بسم الله الرحمن الرحيم

 

مشروعية ثقافة تعدد الزوجات​

 

نبيـل الكرخي

قال تعالى: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا)) صدق الله العلي العظيم.
وقد اجمع المسلمون قديماً وحديثاً على وجود ثقافة تعدد الزوجات في الاسلام ، فالاسلام يبيح ان يتزوج الرجل بأكثر من امرأة ، ولا يشترط الاسلام لتعدد الزوجات سوى ان يكون الحد الاعلى للجمع بين الزوجات هو اربع زوجات ، وعدا ذلك فللرجل ان يتزوج تحت اي ظروف وتحت اي رؤى اكثر من زوجة مهما كانت ظروف حياته. وهناك ايضا بالاضافة لشرط التعدد امر اوجبه الاسلام على الرجل وهو العدل بين زوجاته في النفقة وهو قوله تعالى ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا)) ، فيجب ان يساوي الرجل في مقادر النفقة التي ينفقها على زوجاته بصورة متساوية. ولكن التساوي في النفقة لا يرتقي لمستوى الشرط الذي يتوقف الزواج عليه ، فليس من شروط صحة الزواج ان يكون هناك تساوي في النفقة وكذلك فمن لا يساوي في النفقة لا يبطل عقد زواجه ، فالامر بالمساواة في النفقة يرتبط بمجمل سيرة الانسان وسلوكه وما سيحاسب عليه في الدار الاخرة ، فبصورة عامة يجب ان يكون الانسان عادلاً ليس في النفقة بين نسائه بل في عامة شؤون حياته ، فيجب ان يكون عادلاً بين ابنائه في الرعاية والنفقة وعادلاً مع اخوته وجيرانه واصدقائه ومجتمعه وكافة محيطه ، لأن الاسلام يريد من الانسان ان يكون عادلاً في جميع افعاله. اذن فالامر بالمساواة بين الزوجات في النفقة يرتبط بالحساب يوم القيامة ولا يتوقف عليه صحة الزواج ولا صحة الاقدام على تعدد الزوجات.

اما من حيث الحب والمودة والميل القلبي فهي امور انسانية لا يستطيع الرجل وضعها في ميزان واحد ليس بالنسبة لزوجاته فقط بل بالنسبة لكل مشاعره تجاه اخوته واصدقائه ومحيطه ، فهناك من يحب احد اخوته اكثر من الآخر دون ان يمس هذا التفاوت في الحب المقدار الواجب من صلة الرحم والعطف والاهتمام ، وكذلك هناك تفاوت في حب الانسان لمعارفه من جيران واصدقاء وزملاء في العمل ، ولذلك لم يجبر الاسلام الرجل على ان يحب زوجاته بصورة متساوية لأنه لا منطق في ذلك والاسلام هو دين العقل والمنطق والفطرة السليمة ، اذ لا يمكن ان يتحكم الانسان بمشاعره لأنها امور روحية وليست مادية. ولذلك نجد ان قوله تعالى: ((وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً)) يخص العدالة بين النساء في الميل القلبي كما صرّح بذلك المفسرون المعتبرون من ذوي الاختصاص ، ويحاول البعض ان يفسر القرآن برأيه ـ وهو امر ممنوع شرعاً اي لا يجوز تفسير القرآن بالرأي ـ ان يقول ان العدالة في هذه الآية الكريمة تخص ايضاً العدالة في النفقة والقرآن يخبرنا انه لن يكون عدالة في النفقة ولذلك لا يجوز تعدد الزوجات !! وهذه الشبهة منتشرة في الاوساط التي تحارب اباحة الشريعة لتعدد الزوجات ولا سيما عبر الفضائيات المغرضة رغم ان تفنيد هذه الشبهة يكون في الآية الكريمة نفسها حيث ان تتمة الآية تقول ((فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ)) اي ان الآية الكريمة لم تمنع من تعدد الزوجات في حالة عدم العدالة بل امرت بعدم الميل الكلي نحو زوجة على حساب زوجة اخرى اي ان الآية الكريمة في حقيقتها اقرّت نظام تعدد الزوجات ولم تبطله كما يحاول ان يروًج لذلك المغرضون.

ولا يخفى على ذوي العقل والبصيرة ان الآية الكريمة قوله تعالى: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)) قد ابتدأت بالامر بالزواج المثنى ، اي ان العدد الطبيعي للزواج هو بزوجتين وبهذا يصلح حال الانسان ويتوازن المجتمع ، واما الزواج بواحدة فهو يحدث غالباً بسبب قلة ذات اليد اي بسبب عدم القدرة المالية على رعاية زوجتين وفق استحقاقهن الطبيعي.

كما لا يخفى على ذوي الفكر والتدبّر الفوائد الكبيرة لتعدد الزوجات وعلى مختلف الاصعدة وبما يحقق التوازن النفسي والاجتماعي للرجل والمرأة والمجتمع ، وفي تعدد الزوجات حلول للكثير من مشاكل المرأة المرتبطة بالعنوسة والطلاق وكذلك مشاكل الارامل ، فتعدد الزوجات هو الآلية الاكثر نجاحاً في ايجاد حلول جذرية لمشاكل المرأة التي تعجز الآليات الاخرى عن ايجاد حلول لها.

 

 

 

الصفحة الرئيسية