بسم الله الرحمن الرحيم

 

في مصـر افترقنـــا

 

نبيـل الكرخي

لا يخفى على المتتبع للاحداث التي تجري في الشرق الاوسط ولاسيما دول العالم الاسلامي العربية ان هناك معادلات سياسية متداخلة وصعبة الفهم او القبول ، لعل ابرزها التقاء نظام الرئيس المصري السابق محمد مرسي مع نظام المملكة السعودية في دعم القوى السلفية المعارضة في سوريا رغم موقف العداء المتبادل بينهما لدرجة ترحيب ودعم المملكة السعودية لانقلاب السيسي على مرسي ، ثم ما يقال من تنسيق نظام السيسي مع النظام السوري من اجل قمع الارهاب السلفي !

وعلى صعيد آخر ، سبق للرئيس المصري الاسبق حسني مبارك ان دخل في مرحلة المواجهة والخصومة مع الشيعة حينما صرّح سنة 2006م ان ولاء الشيعة ليس لأوطانهم انما لايران ! واستمر التحشيد الاعلامي ضد ايران بدوافع سياسية ودينية متعددة لمختلف الجهات السياسية والدينية الاقليمية والدولية. واستمر الشيعة يحاولون التبروء من تهمة الولاء لايران ، ويحرصون على التمييز بين الولاء لدولة والولاء لمرجع ديني يتبعونه في فتاواه الشرعية كالسيد الخميني والسيد الخامنئي غير أن الاخرين لا يعبأون بذلك حتى لو كان كلام الشيعة في هذا المجال صحيحاً ومنطقياً. نعم الآخرون يقبلون من المسيحي ان يكون ولائه لبابا روما في الفاتيكان ويقبلون للسوري او الاردني او العراقي ان يكون مرجعه الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة السعودية ولكنهم لا يقبلون لعراقي او لبناني ان يرجع بتقليده الى السيد الخميني أو السيد الخامنئي !

لقد تعلمنا منذ زمان بعيد انَّ خصومنا نحن الشيعة لن يرضوا عنّا مهما فعلنا ومهما تنازلنا لهم عن مواقف او قرارات بما لا يتعارض مع الشريعة المقدسة ، وكذلك فقد اعتدنا ان تكون لنا مواقفنا الخاصة سواء اتفقت مع ايران وسياستها او اختلفت معها. ومن الطبيعي ان نجد ان غالبية المواقف الايرانية هي مواقف واقعية ومسؤولة وذات مقبولية في الشارع الشيعي ، فموضوع الملف النووي الايراني لا يمكن لمنصف ان يعارض ايران فيه او ان يمنعها حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية. واما تحالفات ايران مع سوريا وحزب الله وعلاقاتها مع جميع القوى الثورية المناهضة لامريكا كشافيز رئيس فنزويلا الراحل ، فهي تحالفات منطقية ومبدئية فالجميع مناهضون للولايات المتحدة الامريكية وحليفها الدائم الكيان الصهيوني.

انه من السهولة ان نفهم السياسة الايرانية وان نتفاعل معها فغالبية المواقف الايرانية هي مواقف نابعة من شعور بالمسؤولية تجاه قضايا الشعوب المظلومة وفي مقدمتها قضية الشعب المسلم في فلسطين المسلوب الارض والقدس والوطن. واما دعم السياسة الايرانية لبعض القوى في العراق فهو يصب في اطار مناهضة امريكا المحتلة للعراق والمتحالفة دائما مع الكيان الصهيوني.

واما بخصوص سياسة ايران وعلاقاتها مع القوى الاسلامية المختلفة معها في المذهب فإنَّ ايران تنطلق دائما من مبدأ الوحدة الاسلامية ، فنجدها تمد يد العون والمساعدة والتحالف مع حماس في فلسطين ومع الاخوان المسلمين في مصر ومع حزب النهضة في تونس وغيرها من التنظيمات الاسلامية اينما وجدت. فايران لديها استعداد للوقوف مع جميع المسلمين في قضاياهم لأنها تعتبر ان قضاياهم هي قضاياها ايضاً ومنطلقها في ذلك منطلق اسلامي وشرعي مبني على مبدأ الوحدة الاسلامية التي تتعامل معها تعاملاً حقيقياً وواقعياً وليس مجرد شعار مرفوع كما يفعل البعض هنا او هناك. ولذلك احببنا السياسة الايرانية ووجدناها سياسة مبدئية وعقلانية ومنسجمة مع الاسلام وتعاليمه. وكانت مواقف عموم الشيعة في مختلف الدول مؤيدة للمواقف الايرانية ويمكن لهم تبرير التوجهات الايرانية وسياستها بضمير مرتاح ، ليس على سبيل الولاء المكذوب على الشيعة بل على سبيل التماثل في الافكار والمنطلقات المبدئية المشتركة ولا سيما مبدأ الوحدة الاسلامية.

غير أنَّ ما حدث في مصر في الفترة الاخيرة ومنذ تولي الرئيس السابق محمد مرسي الحكم جعل هناك افتراق في الرؤى ، ففي الوقت الذي دعمت ايران الاخوان وحكم مرسي ، وحتى بعد سقوطه ، نجد ان موقفها هذا اصبح في اتجاه يخالف الاتجاه الذي سلكه الشيعة المصريون الذين اعلنوا دعمهم لحركة تمرد ومن ثم كانوا من اشد الناس فرحاً بسقوط نظام الاخوان الطائفي واستيلاء السيسي على السلطة.

ان من يتتبع تاريخ الاخوان المسلمين يمكنه تمييز فترتين مختلفتين لهم فيما يتعلق بموضوع الوحدة الاسلامية والعلاقة بين السنة والشيعة ، فقد عُرِفَ الاخوان المسلمين منذ زمن حسن البنا والمرشدين الذين تولوا قيادة التنظيم بعده بميلهم الى مبدأ التقريب بين الشيعة والسنة وانه لم يصدر عنهم سابقاً بصورة رسمية اي تصريح طائفي ضد الشيعة ، وكان المرشدون العامّون للتنظيم بصورة عامة منسجمين مع مبدأ الوحدة الاسلامية مع الشيعة والاعتراف بالمذهب الجعفري مذهباً اسلامياً. غير ان ماجرى بعد وصول تنظيم الاخوان للحكم وخضوعهم لضغوط التيارات السلفية داخل مصر او خارجها جعلهم يسلكون في طريق إفتعال مواجهة مع وهم "المد الشيعي" وبدأوا بتسليط الظلم على المصريين الشيعة لدرجة ان الداعية السلفي الشيخ وحيد بالي يصرّح علانيةً بأن هناك تعليمات من الرئيس مرسي بتتبع الشيعة المصريين واعتقالهم والتضييق عليهم ومنع اي نشاط ديني لهم ، وهو منهج طائفي مقيت يدل على مدى الخوف والهلع الذي انتابهم من الشيعة ومدى انجرافهم وراء الضغوط التي سلطها الاخرون عليهم ، وما قضية مقتل الشيخ حسن شحاتة (رحمه الله) إلا خلاصة الحقد المذهبي الذي امتلئت به قلوب بعض الناس المخدوعين نتيجة الضخ الاعلامي والتعليمات الدينية المركزة التي يتلقونها ضد الشيعة والتشيّع والمد الشيعي في القنوات الدينية وخطب الجمعة التي يحضرونها اسبوعياً ! وفي مصر حوالي 77674 مسجد وقيل 106000 مسجداً وزاوية ، اي ان هذا العدد الهائل من المساجد الذي يسيطر على غالبيته الحركات السلفية والاخوان يضخ اسبوعياً في اذهان المصلين خطاب كراهية ضد الشيعة وتخويف من المد الشيعي المزعوم والتحريض عليهم. لقد حولّت منابر الجمعة مصر في ظل هذا العدد الكبير من المساجد الى مرجل او قزان يغلي ضد الشيعة ، فكان اول وآخر ضحايا حكمهم البغيض هو الشهيد الشيخ حسن شحاته ورفاقه الكرام (رحمهم الله جميعاً).

إزاء ذلك لا يمكن ان نتوقع ان الشيعة المصريين يمكن ان يدافعوا عن نظام طائفي مثل نظام مرسي بل وجدناهم منذ البداية من الداعمين لحركة تمرد علانية ومن المؤيدين للانقلاب العسكري ، كيف لا وفيه خلاصهم من ظلم الاخوان وطائفية نظامهم ، كما سبق للعراقيين الشيعة ان فرحوا بسقوط نظام صدام ، ذلك النظام الظالم الشديد والعنيد ضد التشيّع ، واذا كان حزب البعث العراقي حزب فاشي فإن نظام صدام هو إكسير الفاشية في العراق ، وهو الذي تسبب بما سلطه من ظلم وفتك على العراقيين أن جعلهم يفرحون بسقوطه رغم مرارة الاحتلال.

ولذلك من المستبعد ان يتفق الشيعة في مصر مع سياسة ايران الداعمة لنظام الاخوان الطائفي ، وكَتَبَ العديد من المستبصرين المصريين الشيعة مقالات منتقدين فيها ايران وكانوا يأملون لو ان ايران التي كانوا يتفقون مع سياستها في المنطقة تتخذ طريقاً آخر لا يصب في صالح الاخوان الطائفيين في مصر ، وان تتعامل ايران بطريقة مختلفة مع الاحداث. وحتى القوى السياسية العلمانية المصرية قد تجد نفسها في موقف حرج من ايران ، فعلى سبيل المثال كلنا يعلم موقف الحركات السلفية المصرية الممانع لاقامة حركة سياحية بين مصر وايران ، وثارت ثائرتهم بسبب اقامة مشروع رحلات سياحية ايرانية تزور الاماكن "الاثرية حصراً" في مصر. وكان السياسيون المصريون العلمانيون بالضد منهم مؤيدين لحركة السياحة مع مصر لدرجة ان المرشح السابق للرئاسة حمدين صباحي اعلن في لقاء مع أحد البرامج المصرية موقفه المؤيد وبشدّة لحركة السياحة مع ايران وليست السياحة الآثارية فقط بل والسياحة الدينية ايضاً وانها ستنعش الاقتصاد المصري ومصدر دخل قومي مهم ، وانها تحسن المستوى المعاشي لقطاعات واسعة في المجتمع المصري الذين يمتهنون مختلف المهن في مناطق السياحة الدينية والاثارية.

فلم تتمكن ايران من استثمار علاقاتها الجيدة ايام الرئيس مرسي بتخفيف الضغط الامني الذي مارسته اجهزة الامن المصري ضد المصريين الشيعة والدفع باتجاه اقامة سياحة دينية وآثارية بين الطرفين كما انها وقفت في موقف معادي للنظام الجديد الذي تأسس بعد انقلاب السيسي بإعلانها دعمها لتنظيم الاخوان في مواجهته مع السلطة الانقلابية. فوجد المصريون الشيعة انفسهم في الحالتين وحيدين في الساحة ، ففي زمن الاخوان كانوا مطاردين من نظام مرسي الذي تؤيده ايران ، وبعد سقوط نظام مرسي وجدوا انفسهم بعيدين عن مواقف ايران المخاصمة للنظام الجديد في مصر. ولذلك يمكن اعتبار هذه المرحلة من اهم المراحل التي يعيشها الشيعة المصريون والتي تساهم في بلورة شخصيتهم المستقلة. نعم شخصيتهم هي مستقلة منذ البداية ولكن هذه الاحداث ساهمت في بلورة هذه الاستقلالية وتأكيدها وتوجيه الضربة القاضية لوهم التبعية لايران. فلم يعد احد يتمكن ان يحارب التشيّع في مصر بدعوى انتمائهم لايران التي تخلّت عنهم لصالح الاخوان.

لقد اثبت المصريون الشيعة استقلالية مواقفهم بدعمهم لحركة تمرد ورفضهم الخضوع لحكم طائفي بغيض يهدد وجودهم ، وانهم ناضجون يختارون طريقهم في الحياة ولا يحتاجون لوصاية من أحد لياخذ بيدهم بل هم على مستوى المسؤولية الحضارية والتاريخية. ولم يعد يتمكن بعد اليوم احد من اتهامهم في وطنيتهم أو في ولائهم.

اما القيادة الايرانية فقد اثبتت انها بتعاملها مع الاحداث الجارية في مصر وبدعمها لتنظيم الاخوان وما خسرته من علاقة سياسية آنيّة مع النظام المصري الجديد وتدهور العلاقة مع المصريين الشيعة ، اثبتت من وراء كل ذلك انها قيادة مبدئية عاقلة وحكيمة ، بل قد لا ابالغ اذا قلت انها قيادة عبقرية مسددة ، فما كسبته وما ستكسبه من كل هذه المواقف والاحداث يعود بالفوائد اكثر مما يعود بالمضار. فمن جانب نجدها قد اكدّت مبدئيتها وثباتها وان ما ترفعه من شعارات الوحدة الاسلامية انما تعنيها حقاً ولا تتاجر بها ، فسياستها ليست براغماتية نفعية بل هي مبدئية ، ولو كانت براغماتية لكانت من اول المؤيدين لسقوط نظام الاخوان ومد يد العون للنظام الجديد ليفتح ابواب مصر السياحية والاقتصادية لها ، ولكنها لم تفعل ذلك وفضّلت الموقف المبدئي الذي ستكسب به قلوب المسلمين من المذاهب الاخرى في العالم الاسلامي حينما يشاهدونها وهي تقف الى جانب قضاياهم في احلك الظروف ، وهو ما يساهم في طمس سلبيات اجواء "المد الشيعي" المختلق. فلو كانت ايران تدعم المد الشيعي في مصر لكانت من اسعد الدول بسقوط نظام الاخوان الطائفي وفتح ابواب مصر لها ، ولكن ذلك لم يحدث ولم يكن مسعى القيادة الايرانية.

ومن جانب آخر فقد اثبتت ايران لكل القوى الاسلامية انها ليست معنية بموضوع نشر التشيّع او تنمية المد الشيعي في الدول ذات الغالبية السنيّة ، وان سياستها لا تتفق مع هذا الاتجاه وان ما يحدث من انتشار للتشيّع في تلك الدول انما هو حركة طبيعية لاشخاص يقتنعون بصحة هذا الاتجاه الفكري او ذاك ، وان القضية فكرية بحتة ففي كل فترة زمنية يظهر اتجاه فكري ينتشر بين الناس ، فقبل سبعين سنة كان الفكر الماركسي هو صاحب الانتشار ، وقبل ثلاثين سنة اصبح المد السلفي هو الابرز في الساحة ، اما الان فالمد والانتشار الشيعي هو الملاحظ وهذا جزء من الحراك الفكري الطبيعي للامة.

واما بخصوص تردي العلاقة بين ايران وبين المصريين الشيعة فالقضية لا تتجاوز مبدأ خرق السفينة ، وأعني به قصة النبي موسى (عليه السلام) الذي قال لمن قبل ان يصحبه في القصة القرآنية الشهيرة: ((فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً)) فاجابه صاحبه: ((قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)). فكان مبدأ خرق السفينة الذي يعني جلب المنافع غير المتوقعة او غير الملحوظة. وهكذا كان حال تردي العلاقة بين ايران وبين المصريين الشيعة ، فايران بدعمها للنظام الطائفي الذي كان يقوده الرئيس السابق محمود مرسي وبدعمها حالياً لتنظيم الاخوان المسلمين ضد الانقلابيين انما قد اطلقت الحرية للمصريين الشيعة واخرجتهم من اجواء تهمة الولاء لها ، تلك الاجواء التي طالما اتهمهم بها خصومهم ، والتي سكب البنزين على نارها الرئيس الاسبق حسني مبارك بتصريحه البغيض الذي يتهم فيه الشيعة بالولاء لايران.

لقد كان المصريون الشيعة منذ بداية اعتناقهم للتشيّع مستقلون عن ايران رغم التهمة الجاهزة التي واجههم بها خصومهم والمشككة في ولائهم لبلدانهم ، وما زال المصريون الشيعة مستقلون في امرهم وقاضاياهم. إذن هم لم يتضرروا من الموقف الايراني لا قديماً ولا حديثاً ، ولذلك فليست هناك فجوة او مشكلة كبيرة تفصلهما بل هو فقط اختلاف في الرؤى وفي تقييم القضايا والاحداث. فكل طرف يتعامل مع الاحداث من وجهة نظره وتقييمه للقضايا.

لقد افترقنا مع ايران في الموقف من مصر ونظامها الجديد وما يجري فيها ، ولكننا لم نفترق مع ايران في حب الاسلام والمسلمين والدعوة للوحدة الاسلامية الحقيقية ، ونبذ الطائفية والكراهية. لم نفترق في حب الخير والانسانية ، ولم نفترق في ضرورة تولي الشعوب مسؤوليتها الحضارية والتاريخية.
 


 

الصفحة الرئيسية