بسم الله الرحمن الرحيم

فوضى واخطاء وأكاذيب في سرد أحداث ثورة العشرين

نبيـل الكرخي 

المحور الثاني: الحركة النجفية المسلحة ، آذار / مارس 1918م

 

موقف السيد اليزدي (قده) من التحرك الثوري النجفي سنة 1918م:

لقد وجه بعض القوميين سهامهم المسمومة الى شخص المرجع السيد اليزدي (قده) واتهموه بإتهامات بعيدة عن الصواب لاسيما في احداث الحركة النجفية المسلحة ، وقبل ان نستعرض تلك الاتهامات ونفندها ونبين زيفها وخطأها سوف نستعرض بمشيئة الله سبحانه ملخصاً عن الحركة النجفية المذكورة ودور السيد اليزدي فيها ، ثم نتابع موضوعنا :

ـ في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، السلطات العثمانية ترسل من البصرة برقية الى علماء الدين في المدن المقدسة ومختلف المدن العراقية تخبرهم بخطر الغزو من قبل البريطانيين[1].

ـ في 14 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م = 25 ذي الحجة 1332هـ ، إحتلال القوات البريطانية للفاو في البصرة[2].

ـ في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، إنطلق السيد المجاهد محمد سعيد الحبوبي (قده) مع كتائب المجاهدين للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق[3].

ـ في 17 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، إنطلق موكب السيد عبد الرزاق الحلو مع كتائب المجاهدين للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق[4].

ـ في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م أرسل السيد كاظم اليزدي (قده) برقية الى الشيخ خزعل أمير المحمرة لحثّه على مساعدة الثوار والامتناع عن مساعدة المحتلين البريطانيين[5].

ـ في 28 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، تحرك المجاهدون عن طريق بغداد بقيادة كل من شيخ الشريعة الاصفهاني (قده) والسيد علي الداماد والسيد مصطفى الكاشاني وموفدوا السيد كاظم اليزدي (قده)[6]وهم كل من السيد محمد بن السيد كاظم اليزدي (قده) والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والسيد اسماعيل اليزدي وبعض الطلبة[7] للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق.

ـ في 22 كانون الاول / ديسمبر 1914م تحرك من النجف الشيخ جعفر الشيخ عبد الحسين والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ حسين الحلي (قده) والشيخ حسين الواسطي والشيخ منصور المحتصر وكثير من العلماء وطلبة الحوزة العلمية للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق[8].

ـ في 19 كانون الثاني / يناير 1915م = 3 ربيع الاول 1333هـ ، متصرف لواء المنتفك يرسل برقية الى السيد كاظم اليزدي (قده) يعرب فيها عن استجابته لأوامره السابقة حول تسهيل شؤون المجاهدين ويخبره بحركة التطوع لمحاربة الانكليز بتاثير فتواه[9].

ـ في 20 كانون الثاني / يناير 1915م ، القوات البريطانية تشن هجوماً كبيراً على موقع الروطة شمال القرنة وقد تصدى لهم المجاهدون بقيادة السيد مهدي الحيدري وهزموهم[10].

ـ في 12 نيسان / أبريل 1915م ، وقعت معركة الشعيبة بين البريطانيين من جهة وبين القوات العثمانية وقوات المجاهدين الشيعة من جهة اخرى ، وقد أدى الانسحاب الفجائي للقوات العثمانية الى إنكسار جيش المجاهدين وإلحاق الهزيمة بهم[11].

ـ بسبب سوء معاملة العثمانيين للمجاهدين بعد معركة الشعيبة تصاعدت في تلك الفترة درجة التذمر من الحكم العثماني في النجف الاشرف ولجأ الكثير من الفارّين من الخدمة العسكرية الى النجف الاشرف ، وقد ساهم الوضع الجديد في تكوين إتجاه يدعو الى الثورة على العثمانيين ، وظهرت في المدينة منشورات تدعو لمحاربة الحكومة العثمانية ، وعلى اثر ذلك أرسل الوالي الى النجف الاشرف قوة عسكرية كبيرة للقبض على الفارين ، فأعطى قائد القوة إنذاراً للاهالي أمده ثلاثة أيام لكي يسلّم الفارون أنفسهم ، ولما انتهت المدة أخذ رجال الشرطة يتعقبون الفارين ويداهمون البيوت ليلاً ونهاراً ويتحسسون أجساد النساء مخافة أن يكون أحد الفارين قد تنكر بزي أمرأة ، وكان من شان هذه الاجراءات أن تستفز الرأي العام النجفي وتولّد ردود فعل عنيفة لا سيما مسألة التعرض للنساء في مجتمع محافظ كمجتمع النجف[12].

ـ في ليلة 22 آيار / مايو 1915م ، أندلعت في النجف الاشرف ثورة ضد العثمانيين ودارت معارك عنيفة بين الثوار وبين القوات العثمانية أضطرت العثمانيين في النهاية الى الاستسلام ، ودخلت الحكومة العثمانية بمفاوضات مع رؤساء النجف تمخضت عن احتفاظ الحكومة بوجود رمزي في المدينة بينما أصبحت السلطة الفعلية بيد الرؤساء[13](أي رؤساء المحلات الاربع في النجف).

ـ في 11 تشرين الاول / أكتوبر 1915م = 1 ذي الحجة 1333هـ ، السيد اليزدي (قده) يبعث برسالة جوابية الى الشيخ شعلان العطية رئيس عشيرة الاكرع في عفك والدغارة يؤكد فيها فتواه بوجوب الجهاد ويحثهم عليه[14].

ـ في تشرين الثاني / نوفمبر 1915م أعلن السيد اليزدي (قده) دعوته الثانية للجهاد ضد الاحتلال البريطاني رغم الاساءات التي تعرض لها الشيعة في الفرات الاوسط من قبل العثمانيين[15] !

ـ في تشرين الثاني / نوفمبر 1916م أرسلت الحكومة العثمانية قوة عسكرية بقيادة (عاكف بك) فدخل الحلة واخذت قواته بحرق وهدم البيوت وقتل الاهالي ، ثم نفذ حكم الاعدام شنقاً بحق مائة وستة وعشرين رجلاً ! وبلغ عدد القتلى ألف وخمسمائة ، وتم نفي عدد من الاهالي بينهم نساء وأطفال مات قسم منهم خلال الطريق الى الاناضول ، كل ذلك رداً على ثورة مدينة الحلة التي اندلعت سنة 1915م ضمن ثورات الفرات الاوسط في تلك الفترة[16]. وقد وصلت انباء مجزرة الحلة هذه الى المجاهدين من أبناء الشيعـة في مناطق القتال ضد الانكليز وكان تأثيرها سيئاً عليهم[17].

ـ في 11 آذار / مارس 1917م ، احتلال القوات البريطانية لبغداد.

ـ أواخر تموز / يوليو 1917م ، الانكليز يعينون الكابتن بلفور حاكماً سياسياً لمنطقة الشامية والنجف[18].

ـ في اواخر تشرين الاول / أكتوبر 1917م ، وصول قافلة لرئيس مشايخ عنزة "فهد الهذال" المتعاون مع الانكليز ، الى النجف الأشرف لشراء كمية كبيرة من الحبوب بأوامر من الكولونيل لجمن ، مما أدى الى ارتفاع الاسعار ارتفاعاً كبيراً ، مما ادى الى خروج تظاهرة في النجف الاشرف ثم هجم اتباع عطية أبو كلل ـ أحد الرؤساء الاربعة لمحلات النجف الاشرف ـ على القافلة فأطلقوا عليها الرصاص وقتلوا عدداً من الجمال واستولوا على بعض البنادق والامتعة[19]. وادى تفاعل الاحداث الى خلق أزمة كبيرة جداً لكن تدخل السيد اليزدي (قده) حال دون تفاقم الوضع[20].

ـ في أواخر سنة 1917م تشكلت في مدينة النجف الاشرف "جمعية النهضة الاسلامية" من قبل مجموعة من علماء الدين كان في مقدمتهم السيد محمد علي بحر العلوم (رئيس الجمعية) والشيخ محمد جواد الجزائري (نائب الرئيس) وهما اللذان وضعا الاسس الفكرية والسياسية للجمعية وحددا خطوطها العامة في التحرك والعمل على أساس العقيدة الاسلامية. وقد اعتمدت الجمعية الاتجاه الاسلامي صفة أساسية في تحديد هوية الاعضاء الذين ينتمون إليها ، لذلك لم تُدخِل في عضويتها الاشخاص من ذوي الاتجاه القومي[21]. وقد تحدد من خلال المادة السابعة من منهاج الجمعية الهيكل التظيمي لها وذلك بأن يتألف من جمعية مركزية عدد اعضائها (12) عضواً يرأسها المرجع الديني الاعلى للمسلمين. والمعروف أنَّ السيد كاظم اليزدي (قده) كان هو المرجع الديني الاعلى في تلك الفترة[22].

ـ في صباح 12 كانون الثاني / يناير 1918م اقتربت مفرزة من الخيالة الهنود من محلة العمارة فتصدى رجال عطية أبو كلل لها واطلقوا عليها النار فقتلوا احدهم وجرحوا الآخر ، ثم انسحبت المفرزة دون ان ترد على النار بالمثل. وبعد ساعات قليلة ظهرت طائرة بريطانية في سماء النجف فأطلق عليها بعض المسلحين نار بنادقهم ، وفي الوقت نفسه هجم مسلحون على مكاتب الحكومة في النجف الاشرف. وعلى أثر هذه الحادثة ذهب الى الكوفة أثنان من رؤساء النجف هما مهدي السيد سلمان وسعد الحاج راضي فقابلا بلفور وأبديا استعدادهما لدفع التعويض عن الخسائر ، وفي اليوم التالي ذهب كاظم صُبي لمقابلة بلفور الذي حدد غرامة قدرها خمسين الف روبية مع تسليم عطية أبو كلل وكريم بن سعد الحاج راضي المؤيد لعطية. فهرب عطية على أثر ذلك والتحق بالشيخ عجمي السعدون الموالي للعثمانيين ، وعلى أثر هذه الحادثة قرر البريطانيون فرض إدارتهم العسكرية المباشرة على مدينة النجف الاشرف[23].

هذا استعراض موجز وسريع لأهم الاحداث التي جرت على النجف الاشرف قبل الحركة الثورية التي تزعمها الحاج نجم البقال في آذار / مارس 1918م.  

والان هناك ثلاثة أسئلة مهمة ينبغي الاجابة عنها من أجل إكمال الصورة عن تحرك الثورة النجفية في آذار / مارس 1918م ، هما :

ـ هل كان التحرك الثوري النجفي في آذار / مارس 1918م بقيادة جمعية النهضة الاسلامية ؟
ـ هل كان التحرك الثوري النجفي في آذار / مارس 1918م خاضعاً لقيادة المرجعية الدينية في النجف الاشرف ؟
ـ هل كان أهل النجف الاشرف وسكانه راضين بذلك التحرك الثوري ومتفاعلين معه ؟

والجواب بإختصار هو إنَّ التحرك الثوري النجفي بقيادة الحاج نجم البقال في آذار / مارس 1918م لم يكن بقيادة جمعية النهضة الاسلامية ، ولم يكن خاضعاً لقيادة المرجعية الدينية في النجف الاشرف ، ولم يكن مرضياً من قبل سكان النجف الاشرف ولم يكونوا متفاعلين معه.

نعم ، قد تكون هذه الاجوبة مخيبة لظن الوطنيين والاسلاميين الذين لم يطلعوا على حقائق الامور ، ولكن ما يهمنا هو أن نكشف مواطن الخلل التي حدثت في المواجهات الماضية ضد قوى الاحتلال البريطاني ولماذا فشلت كل الثورات والتحركات الثورية ضده ولم تجبره على مغادرة البلاد ! وأهم مواطن الخلل هي عدم إنقياد المسلمين إنقياداً تاماً للقيادة المرجعية ، بالاضافة لتخلل الصفوف العديد من القوميين والوطنيين الذين شتتوا العزائم الاسلامية وبلبلوا الصفوف المتراصة ضد المحتل بتبنيهم رؤى وأساليب وأفكار مخالفة لرؤية المرجعية الدينية التي لو مضت على ما خططه المراجع العظام لها لكان النصر بكل تأكيد حليفاً للمسلمين. ولذلك سوف نخوض بشيء من التفصيل في بيان أجوبتنا الآنفة الذكر :

 

عدم مسؤولية جمعية النهضة الاسلامية عن التحرك الثوري في / مارس 1918م :

وعدم المسؤولية المشار إليه واضح من خلال الانشقاق الذي قاده الحاج نجم البقال في صفوف الجمعية المذكورة ، والمنشقون بكل تاكيد لا يمثلون الجهة التي انشقوا عنها ، لأنهم تبنوا رؤى مخالفة عنها من حيث الهيكلية التنظيمية ومن حيث القرارت.

تحدث كامل سلمان الجبوري عن وجود تيارين داخل جمعية النهضة الاسلامية ، الاول على صلة بالعثمانيين والثاني لا يريد عودة العثمانيين، التيار الاول كان يريد التعجيل بإعلان الثورة ضد الانكليز لكي يتسنى للعثمانيين العودة الى حكم العراق ! والثاني كان يريد تاخير إعلان الثورة لكي يتم إنضاج الفكرة في جميع مناطق العراق لكي يكون حجم إندلاعها مؤثراً في الساحة العسكرية فضلاً عن أنهم كانوا يطالبون بالاستقلال التام للعراق بعيداً عن البريطانيين والعثمانيين[24]. وقد كان المرجع الاعلى السيد كاظم اليزدي (قده) يميل لرأي التيار الثاني[25].

وقد كان الحاج نجم البقال الذي تزعم الحركة الثورية النجفية في آذار / مارس 1918م هو قائد التيار الاول ، وقد ترأس (جمعية سرية داخل الجمعية)[26] على حد وصف الجبوري ، وهو وصف ناعم لعملية إنشقاق سرية جرت داخل جمعية النهضة الاسلامية برئاسة الحاج نجم البقال.

والحاج نجم البقال أسمه نجم بن عبود بن فرج الدليمي المعروف بالبقال ، تقطن اسرته في لواء الدليم ، ولد من أب عربي من عشيرة المحامدة ومن أم عربية من عشيرة الخميسات ، وقد قطن النجف الاشرف هو وأبوه واخوته[27]. وقد ذكر الشيخ محمد الخالصي في مذكراته ما يشير الى أن عباس بن الحاج نجم البقال كان شيعياً[28]، مما قد يشير الى أن الحاج نجم البقال أيضاً كان شيعياً لاسيما وهو قد عاش في النجف الاشرف وانتسب الى جمعية إسلامية شيعيـة.

وكان لجمعية النهضة الاسلامية جناح عسكري يتكون من ثلاث مجاميع : الاولى بقيادة كاظم صبي والثانية بقيادة الحاج نجم البقال والثالثة بقيادة كريم بن سعد الحاج راضي[29]. ومن الواضح أن المجموعة الثانية وحدها هي التي أشعلت نار التحرك الثوري المذكور حيث لم يرد أسم كاظم صبي او كريم بن سعد الحاج راضي ضمن أسماء المهاجمين الذين قتلوا الكابتن مارشال يوم 19 آذار / مارس 1918م وعددهم (27) ثائراً[30].

وكان الحاج نجم البقال متأثراً بالرسائل التي كان يرسلها إليه أبنه ، حيث انَّ أبنه عباس قد خرج من النجف الاشرف في 1 / 12 / 1917م واستطاع أن يفلت من رقابة الانكليز الذين كانوا يبحثون عنه لإشتراكه في الهجوم على مكاتب السلطة في أبي صخير يوم 19 تشرين الثاني / نوفمبر 1917م وتمكن من الوصول الى عجمي السعدون الذي أرسله الى الموصل[31]. وكان عباس هو الوسيط بين والده الحاج نجم البقال والسلطات العثمانية وربما دون علم الجمعية ، وقد أتفق الحاج نجم البقال مع العثمانيين على تقديم ساعة الصفر لتخفيف الضغط على الجيش العثماني في شمال العراق[32]، وكانت الحرب بين البريطانيين والعثمانيين وقت تحرك الحاج نجم البقال قد استعرت في لواء الدليم ، في مناطق الرمادي وهيت وغيرها ، غير أن الذي حصل أثناء الثورة أنه في يوم 26 آذار / مارس 1918م أي بعد ستة أيام من إندلاع الثورة سلّمت القوة العثمانية في الرمادي وخفّ الضغط على الجيوش البريطانية فنقل قسم من الجيش المعبأ للرمادي الى النجف لقمع الثورة[33] ! كما انه في يوم 28 آذار / مارس 1918م أحتل الانكليز بلدة (عانة) بدون مقاومة وانهزم العثمانيون ، فأرسل بعض الوحدات الانكليزية الى النجف لإخماد الثورة[34].

إذن تحرك الحاج نجم البقال بمجموعته التي أنشقت سراً عن جمعية النهضة الاسلامية ، بغية تخفيف الضغط عن الجيش العثماني الذي كان يقاتل الانكليز في لواء الدليم ، الموطن الاصلي للحاج نجم البقال ! وهو في تحركه هذا قد انفرد بالقرار وحده ودون الرجوع لرؤساء جمعية النهضة الاسلامية على أقل تقدير أو رؤساء محلات النجف الاشرف ، لقد تحرك بقرار منفرد بمعزل عن الجميع ، وأدى تحركه لهتك حرمة مدينة النجف الاشرف وضربها بالمدافع ومقتل العشرات من الابرياء.

 

عدم مسؤولية المرجعية النجفية عن التحرك الثوري في آذار / مارس 1918م :

يضاف لذلك أنَّ جمعية النهضة الاسلامية ـ كما ذكرنا سابقاً ـ قد وضعت في هيكلها التنظيمي أنه يتألف من جمعية مركزية عدد اعضائها (12) عضواً يرأسها المرجع الديني الاعلى للمسلمين ـ بمعنى أن يعودوا هم في قراراتهم الى المرجع الاعلى للموافقة عليها لا أن يكون المرجع جزءاً من تنظيمهم ، والفرق واضح ـ والمعروف أنَّ السيد كاظم اليزدي (قده) كان هو المرجع الديني الاعلى في تلك الفترة[35]، فإذا كانت القيادات العليا للجمعية وكذلك المرجعية الدينية ممثلة بالمرجع الاعلى السيد اليزدي (قده) لم يكونوا على علم بما يريد الحاج نجم البقال فعله ، وكانوا يرون ان هناك حاجة للمزيد من التنسيق بين مختلف ألوية العراق وعشائره وعاصمته من اجل النهوض بثورة عارمة ضد الانكليز لكي يكون تكون ثورة قادرة على دحر الانكليز وهزيمتهم بالعراق ، وليس مجرد تحرك محدود غير مجدي يؤدي الى سفك دماء الابرياء دون نتيجة هادفة. لقد تحرك الحاج نجم القال مع مجموعته التي قتلت الكابتن مارشال بمعزل عن جميع القيادات الدينية الموجودة وبمعزل عن قيادة الجمعية التي ينتمي إليها والتي إنشق بمجموعته عنها.

 

عدم مسؤولية أهالي النجف الاشرف عن التحرك الثوري في آذار / مارس 1918م :

وبما أن تحرك الحاج نجم البقال كان بمعزل عن المرجعية الدينية والعلماء وقيادة جمعية النهضة الاسلامية التي ينتمي إليها ورؤساء محلات النجف الاشرف ، لذلك فقد كان تحركه يفتقر الى الدعم الشعبي له. بل يفتقر الى تأييد غالبية سكان المدينة ، ويؤكد هذا الامر الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته[36]. فليس بمقدور شخص واحد ليس لديه مكانة دينية أو إجتماعية مرموقة أن يجبر المئات من الناس على تأييده من خلال توريطهم بعمل عسكري ضخم ومفاجيء غير متهيئين له !

ويذهب وميض عمر نظمي الى أنه حتى القوميين العرب من اهالي النجف (مثل الشبيبي والبصير وعبد المهدي) لم يشتركوا في حركة النجف ، وقد اُعدِمَ نتيجة حركة الحاج نجم البقال (13) شخصاً ـ الصحيح (11) شخصاً ـ ونفي (122) آخرين ولم يكن بين هؤلاء أي شخص عرف بميوله القومية العربية[37] !

لقد كانت الحكمة تجانب تحرك الحاج نجم البقال والذي أودى بحياة الكثير من الابرياء من اهالي النجف الاشرف.

 

شروط الانكليز لإنتهاء القتال في النجف 1918م :

قال حسن العلوي : (وكانت الشروط الانكليزية التي يريد السيد اليزدي الاذعان لها هي :

ـ تسليم الثوار الذين هاجموا وقتلوا الكابتن مارشال الحاكم السياسي البريطاني للنجف ومن اشترك معهم في الهجوم لمحاكمتهم. وقد نشر الانكليز اسمائهم في قائمة تضم (25) شخصاً واخرى تضم (102) لغرض نفيهم الى الهند كأسرى حرب.

ـ وتسليم غرامة بالف بندقية و (50) ألف روبية تجمع من أهالي النجف.)[38].

وهو إتهام كاذب من قبل حسن العلوي لأن السيد اليزدي (قده) كان من الرافضين لهذه الشروط كما يؤكد هذا كامل سلمان الجبوري[39].

ولتبيان حقيقة الامر نحتاج لذكر بعض حوادث التحرك الثوري المذكور على سبيل الاختصار والتبيين :

ـ في 19 آذار / مارس 1918م ، مقتل الكابتن مارشال من قبل الحاج نجم البقال وجماعته.

ـ في 21 آذار / مارس 1918م ، دعا السيد اليزدي (قده) الى إجتماع في مدرسته ضم العلماء واعيان المدينة وزعماء النجف لدراسة الموقف العام في المدينة وإيجاد الحل المناسب للازمة. وقد طلب الثوار من السيد اليزدي (قده) أن يضمن لهم ولأتباعهم العفو العام والامان التام[40].

ـ في 21 آذار / مارس 1918م ، أرسل الحاكم الملكي العام في العراق رسالة الى السيد اليزدي (قده) يبين فيها شروطه لإنهاء الازمة[41]. وهي الشروط التي ذكرناها آنفاً نقلاً عن كتاب حسن العلوي.

ـ رفض الثوار شروط الانكليز ، وفي هذا الصدد يقول كامل سلمان الجبوري : (ولكن العلماء في هذه الحالة التي سيطر عليها النجفيون المسلحون من الشمرت والزكرت ، أصبحوا لا حول لهم ولا طول في هذا الشأن ، لأن الامر خرج من أيديهم خاصة وأن النجفيين جعلوا يشعرون بأن هذه المفاوضات إنما هي وسيلة من وسائل السياسة الانكليزية لتثبيط عزائمهم وتوهين موقفهم وبث الفرقة بين صفوفهم لذلك لم يمكنوا أحداً من التفاوض بأسمهم)[42] !

ـ في 22 آذار / مارس 1918م ، جمع بلفور عدداً من رجال العشائر ورجال الدين في الكوفة وأبلغهم شروط الحكومة البريطانية لإنهاء الازمة ، وهي الشروط المذكورة آنفاً ، كما ابلغهم أنه في حالة رفض شروط الانكليز فسوف تبقى النجف تحت الحصار الشديد[43]فيمنع عنها الطعام والماء إلى أن تستجيب للشروط وتنفذها بحذافيرها[44]. فرفض النجفيون هذه الشروط كما رفضها المرجع السيد اليزدي (قده) ، غير أن بعض النجفيين الموالين للانكليز قبل بها وفي مقدمتهم الزعيم السيد مهدي السيد سلمان رئيس محلة الحويش[45]. وقد جرت محاولات متعددة لإقناع الثائرين على شروط أخرى أخف من تلك الشروط ولكنهم رفضوا كل شيء يسمى شرطاً[46]. وفي هذا اليوم أصابت نيران الرشاشات جماعة من الابرياء والمارّة ، فقتل بعضهم[47].

ـ 23 آذار / مارس 1918م ، حدثت مناوشات خفيفة بين الجانبين. وهجم جماعة من الفقراء على بيت السيد اليزدي (قده) يستغيثون من الجوع. وأصر الانكليز على مطالبهم المذكورة المتضمنة للغرامات وتسليم المطلوبين ، "فكان لهذه المطالب وقع سيء في نفوس سكان النجف من المجاورين والاعيان وبقية الطبقات ومنهم الوسطاء في المفاوضات ، إذ لا قِبَلَ لأحد من هؤلاء بحمل الثوار على قبول هذه المطالب كلها أو بعضها ، والثوار هم المتحكمون المتغلبون في النجف وأهل النجف منذ سنين[48].

ـ 24 آذار / مارس 1918م ، أعمل الانكليز رشاشاتهم بشدة غير معهودة طيلة النهار وقتل وجرح جماعة من الابرياء والنظارة[49].

ـ 25 آذار / مارس 1918م ، سيارات الانكليز تجوب حول النجف طيلة النهار وترمي المدينة من كل صوب ، للتخويف والتهويل ، فجرح عدد من الابرياء[50]. وفي الليل قتل وجرح جماعة خرجوا في طلب الماء بسبب شحته في المدينة[51]. وفي هذا اليوم أرسل السيد اليزدي (قده) وبقية العلماء والرؤساء برقية الى القائد العام للجيوش البريطانية مطالبين بإصدار العفو العام وإنهاء الازمة ، وأضاف السيد اليزدي (قده) علاوة على ما فيها من طلب للعفو قوله الى جانب توقيعه تأكيداً على الامر : (حسب الظاهر إنَّ إطفاء هذه الغائلة عن هذا البلد المقدس موقوف على العفو العمومي ، وفيه المصلحة)[52].

ـ 26 آذار / مارس 1918م ، تقدم الانكليز نحو الخان بإستماتة وبذل كثيراً من الضحايا للاتصال به ، وقد تم لهم ذلك[53]. وفي هذا اليوم ظهرت آثار الحصار على اللحوم والحطب حيث ارتفعت أسعارها ، وأما الخضروات فقد أنعدم وجودها قبل ذلك لأنها كانت تأتي يومياً من خارج النجف[54].

ـ 27 آذار / مارس 1918م ، وصل جواب القائد العام البريطاني وقد طالب فيه أهل النجف مساعدة البريطانيين في إيقاع العقاب بالمتمردين ، كما أصر فيه على تنفيذ الشروط البريطانية المذكورة[55].

ـ 28 آذار / مارس 1918م ، إحتلال الانكليز بلدة (عانة) وطرد العثمانيين ، وتحويل عدد من قواتهم الى القتال في النجف الاشرف[56].

ـ 29 آذار / مارس 1918م ، عقد إجتماع في دار السيد اليزدي (قده) حضره بعض أهل الحل والعقد ، وقرروا فيه مراجعة القائد العام البريطاني بلهجة اشد من الاولى[57].

ـ 30 آذار / مارس 1918م ، علماء النجف وفي مقدمتهم السيد اليزدي (قده) يرسلون برقية مشتركة الى القائد العام للجيوش البريطانية يطلبون فيها العفو عن الثوار ، وختموها بقولهم : (ولذلك فالامل فيكم أكيد بإصلاح هذه الغائلة بالتدابير الحازمة بالقريب العاجل إن شاء الله تعالى) ، ثم ذيل السيد اليزدي (قده) الرسالة مع توقيعه بان كتب : (نعم الصلاح بالاصلاح)[58].

ـ 31 آذار / مارس 1918م ، حدوث معركة كبيرة بين الثوار والانكليز.

ـ 1 نيسان / أبريل 1918م ، حدوث مواجهة بين الثوار والانكليز. وعاد رسول الثوار ليخبرهم بإستحالة وصول مساعدات عشائرية لهم وبإندحار العثمانيين وهزيمتهم امام الانكليز[59].

ـ 2 نيسان / أبريل 1918م ، ورد الجواب على رسائل العلماء من الكابتن بلفور ، وكان مخيباً لآمال النجفيين[60]. وفي هذا اليوم أرسل سدنة المشهد العلوي وطلبة العلوم في النجف والزوار الغرباء رسالة ترفق بحالهم الى القائد العام والحكومة الانكليزية يشكون فيها من الحصار. وكتب "وكلاء" السيد اليزدي (قده) رسالى الى حميد خان ـ معاون حاكم النجف السياسي ـ إن السيد عازم على انتداب جماعة لمشافهة رجال الانكليز في الكوفة ، وفي عصر نفس اليوم ورد الجواب من حميد خان بأن القوم في الكوفة قبلوا ذلك وان تعيين الوقت منوط بالجماعة المنتدبين ، وأن الانكليز يشترطون أن لا يزيد عدد المنتدبين على خمسة[61].

ـ 3 نيسان / أبريل 1918م ، في صباح هذا اليوم عقد إجتماع سري من قبل رؤساء الثوار في دار الشيخ كاظم صبي ، وكانت تخيم على جوّ الاجتماع روح التشاؤم والخيبة وسوء المصير حيث قد خاب آخر امل لهم بإستمرار المقاومة لتعذر وصول المدد من خارج النجف بأي شكل من الاشكال ، لذلك جعلوا يفكرون بالحلول التي يمكن أن تتم عن طريق المفاوضات خاصة وأن ضغط الجوع والعطش وارتفاع الاسعار ونفاد كثير من المواد الغذائية الرئيسية بدأ يشتد على الناس وهؤلاء بدورهم يعكسونه على الثوار ، حيث كان الحصار محكماً تمام الاحكام ، فلا طعام ولا ماء ولا عتاد يمكن أن يصل الى النجف بأي حال من الاحوال ، فقد سدَّ الانكليز حتى قناة الآبار الشاهية التي كانت تصل بعض آبار النجف بالفرات ، وإذا علمنا إنَّ موسم إكتيال الطعام لم يحن بعد ، وأنَّ آلاف الزوّار الذين حوصروا في النجف شاركوا النجفيين بالقليل المخزون من الطعام لإنتهاء السنة الموسمية ونفاد الكيل المختزن لتلك السنة سواء في السوق أو في البيوت ، لذلك بلغ ثمن وزنة الحنطة (مائة كيلو) خمس ليرات ذهب ، اما اللحم فلم يبق في النجف أي أثر للماشية ، ومن المؤكد ان البعض اكل لحم الحمير وبخاصة الفقراء[62].

وفي هذا اليوم وصل جواب القائد العام للجيوش البريطانية على برقية العلماء التي أجاب عنها ولسن قبل إجابة القائد العام ، وقد رفض فيه تخفيف الحصار وتوعد بإجراءات أشد ضد النجفيين[63].

وفي هذا اليوم أرسل السيد اليزدي (قده) الى الثوار لغرض الاجتماع به في بيته للمداولة في موضوع الحصار الذي ضجَّ منه الناس ، وكان السيد اليزدي (قده) قد دعا جماعة من رجال الدين والوجوه وفاوضهم في الامر وقرروا أن يدعوا قادة الثورة والموالين للسلطة ليحملوهم على القبول بالمفاوضات والتسامح فيها. وبعد إجتماع الثوار مع السيد اليزدي (قده) وافقوا على التفاوض مع الانكليز والقبول ببعض الشروط ، حيث لا يمكن التفاهم بدون ذلك[64].

ـ 4 نيسان / أبريل 1918م ، توجه وفد من أهالي النجف من الموالين للانكليز والتقوا بالانكليز لغرض التفاوض ، وتردد الوفد بين الانكليز والثوار ، الى أن أدرك بلفور مدى الضعف والوهن الذي وصل إليه الثوار مما دفعه للتمادي وأصر على مطالبه السابقة وهو تسليم القتلة دون قيد أو شرط. واوفد السيد اليزدي (قده) وفداً مكوناً من : الشيخ علي كاشف الغطاء وابنه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ جواد الجواهري والحاج محمود أغا والسيد رضا ، أرسلهم لإطلاع الإنكليز على جلية الامر ورفض الثوار لمطاليب السلطة ثم طلب منهم الرأفة بالمدينة المحاصرة ، غير أن موقف بلفور لم يتزحزح وأصرّ على ما أراد. وحينما عرف الثوار بإصرار بلفور على مطالبه أجتمعوا وقرروا الهرب وعدم التسليم بأي حال من الاحوال ، وحاولوا إختراق الحصار البريطاني والخروج من النجف لكن البريطانيين أحسوا بهم واشتبكوا معهم بقتال شديد ومنعوهم من الخروج من النجف[65]. وفي هذا اليوم خرج المندوبون الذين أرسلهم السيد اليزدي (قده) لمفاوضة الانكليز ، والذين تم الاتفاق على ارسالهم مع حميد خان يوم 2 نيسان / أبريل ، كما مرَّ آنفاً ، وهم : الشيخ جواد الجواهري والحاج محمود أغا والشيخ علي الجعفري وأبنه الشيخ محمد حسين والسيد رضا من حفدة السيد اليزدي (قده)[66]. وأيضاً فقد مات جوعاً بعض النجفيين المتكففين واستمرت أسعار الحبوب وموارد المعيشة الضرورية في ارتفاع وتعددت السرقات وتسوّر البيوت[67].

ـ 6 نيسان / أبريل 1918م ، طائرات بريطانية تلقي منشورين على مدينة النجف الاول يتضمن الشروط البريطانية الثلاثة المذكورة سابقاً لإنهاء الحصار على النجف الاشرف ، والثاني يتضمن تفاصيل إنتصارات البريطانيين على العثمانيين في الرمادي من أجل فت عضد الثوار[68].

ـ 7 نيسان / أبريل 1918م ، هجوم القوات البريطانية على التل في النجف الاشرف وتمكنوا من إحتلاله[69].

ـ 8 نيسان / أبريل 1918م ، الانكليز يقدمون قائمتين بمن يريدون القبض عليهم من الثوار[70].

ـ 9 نيسان / أبريل 1918م ، تشكلت في كل محلة من محلات النجف الاشرف لجنتان الاولى لجمع الغرامات والثانية للقبض على المطلوبين المختفين ، وكانت هذه اللجان المخرج الوحيد للإنكليز من المازق الذي وقعوا فيه ، فلو لم تشكل هذه اللجان لما خرج الانكليز من هذه الورطة بسهولة لأنهم لو دخلوا بأنفسهم وقاموا بجمع الغرامة والسلاح لعادت الحرب من جديد داخل المدينة بينهم وبين الثوار المتخفين ، حيث يظهرون من مكامنهم ويؤيدهم الناس.

وفي غروب هذا اليوم ابلغ بلفور السيد اليزدي (قده) إنذاراً بأن الجيش سيقصف محلة العمارة في صباح اليوم التالي[71] ، لغرض تحذير الاهالي من التواجد في تلك المنطقة وإجبار الثوار المتخفين في المدينة على الخروج والاستسلام ، وربما كانت غاية الانكليز إخراج الثوار من أماكن إختبائهم في محلة العمارة ثم رصدهم من خلال أعوانهم الموالين لهم داخل النجف والتعرف على المكان الذي سينتقلون إليه لغرض الاختباء فيه أو القبض عليهم مباشرة وتسليمهم الى الانكليز. حيث ان الانكليز قد رصدوا مبلغ (500) روبية لكل من ياتي بأحد المطلوبين[72]. ويذكر أنَّ العداوة كانت قديمة بين عائلة السيد مهدي السيد سلمان زعيم محلة الحويش والموالي للانكليز وبين الحاج عطية ابو كلل زعيم محلة العمارة والمعادي للانكليز[73]. وقبل مقتل مارشال كان الانكليز يراقبون محلة العمارة يومياً حيث كانت هناك مفرزة هندية تتجول حول سور النجف وبخاصة من جانب محلة العمارة ، محلة الحاج عطية أبو كلل[74] !

ـ 10 نيسان / أبريل 1918م ، في الصباح الباكر من هذا اليوم كان الانكليز قد اطلقوا إحدى وعشرين إطلاقة مدفع على محلة العمارة تحقيقاً لمضمون بلاغهم الأخير ، فقتل جراء ذلك أربعة أشخاص. وبدأ إستسلام الثوار من قتلة مارشال والاشخاص المطلوبين المشتبه بهم. فأوعزت القوات البريطانية بعودة الماء الى النجف كعربون لفك الحصار عندما يستسلم جميع المطلوبين[75].

ـ 11 نيسان / أبريل 1918م ، إزداد نشاط لجان التفتيش التي تبحث عن الثوار من أجل إلقاء القبض عليهم ، وفي هذا اليوم طلب الانكليز من السيد اليزدي (قده) الخروج من النجف فرفض[76].

ـ 12 نيسان / ابريل 1918م ، القي القبض على الحاج نجم البقال وتم تسليمه الى الانكليز[77].

ـ 13 نيسان / أبريل 1918م ، سلّم سعد الحاج راضي نفسه الى الانكليز[78].

ـ 14 نيسان / ابريل 1918م ، ما زال الانكليز مستمرين في منع إدخال الغذاء الى النجف بالرغم من أن الابرياء من الفقراء قد اصبحوا في حالة يرثى لها. مع العلم بأن الغرباء والزوار لم يفرج سوى عن القليل منهم ولا يوجد من يهتم بوجودهم ويؤمن بعض إحتياجاتهم[79].

ـ 15 نيسان / أبريل 1918م ، سمح في هذا اليوم بخروج الزوار وبعض العوائل النجفية[80].

ـ 16 نيسان / أبريل 1918م ، سمحت السلطة لمن يريد أن يخرج من الزائرين الباقين ، فخرج كثير منهم كما سمحوا لبعض العوائل النجفية غير المحاربة بالخروج من النجف[81].

ـ 20 نيسان / أبريل 1918م ، قام الجياع بمظاهرة عنيفة بالميدان حيث يعسكر الجيش البريطاني في أطرافه ، بعد ان نفدت الحنطة والشعير واقفل الخبازون مخابزهم ، وقد بيعت حقّة الحنطة هذا اليوم بثمان ربيات. وفي هذا اليوم قابل بلفور السيد اليزدي (قده) في داره ، وبعد المقابلة قرر بلفور السماح لمن يرغب في مغادرة المدينة من الابرياء[82].

ـ 24 نيسان / ابريل 1918م ، ضاقت الحال الغذائية بالناس هذا اليوم فضج الجميع بالشكوى والنقمة على الانكليز ، وأمتنع بلفور عن إدخال المواد الغذائية الى النجف واشترط لذلك تسليم بقية المطلوبين[83].

ـ 28 نيسان / أبريل 1918م ، سلم كاظم صبي نفسه للانكليز[84].

ـ 30 نيسان / ابريل 1918م ، سلم الشيخ محمد جواد الجزائري نفسه للانكليز[85].

ـ 4 آيار / مايو 1918م ، تم رفع الحصار عن النجف[86].

ـ 11 آيار / مايو 1918م ، استدعى بلفور السيد محمد علي بحر العلوم وأبلغه أنه مطلوب من قبل الحكومة في بغداد ، وألقى القبض عليه[87].

ـ 13 آيار / مايو 1918م ، خرج السيد اليزدي (قده) وشيخ الشريعة (قده) الى الكوفة لأول مرة بعد بدأ التحرك الثوري[88]. يقول السيد عبد الرزاق الحسني : (وكان السيد محمد كاظم اليزدي قد رفض طلب الانكليز بمزايلة النجف ، بعد ان شددوا الحصار عليها وأذاقوا أهلها ضروب العذاب والاضطهاد ، فانتهز فرصة رفع هذا الحصار الآن وانتقل الى الكوفة كما انتقل اليها شيخ الشريعة وغيره من العلماء والاعلام الذين أبت مروءتهم إلا ان يشاطروا الأهلين آلام الحصار والعذاب)[89].

هذا ملخص باهم الاحداث التي حصلت في التحرك الثوري النجفي ، ونستعرض الآن بعض بعض ما قاله أعداء المرجعية من طعون عليها في اثناء هذا التحرك الثوري لنتبين تهافت ولا منطقية إدعاءات خصوم المرجعية :

يقول حسن العلوي : (وكان بلفور حاكم الشامية الذي قمع ثورة النجف وأرسل الى الاعدام أحد عشر شخصاً من قادتها قد ابلغ السيد اليزدي بانه سيقصف مناطق النجف السكنية بالمدافع. وقد ذكر الشيخ محمد رضا الشبيبي ذلك ونشر نص الرسالة التالية التي بعث بها بلفور الى السيد اليزدي:

حضرة آية الله السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي دامت بركاته
إني مأمور من قبل القائد العام لأبلغكم أن جنابه قرر إطلاق المدافع على نواحي النجف بكرة صباحاً. ولي أمل أن اتشرف بحضرتكم في هذا القرب واستدعي لحضرتكم دوام الصحة)[90].

وهذا النص الذي ذكره حسن العلوي لرسالة بلفور الى السيد اليزدي (قده) حول إطلاق المدافع هو نص غير دقيق وفيه تغيير ، حيث ذكر كامل سلمان الجبوري نص البرقية نقلاً عن مذكرات الشبيبي وهي كالآتي :

(9 أبريل سنة 1918م
حضرة آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي دامت بركاته
بعد السلام
إني مأمور من قبل القائد العام لأبلغكم أن جنابه قرر إطلاق المدافع على نواحي محلة العمارة بكرة صباحاً. تقرر بموجب أمر قائد الكوفة والنجف بناءاً على وساطة مندوبي حضرتكم الشيخ محمود أغا والشيخ صاحب الجواهر عند سعادة القائد العام إدخال الماء الى المدينة وترخيص الزوار والمسافرين لمغادرتها ، وأنا مشغول بترتيب ذلك فإن مقصد القائد العام رفع الصدمات الزائدة التي تلحق الابرياء بسبب حركات المجرمين. ولي أمل أن أتشرف بحضرتكم في هذا القرب. واستدعي لحضرتكم دوام الصحة.
حاكم سياسة الشامية / بلفور)[91].

والفرق واضح بين النصين ، فحسن العلوي يريد ان يوحي للقاريء بان السيد اليزدي (قده) كان متعاوناً مع الانكليز ضد الثوار وهو كذب ، والصحيح هو ما ذكرناه سابقاً من أن الانكليز قصفوا محلة العمارة لإخراج الثوار من مخابئهم من أجل قيام الموالين لهم بالقبض عليهم ، وهناك رأي آخر للسيد سليم الحسني الذي يرى بأن الانكليز أرادوا هدم السور من ناحية محلة العمارة[92]، وربما مما يؤيد رأي السيد سليم الحسني ان الانكليز قد احضروا حين القصف المذكور بعض رؤساء قبائل الفرات الاوسط ليشهدوا أن المدفعية تقصف "باب الثلمة" دون المدينة المقدسة[93].

وهم إنما أبلغوا السيد اليزدي (قده) بذلك لكي يتم إخلاء المنطقة من الابرياء لعلمهم بحرص السيد اليزدي (قده) على حياة الناس داخل النجف.

كما ان حسن العلوي لم يرغب في ذكر فضيلة السيد اليزدي (قده) في الضغط على الانكليز ونجاحه في جعلهم يدخلون الماء لأهل النجف وترخيص الزوار والمسافرين لمغادرتها ، حيث لم يرد هذا الموضوع في البرقية التي ذكرها !

وأما إدعاء حسن العلوي بأن بلفور قد أعدم (11) من قادة الثورة فهو إدعاء بعيد عن الصواب ، فقد كانت محاكمات الثوار محاكمات صورية لعبت فيها أحقاد بلفور وبعض النجفيين الموالين للانكليز دوراً هاماً في النتائج التي انتهت اليها حيث لم يحكم بالاعدام من المشتركين بقتل مارشال سوى أربعة هم : الحاج نجم البقال ومحسن أبو غنيم ـ القاتلان الفعليان ـ ومجيد دعيبل وجودي ناجي من المشاركين في الهجوم على الخان. أما السبعة الباقون المنفذ فيهم حكم الاعدام أيضاً فلم يكونوا من المشاركين ولا من المحرضين[94] ! فكاظم صبي وهو أحد الذين تم تنفيذ حكم الاعدام فيهم لم يكن له اي دور في الاحداث ولا من المؤيدين للثوار ، وقبيل مقتل مارشال شعر كاظم صبي بنوايا بعض النجفيين في تقديم ساعة الصفر للثورة العامة ضد الانكليز فقرر الابتعاد عن هذه الاجواء لتقديره بعواقب الامور الوخيمة التي سوف تحدث ، فأراد السفر الى إيران لكن بلفور لم يسمح له بذلك[95] ، ثم اندلعت الاحداث بعد قتل مارشال ، والتي أدت الى إعدام من أعدم وهو من ضمنهم ؟! وقد كان السبب الحقيقي وراء إعدامه هو حقد بلفور عليه بعد أن تبادل معه الصفعات داخل السراي في النجف الاشرف يوم 19 / 11 / 1917م[96].

وقال حسن العلوي : (وكان موقف اليزدي في الثورة واضحاً الى جانب الانكليز)[97] !؟!! سبحان الله ، فبعد كل هذه المواقف التي ذكرناها للسيد اليزدي (قده) ودفاعه عن اهل النجف ومحاولة الدفاع عن الثوار والعفو عنهم يتم إتهامه بكل برود بانه كان الى جانب الانكليز ! فما هو الدليل على هذه الفرية بحق هذا السيد العظيم ؟! هل الدليل هو ارساله المندوبين لفك الحصار عن مدينة النجف ونجاحه في توفير الماء للاهالي الذين أصابهم العطش والجوع الشديد ؟! أم الدليل هو رفضه الخروج من النجف وحده لكي لا يفسح المجال للانكليز للاستفراد بالنجف وقصفها مما يعرض حياة أهلها للموت والدمار[98] ؟! أم الدليل هو البرقيات التي كان يبعثها الى الانكليز طالباً منهم العفو عن الثوار ، البرقية الاولى بتاريخ 25 / 3 / 1918م والثانية بتاريخ 30 / 3 / 1918م[99] ؟!

ويفتري حسن العلوي مرة أخرى فيقول : (وكان موقف اليزدي من ثورة النجف وثوارها قد ساعد على وأد الحركة)[100] ! وليت شعري فهل المصلحة القومية العربية تتطلب الكذب على مراجع الشيعـة لهذه الدرجة المكشوفة ؟! لقد نقلنا اهم وقائع التحرك الثوري النجفي وبيّنا قبله كيف أنفرد الحاج نجم البقال برأي إشعال نار الثورة لكي يخفف الضغط عن العثمانيين في شمال العراق ، فكانت النتيجة أن أنهزم العثمانيون أمام الانكليز وبقي هو وجماعته محاصرين دون أي نجدة من العثمانيين أو من العشائر المجاورة أو حتى أي مشاركة من القوميين العرب ـ وقد ذكرنا هذا الامر قبل قليل بصورة تفصيلية ـ الذين أداروا ظهورهم للحاج نجم البقال وثورته فلم يقولوا بحقهم ولو بيت شعر واحد ولم يكتبوا عنهم ولو مقالة واحدة في صحف ذلك الزمان ! ولم يتظاهروا أي مظاهرة حتى لو كان عدد المتظاهرين فيها عشرة أشخاص !! لم يستنكروا ولم يتحركوا أبداً.

واما عشائر الشامية وغيرها من عشائر الفرات الاوسط فقد أمتنعت عن اسناد تحرك الحاج نجم البقال ، وفي هذا الصدد تحدث السيد محسن ابو طبيخ في مذكراته عن الاسباب التي منعتهم من المشاركة قائلاً : (وأثناء الحصار وردتنا رسائل متعددة من داخل النجف من أعضاء الجمعية اتذكر منهم عباس الخليلي أخ الكاتب المعروف جعفر الخليلي يطلبون العون العسكري ، وفي وقتها تذاكرت مع الحاج عبد الواحد ومرزوق العواد الذي كان في الكوفة يستطلع الوضع فاخبرنا أن القوة الانكليزية حول النجف وفي معسكر الكوفة لا يمكن مواجهتها من قبل العشائر في الوقت الحاضر نظراً لضخامة عددها وما لديها من سلاح متنوع بما فيه المدفعية الثقيلة التي يقصفون بها المدينة وان أي محاولة من جانبنا سوف تصبح المسوغ الذي ينتظرونه لإحتلال مدن الفرات عسكرياً)[101].

وبعد هذا كله يحاول اليوم بعض الحاقدين الطعن في الرجل الذي عمل جاهداً على الحفاظ على حياة الثوار وحياة جميع أهالي النجف وفك الحصار عنهم وإنقاذ المدينة المقدسة من الدمار ومن المزيد من الفتك بها. فهل يريد حسن العلوي وغيره ممن ينتقدون السيد اليزدي (قده) ويصوبون له الاتهامات الكاذبة بأن يفتي من أجل الجهاد مع تلك العصابة التي أرادت مساعدة العثمانيين فقتلت مارشال ؟! وعرّضت المدينة المقدسة واهلها لإبادة جماعية محققة ! فمتى كانت الثورات الاسلامية يقودها المتهورون والمتفردون برأيهم بدون مشورة من القيادات الفاعلة في المجتمع الذي ينتمون إليه ؟! وقد رأينا كيف ان جمعية النهضة الاسلامية كانت غائبة عن تحرك الحاج نجم البقال وقتله لمارشال ، وكذلك كان حال رؤساء المحلات النجفية ! لقد كان هناك شخص واحد فقط هو الحاج نجم البقال مع مجموعة من أتباعه لا يزيد عددهم على السبعة وعشرين شخصاً أرادوا فرض رأيهم على المجتمع النجفي كله بما فيه من قيادات مرجعية واعية وعلماء اعلام ورؤساء المحلات والجمعية الاسلامية التي ينتمي الحاج نجم البقال اليها هو وجماعته الصغيرة ؟! ثم يأتي حسن العلوي ليخبرنا بأنه كان على السيد اليزدي (قده) أن يكون في طاعة الحاج نجم البقال وإمرته وأن ينفذ له رغباته الثورية الجامحة حتى لو قادت الى دمار النجف الاشرف كلها بأهلها ومقدساتها !! هل هذا هو المنطق الذي يبحث حسن العلوي عنه !!!

 

حسن العلوي ودعوى التشفي المزعومة:

ثم ادعى حسن العلوي إدعاءاً عجيباً آخر حين قال بان السيد اليزدي (قده) كان يمتلك مشاعر تشفي واضحة تجاه الثوار من خلال عدد من المواقف (فقد رفض ان يتشفع عند الانكليز للشيخ محمد جواد الجزائري فتم إعتقاله على مرأى ومسمع منه)[102] ، فأما موضوع رفض التشفع للشيخ الجزائري من قبل السيد اليزدي (قده) فمكذوب وليس له نصيب من الصحة. وقد رأينا كيف كان الانكليز مصرين على إعتقال جميع المطلوبين ولم يقبلوا بأي وساطة. فلماذا هذا التجني على السيد اليزدي (قده) ؟! ثم أنه قد ثبت أن السيد اليزدي (قده) قد تشفّع عند الانكليز للسيد محمد علي بحر العلوم فأنقذه من الاعدام بعد أن ضغط على الانكليز ليحولوا الحكم عليه الى النفي[103]. وكذلك كان السيد اليزدي (قده) قد تشفع أيضاً للسيد احمد بن الشيخ الآخوند الخراساني (قده) الذي قبض عليه الانكليز أثناء محاولته إجتياز الحصار خلال الاحداث فأنقذه من الاعدام[104]. وفضلاً عن ذلك كله فلا يوجد ربط منطقي بين دعوى التشفي وبين رفض التشفع ! وبصورة عامة فإنَّه قد يكون لرفض التشفع ـ على فرض ثبوته ـ أسباب اخرى منها معرفته بعدم جدواه. مع أن إتهام السيد اليزدي (قده) بأنه رفض التشفع للشيخ الجزائري هو محض كذب وإفتراء.

 

إفلاس حسن العلوي يدفعه لتبني تهم سخيفة:

وذكر حسن العلوي إفتراءات أخرى لا نجد لها أهمية جدية من قبيل التهمة السخيفة بأنَّ السيد اليزدي (قده) رفض إصدار فتوى تمنع قتل (11) شخص مقابل شخص واحد لكي يحفظ دماء الثوار الـ (11) المحكومين بالاعدام بتهمة قتل مارشال ، وكأنما الانكليز كانوا مقلدين للسيد اليزدي (قده) ويأتمرون بأوامره !! وقد رأينا كيف أن الانكليز قد رفضوا كل البرقيات التي ارسلها السيد اليزدي (قده) اليهم للعفو عن الثوار أثناء إندلاع الاحداث. وقد أشار كامل سلمان الجبوري الى أن رفض السيد اليزدي (قده) لإصدار الفتوى المذكورة هو إشاعة ظهرت في حينها[105] ! فجاء هؤلاء وحولّوا الاشاعة الى حقيقة يتداولونها طعناً بالمرجعيـات الدينيـة الشيعيـة.

 

اسطورة الاحتفال يوم إعدام الثوار:

ثم عمد حسن العلوي بعد اعتماده على الاشاعات الى إعتماده على "احتمالات" ليس عليها دليل فيقول : (ومن المحتمل أن الاحتفال الذي اقيم في مساء يوم الاعدام (الثلاثين من مايو 1918) في النجف الاشرف وحضره علماء ووجهاء بارزون تكريماً لبلفور الذي أشرف شخصياً على الاعدامات إنما كانت بتدبير اليزدي نفسه وقد اناب عنه احد مساعديه لحضوره)[106]. غير أن حسن العلوي لم يذكر مصدراً لهذا الافتراء الجديد ، وإلا فمن أين علم أن هناك إحتفالاً قد اقيم لبلفور ومن أين علم أن أحد مساعدي السيد اليزدي (قده) قد حضره ؟! ولماذا تعمد إغفال ذكر المصدر ؟!!

وقد حاولنا تتبع قضية الاحتفال هذه فوجدنا كامل سلمان الجبوري يعتمد على جريدة العرب ، الصادرة في 8 حزيران 1918م في ذكره قصة هذه الحفلة الترحيبية بولسن وبلفور وضباط إنكليز آخرين ! وقد وردت الاسماء التالية في قصة صحيفة العرب ممن حضروا الحفل ورحبوا ببلفور من أهالي النجف :

ـ السيد عباس كليدار الروضة الحيدرية ، صاحب البيت الذي أقيمت فيه الحفلة !
ـ السيد هادي نقيب الاشراف.
ـ الشيخ أغا محمود الهندي.
ـ الشيخ محمد جواد صاحب الجواهر.
ـ الحاج محسن شلاش.
ـ السيد مهدي السيد سلمان.
ـ السيد محسن أبو طبيخ.
ـ الشيخ علوان الحاج سعدون.
ـ الشيخ عبادي.

هؤلاء التسعة هم الابطال المزعومين لقصة الحفل الترحيبي ببلفور وولسن ! والشيخ عبادي يبدو أنه الشيخ عبادي الحسين من شيوخ آل فتلة بالمهناوية[107]. علماً بأن جريدة العرب هذه هي جريدة تابعة لقوات الاحتلال البريطاني وقد صدرت في بغداد سنة 1917م بعد الاحتلال البريطاني وهي معبرة عن السياسة البريطانية[108] ، ولذلك فمن الصعب الوثوق بما تورده هذه الجريدة بدون تأكيد معلوماتها من مصادر محايدة وموثوقة. ولأن قصة الحفلة المذكورة غير موثوقة وغير قابلة للتصديق وفق الاجواء التي رويت فيها ، نجد كامل سلمان الجبوري يشكك فيها بقوله : (أما الحفلة فإنها إنْ كانت واقعة فعلاً فلا بد وأنها كانت من السرية بحيث لم يشعر بها أحد)[109] !! فأي سرية يمكن ان تصمد امام حضور أكثر من (50) شخص[110] يفترض بأنهم من كبار العلماء ورؤساء العشائر والوجهاء في النجف ، فضلاً عن حضور كبار القيادات البريطانية العسكرية وهم :

ـ الكابتن ولسن نائب الحاكم العام.
ـ الكابتن بلفور حاكم الشامية.
ـ الكابتن بروثورو حاكم أبي صخير.
ـ الكابتن كرين هاوس حاكم النجف.
ـ الكابتن فيشر حاكم الكوفة.
ـ قائد جنود النجف.
ـ جميع موظفي الحكومة الملكيين من جميع أنحاء قضاء الشامية[111].

وبكل تأكيد فقد حضر مع  هؤلاء المدعويين حراساتهم المكثفة مع الانتشار لجنود الجيش البريطاني في طرقات المدينة لغرض حمايتهم ، فكيف يمكن أن يكون الاجتماع سرياً !! إنَّ إدعاء وجود هذا الاجتماع على هذا المستوى من الحضور هو إدعاء غير ناهض ولا يمكن تصوره ، فإن افترضنا أن الاحتفال كان علنياً فلماذا لم يذكره أحد من المعاصرين لتلك الفترة عدا الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي ذكر وجود إحتفالين بدلاً من إحتفال واحد !؟ وإذا كان سرياً فقد رأينا إستحالة سريّته.

ومن الملاحظ أن أن الاسماء التي ذكرها كامل سلمان الجبوري لشخصيات الحاضرين لهذا الاحتفال المزعوم من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر لم يذكر لها مصدراً يعتمد عليه في النقل[112] ! ثم يعود مرة أخرى في نفس كتابه فيذكر الاسماء تحت عنوان (من انباء الانكليز) ودون أن يذكر لها اي مصدر أيضاً[113] !

أما محمد رضا الشبيبي فيذكر في مذكراته أن هناك إحتفالين قد حصلا في النجف بدلاً من إحتفال واحد !! الاول عقد يوم 19 شعبان 1336 هـ = 30 آيار 1918م ، والثاني عقد يوم 30 شعبان 1336هـ = 10 حزيران 1918م[114] ! وهو الامر الذي تفرد به وحده من دون الجميع !! فذكر أن الاحتفال الاول كان تكريماً لبلفور ! والتفاصيل التي ذكرها عنه مقاربة للتفاصيل التي نشرتها جريدة العرب غير انه لم يذكر أي أسم من أسماء الحاضرين من العلماء أو التجار أو أهالي النجف عدا أسم الحاج عبد المحسن شلاش ! والاحتفال الثاني كان تكريماً للقائد العام البريطاني ، وكذلك خلت قصة هذا الاحتفال من أي ذكر لأي اسم ! ومن الملاحظ أن الشيخ محمد رضا الشبيبي قد وصف الاحتفالين وذكر من التفاصيل الدقيقة فيهما وكأنه كان احد الحاضرين فيهما ! فهل حقاً قد حضر هذين الاحتفالين ؟! ولماذا لم يرد أسمه ضمن الاسماء التي ذكرتها جريدة العرب المذكورة آنفاً ؟!

وأما الدكتور علي الوردي فقد قال عن الحفلة ما نصّه : (وقد ذكرت الجريدة أسماء الذين حضروا الحفلة ، وهم كثيرون لا يسع المجال هنا لذكرهم ، ومما يلفت النظر أن من بين الذين ذكرتهم الجريدة بعض كبار الملائية الذين نستبعد حضورهم في مثل تلك الحفلة ، كالشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد ابو الحسن الاصفهاني والشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، والسيد عبد الرزاق الحلو ، وقد سألت أحد المطلعين من أهل النجف عن ذلك ، فأجاب : بأن من الممكن أن يحضر الحفلة علماء (الحفيز) أو بعض صغار الملائية أما هؤلاء فمن رابع المستحيلات حضورهم)[115].

وقد نقل الدكتور علي الوردي قصة الاحتفال عن مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي[116] ولكنه لم يشر الى أنَّ المذكرات المذكورة تذكر إحتفالين وليس إحتفالاً واحداً ، مما يعني أن الدكتور الوردي قد رأى أن تفرد مذكرات الشبيبي بذكر إحتفالين دون الآخرين الذين ذكروا إحتفالاً واحداً يضعف من أهمية هذا الاحتفال ويعطي إنطباعاً الى أنه كان إحتفاءاً وليس إحتفالاً كما بيّنا آنفاً ، مع أن الدكتور الوردي لم يشر لذلك !

وعلى اي حال فلنفترض انَّ هناك إحتفالاً قد جرى تكريماً لبلفور في نفس يوم إعدام الثوار ، فلماذا يلوم حسن العلوي السيد اليزدي (قده) مع أنه لم يحضر ولم يدعُ إليه ؟ وإنْ افترضنا أن أحد مساعديه قد حضر ذلك الاجتماع فما هو الدليل على أنه قد حضر كممثل للسيد اليزدي (قده) لا انه حضر بدافع شخصي بحت ؟ ثم اليس الاولى أن يلوم أهالي النجف الذين اقاموا الاحتفال وحضروه فعلاً بدلاً من لوم شخص لم يدعُ ولم يحضر ولم يساند ؟ ولماذا لم يتحدث حسن العلوي عن تخاذل القوميين وعدم مشاركتهم في التحرك الثوري للحاج نجم البقال[117] ، أليست عدم مشاركتهم تعني أن هناك أموراً خفية وحقائق مستورة لم تتم الاشارة إليها لو ذكرت لعرفنا أن المحتفين بالضباط الانكليز في يوم إعدام الثوار قد يكونون معذورين فيما فعلوه ؟! لماذا نجد ان تحرك الحاج نجم البقال بقي وحيداً في الساحة فلم تدعمه لا المرجعيات الدينية ولا الحركات الاسلامية ولا الحركات القومية ولا عشائر الفرات الاوسط ولا عموم اهالي النجف الاشرف ! ألا يعني ذلك لكم شيئاً ؟!

ألا يعني لكم شيئاً قول السيد هبة الدين الشهرستاني في مذكراته بعد ان تم إعدام الحاج نجم البقال وجماعته : (فدفنوهم حوالي قبر أبو كشكول ، واستراح العباد والبلاد من شرّهم وطاغيتهم (فما بكت عليهم السموات والارض))[118]!

وفي تقديري انه إن كان هناك شيء مما ذكروه فقد كان إحتفاء من قبل بعض النجفيين في إستقبال بعض القيادات الانكليزية ، ويبدو أنه كان إحتفاءاً حاراً ، ولا يتعدى لمستوى إحتفالية كما أدعى البعض !

 

علي البازركان ينكر وجود جمعية النهضة الاسلامية !

أنكر علي البازركان تعصباً منه ضد اهل النجف الاشرف أن تكون هناك جمعية اسلامية سرية في احداث ثورة النجف الاشرف ضد البريطانيين سنة 1918م ! فقال ما نصّه : (لم تكن في تلك الايام جمعية سريّة في العراق سوى جمعية الاتحاد والترقي والتي قامت بإعلان الحرب ضد الانجليز وانتهت الحرب بخيبة آمال الاتحاديين. فإذا توجد جمعية إسلامية سرية تتصل بالاتراك وتراسلهم للقيام بالثورة في البلد كما يقول الاستاذ الدجيلي ، فلماذا لم يطالب اعضاء تلك الجمعية بمناشير وتظهر الجمعية منطوق تلك المطالبة)[119].

ومشكلة علي البازركان هي في إنكار كل ما لا يعلمه ! وليته تحقق وتثبت من المطلعين على الاحداث وهم من أقرانه والمفترض أن له علاقات تعارف وصداقة مع معظمهم بحكم نشاطهم الجماعي في أثناء الثورة العراقية الكبرى سنة 1920م والاحداث التي سبقتها كما يدعي هو نفسه !

فكيف يدعي عدم وجود جمعيات سرية في العراق سوى جمعية الاتحاد والترقي ، فأين إذن ذهبت جمعية حرس الاستقلال[120]وجمعية الشبيبة[121]!

وكذلك فقد ذكر وجود هذه الجمعية الاسلامية السرية ـ التي أنكر علي البزركان وجودها ـ العديد ممن كتبوا وأرّخوا لأحداث العراق قبل ثورة العشرين الباسلة ، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :

عبد الرزاق الحسني[122].
د. علي الوردي[123].
الشيخ باقر آل محبوبة[124].
محمد علي كمال الدين[125].
جعفر الخليلي[126].
حسن الاسدي[127].
وغيرهم كثيرون...

 

مع مذكرات السيد محمد حسن القوجاني:

عند مطالعة مذكرات السيد محمد حسن القوجاني يكتشف القاريء لها كماً كبيراً من السذاجة التي كان يعيشها ويفكر فيها صاحب المذكرات المذكورة. ومن المؤسف ان نجد السيد المذكور يستعمل عبارات غير لا ئقة في مذكراته ، ويستخدم تعابير لا تليق بالمؤمنين الحسينيين ! وفيما يلي أبرز الملاحظات التي سجلناها عن مذكراته :

ـ إتهم القوجاني المجاهدين بالسرقة والنهب أثناء إنسحابهم من معركة الشعيبة ، رغم انه لم يحضر الواقعة أصلاً[128]. وقد علّق كامل سلمان الجبوري على كلام القوجاني بقوله : (على الرغم من ان المؤلف لم يشترك مع العشائر المجاهدة في قتالها ، قال أسوأ كلام يقال ضد أولئك المجاهدين الذين لم يبخلوا بالغالي والنفيس في سبيل مقاومة الاحتلال البريطاني. يقول النفيسي ص89 من كتابه (دور الشيعة) : "وكان بعض رجال القبائل يبيعون ما لديهم من متاع وأثاث ـ على ما هم عليه من الفقر ـ لكي يبتاعوا بثمنه سلاحاً إطاعة للفتوى التي اصدرها المجتهد الاكبر" ، وعن المجتهدين الشيعة الذين شاركوا مشاركة فعلية في القتال قال : "إن المجتهدين لم يتقاضوا أجراً أو مرتباً كي يحاربوا ، حتى أن الاتراك لم يقدموا لهم الاطعمة ، ولم يكن هناك من نظام للتعويض على الزوجات والعيال في حال الوفاة ، وعلى الرغم من هذا كله فإنهم استجابوا للدعوة الى الجهاد وحاربوا وماتوا في ساحة المعركة")[129].

ـ وصف القوجاني الشيخ خزعل بكلام غير لائق فقال : (أما خزعل عديم الغيرة وعميل الانكليز فقد اطلق الرصاص على الجنود العثمانيين الذين حاولوا عبور شط العرب بواسطة الزوارق متجهين الى إيران ، بحجة انه لم يؤذن له بإعطائهم طريقاً للدخول الى إيران)[130]. وفضلاً عن انَّ وصفه المذكور للشيخ خزعل فيه مخالفات شرعية منها حرمة إهانة المؤمن ، فقد تعامل القوجاني مع الموضوع بسذاجة ، فالشيخ خزعل لم يكن يحمل السلاح ويحمي حدود إمارته بل كان هناك جنود مخصصون لحماية الحدود ، ويبدو انهم تفاجئوا بعبور العثمانيين اليهم فأطلقوا النار لأنه لم يكن مسموحاً لأحد ان يعبر حدود بلد آخر بدون رخصة وموافقة مسبقة.

ـ يذكر معلومات مغلوطة بل عجيبة ايضاً فقال وهو يتحدث عن وفاة الجنرال البريطاني مود : (إلا ان الانكليز دفنوا الجثة النجسة لقائدهم هذا حسب المراسم الاسلامية ، واقاموا له ضريحاً أمام مرقد المعظم للامام موسى بن جعفر. كما بنوا له مزاراً كي يحرقوا قلوب المسلمين من سنّة وشيعة بل ليقتل الهم علمائهم ويموتوا كمداً)[131]. فمن العجيب والغريب أيضاً أن يتحدث عن إقامة الانكليز لمراسيم إسلامية لدفن مود ! ومن المعروف أن الجنرال مود دفن في المقبرة الإنكليزية خارج باب المعظم في الموضع الذي يسمى ( الكرنتينة) وما زالت المقبرة في محلها لحد الآن[132]. وهي منطقة بعيدة عن مرقد الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) حيث ان المرقد الشريف يقع في جانب الكرخ بينما المقبرة الانكليزية تقع في باب المعظم في الرصافة. كما إنَّه لم يكن هناك اي مزار لمود كما ادعى القوجاني !

ـ ومن شدّة السذاجة وإلتباس الامور على القوجاني انه ذكر في مذكراته عبارات مدح لمعاوية وغيره من اعداء آل البيت (عليهم السلام)[133] !!

ـ وهناك اخطاء تأريخية أخرى في مذكراته ، فقد ذكر أنَّ الذين هجموا على مقر الحاكم البريطاني مارشال وقتلوه هم فقط اربعة أشخاص[134] ، والصحيح أنَّ الذين اجتمعوا وقرروا الهجوم هم (27) شخص ، ولكن تردد بعضهم لأسباب مختلفة ، ولكن الاكثرية منهم حضرت ونفذت الهجوم[135] ، وأسماء من شارك أكيداً في الهجوم هي:

ـ الحاج نجم البقال.
ـ مجيد دعيبل.
ـ محسن أبو غنيم.
ـ حسين كنو ، (توفي في الهجوم).
ـ عودة الشكري.
ـ حميد حبيبان.
ـ حبيب ، صانع السيد منصور الرفيعي.
ـ عبد الحمامي.
ـ صادق الاديب (جرح في الهجوم وتوفي بعد 3 ايام).
ـ السيد مهدي السيد حمادي.
ـ كريم الطيّار النداف[136].

ـ خطأ تاريخي آخر وهو أن السيد القوجاني ادعى بأن جميع الغرباء والزوار قد خرجوا من النجف الاشرف بعد مقتل مارشال وقبل بدأ الحصار ، فقال : (عندما بلغ هذا الخبر بلفور أغلق على الفور المدينة من الجهة التي تليه وزعق طالباً أن يخرج الزوار قبل غروب ذلك اليوم من الباب القريبة من البحر ، وأن لا يبقى أحد منهم وإلا قتل. غادر جميع الزوار من نساء ورجال المدينة قبل حلول الغروب)[137]. بينما السيد هبة الدين الشهرستاني (رحمه الله) يذكر في مذكراته أن عدة آلاف من الزوار خرجوا ولكن بقي منهم جمهور لم يرضوا بالخروج[138]. كما ان الشيخ محمد رضا الشبيبي كتب في مذكراته أنَّه في يوم 10 نيسان / أبريل 1918م رفع الغرباء والزوار رفوعهم الى الانكليز يطلبون منهم الخروج من المدينة[139]، مما يعني بقائهم في داخلها طيلة أحداث الحصار بعد مقتل مارشال.

ـ ثم ذكر القوجاني فرية اخرى وهي أن السيد اليزدي (قده) اراد الرحيل عن النجف لينجو بنفسه !! وأن القوجاني قابله وتحدث اليه وبين له خطأ رحيله عن النجف وأن ذلك يخالف واجبه الشرعي !؟ ونحن نعرف ـ كما في مذكرات الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) أيضاً ـ أن السيد اليزدي (قده) لم يفكر أصلاً بالخروج من النجف الاشرف ، وحينما طلب الانكليز منه ذلك رفض[140]. ومن السخافة الادعاء بان القوجاني هو الذي ذكّر السيد اليزدي (قده) بواجبه الشرعي !!؟

 

حميد حبيبان بين السذاجة والاستغباء الذاتي:
أتهم حميد حبيبان في مذكراته أن السيد اليزدي (قده) قد افتى الانكليز بإعدام الثوار وتسفير الآخرين ، وأنهم أعدموهم بالاستناد الى الفتوى المزعومة[141] !؟ وقد رأينا كيف أنَّ السيد اليزدي (قده) كان يحاول الحصول على العفو عن الثوار وإنقاذهم من الورطة التي اوقعوا انفسهم بها ، فأرسل برقيتين للقائد العام البريطاني من أجل ذلك ، وأنَّه بذل جهده من أجل إنقاذ الثوار من الاعدام لكن الانكليز لم يستجيبوا له[142].

والادعاء بأن الانكليز كانوا بحاجة لفتوى من السيد اليزدي (قده) لإعدام الثوار ! هذا الادعاء بحاجة لأن يستغبي الانسان نفسه بدرجة عالية لكي يصدقه ويتداوله مع الآخرين فضلاً عن أن يكتبه في مذكراته !

 

محمد رضل الشبيبي يتحامل على السيد اليزدي (قده):

الشيخ محمد رضا الشبيبي هو شخصية لها دورها في الحكم الملكي وأحداث ما قبل ثورة العشرين ، وفي العهد الملكي الجائر أصبح عضواً في مجلس النواب ثمانية مرات من اصل ستة عشر دورة[143] ، ثم رئيساً للمجلس المذكور في العهد الملكي[144] ! وكذلك أصبح وزيراً للمعارف خمس مرّات[145] !

كتب الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته وبدا واضحاً تعصبه الشديد ضد السيد اليزدي (قده) ويبدو ان ذلك نتيجة استغراقه في الخلاف بين المؤيدين للمشروطة والرافضين لها ، حيث كان السيد اليزدي (قده) كما هو معلوم من الرافضين لها ، ويبدو ان الشيخ محمد رضا الشبيبي قد تأثر بأستاذه الآخوند الخاساني (قده) الذي كان من أبرز المؤيدين لها. فنلاحظ في مذكراته تحاملاً على السيد اليزدي (قده) واستعماله كلمات غير لائقه بإعتباره إنسان حوزوي ، مثل عبارات :"بطانة اليزدي" و"أعوان اليزدي" ، كما نجد ان الشيخ محمد رضا الشبيبي كان سيء الاستيعاب لبعض الامور مثل قوله : (إن الانكليز منذ احتلوا بغداد أخذوا يبالغون في العناية باليزدي وكلما زار احد منهم النجف اظهر أن من أعظم مهماته لقاء السيد كاظم ، فيزورونه في داره)[146]، فهو لم يستوعب أن القوة الاكثر عداءاً للانكليز هم المرجعية الدينية في النجف الاشرف. والانكليز يعلمون ذلك ولذلك كانوا حريصين على خطب ود المرجعية وعدم إغضابها ، لا سيما وهم لم يكونوا قد اكملوا إحتلال العراق في ذلك الوقت ، وقد رأوا دور المرجعية الدينية النجفية في إثارة القبائل ضدهم في فتاوى العلماء بالجهاد ضدهم ودعمهم للعثمانيين المضطهدين لهم أصلاً. ويعترف الشيخ محمد رضا الشبيبي أن الاحترام البالغ من قبل الانكليز للسيد اليزدي (قده) قد ساعده في قضاء حوائج العديد من المؤمنين من هذه الدولة المحتلة الظالمة[147].

ثم نجد ان الشيخ محمد رضا الشبيبي بدافع الحقد والحسد يذكر البرقية الثانية التي بعثها السيد اليزدي (قده) الى القائد العام البريطاني ويذكر تذييلها من قبل السيد اليزدي بقوله : (نعم الصلاح بالاصلاح) فيعلق الشبيبي على هذه العبارة بقوله : (وقد وقّع في من وقّع من العلماء السيد اليزدي ، وجرى على عادته في عدم مشاركة الجمهور ومخالفة السواد الاعظم وحب الامتياز والانفراد والهروب عن التصريح بالجمل المجملة التي تحتمل التأويل ، فكتب قبل أن يختم في البرقية هذه الجملة ـ نعم الصلاح بالاصلاح ـ وختم تحتها وكأنه يريد أن يقول : إنّه غير مسؤول إلا عن هذه الكلمة التي يحتمل فيها التأويل)[148]. وقد نقل حسن العلوي هذا القول عن محمد رضا الشبيبي بعد أن وجد فيه غايته في الطعن بالسيد اليزدي والمرجعية الدينية على لسان احد المعممين[149] !

والذي نراه أنَّ رأي الشيخ الشبيبي المذكور فيه حق وباطل ، فالحق الذي نعتقده فيه هو أنَّ السيد اليزدي (قده) أراد أن يوحي للقائد البريطاني بأنه غير مسؤول إلا عن العبارة التي ذكرها وهي طلب الصلاح بالاصلاح أي العفو عن الثوار ، ولكن الخطأ الذي وقع فيه الشبيبي هو قوله بأن العبارة تحتمل التاويل ! والعبارة واضحة في سياق ما كتب  في نص البرقية ، كما أن الشبيبي نفسه قد ذكر في مذكراته نفسها البرقية الاولى التي كتبها السيد اليزدي (قده) للقائد العام وقد ذيلها أيضاً بقوله : ( حسب الظاهر إن إطفاء هذه الغائلة عن هذا البلد المقدس موقوف على العفو العمومي وفيه المصلحة) وهي عبارة واضحة تطالب بالعفو عن الثوار ، وهي ما لا يمكن التشكيك بصراحتها وتكشف عن أن السيد اليزدي (قده) لم يكن يتكلم في أيٍ من رسائله بالتاويل بدل التصريح وهو غير محتاج للتأويل في ذلك الموضع ، ولو أراد الامتناع عن طلب العفو عن الثوار لأمتنع بدون ان يمكن لأحد ان يعارضه أو يعاتبه لا سيما وقد ذكرنا سابقاً بأن الرأي العام النجفي ومختلف الشرائح والاتجاهات الاسلامية والقومية والعشائرية كانت قد تخلت عن الثوار والثورة منذ بدايتها. فلم تكن هناك حاجة بالسيد اليزدي (قده) الى تلميح مزعوم بدلاً من التصريح المعلوم والمذكور أصلاً بعبارة بليغة في المطالبة بالعفو والاصلاح. لا سيما إذا عرفنا أنَّ مراجع وكبار علماء الشيعـة اعتادوا على إيجاز كلامهم بعبارة مقتضبة في أمثال هذه الامور[150].

والذي دفعنا بعد تدبر البرقية الى تقدير أن السيد اليزدي (قده) أراد أن يوحي للقائد البريطاني بأنه غير مسؤول إلا عن عبارته التي كتبها الى جانب توقيعه هو ما أراد السيد اليزدي (قده) من حفاظ على مكانة المرجعية الدينية العظيمة عبر تاريخها المشرّف وهي تستظل بمرقد نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) ، هذه المرجعية التي هي إمتداد لخط الامامة ، كان يجب ان تحافظ على مكانتها وهيبتها ، لا سيما وهي ذات تجربة قريبة في إذلال البريطانيين في إيران وإفشال مخططاتهم عبر ثورة التنباك الشهيرة التي أرغمت السلطان القاجاري على إلغاء إمتياز الشركات البريطانية في إحتكارها للتبغ الايراني ، هذه المرجعية الدينية العظيمة لا يمكن أن تحط من قيمتها وشأنها بأن تطلب العفو والرحمة من الدولة المحتلة على النحو المذكور في البرقية ، حيث استعملت تعابير لا يمكن للمرجعية العظيمة ان تتبناها ، مثل قولهم فيها : (وقد نشدنا لعدالتكم التي ذاع صيتها ولا حاجة فيها الى البرهان) ، وفي البرقية التي سبقتها نقرأ فيها : (مستغيثين بمراحم هذه الدولة وعدالتها مسترحمين رفع هذا السر والحصار ، ... وحاشا من عدالة هذه الدولة المعروفة بالرأفة والعدالة والقوة والسطوة أن تأخذ الابرياء بالاشقياء) ، فلذلك نجد ان السيد اليزدي (قده) قد عمد الى الايحاء لقاريء البرقية بأنه مسؤول فقط عن الكلام الذي ذيّل به البرقية لا غير ، حفاظاً على مكانة الحوزة العلمية والمرجعية الدينية وصيانة لحرمة المذهب من أن تهتك.

لقد كان الشيخ محمد رضا الشبيبي يخطيء في تقدير العديد من الامور ، فتارة يعارض مد خطوط السكة الحديدية في العراق بعد أن تم الاتفاق على ذلك بين العثمانيين والالمان ، فيقول في هذا الصدد :

مدوا الحديد وما اهتزت لمده     سكك الحديد بأرضنا أصفاد
طرق الحديد إذا التوت وتشابكت    شرك به شرف العراق يصاد[151] !

وقد كان الشبيبي يدين بالولاء لجمعية الاتحاد والترقي التركية[152]. ثم أصبح من القياديين في الحزب النجفي السري[153]ذي الميول القومية ، ولم يتفاعل محمد رضا الشبيبي مع ثورة العشرين ولم يذكرها في شعره أصلاً ! ويفسر البعض ذلك بأنه كان خارج العراق وقت وقوعها[154] ، فمتى كان بعد المسافة يمنع الشعراء من الشعور والتفاعل مع الحدث !؟ ولماذا لم يذكرها حينما عاد الى العراق ! ولعل هذا هو السر الذي دفع النظام الملكي الى جعله وزيراً عدة مرات وعضواً في مجلس النواب ثماني مرات ثم رئيساً له !؟ حيث كان النظام الملكي الظالم يحارب كل ما يمت لثورة العشرين بصلة ، ويسعى جاهداً لطمس معالمها.

ويبدو ان هناك أمراً آخر وراء إمتناع الشيخ محمد رضا الشبيبي عن ذكر ثورة العشرين في شعره ، حيث أنه كان في بلاد الشام أيام إندلاع الثورة ، وقد كان القوميون العراقيون في بلاد الشام يحملون موقفاً سيئاً تجاه ثورة العشرين حيث نجد انَّ الضباط القوميين في جمعية العهد الذين يقيمون في الشام بعد فشل الثورة العربية تطوعوا بأمرة القوات البريطانية لمقاتلة الثوار في الفرات الاوسط ، فأوعزوا الى أحد أعضاء الجمعية وهو "ثابت عبد النور" للاتصال بوزارة الخارجية البريطانية عارضاً عليها :"أن جمعية العهد يمكن أن تقدم مساعدة قيمة للانكليز في تهدئة الاوضاع ما بين النهرين" ومع ذلك وبالرغم من اللحظات الدقيقة التي تمر بها السلطات البريطانية في العراق فقد رفضت هذا العرض ، وكان رأي ولسن وكيل الحاكم الملكي البريطاني في العراق "إن هؤلاء السادة ـ الضباط العراقيين ـ يرغبون في جذب إنتباه الحكومة البريطانية إلى انفسهم بأمل أن تؤدي تهدئة الوضع الراهن في الفرات الى حصولهم على مناصب جديدة في ظل الادارة العراقية ، وكان نوري السعيد قد كتب في الاول من أيلول / سبتمبر 1920م خلال الثورة أنه يضع نفسه للمرة الثانية تحت تصرف المندوب السامي[155]. فمن الطبيعي أن يتأثر الشيخ محمد رضا الشبيبي بآراء القوميين ومواقفهم من ثورة العشرين ! وكذلك تاثره بعائلة الشريف حسين بن علي امير مكة بعد ان تعرف عليهم حينما نقل إليهم مضابط اهل النجف التي تدعوهم للمطالبة بقضية استقلال العراق[156] ، فهذا التأثر المذكور بعائلة الشريف حسين قد ساهم في إبتعاده عن دعم ثورة العشرين وإسنادها ، لا سيما إذا عرفنا أن العائلة المذكورة وفي مقدمتها فيصل نفسه لم يساهموا ولا بكلمة من أجل إسناد ثورة العشرين ودعمها وتمجيدها ، وكيف يفعلون ذلك وهم أعوان الانكليز وحلفائهم والسائرين بأمرهم[157] ! فنرى محمد رضا الشبيبي بعد ذلك الى جانب فيصل الاول حين زيارته الاولى للنجف الاشرف بعد قدومه للعراق[158] ! ولذلك نجد الشيخ محمد رضا الشبيبي من الشيعـة القلائل المرضي عنهم من قبل البلاط الملكي في العراق لا سيما في دور تأسيس المملكة ، فأصبح وزيراً لخمس مرات وكالآتي :

1. تولى منصب وزير المعارف في وزارة ياسين الهاشمي الاولى بتاريخ 2 / 8 / 1924م[159].

2. وتولى منصب وزير المعارف في وزارة ياسين الهاشمي الثانية بتاريخ 17 / 3 / 1935م[160] ، وهي الوزارة التي أنقلب عليها بكر صدقي.

3. وتولى منصب وزير المعارف في وزارة جميل المدفعي بتاريخ 17 / 8 / 1937م[161] ، وهي الوزارة التي تشكلت بعد مقتل بكر صدقي.

4. وتولى منصب وزير المعارف في وزارة جميل المدفعي بتاريخ 3 / 6 / 1941م[162] ، وهي الوزارة التي تشكلت بعد فشل ثورة مايس 1941م.

5. وتولى منصب وزير المعارف في وزارة السيد محمد الصدر بتاريخ 29 / 1 / 1948م ، وهي الوزارة التي تشكلت بعد إنتفاضة كانون الثاني ضد معاهدة بورتسموث.

وكان الشيخ محمد رضا الشبيبي يحاول من خلال وزارته التخطيط لبناء المدارس حسب نسبة السكان[163]، مما يعني عملياً زيادة في عدد المدارس في المناطق الشيعيـة ، كما خطط لإرسال أبناء الشيعة الى البعثات[164]، مما دفع الطائفيين في الاجهزة الحكومية للتنبه والتيقظ لهذا الخطر الذي يهدد هيكلية الدولة الملكية الطائفية ، وشارك طه الهاشمي في الحملة الطائفية المذكورة فوصف إجراءات مجلس المعارف وإعتماد أسس ديمقراطية في توزيع التعليم بمثابة مرض أصاب المعارف ، إذ قال في مذكراته : (أخبرت اخي ياسين بصراحة بأن تبعة مرض المعارف تقع على عاتقه قبل كل شيء) ، فسارع رئيس الوزراء ياسين الهاشمي الى إتخاذ قرارات عاجلة للقضاء على ما سمي بمرض المعارف فشكل لجنة وصاية على الوزارة دون علم وزير المعارف محمد رضا الشبيبي الذي اعتبر ذلك تدخلاً من رئيس الوزراء قي شؤون وزارته وتحدياً وإهانة يقصد بها حمله على الاستقالة فقدم إستقالته التي قبلت فوراً ، وكان طه الهاشمي شقيق ياسين الهاشمي ورئيس أركان الجيش عضواً في هذه اللجنة التي أوصت في أول إجتماع لها تعيين طه الهاشمي مديراً للمعارف بالاضافة لوظيفته الاصلية في رئاسة أركان الجيش ، فألغى مديريات المعارف في الالوية وعاد الى النظام القديم في سياسة التمييز التربوي[165].

لقد حاول الشيخ محمد رضا الشبيبي بصورة منفردة تغيير نظام سياسي طائفي عتيد والتصدي له وإقرار سياسات تعيد التوازن الطبيعي بين اطياف المجتمع العراقي كافة ، لكن تحركه المنفرد كان ضعيفاً فلم يستطع مقاومة نظام طائفي طاغي وحده ففشل في ذلك ، ولقد فوّت على نفسه فرصة ذهبية بالاستقواء بالمرجعية الدينية لتحقيق مخططه العادل ، الامر الذي كان سيؤدي إنْ فعله الى نجاحه في الاعلان عن وجود مظلومية للشيعـة يجب أن تزول ومعادلة مائلة يجب أن يتم تعديلها. صحيح أن المرجعيات الدينية النجفية قد تعهدت بعدم التدخل بالسياسة كشرط لعودتها الى العراق سنة 1925م لكن هذا لا يعني أن تمتنع عن التحرك الاجتماعي لضمان الحقوق المدنية لأبناء الطائفة الشيعية في مؤسسات الدولة ، وهي طائفة تمثل غالبية أبناء الشعب العراقي ، ولم تكن المرجعيات الدينية تتوانى عن التدخل المذكور لو فسح لها المجال ، ولكن إبتعاد السياسيين الشيعة ـ رغم قلّة عددهم ـ عن الاستقواء بالمرجعيات الدينية والتنسيق معها ، فوّت فرص تاريخية عديدة لرفع الحيف عن غالبية أبناء الشعب العراق المظلوم.

ومن الملفت للنظر أن الشيخ محمد رضا الشبيبي قد وقف ضد المشروع الذي تبناه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) للقضاء على الطائفية السياسية للدولة[166] ! حيث إنَّ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) قد كتب ميثاقاً من (12) مادة وأرسله الى الملك غازي والى رئيس الوزراء ياسين الهاشمي في أواسط آذار / مارس 1935م وهو يتضمن برنامج إصلاحي عام لمواجهة مشكلة الاستبداد وقضية التمييز المذهبي وسلوك السلطة إزاء الاكثرية الشيعية[167]. وقد طلب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) الى الزعماء السياسيين الشيعـة في السلطة أن يستقيلوا من المجالس النيابية والكراسي المزيفة حتى تأتيهم النيابة الصحيحة بإنتخاب الشعب لهم لا بتعيين الحكومة[168]. ولكن الشيخ محمد رضا الشبيبي لم يستجب للمطالب الاصلاحية المذكورة[169].

 

 


 

ــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص82.

[2]  المصدر السابق ـ ص81.

[3]  المصدر السابق ـ ص83.

[4]  المصدر السابق ـ ص83.

[5]  المصدر السابق ـ ص85.

[6]  المصدر السابق ـ ص83.

[7]  النجف الاشرف وحركة الجهاد عام 1914م ، كامل سلمان الجبوري ـ ص179.

[8]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص84.

[9]  المصدر السابق ـ ص103.

[10]  المصدر السابق ـ ص99.

[11]  المصدر السابق ـ ص100.

[12]  المصدر السابق ـ ص123.

[13]  المصدر السابق ـ ص124.

[14]  النجف الاشرف وحركة الجهاد عام 1914م ، كامل سلمان الجبوري ـ ص110.

[15]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص130 و131.

[16]  المصدر السابق ـ ص132.

[17]  المصدر السابق ـ ص133.

[18]  المصدر السابق ـ ص136.

[19]  المصدر السابق ـ ص136 و137.

[20]  المصدر السابق ـ ص138.

[21]  المصدر السابق ـ ص143 و144.

[22]  المصدر السابق ـ ص145.

[23]  المصدر السابق ـ ص140 و141.

[24]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص42 و43.

[25]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص150.

[26]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص43.

[27]  النجف الاشرف وحركة الجهاد عام 1914م ، كامل سلمان الجبوري ـ هامش ص389.

[28]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق2 ص260.

[29]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص146.

[30]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص56 و58.

[31]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص148.

[32]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص54.

[33]  المصدر السابق ـ ص89.

[34]  المصدر السابق ـ ص92.

[35]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص145.

[36]  الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية ، وميض عمر نظمي ـ ص345.

[37]  المصدر السابق ـ ص346. انظر ايضاً هامش نفس الصفحة المذكورة.

[38]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص92.

[39]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص80.

[40]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص160.

[41]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص77.

[42]  المصدر السابق ـ ص78.

[43]  المصدر السابق ـ ص79.

[44]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص163.

[45]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص80.

[46]  المصدر السابق ـ ص82.

[47]  المصدر السابق.

[48]  المصدر السابق ـ ص85.

[49]  المصدر السابق ـ ص86.

[50]  المصدر السابق ـ ص87.

[51]  المصدر السابق.

[52]  المصدر السابق ـ ص88.

[53]  المصدر السابق.

[54]  المصدر السابق ـ ص90.

[55]  المصدر السابق.

[56]  المصدر السابق ـ ص92.

[57]  المصدر السابق ـ ص96.

[58]  المصدر السابق ـ ص97.

[59]  المصدر السابق ـ ص102.

[60]  المصدر السابق ـ ص103.

[61]  المصدر السابق ـ ص104.

[62]  المصدر السابق ـ ص104 و105.

[63]  المصدر السابق ـ ص106.

[64]  المصدر السابق ـ ص105 و106.

[65]  المصدر السابق ـ ص109 و110.

[66]  المصدر السابق ـ ص111.

[67]  المصدر السابق.

[68]  المصدر السابق ـ ص116.

[69]  المصدر السابق ـ ص118.

[70]  المصدر السابق ـ ص126.

[71]  المصدر السابق ـ ص134.

[72]  المصدر السابق ـ ص124.

[73]  المصدر السابق ـ ص21.

[74]  المصدر السابق ـ ص46.

[75]  المصدر السابق ـ ص136.

[76]  المصدر السابق ـ ص138 و139.

[77]  المصدر السابق ـ ص140.

[78]  المصدر السابق ـ ص142.

[79]  المصدر السابق ـ ص144.

[80]  المصدر السابق.

[81]  المصدر السابق ـ ص146.

[82]  المصدر السابق ـ ص148.

[83]  المصدر السابق ـ ص150.

[84]  المصدر السابق ـ ص154.

[85]  المصدر السابق ـ ص154.

[86]  المصدر السابق ـ ص159.

[87]  المصدر السابق ـ ص165.

[88]  المصدر السابق ـ ص165.

[89]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص181.

[90]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص92.

[91]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص134. وأيضاً راجع نفس المصدر ، ص318 ، نقلاً عن مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي.

[92]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص177.

[93]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص124.

[94]  المصدر السابق ـ ص160.

[95]  المصدر السابق ـ ص38 و39.

[96]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص137.

[97]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص92.

[98]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص159.

[99]  المصدر السابق ـ ص164 و167.

[100]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص93.

[101]  مذكرات السيد محسن أبو طبيخ ـ ص63.

[102]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص93.

[103]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص179.

[104]  المصدر السابق ـ ص180.

[105]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ هامش ص171.

[106]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص93.

[107]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص89.

[108]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص51.

[109]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص184.

[110]  للاطلاع على أسمائهم أنظر: النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص181-183.

[111]  المصدر السابق ـ ص179.

[112]  راجع : النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص181-183، تجده يذكر الاسماء بدون مصدر !؟

[113]  المصدر السابق ـ ص255-260.

[114]  المصدر السابق ـ ص342 و343.

[115]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق2 ص259.

[116]  المصدر السابق ـ ج5 ق2 ص256 و257.

[117]  الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية ، وميض عمر نظمي ـ ص346. انظر ايضاً هامش نفس الصفحة المذكورة.

[118]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص430.

[119]  الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البزركان ـ ص269.

[120]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص102.

[121]  المصدر السابق ـ ص105.

[122]  المصدر السابق ـ ص102.

[123]  لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق2 ص214.

[124]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص144 ، نقلاً عن : ماضي النجف وحاضرها للشيخ باقر آل محبوبة.

[125]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص144 ، نقلاً عن : ثورة العشرين لمحمد علي كمال الدين.

[126]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص146 ، نقلاً عن : هكذا عرفتهم لجعفر الخليلي.

[127]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص146 ، نقلاً عن : ثورة النجف على الانكليز لحسن الاسدي.

[128]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص373.

[129]  المصدر السابق ـ هامش ص373.

[130]  المصدر السابق ـ ص374.

[131]  المصدر السابق ـ ص376.

[132]  مقال بعنوان (من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914) بقلم أحمد الناجي في شبكة الانترنيت العالمية عبر الرابط: (http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=19716).

[133]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص376.

[134]  المصدر السابق ـ ص385.

[135]  المصدر السابق ـ ص56.

[136]  المصدر السابق ـ ص59-62.

[137]  المصدر السابق ـ ص386.

[138]  المصدر السابق ـ ص428.

[139]  المصدر السابق ـ ص320.

[140]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص159. أيضاً: راجع مذكرات الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) المنشورة ضمن كتاب: النجف الاشرف وحركة الجهاد عام 1914م ، كامل سلمان الجبوري ـ ص390.

[141]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص476 و477.

[142]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص180 و183.

[143]  مقال في شبكة الانترنيت العالمية ، من خلال الرابط : http://www.alshirazi.com/compilations/memoranda/aeiam/part1/5.htm

[144]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص575.

[145]  المصدر السابق ـ ص575.

[146]  النجف الاشرف ومقتل الكابتن مارشال ، كامل سلمان الجبوري ـ ص288.

[147]  المصدر السابق ـ ص288.

[148]  المصدر السابق ـ ص306.

[149]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص92 و93.

[150]  دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار ، سليم الحسني ـ ص168.

[151]  ثورة 1920 في الشعر العراقي ، عبد الحسين المباركة ـ ص48.

[152]  المصدر السابق ـ ص41.

[153]  النجف الاشرف والثورة العراقية الكبرى 1920 ، كامل سلمان الجبوري ـ ص13.

[154]  ثورة 1920 في الشعر العراقي ، عبد الحسين المباركة ـ ص111.

[155]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص127.

[156]  الثورة العراقية الكبرى ، عبد الرزاق الحسني ـ ص161 و163.

[157]  ومن الادلة على هذا أنه حين هاجم بعض الثوار بقيادة رمضان شلاش القوات البريطانية في دير الزور سنة 1919م لغرض الانضمام الى الحكومة العربية في دمشق بزعامة فيصل بن الحسين والتخلص من الحكم البريطاني ، نجد ان فيصل نفسه يستنكر هذا الامر ويعتبره اهانة موجهة ضد حليفته بريطانيا وضد مصلحة الامة العربية ، ثم ارسل برقية الى رئيس أركان حرب الامبراطورية البريطانية يتبرأ فيها من هذه الحركة. [ أنظر: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، د. علي الوردي ـ ج5 ق1 ص133 و134]. وقد حاول فيصل الاول بعد ان اعتلى عرش العراق أن يجمّل صورته فأدعى بأنه أرسل مبلغاً مالياً لدعم ثورة العشرين عن طريق بعض حاشيته ولكنه تحقق فيما بعد بأن المبلغ لم يصل الى الثوار!!؟ [ أنظر الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية ، علي البازركان ـ ص203].

[158]  هكذا عرفتهم ، جعفر الخليلي ـ ج2 ص125.

[159]  الصراع على السلطة في العراق الملكي ، نزار توفيق سلطان الحسو ـ ص162.

[160]  المصدر السابق ـ ص173.

[161]  المصدر السابق ـ ص174.

[162]  المصدر السابق ـ ص180.

[163]  الشيعة والدولة القومية ، حسن العلوي ـ ص290.

[164]  المصدر السابق.

[165]  المصدر السابق ـ ص290 و291.

[166]  المصدر السابق ـ ص333.

[167]  المصدر السابق ـ ص330.

[168]  المصدر السابق.

[169]  المصدر السابق ـ ص333.

 

 

الصفحة الرئيسية