بسم الله الرحمن الرحيم

 

من نور حياة الامام موسى الكاظم (عليه السلام)

 

نبيـل الكرخي

كم تحتاج الانسانية جميعها اليوم ان تقتبس من سيرة حياة أئمة آل البيت الاطهار(عليهم السلام) لتعزيز المعاني السامية التي يحتاجها الناس اليوم في حياتهم ، حاضرهم ومستقبلهم ، فهم النموذج الامثل الذي يعبد طريق الحق والحرية والعدالة ليسير الناس فيه مطمئنين يعمرون الارض ويبنون مجدهم الحضاري وينالون رضوان الله عزَّ وجل في الدنيا والآخرة.
فمن خلال دراسة حياة امامنا موسى الكاظم (عليه السلام) يتبين لنا عظمة الاسلام الذي ضحى من اجله كل الائمة المعصومين الاطهار (عليهم السلام) ويتبين لنا كيف ان للجهاد ساحات عديدة حيث تكون في احداها الكلمة الصادقة هي السلاح الفعال الذي يُنتَصر به على اعداء الله جلَّ شأنه وخصوم دينه العظيم الاسلام المحمدي الاصيل.
لقد كان للامام الكاظم (عليه السلام) محوريته في الحياة الاسلامية في عصره رغم ان السلطة الحاكمة والتاريخ المزيف الذي كتبته حاولت فيه ان تطمس هذه الحقيقة ولكن يأبى الله الا ان يُظهِر نوره ويُتِم نوره ، ففي ادبيات الاخوة في مذهب اهل السنة هناك نصوص عديدة تبين المكانة العظيمة التي يتمتع بها الامام موسى الكاظم (عليه السلام) في الوسط الاجتماعي والديني في ذلك العصر ، وان الجميع متفق على علو مكانته في حياته الشريفه وبعد وفاته ، وان الاخوة من اهل السنة لم يتعاملوا معه باعتباره رجلاً من الصالحين ضمن سياق رجال آخرين بل ان كلماتهم ووصفهم لمكانته تبين ان وجوده في حياته الشريفة وبعد استشهاده له منزلة عظيمة لا تدانيها منازل الاخرين ، منزلة العلم والحلم والحكمة والاحسان ، منزلة الاستحواذ على افئدة الناس ، وهي المنزلة التي عجز طغاة عصره عن الوصول اليها ، بل عجز طغاة كل العصور من الحصول على هذه المنزلة الفريدة ، وكلنا يتذكر جده الامام علي السجاد (عليه السلام) وكيف انفرج الناس له ليستلم الحجر الاسود فيما عجز احد طغاة عصره وهو هشام بن عبد الملك من الوصول اليه ... انها ذرية بعضها من بعض.
وحتى القبر الشريف لامامنا الكاظم (عليه السلام) له منزلة متميزة فقد شهد الجميع وفي المقدمة علماء اخوتنا اهل السنة بأن الدعاء عنده مستجاب والحوائج عنده مقضية ، هناك حيث تجتمع الملائكة وتهبط الرحمة وتُغفَر الذنوب.
فكان حقيقاً علينا ان نتخذ من يوم استشهاده الاليم مناسبة لجمع صفوف المسلمين تحت راية التوحيد والوحدة وهذا اشد ما يخشى منه اعداؤنا أي توحيدنا ووحدتنا لأن كل خططهم ومكرهم انما تصب من اجل ان نترك التوحيد وننبذ الاسلام المحمدي ونستبدله باسلام غربي مصنوع من قبل حداثيين ديدنهم الفسق والفجور وان نتشتت فيما بيننا لأن تشتتنا يقويهم وتفرقنا يمكنهم من ان يكونوا اسياداً علينا.
ان الوجود المبارك للامام الكاظم (عليه السلام) في عصره بحد ذاته كان يمثل عقبة كبيرة امام اهل الاهواء والفتن واصحاب المعاصي ودعاة الفجور الذي كان يتم برعاية السلطة العباسية الحاكمة ، وان سلسلسة السجون التي حاولوا تغييبه فيها كانت من اجل ازالة تلك العقبة من المجتمع لاطلاق يد الفساق والفجور والملحدين فيه عداءاً منهم لدين جده الامين (صلى الله عليه وآله) ، لقد خافه طغاة عصره وهو في سجنه ، وخافه طغاة كل العصور وهو في قبره الشريف.
لقد تمتع الامام الكاظم (عليه السلام) بشخصية عظيمة جعلت منه قادراً بكلمة واحدة على تغيير الموازين ، فكلمة واحدة كانت تنقذ وتهدي انساناً غارقاً في المعاصي والمجون وكلمة واحدة كانت تدحض عقائد الملحدين والدهريين وتهدم محاولاتهم الفكرية والتشكيكية المضادة للاسلام المحمدي الاصيل ، فكانت الكلمة الصادرة عن الامام المعصوم (ارواحنا له الفداء) تصلح ما سعوا عقوداً طويلة لافساده ولذلك كادوا له ايّما كيد ولم يكتفوا بسجنه لأنهم يعلمون انه من داخل السجن ما زال يستحوذ على القلوب والافئدة وانه من داخل السجن ما زال العائق الكبير والسد العظيم الذي يقف امام انتشار موجات الالحاد والمجون التي كانوا يخططون لأن تسود في المجتمع الاسلامي كله من المشرق الى المغرب. لقد كانت الافكار الحداثية منذ ذلك الوقت قائمة في اذهان السلطة العباسية الحاكمة واذهان خصوم الاسلام واعداؤه وكان الامام المغيّب هو العائق الوحيد امامها فلم يكتفوا بسجنه وتغييبه بل عمدوا الى قتله في نهاية المطاف.
انَّ لجوء الظالمين الى قتل الامام الكاظم (عليه السلام) بعد سنوات من سجنه يبين بوضوح ان للوجود المبارك للامام (عليه السلام) فائدة عظمى رغم غيبته القسرية ورغم انقطاعه عن الناس ورغم عدم مباشرته لوظيفة الامامة القيادية والاصلاحية بسبب ظروف التغييب ... هل يبين لنا هذا شيئاً ما ؟ نعم انها نفس ظروف غيبة امامنا المهدي (عجّل الله سبحانه فرجه الشريف) ونفس الفائدة من وجوده المبارك ولذلك لو علم الظالمون مكانه الشريف اليوم لسعوا ايضاً الى قتله رغم عدم مباشرته لوظيفة الامامة. انه الوجود المبارك للامام (عليه السلام) والذي يحفظ الامة ويمنع عنها الانزلاق وراء الفتن والاهواء ويحفظ الكيان الاسلامي العظيم قائماً رغم كيد الكائدين وما يتمتعون به من سلطات طاغوتية ومكر عالمي واموال لا تنضب.
ان الجهاد الذي قام به الامام الكاظم (عليه السلام) هو جهاد فكري وعبادي ولقد اسر القلوب بعبادته وتقواه وعقيدته وفكره وكلمته الصادقة التي تبين للناس ما اختلفوا فيه ، وما اجدرنا اليوم ونحن نعيش ظروفاً مقاربة لظروف ذلك الزمان ان نتأسى به (صلوات الله عليه) في الجهاد الفكري والتصدي لمواطن الفتن والفجور والمجون وللثقافات الغربية المستوردة تحت عنوان الحداثة والمعاصرة لا سيما واننا نعيش اليوم في مجتمع يتمتع بصفات مشابهة للمجتمع المعاصر لحياة الامام موسى الكاظم (عليه السلام) حيث تنتشر محلات الخمور واماكن الفجور الصريحة والمبطنة كالملاهي والنوادي الليلية وبعض المطاعم المشبوهة والمسكوت عنها من قبل الدولة تحت ذريعة الحريات العامة ، كما ان الدولة التي يفترض بها انها ترعى مصالح الشعب تقوم برعاية موجات الالحاد والتشكيك في الدين عبر غضها النظر عن نشر الكتب المعادية للدين والمشككة فيه والطاعنة فيه بصورة علنية في شارع المتنبي وغيره ، فما احرانا اليوم ان نقتدي بالامام موسى الكاظم (عليه السلام) في جهاده من اجل الاصلاح الاجتماعي بتكاتفنا من اجل مساعدة ورعاية ايتامنا واراملنا وفقرائنا ومحتاجينا والعمل الجاد على ابطال موجات الالحاد والتشكيك بالدين بإقامتنا للحوارات العقلائية وبياننا للحجة الواضحة المتينة وشرح مبانينا الاسلامية الاصيلة وتفعيلنا لوظيفتنا الشرعية في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه انتشار اماكن الفجور ومظاهره ومحلات الخمور ، ومطالبتنا بالعدالة لجميع فئات الشعب والحرية المبنية على الاخلاق الاسلامية القويمة.


 

الصفحة الرئيسية