية وإن لم تجد المقاومة السلمية فالمقاومة تكون ثورة دموية)[107] ، ثم علّق علي البزركان على هذا النص بقوله : (واجتمعوا بالمرزا محمد تقي الشيرازي وولده وبعد أن حضر كافة رؤساء العشائر وحلفوا اليمين بحضرة الامام علي أن لا يحيدوا عن أوامره قيد شعرة بخصوص المطالبة بالاستقلال التام الناجز من غير حماية ووصاية ولو أدى بهم الامر الى إستعمال السلاح ضد السلطة المحتلة وعلى هذا الاساس انفض الاجتماع وغادروا كربلاء)[108]

فمن هنا نفهم سبب حلف اليمين الذي ذكره الجميع دون أن يذكروا ما يبرره ، فنجد هنا أنهم أقسموا على طاعة المرجعية الدينية في تحركهم ضد الانكليز ، وهو تفسير معقول جداً.

ونلاحظ أن علي البازركان قد توهم فذكر اسم الامام علي (عليه السلام) بدلاً من الامام الحسين (عليه السلام) ولعل ذلك يعود الى أنه يجهل من هو المدفون في كربلاء المقدسة من الائمة الاطهار (صلوات الله عليهم) ، ولعل ذلك من سهو القلم !!

 


 

ــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص63.

[2]  المصدر السابق ـ ص78 و79.

[3]  الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية ، وميض عمر نظمي ـ ص306.

[4]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص91.

[5]  الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البزركان ـ ص95.

[6]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص79 ، أيضاً: النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص30 و31.

[7]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص230.

[8]  المصدر السابق ـ ص230 و231.

[9]  مذكرات السيد محسن ابو طبيخ ـ ص68.

[10]  الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البزركان ـ هامش ص238.

[11]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920  ، كامل سلمان الجبوري ـ ص20.

[12]  المصدر السابق ـ ص54 و224 و229.

[13]  المصدر السابق ـ ص189 و192 و195.

[14]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص67.

[15]  المصدر السابق ـ ص70.

[16]  المصدر السابق ـ ص73.

[17]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص30.

[18]  الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البزركان ـ ص220.

[19]  المصدر السابق ـ ص92.

[20]  المصدر السابق ـ ص93 و94.

[21]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص31.

[22]  الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية ، وميض عمر نظمي ـ ص307.

[23]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص106.

[24]  المصدر السابق ـ ص79 و80.

[25]  المصدر السابق ـ ص66.

[26]  الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية ، وميض عمر نظمي ـ ص309.

[27]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص89 و90.

[28]  العروة الوثقى ، لآية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قده) وبهامشها تعليقة السيد الخوئي (قده) ـ ج1 ، كتاب الاجتهاد والتقليد ، مسألة (22).

[29]  المصدر السابق ، كتاب الاجتهاد والتقليد ، مسألة (23).

[30]  المصدر السابق ، كتاب الاجتهاد والتقليد ، مسألة (42).

[31]  المصدر السابق ، كتاب الاجتهاد والتقليد ، مسألة (13).

[32]  أنظر في هذا الخصوص : لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، للدكتور علي الوردي ـ ج3 ص115 وما بعدها.

[33]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص90.

[34]  موقع ملتقى البحرين في شبكة الانترنيت العالمية عبر الرابط : (http://www.bahrainonline.org/showthread.php?t=97086).

[35]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص198. أيضاً : الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية ، وميض عمر نظمي ـ ص121.

[36]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص199.

[37]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص230.

[38]  المشروطة والمستبدة مع كتاب "تنبيه الامة وتنزيه الملة" ، رشيد خيون ـ ص177.

[39]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق1 ص65.

[40]  المصدر السابق ـ ج5 ق1 ص66.

[41]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى ، كامل سلمان الجبوري ـ ص125.

[42]  المصدر السابق ـ ص128.

[43]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق1 ص51.

[44]  المصدر السابق ـ ج5 ق1 ص66.

[45]  المصدر السابق ـ ج5 ق2 ص200.

[46]  المصدر السابق ـ ج5 ق1 ص127 و257. أيضاً: الثورة العراقية الكبرى ، السيد عبد الرزاق الحسني ـ ص170.

[47]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص359 ، نقلاً عن مذكرات الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده).

[48]  مستمسك العروة الوثقى ، آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قده) ـ ج1 ص5.

[49]  العروة الوثقى ، لآية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قده) وبهامشها تعليقة السيد الخوئي (قده) ـ ج1 ص2.

[50]  معجم رجال الحديث ، السيد الخوئي ـ ج32 ص22.

[51]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص362.

[52]  المصدر السابق ـ ص359.

[53]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص230.

[54]  تنبيه الامة وتنزيه الملة للشيخ النائيني (قده) ، مقدمة الاستاذ عبد الكريم آل نجف ـ ص56.

[55]  الصراع على السلطة في العراق الملكي ، نزار توفيق الحسو ـ ص218.

[56]  المصدر السابق ـ ص175.

[57]  المصدر السابق ـ ص116.

[58]  المصدر السابق ـ ص110.

[59]  المصدر السابق ـ ص207.

[60]  دور الشيعه في التطور السياسي في العراق الحديث ، عبد الله النفيسي ـ ص200 (أطروحة دكتوراة مقدمة لجامعة كامبريدج 1972م باللغة الانكليزية)

[61]  الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية ، وميض عمر نظمي ـ ص350.

[62]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص166.

[63]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص91.

[64]  المصدر السابق ـ ص91.

[65]  المصدر السابق ـ ص373.

[66]  الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البزركان ـ ص97.

[67]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص582.

[68]  تراث كربلاء ، سلمان هادي الطعمة ـ ص283.

[69]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص95.

[70]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص125 و131 و132

[71]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص96.

[72]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص150.

[73]  الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البزركان ـ ص188.

[74]  المصدر السابق ـ ص97.

[75]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق1 ص62.

[76]  تراث كربلاء ، سلمان هادي الطعمة ـ ص283.

[77]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص74.

[78]  المصدر السابق ـ ص75.

[79]  المصدر السابق ـ ص76.

[80]  المصدر السابق ـ ص76.

[81]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص181.

[82]  المصدر السابق ـ ص160.

[83]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص44.

[84]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص65.

[85]  المصدر السابق ـ ص106.

[86]  الثورة العراقية ، السر أرنولد ولسن ـ ص64.

[87]  المصدر السابق ـ ص38.

[88]  المصدر السابق ـ ص66.

[89]  المصدر السابق ـ ص64.

[90]  المصدر السابق ـ ص38.

[91]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص75.

[92]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص230.

[93]  تنبيه الامة وتنزيه الملة للشيخ النائيني (قده) ، مقدمة الاستاذ عبد الكريم آل نجف ـ ص36.

[94]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص68.

[95]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ هامش ص79.

[96]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص230.

[97]  المشروطة هي حركة المطالبة بالدستور التي ظهرت في تركيا وإيران ، وهي إنما سميت بهذا الاسم لأن القائمين بها اعتبروا مواد الدستور بمثابة (الشروط) التي يجب أن يتقيد بها الملك في حكم رعيته ، وتلفظ في تركيا (مشروطية) وفي إيران (مشروطة). أنظر : لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، للدكتور علي الوردي ـ ج3 ص103.

[98]  تنبيه الامة وتنزيه الملة للشيخ النائيني (قده) ، مقدمة الاستاذ عبد الكريم آل نجف ـ ص19.

[99]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص228.

[100]  المصدر السابق ـ ص228 و229.

[101]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص50 و51.

[102]  الثورة العراقية الكبرى ، السيد عبد الرزاق الحسني ـ ص170 و171.

[103]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق2 ص130.

[104]  الثورة العراقية الكبرى ، السيد عبد الرزاق الحسني ـ ص170.

[105]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق1 ص129.

[106]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص51.

[107]  الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البازركان ـ ص119، نقلاً عن (الحقائق الناصعة) لفريق مزهر الفرعون.

[108]  المصدر السابق ـ ص121.

 

 

 

الصفحة الرئيسية