بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقـــال شـقـشـقـــي

 

نبيـل الكرخي

ربما لم يعد خافياً ان هناك مشاكل وتحديات عقائدية وفكرية وحضارية جدية وعميقة تحيط بمذهبنا نحن الشيعة الامامية. اما الآخرون فموقفهم اصعب بكثير اذ اننا نحن من نسعى للنجاة من الضلال بتمسكنا بالثقلين العظيمين الكتاب المجيد والعترة الطاهرة (عليه السلام) اما الآخرون ، اولئك غير الشيعة الامامية فهم في الضلال راسخون بلا شك.
وحتى في داخل التشيع الامامي هناك من ينحرف عن قصد او دون قصد بعيداً عن التمسك بالثقلين ، و((وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)) ، ((وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) ، وربما ما نعتبره انحرافاً قد يعتبره الاخرون عين التدين والتمسك بالثقلين ! وكأنما لا توجد ضوابط عامة واضحة مدارها التمسك بالثقلين العظيمين دون سواهما.
في المقدمة هناك بعض المشاكل العقائدية من قبيل الصراع بين المدرسة العقائدية الشيعية التقليدية التي اساطينها الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والشيخ الطوسي والعلامة الحلي واضرابهم تقدست اسراهم جميعاً، بينما هناك في المقابل المدرسة العقائدية المرتكزة على العرفان والفلسفة والتي اسسها الشيخ صدر الدين الشيرازي الذي يسميه اتباعه (صدر المتألهين) ويسميه خصومه (ملا صدرا) ، والذي يروج لفكره في عصرنا الحاضر سيد كمال الحيدري ويحاول الطعن في التراث الشيعي لكي ينصر افكار ملا صدرا ومدرسته (العرفانية - الفلسفية) والتي ينتمي سيد كمال نفسه اليها والتي تسمى (الحكمة المتعالية) وهي مبنية على افكار ابن عربي الصوفي السني !!
**************
ومن المشاكل العقائدية ننتقل الى بعض المشاكل الحضارية من قبيل التطبير ومهاجمة مقدسات الاخرين بصورة مستمرة ! ولا اعرف اي حضارة تلك او اي فكر يمكن ان يرتقي بالانسان الى مرتبة متحضرة وهو يهاجم مقدسات الآخرين ويشتمها ! كما يفعل بعضاصحاب القنوات الفضائية اللندنية في مهاجمة عائشة والصحابة ، الا يكفي ان تعلن انك شيعي امامي ليعرف الجميع انك تتبرأ من عائشة وما فعلت في حربها لامامها امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وتتبرأ من السقيفة وما حوت وما انتجت. الا يكفيك ايها الشاتم ان تنال منهم وانت تقرأ زيارة عاشوراء الخالدة. فما هو وجه الظهور بمظهر غير حضاري ينفر الآخرين حتى من غير المسلمين عمن يتوجهون هذا التوجه من الشيعة ، ويصبحون واجهة غير حضارية للتشيّع.
واما التطبير فقد اصبح دين من لا دين له !! اصبح التطبير هو صلاتهم وصيامهم ومناسكهم ، فإن لم يفعلوا فلا دين لهم !! والويل كل الويل لمن يحرمه او ينتقده ، رحمك الله يا سيد محسن الامين.
فبغض النظر عن حرمة او حلية التطبير ، فنحن نتحدث هنا عن الواجهة الحضارية للشيعة والتي يشوهها التطبير شاء من شاء وابى من ابى. ففي موسم التطبير حيث تكون وسائل الاعلام مليئة بصور الدماء وضرب الهامات من اجل المواساة للامام الحسين (عليه السلام) بحسب زعمهم مع انه استشهد من اجل الدين فغاية المواساة يجب ان تكون في الانتصار للدين الذي ضحى من اجله وليس الانتصار بإيذاء النفس ! وأي انتصار ذلك بأن يؤذي الانسان نفسه دون الانتصار للمباديء والقيم والمثل العليا !! فقد استمرت الثورة الحسينية والنهضة الحسينية والفكر الحسيني طيلة القرون الماضية بدون التطبير الذي يرقّيه البعض الى مرتبة "الشعيرة" عنوةً !
**************
وحينما يتحدث البعض عن "الانسان الكامل" بكلامهم النظري الذي ليس له واقع او تطبيق عدا المعصومين الاربعة عشر الاطهار (عليهم السلام) وما عداهم فليس هناك انسان كامل ، نعم هناك علماء عدول وبعض المؤمنين الذين قد يتصفون بالعدالة ، ولكن اولئك يقصدون بالانسان الكامل شيء آخر اكبر من العدالة. بينما يحلو لنا ان نتحدث نحن عن الانسان العاصي ، يتحدثون هم عن المثالية ونتحدث نحن عن الواقعية. فغالبية الناس هم من المقترفين للمعاصي وليس في ذلك بأس ما دام باب التوبة مفتوح. والله سبحانه يشجع الانسان على التوبة بل وهناك آيات تخبر الانسان عن عدم الاكتراث بصغائر المعاصي من قبيل قوله تعالى: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ)) ، واحاديث شريفة من قبيل ان الصلاة الى الصلاة كفارة لما بينهما اذا اجتنبت الكبائر. كم هي واسعة رحمتك يا رب. بينما نجد غالبية التنظيمات والاحزاب الاسلامية يحملون "فأس شريعة" ليهشموا رأس كل من يقترف معصية تهشيما معنوياً ما داموا خارج السلطة بينما اذا انتقلوا الى السلطة بدأوا يختلقون لنفسهم الذرائع والتبريرات ، ولعل مثال السفور والتبرج خير دليل على ذلك. فالمذيعات في الفضائيات الاسلامية يقترفن معصية التبرّج رغم ان امرأة مسلمة اذا تبرجت ولا سيما اذا كانت من وسط اسلامي او عائلة تظهر التدين فإن ذلك يعتبر من اشد المنكرات عندهم !! ورغم ان التبرّج والسفور بعنوانه الاولي ليس من الكبائر إذ لم اعثر على حديث معتبر يتوعد السافرات او المتبرجات بالنار ، فمع ذلك فإن في مقدمة اولويات المتدينين او الحركات الاسلامية هو منع نسائهم من السفور والتبرّج ، وتعتبر قضية الحجاب في اولوياتهم التنظيرية ! اما القضايا المالية من قبيل التعامل مع المصارف الربوية الحكومية والاهلية ، والقضايا الاخلاقية كالغيبة والنميمة فقد تأتي في المرتبة التالية !؟ واما خيانة الامانة والاستحواذ على المال العام فمن السهولة انتهاكه وايجاد المبررات لاقترافه ! فالمظاهر هي التي تحكم عالم الحركات والتنظيمات الاسلامية والتدين غالباً.
**************
لم يتحدث القرآن الكريم عن "الانسان الكامل" - هذا المصطلح الذي ابتدعه ابن عربي كما يقول الشيخ مرتضى مطهري – بل تحدث عن الانسان العاصي ، وحتى الانبياء (عليهم السلام) أبرز حولهم جانب المعصية واقتراف الذنوب حتى ان كانت حقيقة معصيتهم هو ترك الاولى. فالله تعالى ربما يريد ان يربي الانسان على ان المعصية هي حالة طبيعية في الحياة الانسانية ولكن المهم هو تشخيصها كمعصية ثم التوبة على اثرها.
المعصية هي حالة طبيعية ، فالانسان غير معصوم ، ولكن المشكلة ان البعض يكون سعيداً وهو يقترفها سراً ويشمئز تجاه من يقترفها علانية ! انه جزء من ازدواج الشخصية. نعم ان التظاهر بالمعصية هو معصية في حد ذاته لكن ان نخفي معاصينا وننتقد الآخرين لإظهارهم لها او ظهورها عليهم مهما اختلف السبب هو امر غير اخلاقي. علينا ان نتقبل ان الآخرين يرتكبون المعصية والخير هو فيالطريقة التي ننبههم لها بحيث تكون مقبولة عندهم. نعم يجب ان ننبه الاخرين على ارتكابهم للمعصية بطريقة مقبولة عندهم حتى يتقبلون كلامنا ، اما اسلوب النهر والتوبيخ واظهار الاشمئزاز تجاههم فقد ينفرهم عنا بل وعن الاسلام والتشيّع كله. ان وجود المعاصي هو امر طبيعي في المجتمع وربما يتعلق بهذا قوله تعالى ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)). فالتمييز في المجتمع بين المتدينين واهل المعاصي ، بين الطاعة والمعصية ، امر طبيعي يجب ان لا نخشى منه. فمن غير المعقول ان يكون المجتمع كله متديناً !
ونجد ان بعض المؤمنين يمارسون الغلظة والفضاضة تجاه مرتكبي المعصية متناسين انهم ايضا ربما ارتكبوا معصية اخرى وان كانت خفية لم يعلمها الا الله تعالى فهم ايضا يستحقون ان يمارس معهم الغلظة والفضاضة. فكم هو رائع ان يمارس المتدين اللطف واللين مع مرتكب المعصية فينصحه بكل تواضع وبما يجعله مقبولاً عند الآخر. بل ربما ان الغلظة التييمارسها البعض يرتبط بها معصية التنفير عن الاسلام ، فهم في غلظتهم تجاه اهل المعاصي يرتكبون معصية ايضاً !
والادهى والاَمَرّ ان بعض المتدينين يمارسون الغلظة والتدين تجاه المتدينين الاخرين الذين يختلفون معهم في تفاصيل دينية ، عقائدية او فقهية او اخلاقية ، تفاصيل قد تكون صغيرة في مقابل المشتركات الكبيرة التي تجمعهم داخل التشيّع ، ومع ذلك يتغافلون عما يجمعهم ويعمدون الى الاختلاف وتشجيع الاختلاف نتيجة تفاصيل صغيرة ! انهم بارعون في احداث الانقسامات بين صفوف المؤمنين !
**************
واما على المستوى السياسي فقد برز بين الشيعة منذ الخمسينيات تيار تأثر بحزب التحرير السني وبحركة الاخوان المسلمين السنية ايضاً وبدأ ينظّر الى اهمية تأسيس دولة اسلامية ويسعى لذلك ويقدم التضحيات البشرية من اجل هذا الهدف الحيوي والمركزي عندهم. وبتطور الظروف السياسية وتأسيس الدولة الاسلامية في ايران اصبحت مشروعية الدولة الاسلامية لا تقبل النقاش ولا سيما بعد اعلان السيد محمد باقر الصدر ان تأسيسها حقق حلم الانبياء !!
اذا كان حلم الانبياء يمكن ان يحققه غير المعصومين (عليهم السلام) فما فائدة وجودهم (صلوات الله عليهم) ! وكيف يمكن ان يتحقق حلم الانبياء رغم ان الاسلام الذي ارتضاه الله سبحانه لم يكتمل الا باعلان بيعة المعصوم (عليه السلام) يوم الغدير واعلان قيادة المعصوم (عليه السلام) لهذا الدين العظيم. فلا يكون الاسلام الدين الذي ارتضاه الله عز وجل الا تحت قيادة المعصوم (عليه السلام).
اما المرجعية التي تمثل الامتداد لخط الامامة المقدس ، فهي واجبة الطاعة بما تراه هي من حدود لها ومن ولاية شرعية تحملها. وقد اختلف الفقهاء في حدود الولاية الممنوحة للفقهاء، الا انهم في القرون السابقة كان جميعهم ممن لا ينتمون للخط العرفاني الصوفي الغنوصي لا يرون للفقيه ولاية مطلقة بل ولايتهم بحدود معينة الى ان ظهر الشيخ احمد النراقي ومن ثم السيد الخميني وهما ينتميان للخط المذكور.
**************
واما الاحزاب الاسلامية فهيهات منها الا الذلة ، فلقد لعبت دوراً سلبياً في تشويه صورة الاسلام عبر التطبيق السيء له وهم في تطبيقه عكسوا انحرافا كبيراً اعطى الفرصة لخصوم الاسلام لاستغلال اخطائهم المتمثلة باستغلال النفوذ والاستحواذ على المال العام والتكسب غير المشروع عبر الصفقات الحكومية الخارجية. ومن السخيف ان محافظاً للبصرة يتظاهر بالامتناع عن مصافحة النساء الاجنبيات ثم يقوم بالاستيلاءعلى قطعة ارض حكومية بثمن بخس مستغلاً منصبه ! هذا نموذج بسيط مما يجري على ايدي الاحزاب والتنظيمات الاسلامية. اما التناحر فيما بينها فحدث عنه ولا حرج انه لأمر مؤسف ومخجل ان يكون هؤلاء واجهات اسلامية. وان سوء تصرف تلك التنظيمات والاحزاب الاسلامية هو دافع جدّي للتساؤل عن جدوى وجودها والفائدة المتوخاة من تأسيسها وتضحية خيرة الشباب بنفسه تحت عناوينها في زمن الطغيان الصدّامي اللعين. ان الاسلام المحمدي الاصيل الذي يقوده المعصوم (عليه السلام) في زمن الحضور ، ويقوده المرجع العام في زمن الغيبة يغني المؤمنين عن اي تكتل او تنظيم حزبي.
**************
كما ينبغي على الدولة وهي تضع في دستورها عبارة ان الاسلام هو دين الدولة ان تشرّع القوانين التي تمنع من تكوين الاحزاب التي تنادي بإغفال الاخلاق عن المجتمع تحت ذريعة الحريات الشخصية. فيجب ان لا تتعارض الحريات الشخصية مع الاخلاق العامة في المجتمع وان لا تسمح بوجود احزاب تؤجج الصراع داخل المجتمع تحتذريعة الحريات الشخصية.
ونحن ندعو لدولة الاخلاق ودولة الايمان يجب ان تتأسس دولتنا على اسس واضحة في مقدمتها صيانة الاخلاق العامة في المجتمع بناءاً على اسس الحشمة والادب كما يجب ان يكون هناك قرار صارم بتجريم كل من يتحدث بحديث طائفي او عنصري او يزرع الطائفية او العنصرية في المجتمع العراقي. يجب ان تكون العنصرية والطائفية أكبر من خط احمر من خلال قوانين صارمة لا تميز بين هذا وذاك ، فالكل يخضع لسلطة القانون الذي يجب ان لا يتغافل عن اي تصريح او موقف ، بل يجب ان يكون هناك اتجاه في المجتمع يتمثل بالانتقاص من كل شخص يروج لفكر طائفي او عنصري ورفضه وتسقيطه اجتماعياً وسياسياً.
**************
قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ)) ... قال: كرمك يا رب ...
ونِعْمَ بالله.

4/10/2015

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية