بسم الله الرحمن الرحيم

 

اقليم الرافدين والنظام الرئاسي

 

نبيـل الكرخي

تقوم الدول المحتلة عادة بتطبيق نظام سياسي في الدول التي تحتلها مطابق او مماثل للنظام الذي تسير عليه ، ولكن الملفت للنظر ان الولايات المتحدة الامريكية المحتلة للعراق سمحت بتاسيس نظام سياسي في العراق هو النظام البرلماني بخلاف النظام القائم فيها فعلاً وهو النظام الرئاسي! فهل نتوقع انها كانت ترى ان ذلك لمصلحة العراقيين بتأسيس نظام ضعيف في هذا الوسط الاقليمي والدولي المتكالب عليه ؟!

في فترة كتابة الدستور كانت كل القوى السياسية ذات الصوت المسموع قد اختارت النظام البرلماني والمبرر الاقوى عندها هو الخشية من عودة الدكتاتورية !

ولكي نوضح الفكرة يجب ان نبين الفرق بين النظامين البرلماني والرئاسي ، فالنظام البرلماني مثاله هو ما يجري حالياً حيث ينتخب الشعب البرلمان ثم ينبثق من البرلمان المنتخب مناصب رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة السلطة القضائية. فيكون انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بصورة غير مباشرة من قبل الشعب. اما في النظام الرئاسي فيقوم الشعب بانتخاب رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء (اي انتخاب الشخص الاول الذي يتمتع بكافة المهام التنفيذية الخطيرة ومنها منصب القائد العام للقوات المسلحة) ، بالاضافة الى انتخاب الشعب للبرلمان الذي يقوم بدوره التشريعي. ففي النظام الرئاسي ينتخب الشعب الرجل الاول في البلاد بصورة مباشرة الى جانب انتخابه البرلمان الذي يمثل الجهة التشريعية في البلد والذي يراقب الرئيس وحكومته.

ورؤيتنا لهذا الموضوع تستند الى التالي:

1. النظام الرئاسي يعني تأسيس نظام قوي. والمختصون بالعلوم السياسية يشخّصون بأن الدول ذات النظام الرئاسي تكون اقوى واتم بنياناً من الدول ذات النظام البرلماني.

2. النظام الرئاسي يعني ان الرئيس يكون منتخباً من الشعب بصورة مباشرة ، ويمكن تحديده بدورتين فقط كما هو متعارف عليه في دساتير الدول ذات الانظمة الرئاسية. بينما النظام البرلماني يكون فيه الرئيس او رئيس الوزراء منتخباً من قبل اعضاء مجلس النواب وفق معطيات الانتخابات ووفق الاتفاقات الجانبية التي تحكمها مصالح تلك الاحزاب بعيداً عن رؤية وارادة الجماهير وعامة ابناء الشعب.

3. في النظام البرلماني يكون الرئيس او رئيس الوزراء منتخباً من قبل البرلمان ولذلك فيكون بحسب الحال منتميا الى حزب سياسي ضمن كتلة سياسية فيكون في غالبية الاحوال متواطئاً معها ويجامل احدهما الاخر لانه وليد الكتلة الاكبر من كتل البرلمان فتكون تلك الكتلة حامية له من المحاسبة والتغيير. بينما في النظام الرئاسي يكون الرئيس منتخباً من قبل الشعب ، ويمكن ان يكون مستقلاً ولا يشترط فيه ان يكون منتمياً لحزب.

4. في النظام الرئاسي يسهل على الشعب الثورة ضد الرئيس وتغييره عن طريق الانتخابات المبكرة ، لانه شخص واحد ، ويكون النظام مستقراً في البلاد لان هناك برلمان منتخب بصورة منفصلة عن انتخاب الرئيس. بينما تكون ارادة الشعب بتغيير الرئيس في النظام البرلماني تعني ان يكون البديل هو ناتج من نفس الكتلة البرلمانية التي انتخبت الرئيس السابق غير المرضي عنه من قبل الشعب.

5. تكون الحكومة التي يشكلها الرئيس حكومة غالبية سياسية وهي اقوى في ادارة البلد ، بينما في النظام البرلماني وفي دول ذات طوائف واثنيات متعددة كالعراق يصعب تأسيس حكومة دون مراعات التوازنات الطائفية والعرقية.

من معوقات تطبيق النظام الرئاسي في العراق:

1. هناك رأي ان تطبيق النظام الرئاسي في العراق يعني بداية التقسيم لأن الرئيس حتما سيكون من الشيعة وهم غالبية الشعب وهذا سيدفع السنة الى التقسيم والانفصال لانهم يرفضون ان يقودهم شيعي ! وهذا المبرر قد تبين عدم جديته حيث ان عامة السنة والشيعة يعيشون متآخين في العراق ولا يهمهم من يحكم بقدر ما سيقدمه لهم الحاكم من عدالة وخدمات. كما ان تجارب الانتخابات السابقة بينت ان اهل السنة تجحفلوا في قائمة انتخابية رئيسها اياد علاوي الشيعي فلم يمنعهم اختلافهم معه طائفياً من انتخابه ، وبذلك يتضح تهافت هذا المبرر.

2. ترى الاحزاب السياسية الشيعية والكردية ان النظام الرئاسي يعني احتمال ظهور دكتاتورية جديدة في العراق ، وهذا الاحتمال يمكت اضعافه عن طريق تشكيل مواد دستورية تمنع ظهور دكتاتور. واما في حالة ان يصل دكتاتور الى السلطة بإنقلاب عسكري فذلك يمكن ان يحدث سواء كان النظام رئاسي ام برلماني ، فلا يتبين لنا جدية هذا المانع. ومن جهة اخرى نجد انه في ظل النظام البرلماني وفي فترة حكومة نوري المالكي نجده وقد اتهم بالدكتاتورية من قبل خصومه السياسيين المنتمين لاطراف عديدة شيعية وكردية وسنية ، فلم يمنع النظام البرلماني من اتهامه بالدكتاتورية بحسب رؤيتهم ، بغض النظر عن مدى صحة تلك التهم بالدكتاتورية المثارة ضده.

ويمكن التغلب على الخوف من عودة الدكتاتورية فيما لو تأسس نظام رئاسي ، وذلك من خلال تأسيس فدراليات ذات نظام رئاسي (كردية وشيعية وسنية) ، وبذلك يصعب على الرئيس المنتخب في النظام الرئاسي من فرض دكتاتوريته على اقاليم العراق.

ومن الملفت للنظر ان الاحزاب الكردية التي تنادي بنظام برلماني في العراق الفدرالي هي نفسها طبقت نظام رئاسي في داخل الاقليم ، وذلك لانها تريد حكومة اقليم قوية داخل الاقليم وحكومة مركزية ضعيفة لباقي العراق !

اما الان فيبدو من خلال نفوذ التنظيمات والاحزاب الحالية انه من الصعوبة تغيير الدستور بالطرق الدستورية المنصوص عليها فيه وهو الحصول على موافقة غالبية ابناء الشعب وان لا يعارض تغيير النظام من برلماني الى رئاسي ثلثي ثلاث محافظات. ولكن الفرصة ما زالت سانحة لتكوين اقاليم قوية وبمجموعها تكون الدولة قوية ، فإن تأسيس اقليم وسط وجنوب العراق (اقليم الرافدين) بان يكون نظامه رئاسياً ، فينتخب ابناء هذه المناطق رئيساً لاقليم وسط وجنوب العراق ويتنعم هذا الاقليم بميزات النظام الرئاسي الذي يعمل على اشاعة العدالة والخدمات بين ابناء الاقليم. وكذلك فإن استقراء الاحداث الحالية تكشف عن ان المناطق الغربية ستشكل اقليماً بعد التخلص من داعش ، وهذا الاقليم ندعو ايضاص ان يكون بنظام رئاسي ، فتكون جميع اقليم العراق بنظام رئاسي. وعندما يرى الشعب ان اقليمه تعيش الازدهار والتقدم من خلال حكم النظام الرئاسي في اقليمه فحينئذٍ يمكن ان يقتنع بسهولة بان يكون نظام الدولة كله نظام رئاسي.

كما ان من ميزات تشكيل اقاليم ذات نظام رئاسي قوي هو الوقوف بوجه اي طامح بالسلطة من خلال مغامرات الانقلابات العسكرية في العاصمة لان القوات العسكرية في الاقاليم العراقية يمكنها احباط اي مغامرة عسكرية يقوم بها اي مغامر في العاصمة.

إنَّ تأسيس اقليم الرافدين في وسط وجنوب العراق بنظامه الرئاسي القوي هو المرحلة الاولى للنظام الرئاسي في العراق كله.

 

 

الصفحة الرئيسية