بسم الله الرحمن الرحيم

أفكار عن الحج في الشريعة الاسلامية

 

نبيـل الكرخي

يحاول بعض أعداء الاسلام أن يشوهوا الشريعة الاسلامية عبر إدعاءات فارغة بمخالفة الاسلام وشريعته العالمية للعقل، وان في الاسلام طقوس عبادية غير معقولة ! وقد أعتمدوا على عقولهم المقصرّة في الطعن فيه، وقد قرأت آخر الأمر نصاً لشخص يبدو من كلامه انه من المرتدين عن الإسلام، وهو من اصول سنية وجنسيته سوريّة. قال هذا الشخص ، وأسمه نبيل فياض ، ما نصّه: [(كيف يمكن لعاقل أن يفهم ، على سبيل المثال لا الحصر، ظاهرة الحج منطقيّاً، خاصّة رمي الحصى على إبليس [ ديابولوس اليوناني ] أو الطوفان حول كتلة الحجارة المسماة بالكعبة أو تقبيل الحجر الأسود الذي يقتنعون أنه من الجنّة؟ أول خطوة في اتجاه العقل ستكون المسمار الأول في النعش الإسلامي)] ، ولكي نجيب عن إشكاله يجب اولاً أن نحدد مصدر الاشكال وأساسه، عبر الأسئلة التالية :

أولاً. هل إنَّ صاحب الاشكال مؤمن بالله سبحانه سواء كان مسلماً ام يهودياً أم مسيحياً ام صابئياً، أم أي ديانة توحيدية اخرى ! أم انه ملحد ؟

ثانياً. هل يجب فهم العبادة من أجل تطبيقها ؟ أم أن الطبيعة البشرية قائمة على إطاعة القوانين حتى لو جهلنا غاياتها وأسبابها.

ثالثاً. هل إنَّ وجود طقوس معينة في أي ديانة تعني منافاة العقل ؟ وهل أنَّ هناك طقوس منطقية وأخرى غير منطقية ؟

بالنسبة للسؤال الاول نجد أن التفكير المنطقي يقودنا لمناقشة وجود الخالق جلَّ وعلا إذا كان الطرف المقابل غير مؤمن بوجوده، إذ كيف نتناقش حول شريعة صادرة من الخالق سبحانه وهو لا يعترف بوجوده أصلاً ! وبعد ان نتفق على وجود الخالق جلَّ وعلا فحينئذٍ ننتقل للحوار حول الطقوس العبادية.

وبالنسبة للسؤال الثاني فإننا نجزم بأن أفضل النظم الانسانية هي تلك التي يلتزم بها الانسان التزاماً صارماً، ومثال ذلك كل القوانين التي يقوم عليها حفظ النظام العام، كقوانين المرور وغيرها.

أتذكر ذات مرة في فيينا سنة 1982م بينما كنت وعائلتي نتنزه في شوارعها بعد شروق الشمس، وإذا بشخصين واقفين ينتظران أن تفتح الاشارة الخضراء لعبور الشارع من قبل المارّة مع ان الشارع كان خالياً ولا يوجد فيه أي سيارة تماماً، ومع ذلك فقد بقي الشخصان واقفين حتى انفتحت الاشارة الخضراء فعبرا الشارع، واجزم أن العشرات من هذه الحوادث تحدث يومياً، ومع ذلك فلا يتجرّأ أحد أن يقول بأنه من غير المنطقي أن يبقى ذلك الشخص واقفاً مع خلو الشارع من اي سيارة. نعم الالتزام بالقوانين أمر ممدوح سواء كان الالتزام بها يبدو منطقياً أم غير منطقي. هذا بالنسبة للقوانين الانسانية، فكيف سيكون الامر بالنسبة للقوانين الإلهية. لا بد أن الالتزام بها هو أمر أشد أهمية وأكثر ممدوحية ومطلوبية. وفي الكثير من القوانين البشرية لا يتطلب الالتزام بها فهمها، ما دامت هناك ثقة بين الناس بأن ذلك القانون إنما وضعه البشر من أجل المصلحة العامة، فمثلاً في بعض الطرق تحدد سرعة السيارات بـ (60)كم/ساعة وفي بعضها (100)كم/ساعة ، وبصورة معتادة يلتزم السائق بالسرعة المحددة دون أن يسأل عن سبب هذا التحديد في الشارع المعين، وكذلك دون أن يتسائل عن سبب الاختلاف في السرعة بين شارع وآخر ومنطقة وأخرى.

والامر أشد وأكثر توكيداً في القوانين الإلهية، لاسيما والانسان يعتقد جازماً ويقيناً بأن القوانين والطقوس المأمور بها من قبل الخالق جلَّ وعلا هي من أجل مصلحته سواء في الدنيا أو في الآخرة. ولا يسأل المسلم نفسه عن فائدة أداء العبادة بالتفاصيل الدقيقة والصغيرة لأنه يعلم يقيناً ان الحكيم سبحانه الذي أحسن خلق هذا الكون العجيب لا تغرب عن أوامره الحكمة سواء علمنا تلك الحكمة أم لم نعلمها، وسواء كان لدى العقل البشري القابلية على فهم المغزى والحكمة من تفاصيل تلك العبادات والطقوس أم لم تكن لديه قابلية على ذلك. بل أن سؤال المسلم لنفسه عن المغزى من تلك التفاصيل وهو يعلم ان من أمر بها هو الخالق العالم الحكيم سبحانه يصبح سؤالاً بعيداً عن المنطق والتفكير السليم.

وبالنسبة للسؤال الثالث ، فهل يمكن أن نتصور وجود دين بلا عبادات أو طقوس ! هل هناك دين واحد في الكرة الارضية سواء كان من الديانات التوحيدية أو الديانات الوضعية وهي خالية من الطقوس والعبادات ؟! فما دام الجواب بالنفي وانه لا يمكن تصور دين بلا طقوس وعبادات، فلماذا نفترض بأن الطقوس يجب أن تكون مفهومة ومبررة لنا، هل يفترض بالاله أن يبرر لعبيده سبب تشريعه الطقس المعين لهم ؟ ومن هو الذي يلزم الإله بذكر التبرير مع كل طقس يشرّعه ؟! وهل من المنطقي ان يلزم المخلوقُ الخالقَ بأداء فعل معين ؟!! وما دام من غير المنطقي ان بلزم المخلوقُ الخالقَ بذكر التبرير لأداء طقس معين فإذن علينا أن نطيع ونؤدي الطقوس التي يشرعها الله سبحانه بدون اعتراض أو بحث عن الاسباب والغايات. (( وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من امرهم )).

فالعقل الانساني لا يتعارض مع أداء العبادات والطقوس الدينية مع أن أسبابها مجهولة لنا. ومن لا يقبل كلامنا هذا عليه أن ياتي هو بدين فيه طقوس ذات أسباب ودوافع مفهومة لا تحتاج لتأويل أو استنتاج !

 

الصفحة الرئيسية