بسم الله الرحمن الرحيم

 

القرضاوي والحزب الإسلامي والدور القذر

 

نبيـل الكرخي

منذ جريمة اغتيال الشيخ حسن شحاتة (رحمه الله) بات من المؤكد ان الاخوة المؤمنين في مصر لا يمكنهم ان يتعايشوا مع حكومة الاخوان المسلمين الطائفية بزعامة محمد مرسي بعد ان قامت هي نفسها بالتحريض على العنف ضد الشيعة ورفض الاعتراف بهم كأحد المكونات الوطنية المصرية !
لم يكن الاخوان المسلمين في مصر على عداء او خصومة مع الشيعة بل كان مؤسسهم الشيخ حسن البنا مؤيداً لجهود التقريب بين السنة والشيعة ، ولكن يبدو ان هناك ظروف جديدة ومعادلات سياسية حديثة ادت الى اتخاذ الاخوان في زماننا هذا الموقف السلبي من الشيعة.
والان سقط نظام الاخوان الطائفي واقصي محمد مرسي عن الرئاسة على يد رجل كان معروفاً بأنه رجل الاخوان في القوات المسلحة حتى انهم اسندوا اليه اهم منصب عسكري وهو وزارة الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة المصرية ، انه الفريق اول عبد الفتاح السيسي ، وثقتهم به دفعتهم الى تعيينه في هذا المنصب الحساس بعد عزل المشير الطنطاوي الذي قاد الانقلاب على حسني مبارك ، السيسي الذي انقلب بين ليلة وضحاها الى اعدى اعداء الاخوان فنسي القسم الذي اقسم به يوم توليه منصبه وانقلب على النظام الذي وثق به ... وهذا هو القسم الذي اقسم به:
(اقسم بالله العزيز ان احافظ مخلصاً على نظام الجمهورية وان احترم الدستور والقانون وان ارعى مصالح الشعب رعاية كاملة وان احافظ على استقلال الوطن وسلامة اراضيه).
فكانت اولى طعناته التي وجهها لنظام الاخوان بعد عزل مرسي هو الغائه للدستور الذي اقسم على احترامه ، فضرب به عرض الحائط بعد ان انتهكه في انقلابه على الشرعية الديمقراطية. فكيف يكون مظهر خيانة الامانة ان لم يكن تصرفه هذا خير مظهر لها ؟! فما هو وجه الملازمة بين القضاء على حكم الاخوان والقضاء على الدستور ! وكان يمكن للسيسي ان يخلع مرسي ويبقي على الدستور الذي حاز على رضى 65% من الشعب المصري. لقد سقط مرسي بإنقلاب السيسي وسقط السيسي في وحل الخيانة.
وحينما وجّه السيسي تحذيره للنظام الاخواني ولكافة الاطراف السياسية ومهلة اليومين التي اعطاها للطرفين يوم 30 يونيو/ حزيران قلت في نفسي لو كنت محل الرئيس المصري لأحلت السيسي على التقاعد فوراً وسلبت منه منصبه حتى لو ادى ذلك الى انقلاب عسكري فعلي يقوم به السيسي كرد فعل على إقالته ، ففي ذلك الوقت كانت قرارات الرئيس ملزمة والنظام القضائي في مصر محترم يمكنه من ملاحقة السيسي ولو بعد حين ، فالتحذير الذي اطلقه السيسي كان فيه خرق واضح لوظيفته العسكرية وتدخل شنيع في شؤون الدولة السياسية التي هي بعيدة عن طبيعة وظيفته ، فكيف به وهو قد اقترف فعلاً جريمة الانقلاب العسكري. ولكن مرسي لم يعزل السيسي ووفّر له الفرصة للانقلاب عليه. ومع ذلك فان القادم من الزمن يمكن ان يحمل مفاجآت للسيسي فيقدم للمحاكمة في يوم ما نتيجة هذا الانقلاب الذي قام به ، وكم هو مثير النموذج التركي الذي سعى في سنة 2012م لمحاكمة قادة انقلاب 1980م وفي مقدمتهم كنعان ايفرين أي بعد 32 سنة !
إنَّ كل ما حصل في مصر يوم 30 يونيو/ حزيران وسقوط نظام الاخوان والازمات التي افتعلت بوجه حكمهم قبل ذلك وسوء ادارتهم للبلاد انما كان الهدف منه إسقاط الدستور الذي نصت المادة (2) منه على ان مباديء الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ، ولولا هذه المادة في الدستور لسارت الامور في مصر على نحو مختلف. ولكن المدهش ان السلفيين الوهابيين اصطفوا الى جانب العلمانيين في اسقاط حكم الاخوان دون ان يكترثوا لأهمية الحفاظ على الدستور وهم يزعمون انهم يريدون تطبيق الشريعة ، كما انهم اكثر طائفية من الاخوان بكثير ! ولكن يبدو ان خلافاتهم القديمة والتاريخية مع الاخوان المسلمين طغت على اهمية الحفاظ على الدستور فانضمّوا الى جبهة اسقاط الدستور دون ان يؤنبهم ضميرهم !
ومن المفارقات أيضاً أن الرئيس الاخواني لمصر محمد مرسي كان قد اعلن الجهاد ضد النظام في سوريا واصطف الى جانب المملكة السعودية في عدائها للنظام السوري غير ان المملكة السعودية كانت اول المهنئين بسقوط نظام مرسي نفسه وشاركت النظام السوري فرحه بسقوط مرسي !؟
ولعل احد ابرز مساويء حكم الاخوان بعد نهجهم الطائفي هو مهادنتهم للكيان الصهيوني لدرجة أن صحيفة هآرتس العبرية التي تصدر داخل الكيان الغاصب اعتبرت أن رحيل مرسي عن السلطة أفقد الكيان الغاصب أربعة مكاسب لم تكن موجودة بدرجة كبيرة في نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك كما كانت عليه في عهد مرسي وهي الحفاظ على بنود اتفاقية كامب ديفيد، وتجنيب إسرائيل صواريخ حركة حماس المقاومة لعلاقته الجيدة بقياداتها باعتبارهم جناحهم في فلسطين، وهدم الأنفاق الحدودية في سيناء والتي خفضت من عمليات التهريب، وأخيراً تعزيز الخلاف بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط عن طريق مهاجمة محور المقاومة ”سوريا – إيران - حزب الله” ! غير أن هناك آراء اخرى لصهاينة آخرين تتمثل بتأييدهم للانقلاب ضد مرسي فقد صرح النائب الليكودي تصاحي هانغبي (بان اسرائيل معنية بان تبقى مصر مستقرة وذات صلة بالولايات المتحدة وبعيدة عن التعصب الديني وان عودة الجيش المصري لتولي موقف مسيطر هي بشرى سارة بالنسبة لاسرائيل مؤكدا ان وجود قوة سيادية مصرية تتعامل مع العناصر الجهادية في سيناء هو امر حيوي لاسرائيل) ! وأمّا رئيس معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني عاموس يادلين والذي كان رئيساً لهيئة الاستخبارات في رئاسة أركان الجيش الصهيوني فقد صرّح (بأن تنحية الرئيس المصري السابق محمد مرسي ستتيح للجيش المصري محاربة عناصر الإرهاب الإسلامي في شبه جزيرة سيناء بقدر أكبر من النجاعة وذلك لأنه لن يكون ملزماً فيما بعد برفع تقارير عن نشاطاته إلى الجهات السياسية ، وإن حركة حماس قد منيت بضربة شديدة جداً لأنها تنازلت عن علاقاتها مع إيران وراهنت على نظام مرسي ، كما أعرب عن تقييمه بأن يتنصل النظام في القاهرة من حماس بعد أن تبين بأنها تقف وراء قتل ستة عشر عنصراً من الشرطة المصرية في شبه جزيرة سيناء) ! ... إذن لم تجلب كل التنازلات التي قدمها نظام مرسي للصهاينة اي فائدة له بل نجد ان من مصلحة الكيان الصهيوني زوال نظام مرسي من مصر رغم ما قدمه لهم من تنازلات مصداقاً لقوله تعالى: ((وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)). وفي ذلك عبرة لجميع المسلمين الذين يظنون ويتوهمون ان التصالح او التعايش مع العدو الصهيوني يمكن ان يجلب لهم بعض المنافع !
لقد سقط مرسي وفرحنا بذلك وفرح المؤمنون في جميع بقاع الارض ولا سيما المصريين الشيعة الذين عانوا من الاضطهاد والاقصاء منذ عهد السادات ونظام حسني مبارك ومروراً بعهد النظام الاخواني الطائفي الذي ارتفعت فيه وتيرة الاقصاء والاضطهاد الى درجات عالية تمثلت قمتها بالجريمة البشعة التي ارتكبت بحق العلامة الشيخ حسن شحاتة (رحمه الله). ولكن الذي يحز في نفوسنا ان فرحنا بسقوط نظام الاخوان قد التقى مع فرح العلمانيين وتمكنهم من الغاء الدستور الذي نص على ان مباديء الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. فهل نصطف الى جانب العلمانيين ضد تطبيق الشريعة ، ام نصطف الى جانب المؤمنين ضد الاضطهاد والتغييب والاقصاء الذي مارسه نظام الاخوان !!
مهما يكن الامر فعلينا التمسك بالثوابت التي لا يفترض انها تتزلزل أو تغيب عن اذهاننا ، فالحرص على ارواح الناس عامة والمؤمنون المُضطَهدون خاصة ، له الاولوية ، كما ان من العدالة ان نسمي الاشياء بمسمياتها وان نكون منصفين حتى مع اعدائنا وخصومنا ، فما قام به عبد الفتاح السيسي هو خيانة للوظيفة التي ائتمن عليها وادى القسم وفقاً لها حيث الغى الدستور الذي اقسم على احترامه ، كما ان العلمانيين يسعون دائماً الى تهميش الشريعة الاسلامية والاعراض عنها ونشر ثقافة التهتك والتبذل والسفور والخمور في المجتمع وإقامة الاقتصاد على اساس ربوي ، فكيف نقف الى جانبهم وكيف نفرح بفرحهم !! فهناك مشتركات عامة بين السنة والشيعة من قبيل تحريم الربا وتحريم الخمور والملاهي والخلاعة والاختلاط المحرّم والغناء ومنع التعبير المنفلت عن الرأي المستند لذريعة حرية التعبير ، كما انهم يشتركون في محاربة الثقافة التغريبية وغيرها من المشتركات الكثيرة. ولذلك فلسنا مع حكم الاخوان الطائفي كما اننا لسنا مع حكم العلمانيين لمصر.
لقد منَّ الله سبحانه على المؤمنين في مصر بالخلاص من نظام الاخوان الطائفي ، فهنيئاً لهم ذلك ، وعليهم ان يشكروا نعمة الله عز وجلَّ هذه بالامتناع عن الاصطفاف الى جانب اولئك الذين يريدون تطبيق شريعة غير شريعة الاسلام ومنهج غير منهج القيم المحافظة الاصيلة. فلا يمكن ان يجتمع في قلب مؤمن الولاء لآل البيت الاطهار (عليهم السلام) مع الولاء لأعداء الشريعة الاسلامية.
ولا اتصور ان مؤمناً يسعده ان يصطف يوم القيامة الى جانب العلمانيين !!؟

 

 

 

الصفحة الرئيسية