بسم الله الرحمن الرحيم

 

الزهـراء .. هكـذا افهمهـا

 

نبيـل الكرخي

الزهراء (صلوات الله عليها) هي المرأة الكاملة ، وكمال كمالها هو عصمتها. وحينما جاء الاسلام بشريعته الخالدة واعطى للمراة مكانتها السامية واستحقاقها الانساني كان لا بد ان يعطي الاسلام تطبيقاً على ما شرعه ، لأن موضوع المرأة صعب ومعقد ، فليس من السهولة أن تطلب من مجتمع جاهلي ان يغير بالكامل نظرته وممارساته تجاه المراة التي كان يحتقرها ويمتهنها ويهينها ويعتدي عليها ويقبحها بأبشع القبائح بالفعل والقول فتطلب منه ان يغير كل ذلك فجأة بدون ان تقدم له نموذجاً كاملاً لأمراة عظيمة لكي تقنع ذلك البدوي الجاهلي ان هناك خيراً في النساء لدرجة انهن قد يتفوقن على الرجال في صفاتهن ومواقفهن. فكان تقديم الزهراء (صلوات الله عليها) نموذجاً للانسانية خالداً فيها ، معبراً عن امرٍ واقعٍ ومعبراً ايضاً عن امل منشود ، فأما الامر الواقع فهو ان الالتزام بالشريعة والمنهج الاسلامي يمكن ان يرتقي بالمراة لدرجة عالية من السمو تكمن الزهراء (عليها السلام) في قمته لتكون دالةً ومعلماً لكل الفضائل البشرية ، واما الامل المنشود فهو ان المراة ستجد ان مصدر تفوقها على الرجل ومعادلة الميزان المائل ضدها يكمن في اتخاذها قدوة متفوقة ، وهذه القدوة لن تتمكن من معادلة الاعوجاج القائم في كافة المجالات الا ان كانت متفوقة في كافة المجالات ، ولا توجد مثل هذه القدوة الا في امراة واحدة فقط ظهرت عبر كل تاريخ البشرية ولن يتكرر نموذج مشابه لها ، الا وهي الزهراء (عليها السلام) ، فهي الامل الحقيقي في انجاد النساء ورفع الحيف عنهن.
وربما يتبجح البعض باتخاذ نماذج نسائية من التاريخ البعيد او المعاصر ، مثل زنوبيا وشجرة الدر ومارغريت تاتشر وانديرا غاندي ليقول انه ليس بحاجة لقدوة كاملة بل ان النساء في هذا العصر اصبحن يتفوقن على الرجال فمنهن الطبيبات والمهندسات والسياسيات والمختصات بمجالات علمية واجتماعية عديدة ، فيحاول التشويش على الموضوع ! غير ان هذا المسكين يبدو انه يلتفت لناحية جزئية واحدة وينسى اصل الموضوع ، فالطبيبة قد تكون بارعة بطبها ولكن هل تكلمنا عن الطب وحده !؟ هل تعرف الخسائر المعيشية والتنازلات التي قدمتها تلك الطبيبة او المهندسة او العالمة باي مجال علمي من اجل الوصول للمجال الجزئي الذي تتفوق فيه ؟! هل تعرف خسائرها بعلاقتها مع عائلتها ، والديها وابنائها واقاربها ، وهل تعرف الخسائر المعنوية التي قدمتها في علاقتها مع زوجها ؟! ومن جهة اخرى اذا كانت الطبيبة تعتنق عقيدة مليئة بالاخطاء والابتعاد عن الله سبحانه فهل تجرؤ امراة على اتخاذها قدوة لها بصورة مطلقة ؟ هل يمكن للمراة المسلمة ان تطلب من ابنتها ان تتخذ من انديرا غاندي مثلاً قدوة لها رغم انها كانت تعبد بقرةً على سبيل المثال؟ فماذا ستجيب ابنتها ان سالتها عن هذا الموضوع؟ فهل تصلح هذه المراة لأن تكون قدوة للمسلمات ؟! وهل تصلح تاتشر التي دعمت الغاصبين في فلسطين لأن تكون قدوة؟ تاتشر التي يحملها الغرب اليوم جزءاً من مسؤولية النظام الاقتصادي وانهياره ، هذه المراة هل تصلح لأن تكون قدوة صالحة؟
وبقية النساء اللواتي ذكرناهن او غيرهن هل يصلحن لأن يكن قدوة للنساء ؟ كلا لأن لكل واحدة منهن ثلمة في فكر او قول او تصرف يمنع المراة المسلمة ان تتخذهن قدوة مطلقة لها. ولكن حينما تكون الزهراء (عليها السلام) هي القدوة تصمت جميع الافواه وتمتنع جميع الاقلام عن الاعتراض لأن حياتها كلها تصلح للاقتداء ، قولاً وفعلاً.
انها تركيبة فريدة تجمع في حياتها القصيرة ادواراً متعددة ، فحيناً تحتضن الرسالة والمرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحنان والرعاية بعد وفاة امها (رضوان الله عليها) ، وتارة ترعى اسرتها وتهيئهم للقيام بدورهم الرسالي فهي محور اهل البيت (عليهم السلام) الذين يمثلون الثقل الاصغر الذي اُمرنا بالتمسك به. نعم هي المحور لهم فهي البنت والزوجة والام واهل البيت (عليهم السلام) يدورون حولها وفقاً لهذه الاوصاف. وتارة تجدها في قعر بيتها ترعى اسرتها معطية نموذج للمراة المسلمة في اهمية رعاية الاسرة. وتارة تجدها متصدية للباطل حينما يتكبر فتقف حاجزاً بوجهه يفضحه ، فهي الفاروق الحقيقي لأنه من غير المنطقي اذا دخلت الزهراء (عليها السلام) في خصومة مع احد ان يكون هناك احتمال وإن كان ضئيلاً بان خصمها على حق ! ابداً لا يمكن هذا الاحتمال ، وكيف يصح هذا الاحتمال وهي الموصوفة في الحديث الشريف بان الله سبحانه يرضى لرضاها ويغضب لغضبها.
وتارة نجدها (صلوات الله عليها) تسبق الرجال في التصدي لمهمات الامور معطية درساً في ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حكراً على الرجال... فهكذا نفهمها في احداث يوم الدار حينما هجم القوم على دارها ، تصدت لهم وحاورتهم ومنعتهم رغم وجود امير المؤمنين (عليه السلام) داخل الدار. فهذا حقها وهو جزء من وظيفتها الشرعية.
بل انها وضعت اساس فكرة المعارضة الصامتة ـ إنْ صح التعبير ـ حينما اوصت ان تدفن ليلاً وان لا يصلى عليها احد ممن ظلمها ، فبقي قبرها الشريف مجهولاً صارخاً في اعماق التاريخ وفي القادم من الزمن:
لأي الامور تدفن سراً
ابنة المصطفى ويعفى ثراها
انها ادوار عديدة مثلت تطوراً ورقياً انسانياً بليغاً ، فكانت المثال الذي يصلح للاقتداء به من قبل النساء والرجال معاً.
ولا يمكن ان يكتمل فهمي للزهراء (عليها السلام) دون الالتفات لحقيقة عصمتها التي سبقت وجود الخلق !! نعم لقد ذكرت بعض الروايات ان الله سبحانه خلق النبي واهل بيته (صلوات الله عليهم) قبل ان يخلق الخلق ، فهم معصومون قبل ان يخلق الله عزَّ وجل آدم وقبل ان تظهر الخطيئة والمعصية ، فعصمتهم دليل على ان الانسان الذي اراده الله سبحانه ان يكون خليفة في الارض هو من هؤلاء المعصومين ، فهم الجديرون بالخلافة ، وهم الذين اعلن ابليس اللعين منذ البداية عجزه عن اغوائهم فقال مخاطباً رب العزة: (( فبعزتك لأغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلَصين)) فهل عجز ابليس عن اغواء احد الا المعصومين عليهم السلام ؟!
وأيضاً من مظاهر عظمة الزهراء (عليها السلام) ان جميع النساء عندما يلدن الاطفال يتلقين التهاني ، الا الزهراء (عليها السلام) حينما ولدت الحسين (عليه السلام) نزل جبريل (عليه السلام) ليخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمصير هذا المولود المقتول ظلماً قرب شط الفرات. فالزهراء (عليها السلام) تعلم ان رسالتها هي ولادة الابناء والتضحية بهم لصالح البشرية جمعاء وخيرها ولصالح الاسلام ومستقبله ، فهي امراة رسالية كاملة تعيش لله وتموت لله وتلد الابناء من اجل الله وتضحي بكل شيءٍ في سبيل الله سبحانه. وليت نسائنا يتعلمن هذه الحقيقة ويستوعبنها ويربين ابنائهن على العمل والتضحية من اجل القيم والمباديء الاسلامية العظيمة.
انها المعصومة الاكثر عظمة في تاريخ البشرية ، وتفردها في صفاتها دليل عظمتها. فقد خاطب القرآن الكريم نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله تعالى: ((لستن كأحد من النساء إنْ اتقيتن)) فكانت التقوى شرط التميز بينما خاطب تعالى اهل البيت (عليهم السلام) والزهراء منهم بل هي محورهم بقوله: ((انما يريد الله ان يذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)) فهي متميزة بلا قيد او شرط.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية