بسم الله الرحمن الرحيم

 

ورقة عمل قابلة للتطبيق

عن الدور الاعلامي لمؤسسات المجتمع المدني في نشر قيم النزاهة[1]

 

نبيـل الكرخي

نتحدث اليوم عن موضوع محوره هي قيم النزاهة ، ولكي نعرف ما المقصود بالنزاهة وقيمها ، يمكننا ان نبين ان الاشياء قد تعرف بأضدادها ، فالنزاهة ضدها الفساد ، وقيم النزاهة ضدها قيم الفساد ، والفساد هو كل عمل ناتج من سوء استخدام المنصب يعود بالنفع على شخص او جماعة. واما قيم الفساد فهي سبعة قيم ،هي: الرشوة والمحسوبية والمحاباة والواسطة والابتزاز والاختلاس ونهب المال العام.

وبذلك تكون النزاهة هي كل عمل ناتج من حسن استخدام المنصب بالاعتماد على العدالة والامانة والاخلاص والصدق والتي تمثل بمجموعها قيم النزاهة.

أما الدور الاعلامي فيمكنه التحرك عبر المساحة التي تشغلها كافة وسائل الاعلام المتوفرة ، من فضائيات وصحف ونشرات وملصقات وشبكة الانترنيت. وكل ما يمكن ان يدخل في مجال العمل الاعلامي ، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي الالكترونية ، او وسائل التواصل الاجتماعي المجتمعية الواقعية ، كالنوادي والمنتديات والملتقيات الثقافية والاجتماعية والانسانية ، والمراكز الثقافية والمضايف العشائرية ، والفعاليات الفنية بمجالات الفنون المتعددة والفعاليات الثقافية بمختلف ابعادها.

وينبغي التنبيه الى ان موضوع "اهمية التشبيك مع اجهزة الاعلام لنشر قيم النزاهة" ليس موضوعاص جديداً بل سبق الاشارة اليه وتناوله من قبل ندوات ومؤتمرات عقدت قبل فترة حيث تطرقت الى دور المؤسسات الاعلامية وتكاملها مع دور منظمات المجتمع المدني ، فعلى سبيل المثال جاء في التقرير السنوي لسنة 2013 وهو يتحدث عن ملتقى بغداد الدولي الذي عقد في 8 آيار 2013م حيث اشار الى تطرق رئيس هيئة النزاهة في كلمته الى (الدور التكاملي بين الاجهزة الرقابية في البلاد والمؤسسات الاعلامية ومنظمات المجتمع المدني من اجل الوصول الى كشف حقائق الفساد بكل ملامحه حتى يكون للقضاء القول الفصل في كل قضية). ومما جاء في توصيات المؤتمر المذكور التالي: (تشجيع الشراكات بين منظمات المجتمع المدني والاعلام والهيئات الرقابية والمؤسسات الرسمية لتعزيز النزاهة وضرورة انخراط كافة هذه الجهات بموضوعية وجدية فيه).

وبعد انضمام العراق الى اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد تم عقد العديد من ورش العمل للفترة من كانون الثاني 2009م ولغاية تشرين الثاني 2010م وقد خرجت جميعها بتوصيات استرشادية وتشكلت لجان لتنفيذها ، ومما جاء في تلك التوصيات الاسترشادية في التوصية رقم ثمانية ما نصّه: (تفعيل آليات اشراك المجتمع المدني في وضع وتنفيذ ورقابة سياسات مكافحة الفساد). وفي التوصية رقم (22) ما نصّه: (العمل على تفعيل مشاركة المجتمع المدني ليأخذ دوره في تعزيز الشفافية ودعم الاجهزة المختلفة لدى مباشرتها لدورها في مكافحة الفساد ودعم الشفافية والمساءلة).

والسؤال الذي يطفو تلقائياً على سطح المشهد: ما هي النتائج التنفيذية التي تم تطبيقها استناداً لتلك التوصيات الاسترشادية والمؤتمرات والندوات التي مضى عليها حوالي اربع سنوات ؟

ومما يؤلم هو ما ورد في التقرير نصف السنوي الصادر عن هيئة النزاهة لسنة 2014ر حيث ورد فيه ما نصّه: (ومما يؤشر سلباً هم انعدام البلاغات الواردة عبر منظمات المجتمع المدني التي نامل أن تكون الشريك غير الحكومي المتفاعل مع الهيئة في مجال مكافحة الفساد). وهذا النص يكشف عن ان الهوّة والفجوة ما زالت واسعة بين منظمات المجتمع المدني وبين الدور المطلوب منها ان تنهض للقيام به.

 

أفكار حول النقاط الاكثر اهمية والتي ينبغي على وسائل الاعلام التركيز عليها في إطار ترسيخ قيم النزاهة ومكافحة الفساد:

1.     مكافحة التقبل الاجتماعي للفاسدين. حيث ان عدم إظهار المجتمع الاستنكار ضد الشخصيات الفاسدة التي تعيش فيه ، فيه تشجيع لهم من حيث تقبل المجتمع لهم  ، فهناك دور اعلامي مهم في ابراز هذه النقطة والتاكيد على اهمية مكافحة التقبل المذكور.

2.     ابراز القيم الدينية والعشائرية والوطنية في إطار مكافحة الفساد وترسيخ قيم النزاهة. وهذا يتطلب ان يكون هناك رفض ديني وعشائري ووطني للفاسدين ، يتم ابرازه من خلال الاعلام بوسائله المتنوعة.

3.     ابراز اهمية الفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وضرورة تسليط رقابة اعلامية على هذا الفصل بينها ومراقبته بصرامة ونزاهة وشفافية ، واعلان وفضح حالات الاخفاقات التي يمكن ان تحدث.

4.     المطالبة بتشريع قوانين اكثر صرامة لردع المفسدين ، وان تكون القوانين اكثر قسوة للفاسدين الذين ينتمون لمؤسسات رقابية كمكاتب المفتشين العامين ، وهيئة النزاهة ، ودائرة الرقابة المالية.

5.     المطالبة بتشريع قوانين تمنع حجب المعلومات ، قوانين تسمح لوسائل الاعلام والصحفيين من الوصول الى المعلومات المطلوبة في اي وزارة او تشكيل حكومي بإنسيابية وشفافية.

 

مواصفات ينبغي على منظمات المجتمع المدني العاملة في إطار مكافحة الفساد ، التحلي بها:

يجب ان تتصف المنظمات المذكورة بصفات عديدة اهمها: المهنية والحيادية والاستقلالية والنزاهة ، وكالتالي:

1.     المهنية. بان تكون احترافية في اداء مهامها الاعلامية في إطار مكافحة الفساد. ويتم تنمية حرفيتها من خلال الدورات والتواصل مع المنظمات من جنسيات اخرى ذات الباع الطويل في مكافحة الفساد وسبله.

2.     الحياد. بان تكون عادلة فلا تميل لصالح جهة او فئة لاي سبب من الاسباب.

3.     الاستقلالية. بان لا تكون منتمية لاية جهة حزبية.

4.     النزاهة. فلا تُستثنى المنظمات المذكورة من ضرورة ان تكون نزيهة في عملها لتتمكن من ترسيخ قيم النزاهة في الاخرين. وكما يقال: فاقد الشيء لا يعطيه.

 

توصيات بخصوص آليات العمل الاعلامي لترسيخ قيم النزاهة:

1.     ان توفر منظمات المجتمع المدني قناعة عند المواطن بانها قادرة على حماية مصادر معلوماتها بخصوص الشخص الذي يزودها بمعلومات قادت الى الكشف عن قضايا فساد، بهدف حمايته.

2.     ان تتعاون المنظمات المعنية بمكافحة قضايا الفساد فيما بينها وتشكل تحالفات مدنية قوية ، حيث ان كشف قضية فساد من قبل تحالف من منظمات المجتمع المدني يكون اكثر قوة وحصانة من كشفة من قبل منظمة وحيدة في ساحة المواجهة.

3.     ان تتعاون تحالفات منظمات المجتمع المدني مع وسائل اعلامية رصينة لفسح المجال لبرامج متخصصة بنشر قيم النزاهة ومكافحة الفساد ، وكذلك تأسيس مواقع انترنيت قوية وفاعلة ضمن هذا الاطار قادرة على التواصل مع الناس ومع كل من يريد الابلاغ عن قضية فساد.

4.     تأسيس وكالة انباء متخصصة بتناقل اخبار الفساد وقضاياه ، ولاسيما نقل وقائع جلسات المحاكم المتخصصة بقضايا الفساد الاداري.

5.     ان يكون لتحالفات منظمات المجتمع المدني دور في ايصال قضايا الفساد التي تصل اليها ، الى هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين والرقابة المالية ومتابعة الاجراءات المتخذة بحقها.

6.     ان يكون لتحالفات منظمات المجتمع المدني دور في تفعيل قضايا الفساد في المحاكم العراقية من خلال إقامة الشكوى والمطالبة بردع المفسدين. وتسليط الضوء على هذه الدعاوى اعلامياً.

7.     العمل على تأسيس ممثلية لمنظمات المجتمع المدني في مجلس النواب العراقي والامانة العامة لمجلس الوزراء لغرض متابعة قضايا الفساد والتحقق من كون الاجراءات المتخذة بحقها تسير بصورة فاعلة وشفافة ، وتتلقى هذه الممثلية الشكاوى المتعلقة بكافة الوزارات والهيئات الحكومية.

8.     تأسيس فضائية متخصصة بقضايا النزاهة ونشر قيمها ويكون لها دور في تلقي قضايا الفساد ومتابعتها مع الجهات المعنية. ويكون لمؤسسات المجتمع المدني دور في ادارة تلك الفضائية ولها مساحة واسعة لعرض القضايا التي تهمها ، ومنع الرقابة والتأثير الحكومي على سير عمل تلك الفضائية. ويكون لتلك الفضائية دور مهم في زيادة الوعي الشعبي باهم القضايا ، مما يشكل عناصر ضغط في اتجاه تحقيق وترسيخ قيم النزاهة. فعلى سبيل المثال يمكن عرض التركيز على موضوع تمويل الاحزاب السياسية وضرورة تشريع قانون ينضم ذلك التمويل ويعرضه بصورة شفافة ، وتكوين رأي شعبي ضاغط على مجلس النواب من اجل تحقيق اقرار القانون الذي يمثل خطوة مهمة في طريق ترسيخ قيم النزاهة والقضاء على الفساد.

9.     تفعيل الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتعزيز الشراكة بين المؤسسات الرقابية والاعلامية ومنظمات المجتمع المدني ، منها ما جاء في المادة الثانية من (مذكرة التفاهم بين هيئة النزاهة ومكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة) حيث جاء فيها تحت عنوان (دعم قدرات هيئة النزاهة على التخطيط الستراتيجي) ، ما نصّه: (تقديم المشورة والمساعدة الى هيئة النزاهة والمفتشين العموميين في وضع وتنفيذ اطار للشراكة بين مؤسسات مكافحة الفساد الوطنية والمجتمع المدني).

10.         عقد مؤتمرات لتعزيز التعاون والشراكة بين منظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا النزاهة من اجل تعزيز التنسيق والتعاون فيما بينها وتفعيل نشاطاتها ، وبرعاية هيئة النزاهة.

11.         تشجيع تأسيس منظمات مجتمع مدني متخصصة بنشر قيم النزاهة واعتماد الشفافية ومكافحة المفسدين. وذلك من خلال تقديم الدعم المادي لهم بصورة فاعلة. وهذا الامر يجب ان تتصدى له هيئة النزاهة بالتشجيع وتوفير مستلزماته.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 


[1]  ورقة عمل اعدت لندوة (الملتقى الاعلامي الموسع حول اهمية التشبيك مع اجهزة الاعلام لنشر قيم النزاهة) والذي اعدته هيئة النزاهة بالتعاون مع منظمة التضامن الاجتماعي ، بتاريخ 31/8/2014.

 

 

الصفحة الرئيسية