بسم الله الرحمن الرحيم

 

الملكة بلقيس والسلام العالمي

 

نبيـل الكرخي

قصة الملكة بلقيس ملكة سبأ مذكورة في القرآن الكريم ، وهي تشير بوضوح الى ان هذه الملكة العاقلة كانت واحدة من رواد السلام العالمي والحرص عليه والحرص على تجنيب شعبها الويلات ، وهو موقف جدير بالاحترام لا سيما والملكة كانت عربية وتحكم بلاداً عربية ومن المعروف ان العرب كان يشيع بينهم في الجاهلية التعصب القبلي والعشائري وحب الحرب وخوض القتال لأتفه الاسباب ! وقد كان قومها كذلك ولذلك حينما قالت لهم: (( يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ، إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ، قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ)) ، اجابوها بقولهم: ((نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)) فقدموا القوة والباس الشديد وبينوا استعدادهم للقتال والحرب وسفك الدماء ، وهو ليس سفك للدم من اجل الوطن بل من اجل البقاء على الشرك لأن النبي سليمان (عليه السلام) لم يكن يريد الاستيلاء على بلادهم بل اراد منهم الدخول في الاسلام فقال لهم في رسالته: ((أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)). فهي حرب بين التوحيد والشرك والعرب كانوا في الجاهلية مستعدين للقتال من اجل الشرك الى ابعد حد !! ولكن كانت بلقيس اكثر حكمة من قومها فهي تعلم ان الحروب لا تجلب على الشعب الا الويل والثبور.
واذا تتبعنا التاريخ القديم ايام الاموريين والكلدانيية والآشوريين وغيرهم نجد انه بعد كل ظهور لملك قوي يقود الحروب الاستيلائية والاستعمارية فيستولي على اراضي الآخرين ويسفك الدماء ويبني مجده المزعوم على حساب جماجم ابناء شعبه وينقل تجربة شعبه الحضارية الى الاراضي المستولى عليها وبعد ذلك بفترة قليلة وبعد موت ذلك الملك القوي تضعف الدولة وتنهار وتسقط لتحل محلها دولة اخرى بسبب ان الحروب التي خاضها ذلك الملك القوي رغم انها تبني مجداً عسكرياً الا انها تستنزف القوى الاقتصادية للدولة وتضعفها وتجعلها دولة هزيلة فاقدة لمقومات الديمومة ، ولذلك سرعان ما تنهار. فإذا تتبعنا السلالات الحاكمة قديماً نجد ان حمورابي ونبوخذ نصر وآشور بانيبال واسرحدون وسنحاريب يقعون في نهاية السلالات التي حكمت دولهم وهو دليل واضح على صحة ما ذكرناه.
اما بلقيس فكانت تعرف عواقب الحروب وما يمكن ان تجلبه على ابناء قومها من ويلات فقالت لهم: ((إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّة)) ، ولذلك فضلت ان تتفاوض مع المسلمين بدلاً من ان تدخل معهم في حرب دينية. فارادت بلقيس ان تختبر المنطق الحضاري الذي يبشر النبي سليمان (عليه السلام) به هل هو منطق استيلائي واستعماري كما كان يحصل في السلالات القديمة التي اشرنا اليها آنفاً ام ان لديه منطق آخر يمكن ان يفيد شعبها دون استيلاء واستعمار او حرب. ولذلك قالت لقومها: ((وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ)) ، فحاولت ان تقدم له المنفعة المالية التي يبحث عنها الملوك في حروبهم لترى هل هو من اولئك الملوك الذين يبحثون عن المال بأي وسيلة ام ان لديه شيء آخر من وراء دعوته لهم للخضوع لسلطانه الديني ؟! وبعد ان تجشمت بلقيس عناء السفر من اليمن الى فلسطين لتمنع عن شعبها ويلات حرب لا تعرف ابعادها التقت بالنبي سليمان (عليه السلام) وعرفت فيه الصدق وانه جاء لقومها بحضارة توحيدية متكاملة فيها خير الدنيا والآخرة فاعتنقت دينه ونهلت من حضارته.
فالحرب ليست هدف ولا الاستسلام هو الهدف بل المباديء السامية هي الهدف وهي المباديء التي يحكم بها العقل ويفهمها الحكماء والعقلاء ، فليس من الحكمة خوض حرب ضد شخص يدعوا الى التوحيد كما انه ليس من الحكمة التخلي عن ارض التوحيد وارض المسلمين. فبلاد المسلمين ليست ملكاً لأحد حتى يتخلى عنها ويتنازل عنها اي حاكم سواء لهذا الكيان او ذاك من الكيانات الدخيلة.
وبعد ان اختبرت بلقيس نوايا النبي سليمان (عليه السلام) وحققت دعوته الى الاسلام وعرفت ما الذي يكمن خلف هذا الدين العظيم وما الذي يحققه من حضارة وتقدم ، اقرّت بان التوحيد هو الحق ونهجت منهج العقلاء بالخضوع لرب العالمين واتباع نبيه وشريعته. وبذلك سلكت سلوكاً مسالماً وتجنبت العزة بالاثم ، لا كما كان ابو جهل يقول: (والله اني اعلم انه نبي ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا) !! وجيش الجيوش ضد الموحدين المسلمين ، اما بلقيس فلم يتملكها التعصب الجاهلي بل تخلت عنه وسلكت في سبل السلام فحقنت دماء شعبها وحازت رضا ربها. فسطرت بلقيس واحدة من اعظم القصص في الاستسلام لإرادة الله سبحانه واعتناق شريعته وتجنيب الناس القتل والحرب وضمنت لسلالتها الاستمرار في الحكم دون ان ينتزع منهم الملك من قبل النبي سليمان (عليه السلام).
وهنا يتبادر الى الاذهان سؤال وهو: لو ان ملوك الارض الذين ارسل لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) رسائل الدعوة الى الاسلام كما فعل من قبل سليمان (عليه السلام) مع بلقيس ، لو ان اولئك الملوك امتلكوا رجاحة عقل كرجاحة عقل بلقيس وخضعوا للتوحيد وانقادوا لشريعة الله سبحانه هل كانت الفتوحات الاسلامية ستستمر ام انها ستتوقف وتبقى تلك الممالك الفارسية والرومانية والقبطية قائمة ولكن باعتناقها شريعة الاسلام ؟ بكل تأكيد لو انهم آمنوا بالاسلام لأحتفظوا بملكهم وعروشهم مع خضوعهم لشريعة الله سبحانه ولما جرت عليهم تلك الويلات ولا سفكت دماء ولا سبيت اماء نتيجة تعنت دول الطغيان الفارسية والرومانية ومنعها للاسلام من الانتشار في بلادها.
 

 

 

الصفحة الرئيسية