بسم الله الرحمن الرحيم

عبد الكريم قاسم ومجازر آذار / مارس في الموصل 1959م

 

نبيـل الكرخي

هناك العديد من الادلة التاريخية على تحمل عبد الكريم قاسم للمسؤولية الاولى في المجازر التي تم ارتكابها ضد المدنيين العراقيين في الموصل عقب فشل إنقلاب الشواف في آذار / مارس 1959م ، والغرض من الكشف عن المسؤولية التاريخية لعبد الكريم قاسم عن المجازر المذكورة هو التنبيه على ان فترة حكم قاسم كانت فترة دموية تفتقر للاسس الدستورية والقانونية الصحيحة ، وتفتقر لحكم الشعب لنفسه ، وهي صفات بعيدة عن احلام الشعب وطموحاته. وإذا كانت الانظمة السياسية التي حكمت العراق بعد عبد الكريم قاسم هي اكثر سوءاً وشراً منه بكثير فهذا لا يعني أن نتغافل عن اخطاء الزعيم قاسم وسياسته التي اهلك الكثير من أبناء الشعب وزرعت الحقد والفتنة وطلب الثارات بين الفئات السياسية المختلفة !

فمن أجل الموعظة الحسنة خضنا في هذا الموضوع لكي يحذر العراقيون من الاغترار بنموذج عبد الكريم قاسم في الحكم أو الاغترار بفترة حكمه الدموية والعبثية ، والدكتاتورية بإعتراف "سلام عادل" نفسه ! كما سنرى بعد قليل. وهو الوصف الذي يترك الشيوعيين في مأزقٍ لا سيما وهم الذين طالما يشيدون بفترة حكم عبد الكريم قاسم ويتجاهلون تقييم قيادتهم الشيوعية المعاصرة لفترة حكمه الدكتاتورية.

 

تأسيس المقاومة الشعبية :

أسس عبد الكريم قاسم في الاول من آب / اغسطس 1958م ميليشيا مسلحة أطلق عليها اسم "المقاومة الشعبية" وربطها مباشرة بوزارة الدفاع ، أي بنفسه شخصياً[1] ، وقد بلغ عدد المنتمين لها في 21 آب / اغسطس من السنة نفسها الى (11000) شاب وفتاة[2] !

 

هيمنة الحزب الشيوعي على المقاومة الشعبية :

وقد استطاع الحزب الشيوعي نتيجة تمرسه في النضال السري سنوات طويلة أن ينطلق في اعقاب الثورة فيهيمن على المقاومة الشعبية ولجان صيانة الجمهورية هيمنة تامة بحيث كادتا أن تصبحا من تنظيمات الحزب[3] ، وفي صراعه ـ أي الحزب الشيوعي العراقي ـ مع القوى السياسية لعبت "المقاومة الشعبية" دوراً هاماً في محاربة خصوم الحزب ، وعلى الاخص القوميين منهم بعد فشل حركة الموصل في آذار / مارس 1959[4].

يقول العميد الركن جاسم العزاوي : (تعاظم نشاط الحزب الشيوعي العراقي وتدخل في امور الجيش وسيطر على المقاومة الشعبية التي كانت في الاساس مقاومة شعبية بكل معنى الكلمة لخدمة الوطن ، وأذكر أن أول شخص سجل اسمه فيها كان المرحوم فؤاد الركابي)[5].

لقد اصبحت المقاومة الشعبية جيشاً ثانياً بل وأهم من الجيش الاساسي فسيطرت على كل شيء وتدخلت في كل شيء ، وبدات تستفز الضباط وتقوم بتفتيشهم واعتقالهم بل وتحاول تعمد إهانتهم للتدليل على قوتها[6] !

 

صراع عبد الكريم قاسم مع القوميين :

بدأ الصراع الفعلي بين عبد الكريم قاسم والقوميين منذ اعتقال عبد السلام عارف في 4 / 11 / 1958م[7] ، ثم تقديمه للمحاكمة التي حكمت عليه بتاريخ 5 / 2 / 1959م بالاعدام شنقاً حتى الموت وبطرده من القوات المسلحة[8] ، ورغم عدم تنفيذ حكم الاعدام فقد دفع هذا الاجراء القوميين في العراق الى الاصطدام مع نظام عبد الكريم قاسم. وقد أختلفت ردود فعل القوميين تجاه هذه القضية التي فسروها انها تحرك ضدهم ، فمنهم من استقال من حكومة عبد الكريم قاسم ومنهم من بدأ يتآمر على النظام والتخطيط من أجل تغييره !

فقد استقال محمد مهدي كبة من مجلس السيادة ، وكذلك استقال الوزراء القوميون من الحكومة بتاريخ 6 / 2 / 1959م وهم محمد صديق شنشل وفؤاد الركابي وجابر عمر وناجي طالب بالاضافة الى وزيرين مستقلين هما محمد صالح محمود (تركماني مستقل) وبابا علي الشيخ محمود (كردي مستقل)[9].

وعلى صعيد آخر فقد بدأ مجموعة من الضباط القوميين التآمر لإعداد إنقلاب على عبد الكريم قاسم ، وأبرزهم هم :

ـ الزعيم ناظم الطبقجلي ، آمر الفرقة الثانية في كركوك.
ـ الرئيس محمود عزيز ، معاون آمر اللواء الخامس في الموصل.
ـ المقدم عزيز أحمد شهاب معاون آمر الفرقة الثانية في كركوك.
ـ العقيد رفعت الحاج سري ، رئيس الاستخبارات العسكرية.
ـ الرئيس عبد الجواد حميد ، آمر للسرية الثانية من الكتيبة الثالثة في اللواء الخامس في الموصل.
ـ العقيد عبد الوهاب الشواف ، آمر اللواء الخامس في الموصل[10].

وآخرون...

بدأت المعلومات تصل الى عبد الكريم قاسم بوجود تحرك انقلابي ضده ينطلق من الموصل ! وازدادت مصادر المعلومات عن هذا التحرك ضد النظام القائم ، مع الخطورة التي تمثلها الموصل المشهورة بكونها خاضعة لنفوذ قومي وهي مدينة مُحافِظَة أيضاً ، وكانت كذلك موطن ما يتراوح بين ربع وثلث مجموع ضباط الجيش. بالاضافة لقربها من الحدود السورية[11] التي تمثل الجبهة القومية المعادية لنظام عبد الكريم قاسم.

وكان يقدر عدد سكان الموصل بـ (180) ألف نسمة ، بينما كان عدد الحزب الشيوعي فيها نحو (2000) شخص ، بينما هناك تقدير آخر أكثر رجحاناً بأن عددهم هو (400) شخص[12] ، ومهما كان العدد الصحيح بينهما فهو رقم ضئيل قياساً لحجم سكان المدينة.

شعر قاسم والشيوعيون أن نسبة القوى لم تكن في صالحهم داخل الموصل ولذلك قرروا استباق الاعداء بدل أن يضرب هؤلاء في الوقت الملائم لهم ، فأعلنوا عن تجمع لأنصار السلم سيعقد يوم 6 آذار / مارس استهدفوا من خلاله إغراق الموصل بمؤيديهم[13] ، وفي 27 شباط / فبراير أعطى عبد الكريم قاسم موافقته على عقد تجمّع السلام المذكور ، وعمل على ضمان نجاحه بأن وظّف في خدمته كل وسيلة حكومية ممكنة من الاجهزة الامنية والاذاعة الى التلفزيون والسكك الحديد حيث وضع قطاراً خاصاً يعمل الى الموصل بنصف الاجر[14].

وقد تلقى الشيوعيون تعليمات من قيادتهم تقول بأنّه "إذا ما ترددت السلطات فإن عليهم أن يقمعوا بأنفسهم أية مؤامرة ضد الجمهورية بكل ما يمتلكون من قوة ووسائل"[15]. وبدأ الناس في الاحياء القومية والمحافظة في الموصل بإتخاذ تدابير الحماية لأنفسهم كما لو كانوا سيواجهون غزواً. وسرت إشاعات في كل الاتجاهات تقول بأن "مجزرة" ستحصل ! ووصل الرعب بالطبقات المالكة خصوصاً أقصى درجاته[16].

كل هذه الامور جعلت المعارضة تتحرك بأسرع مما كانت تخطط نحو الانقلاب وأرسل العقيد رفعت الحاج سرّي رسالة من بغداد يطلب فيها أن تتم العملية يوم 4 أو 5 آذار / مارس أي قبل مهرجان السلام ، ولكن الرسالة لم تصل الى الموصل أبداً وبدلاً من ذلك وصلت الى الموصل نصيحة بالمراوحة في المكان وذلك من خلال أشخاص مخلصين لعبد الكريم قاسم تسللوا الى الحركة[17].

وفي يوم 5 آذار / مارس بدأ تدفق الحشود الى الموصل وقد وصل عددهم الى (250) الف شخص[18] مؤيد لعبد الكريم قاسم ، وقد سار كل شيء بسلام عدا حادث صغير لا يكاد يذكر. وبقي القوميون والمحافظون في بيوتهم رغبة منهم في عدم دخول المعركة في ظل شروط غير ملائمة[19].

وفي يوم 7 آذار / مارس بدأ أنصار السلام بمغادرة الموصل ، وحدثت في هذا اليوم بعض المصادمات والحوادث حيث هجم بعض القوميين على مكتبات ومقاهي لشيوعيين ، وحدث إطلاق نار ووقوع إصابات ، فتدخل الجيش وفرض منع التجول[20].

وفي فجر يوم 8 آذار / مارس بدأ تحرك الشواف وجماعته ، وفي السابعة من صباح هذا اليوم أعلن بيان الثورة من راديو الموصل[21].

وقد واجه تحرك الشواف الفشل منذ بدايته ، ومظاهرها تدل على انها كانت عملاً لم يدرس بنضج وأنها جرت بتسرّع ، فمحطة البث التي قدّمتها الجمهورية العربية المتحدة للمتآمرين كانت على الموجة القصيرة ووصلت متاخرة وفي حالة سيئة ولم تبدأ العمل على الهواء إلا بعد الساعة التاسعة صباحاً ، ولم يكن بيان الانقلاب مصادق عليه من قبل الضباط في بغداد ، ولم يجد تحرك الشواف اي تجاوب خارج مدينة الموصل عدا إنضمام حاميتي عقرة والعمادية اليه ، ولم يحرك رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي أصبعاًُ لتأييد الشواف فقد كانا مراقَبَين من قبل عبد الكريم قاسم واتباعه الشيوعيين ، ثم أجبر الطبقجلي على الاعلان عن تأييده لحكومة عبد الكريم قاسم في الساعة الخامسة عصراً ، وتجاهلت الجمهورية العربية المتحدة تعهدها بإرسال المغاوير أو بتقديم الغطاء الجوي للمتمردين[22]. وزعم جمال عبد الناصر بعد ذلك ان الفشل السريع لتحرك الشواف هو الذي منع وصول المساعدات اليهم من الجمهورية العربية المتحدة[23] ! وكأن إرسال الطائرات او قوة المغاوير المحمولة جواً تحتاج ألى أيام ! وفي تقديرنا فإنَّ جمال عبد الناصر اراد أن يتبين حقيقة الموقف وإمكانية نجاح تحرك الشواف فعلاً قبل ان يتورط بدعمه !

"وفي هذه الاثناء وجّه رؤساء الاتحادات والمنظمات التي يرعاها الشيوعيون ـ الاتحاد العام للطلاب وإتحاد جمعيات الفلاحين وأنصار السلم ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة ...إلخ ـ نداء الى "المواطنين الشجعان" في كل مكان للاستعداد للقضاء على "الخيانة" في مهدها ولـ "سحق" كل من حاول "تدمير" وجود الجمهورية أو معارضة "أبن الشعب البارّ عبد الكريم قاسم" ، ودعوا كذلك "الزعيم المخلص" الى تعبئة الجماهير وتسليحها. ونظراً لأن قاسم كان يشك في إخلاص معظم الضباط فإنه لم يكن يملك مصدر دعم آخر ، الامر الذي جعله يستجيب جزئياً لهذه الدعوة واطلق يد قوات المقاومة الشعبية ، ولكنه استمر في منع الذخيرة عنها. ومنح الشيوعيين وعشرات الآلاف من مؤيديهم في الوقت نفسه حق السيطرة على شوارع بغداد وغيرها من المدن. وهذا ما استكمل شلّ القوميين والمحافظين"[24].

ولم يسيطر المتمردون إلا على الوضع في الموصل ، وحتى في الموصل فقد كانت هناك عناصر كثيرة موالية لعبد الكريم قاسم عملت على إخماد الثورة في نفس يوم إنطلاقها ، ولذلك نجد حنا بطاطو يقول :"فقد كان بإستطاعة المتمردين أن يشعروا مع هبوط ليل 8 آذار / مارس بالقدر المشؤوم الذي يواجهونه"[25].

وقد بلغ سوء حال المتمردين في اليوم التالي لتحركهم ، أن قائد الحركة عبد الوهاب الشواف قد قتل في صبيحة اليوم التالي لتمرده[26] ، كما أنَّ جنوداً من فوج الهندسة في الموصل مسلحين بالعصي والقضبان الحديد اقتحموا السجن العسكري في معسكر الحجرية ففتحوه عنوة[27] ! رغم افتقارهم للسلاح العسكري !! واطلقوا سراح الضباط وكل المعتقلين الشيوعيين[28]! كما ان مطار الموصل العسكري أصبح موالياً لعبد الكريم قاسم والطائرتان اللتان انطلقتا منه وقصفتا وزارة الدفاع في بغداد عند عودتهما وجدتا المطار تحت سيطرة انصار عبد الكريم قاسم فألقي القبض على الطيارين[29] ! وكذلك فقد أعلن كثير من رجال المدفعية والمشاة في معسكر الغزلاني انحيازهم الى جهة عبد الكريم قاسم وبدأوا يظهرون تأييده[30]. وتبعت ذلك صدامات دموية[31].

ورغم أن تمرد الشواف لم يستمر اكثر من يوم واحد[32] ، فقد بدأت حشود الميليشيات المؤيدة لعبد الكريم قاسم بدخول مدينة الموصل ، وهذه الميليشيات مكونة بالاضافة الى المقاومة الشعبية التي يترأسها عبد الكريم قاسم نفسه من "حشود اليزيديين وقبائل البرزاني الكردية والفلاحين الآراميين الآتين من تلكيف من الريف الى مدينة الموصل استجابة لنداءات بغداد ورموا بانفسهم في المعمعة. وسارت عناصر من الكتيبة الثالثة بقيادة الملازم الثاني الشيوعي غازي جميل وهاشم قاسم الى ترسانة السلاح ووزعتها على الشيوعيين وأبناء الشعب"[33] !

والظاهر ان هناك تحركاً شعبياً مؤيداً لتمرد الشواف ، فقد ذكر حنا بطاطو أن الاحداث وصلت الى حد الحرب الاهلية[34] ! وهو أمر مبالغ فيه نظراً لفجائية تمرد الشواف وعدم التحضير له لفترة معتد بها ، وعدم وصول المساعدات العسكرية من الجمهورية العربية المتحدة ، فلم يكن بالامكان تسليح عددا كبير من الاهالي بهذه السرعة ، كما ان تمرد القوات العسكرية في الموصل في اليوم التالي لتحرك الشواف ومقتل الشواف نفسه في اليوم التالي لتحركه ، كلها عوامل تؤيد عدم إمكانية حدوث تحرك شعبي كبير مؤيد للشواف.

لذلك فإن ردة الفعل من قبل أنصار عبد الكريم قاسم ضد المدنيين من أبناء الموصل بتهمة إنتمائهم السياسي هي ردة فعل وحشية وغير مبررة على الاطلاق ! فالخلاف السياسي وحتى الإصطدام العسكري لا يجوز ان يتطور ليشمل الابرياء من المدنيين مهما كانت عقيدتهم السياسية.

وقد فتحت سيطرة الميليشيات القاسمية غير المنضبطة على مدينة الموصل الباب الى حصول هجمات على مدنيين أبرياء "بدافع الكراهية الشخصية أو إنطلاقاً من رغبة بالثأر أو بسبب نزاعات عائلية"[35]، "وكانت عمليات الانتقام العاجلة التي لجأ إليها الجنود والجموع المسلحة في لحظات غضبهم الوحشي ـ في جزء كبير منها ـ سداداً لحساب النزيف الرهيب الذي عانوا طويلاً منه". "وكان للعنف أن يسيطر ثلاثة أيام أخرى ولم يبق مدى لم يذهب إليه"[36] !

"وعمدما وصل الزعيم حسن عبود إبراهيم ، الشيوعي والآمر الجديد لحامية المدينة ، الى الموصل مساء 10 آذار (مارس) وجد الاضطراب في ذروته ، والجيش يقتل ويسلب بمساعدة الناس الذين قدموا من ضواحي المدينة"[37].

وانتقلت عمليات الانتقام ضد المدنيين الى تطور آخر بتشكيل الميليشيات للمحاكم المحلية ، وأصبح احد مراكز الشرطة مقر لقيادة الميليشيات ومقرلـ "محكمة الشعب" في الوقت نفسه[38]. وأخذوا في إعدام المدنيين بتهمة الانتماء للاحزاب القومية.

واتهم مهدي حميد (قائد المقاومة الشعبية في الموصل) بعد إنقلاب 8 شباط / فبراير 1963م وأثناء محاكمته ، أتهم عبد الكريم قاسم بأنه أصدر يومها أوامره بـ "إبادة كل من أظهر مقاومة أو حمل السلاح ضد الحكومة" وأن هذا شجّع الاعمال المتهورة والافعال الانتقامية وادّعى كذلك أن قاسم أشار في لحظة معينة وعبر قائد الحامية الى أنه " لا حاجة الى إرسال مثل هذا العدد الكبير من المعتقلين الى بغداد ، فماذا سنفعل بهم هنا ؟ تخلصوا منهم هناك في الموصل"[39]. ورغم ان كلام مهدي حميد هذا قد صدر منه في موضع الدفاع عن نفسه ومحاولته إنقاذ نفسه من الاعدام في أثناء محاكمة البعثييين العفالقة له بعد إنقلابهم سنة 1963م وبعد مقتل عبد الكريم قاسم نفسه ، ولكن هناك شواهد عديدة تؤيد صحة كلامه ابرزها أن عبد الكريم قاسم لم يحاسب أبداً من قام بالافعال الاجرامية في مجزرة الموصل ولم ينطق بأي إدانة بحقهم ولم يشكل اي لجنة تحقيقية في الموضوع على اقل تقدير ! بل على العكس فقد كانت هناك مكافآة لمن ساهم في تلك المجازر ! فبعد فترة قصيرة من احداث الموصل دعا عبد الكريم قاسم مهدي حميد وقادة شيوعيي الموصل الى بغداد واطرى إخلاصهم وقدم لهم مسدسات هدية وقدم منحة للحزب الشيوعي قيمتها 1500 دينار. كما انه قبل مهدي حميد مجدداً في الجيش ورفعه الى رتبة رئيس وأسند إليه قيادة قوات المقاومة الشعبية في كل الجزء الشمالي من البلاد[40].

وهناك إعدامات قد حدثت بحق المدنيين حتى بعد أن هدأت الاضطرابات كلها في الموصل ، مثل حادثة إعدام (17) شخص في الدملماجة[41] ! مما يدل على إن الذين قاموا بالمجازر هم جزء من المنظومة الامنية الحاكمة.

 

عدد ضحايا مجازر الموصل آذار / مارس 1959م :

يقول حنا بطاطو : "واختلفت كثيراً أعداد الضحايا في تلك الايام ، ووصلت في بعض التقديرات الى (5000) ضحية ، ولكن المتفق عليه الآن أن العدد كان في حدود المئات وليس الآلاف"[42] !

 

شهادة صحيفة "إتحاد الشعب" الشيوعية :

علقت صحيفة "إتحاد الشعب" لسان حال الحزب الشيوعي العراقي ، على أحداث الموصل الدامية في عددها الصادر في 13 / 3 / 1959 بالقول : (علقت وسحبت جثث المجرمين القتلة في مدن الموصل وقراها وانجلت المعركة فإذا بالعشرات من المجرمين الشرسين العتاة مدنيين وعسكريين صرعى في دورهم أو على قارعة الطريق في الموصل وتلعفر وعقرة وزاخو وفي كل زاوية)[43].

وفي مقال آخر بتاريخ 16 / 3 / 1959م نقرا فيه : (لنا من الاعمال البطولية في الموصل خبرة وافرة في سحق الخونة .. إنَّ مؤامرة الموصل وسحقها وسحل جثث الخونة في الشوارع ستكون درساً قاسياً للمتآمرين وضربة بوجه دعاة القومية) ، وهكذا تحول الصراع السياسي الى صراع دموي رهيب واسع النطاق[44] !

 

مذكرة الحزب الشيوعي لعبد الكريم قاسم في 11 آب / اغسطس 1958م :

وقد ذكر د. عبدالفتاح علي البوتاني (من كلية الاداب/ جامعة دهوك) مذكرة ارسلها الحزب الشيوعي الى عبد الكريم قاسم بتاريخ 11 آب / أغسطس 1959م ، وقد جاء فيها : (هذه هي الظروف التي تعيش فيها منظماتنا الديمقراطية اليوم في الوقت الذي اكدتم مراراً ولازلتم تؤكدون وتثمنون الدور البطولي الذي قامت به من اجل صيانة الجمهورية ودعم مسيرتها الظافرة وخاصة الدور المجيد الذي قامت به في احباط مؤامرة الشواف وانقاذ الجمهورية وجماهير الشعب من تلك الشراذم الفوضوية المتعطشة للدماء والتدمير. ان هذه المنظمات اثبتت اخلاصها باستجابتها السريعة لندائكم من اذاعة الجمهورية العراقية على اثر اعلان العصيان المشؤوم في الموصل، اذ نفذت بابداع وتفان ونكران ذات ما جاء في ندائكم بالقضاء على تلك الشراذم، كما وانها قامت بدور فعال في انقاذ ارواح المئات من المواطنين وصيانة ممتلكاتهم بعد ان فقد الامن في مديتنا عدة ايام، وكانت هي وافراد جيشنا المقدام الحصن المنيع الذي تحطمت امامه تلك المؤامرة الدنيئة)[45]. والمذكرة تكشف بوضوح أن تحرك الميليشيات التي ارتكبت مجازر الموصل في شهر آذار / مارس 1959م إنما كان بأوامر صريحة من عبد الكريم قاسم نفسه.

 

شهادة نعمان ماهر الكنعاني :

قال نعمان ماهر الكنعاني السكرتير السابق لعبد الكريم قاسم في شؤون الصحافة وهو يتحدث عن عبد الكريم قاسم: (كانت نزعته ضد القومية العربية واضحة وضد مدينة الموصل بالذات ، لذلك نراه قد استباح المدينة عند حدوث حركة الشواف فيها في آذار 1959م)[46].

 

شهادة منير رزوق :

قال منير رزوق في كتابه (مؤامرة عبد الناصر) المطبوع سنة 1959م في بغداد : (وكان للاكراد من رجال القبائل الدور الكبير في إخماد حركة الموصل ، حيث ظهر خمسة آلاف رجل كردي مسلح قدموا من مختلف النواحي والقرى الكردية وعسكروا على تل نينوى قرب الموصل حيث وضعوا أنفسهم تحت تصرف السلطات الحكومية ، وبالفعل نزل ألف منهم الى شوارع الموصل واشتركوا في مقاتلة القائمين بالحركة حتى تم اخمادها وبقي افراد العشائر الكردية يشتركون مع قوات الجيش وافراد المقاومة الشعبية يجوبون شوارع الموصل لمدة اسبوع حتى تم انسحابهم استجابة لنداء الحاكم العسكري العام اللواء احمد صالح العبدي)[47].

 

شهادة عدنان جليميران :

أما عدنان جليميران عضو اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في مدينة الموصل أثناء حركة الشواف فقد أعترف بتاريخ 28 آذار / مارس 1963م بما يلي : (في رأيي ان أبرز الجرائم التي نتحمل نحن الشيوعيين مسؤوليتها الكاملة مجزرة الموصل ومذبحة كركوك ، ففي الموصل كانت لدى الحزب أوامر قاطعة باتة من القيادة بإبادة القوميين حالما يتحركون ، وبعد ثورة الشواف اندفعنا لتصفية القوميين واقمنا المحاكم البروليتارية التي شكلت بالجملة حيث كان كل شيوعي على رأس محكمة تحاكم وتقتل وتعلق جثثهم ، وكنا نحن الشيوعيين أبطال مجزرة الدلماجة التي راح ضحيتها سبعة عشر شخصاً انتزعناهم من الموقف بعد ان انتهى كل شيء في الموصل ، وهناك في موقع الدلماجة فتحت النار عليهم)[48].

 

الثمن الذي طلبه الحزب الشيوعي لمجازره في الموصل :

"وبإنتهاء مسلسل العنف في الموصل بالشكل الذي أنتهى إليه أصبح مؤكداً لقيادة الحزب الشيوعي بأن الوقت قد حان لقطف الثمار واستلام الجائزة من شخص الزعيم بالذات. مما شجع (سلام عادل) لتوجيه رسالة الى زعيم الجمهورية بتاريخ 31 / 3 / 1959م طالبه فيها بعلاقات أوثق مما هي عليه بين الجانبين".. "وبلغت حملة الحزب الشيوعي العراقي نصابها الرسمي في النداء الذي وجهته اللجنة المركزية في 29 نيسان / ابريل 1959م ونشر في إتحاد الشعب وطالبت فيه بالمشاركة في الحكم محددة حصتها باربعة حقائب وزارية بضمنها وزارة الداخلية"[49].

غير انَّ عبد الكريم قاسم لم يعطهم الثمن الذي ارادوه مقابل تلك المجازر ، لقد كان هو قائد تلك المجازر والشيوعيون مجرد أدوات فاعلة في الساحة ، وكان الزعيم يدرك جيداً أنَّ مشاركة الشيوعيين في الحكم ستؤدي في النهاية الى تسلطهم عليه وإزاحته بدعم من القوى العظمى الشيوعية السوفيتية أو الشيوعية الصينية ، لذلك فقد كان حريصاً على تحجيم الحزب الشيوعي "وقص جناحيه" ، فلا هو يقضي عليه ولا هو يتركه ليطير بحريته في الفضاء العراقي.

وفي الرسالة الاخيرة التي تركها سلام عادل ، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي ، قبل إعدامه ـ تم الاعلان الرسمي عن إعدامه يوم 7 آذار / مارس 1963م ، أي بعد 4 سنوات من تاريخ بداية مجازر الموصل ـ حمَّل عبد الكريم قاسم مسؤولية إنقلاب 8 شباط / فبراير 1963م المشؤوم واتهمه بالاستسلام للـ "قوى السوداء" ، ووصفه بالدكتاتور ، فقال : (إنَّ السبب الرئيسي الذي أدى الى سيطرة الانقلابيين على الحكم هو العزلة التي أصابت تدريجياً دكتاتورية قاسم عن الشعب وعن القوى الوطنية. ولكن الانقلاب الرجعي الراهن يبدأ بعزلة أشد من تلك العزلة التي أنتهت اليها دكتاتورية قاسم)[50] ! مع ان الشيوعيين اليوم يمجدون عبد الكريم قاسم ويغضون النظر عن تقييم سلام عادل لفترة حكمه المشؤومة ودكتاتوريته الواضحة التي جلبت الويلات على الشعب العراقي.

وهكذا انقلب شركاء مجازر الموصل الى خصوم ، يحاول كل منهم أن ينفرد بالسلطة التي من أجلها أراقوا سويةً دماء الابرياء بغير حساب.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الهوامش:
 

[1]  العراق ، حنا بطاطو ـ ج3 ص159 ، نقلاً عن قانون المقاومة الشعبية رقم 3 للعام 1958 المنشور في جريدة "الوقائع العراقية" العدد 4 في 4 آب 1958م.

[2]  المصدر السابق ـ ج3 ص159 و160.

[3]  ثورة 14 تموز 1958 في العراق ، ليث عبد الحسن الزبيدي ـ ص405.

[4]  المصدر السابق ـ ص405 و406.

[5]  ثورة 14 تموز ، مذكرات العميد الركن المتقاعد جاسم كاظم العزاوي ـ ص215.

[6]  المصدر السابق ـ ص217.

[7]  ثورة 14 تموز 1958 في العراق ، ليث عبد الحسن الزبيدي ـ ص358.

[8]  المصدر السابق ـ ص358.

[9]  ثورة 14 تموز ، مذكرات العميد الركن المتقاعد جاسم كاظم العزاوي ـ ص210 و211.

[10]  العراق ، حنا بطاطو ـ ج3 ص184.

[11]  المصدر السابق ـ ج3 ص186.

[12]  المصدر السابق ـ ج3 ص186.

[13]  المصدر السابق ـ ج3 ص190.

[14]  المصدر السابق ـ ج3 ص191.

[15]  المصدر السابق ـ ج3 ص192.

[16]  المصدر السابق.

[17]  المصدر السابق.

[18]  المصدر السابق.

[19]  المصدر السابق.

[20]  المصدر السابق ـ ج3 ص193.

[21]  المصدر السابق ـ ج3 ص193.

[22]  المصدر السابق ـ ج3 ص194.

[23]  ثورة 14 تموز 1958 في العراق ، ليث عبد الحسن الزبيدي ـ هامش ص370.

[24]  العراق ، حنا بطاطو ـ ج3 ص195.

[25]  المصدر السابق ـ ج3 ص195.

[26]  المصدر السابق.

[27]  المصدر السابق.

[28]  المصدر السابق.

[29]  ثورة 14 تموز ، مذكرات العميد الركن المتقاعد جاسم كاظم العزاوي ـ ص223.

[30]  العراق ، حنا بطاطو ـ ج3 ص195.

[31]  المصدر السابق.

[32]  ثورة 14 تموز ، مذكرات العميد الركن المتقاعد جاسم كاظم العزاوي ـ ص223.

[33]  العراق ، حنا بطاطو ـ ج3 ص195.

[34]  المصدر السابق ـ ج3 ص196.

[35]  المصدر السابق.

[36]  المصدر السابق ـ ج3 ص197.

[37]  المصدر السابق ـ ج3 ص198.

[38]  المصدر السابق.

[39]  المصدر السابق ـ ج3 ص199.

[40]  المصدر السابق.

[41]  المصدر السابق ـ ج3 ص198 و199.

[42]  المصدر السابق ـ ج3 ص200.

[43]  صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث ، الحركة الماركسية ، صلاح الخرسان ـ ص91.

[44]  ثورة 14 تموز ، مذكرات العميد الركن المتقاعد جاسم كاظم العزاوي ـ ص229.

[45]  موقع : (الصوت الآخر) في شبكة الانترنيت العالمية من خلال الرابط (http://www.sotakhr.com/index.php?id=2671)

[46]  ثورة 14 تموز 1958 في العراق ، ليث عبد الحسن الزبيدي ـ هامش ص340.

[47]  المصدر السابق ـ هامش ص370.

[48]  المصدر السابق ـ هامش ص372.

[49]  صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث ، الحركة الماركسية ، صلاح الخرسان ـ ص91.

[50]  المصدر السابق ـ ص105- 111.

 

المصادر المطبوعة:

  1. ثورة 14 تموز 1958 في العراق ، ليث عبد الحسن الزبيدي ، منشزرات مكتبة اليقظة العربية الطبعة الثانية 1981م.
  2. صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث / الحركة الماركسية (1920- 1990)م ، صلاح الخرسان ، مؤسسة العارف للمطبوعات ، بيروت لبنان ، الطبعة الاولى 2001م.
  3. العراق ، حنا بطاطو ، ترجمة عفيف الرزّاز ، منشورات فرصاد ، قم المقدسة- إيران ، الطبعة الاولى 2006م.
  4. ثورة 14 تموز ، مذكرات العميد الركن المتقاعد جاسم كاظم العزاوي ، شركة المعرفة للنشر والتوزيع ، بغداد 1990م.

 

 

الصفحة الرئيسية